2015/04/25

مسّ من الجن (9)



(الحلقة التاسعة)
ما يقوله شيوخ الدين عن التعويذة (الرقية)

 عندما يغلق المرء عليه نوافذ بيته فإنّه بذلك يمنع الضوء والشمس من الدخول إليه، فيعيش مكتئباً في الظلام، وعندما يقفل باب بيته أمام الناس فإنّ الناس تهجره وبذلك يموت منعزلاّ بناتج أفكاره. عندما يضيق العالم حول الإنسان فإنّه يتحوّل إلى معتقد بالخرافات والدجل ويصدّق كل ما يقال له بدون أن يمتلك المقدرة على النقاش.
من خلال ما أكتبه في هذه السلسلة وجدت بأنّه يتحتّم عليّ التعمّق كثيراً فيما يكتبه شيوخ الدين وفي كيفيّة تفكيرهم، وبهذا فقد وجدت نفسي أدخل عوالم ما كنت أجد الوقت أو الرغبة لسبر أغوارها. هذا العالم الذي وجدت نفسي أتجوّل بين ثناياه أكتشفت بأنّه عالم فيه الكثير من الخيال وفيه الكثير من الخرافات وفيه الكثير من التعمية وإنعدام الرغبة في البحث عن الحقيقة.
إكتشفت من خلال عالم شيوخ الدين بأنّهم بالفعل يعيشون في عالم أدق ما يمكن وصفي له بأنّه عالم "إفتراضي" بعيد كل البعد عن الواقع المعاش، وربّما هو معزول أيضاً عن عموم الناس. إكتشفت في عالم الشيوخ أيضاً بأنّ الكثير منهم هم من المختالين والمغترّين ولم أتمكّن من تفسير ذلك. تزور موضع هذا الإليكتروني فتجده يكتب: العلّامة الأستاذ الدكتور الشيخ فلان... تلك الصفات التي يمنحها شيخ الدين لنفسه أرى فيها الكثير من الغرور والترفّع بما يعكس أن هؤلاء الناس هم بالفعل يعيشون في عالم إفتراضي بعيداً كل البعد عن الواقع.
أنا سافرت كثيراً وإختلطت بحكم عملي بالكثير من الشخصيّات المرموقة في عالم الطب، وتحادثت كثيراً مع آساتذة في علوم الطب وعلوم المخ والأعصاب على وجه الخصوص، وكان من بينهم روّاد في مجالات تخصّصهم الرفيعة، ومنهم من يحمل شهائد تخصّصيّة عليا ورفيعة تحصّلوا عليها من خلال أبحاثهم الرائدة ونتائج تلك الأبحاث التي غيّرت بالفعل وجه العالم في الكثير من المجالات؛ لكن الشئ المهم لدى أغلب هؤلاء أنّهم قمّة في التواضع وقمّة في الإنسانيّة ولا يمكنك إطلاقاً أن تسمع من أحدهم يقول لك بأنّه أستاذ أو علّامة أو أنّه أبدع في كذا أو كذا. حينما تناقشهم يستمعون إليك ويتعلّمون منك مثل ما يعلّمونك ولا يترفّعوا عليك إطلاقاً. كلّما ألتقي بهؤلاء الآساتذة الحقيقيّين أحسّ بأنّهم أمثلة يحتذى بها في التواضع، على عكس الكثير من شيوخ ديننا الذين وللأسف تجدهم يترفّعون عليك، وحينما تناقشهم لا يناقشونك على أساس أنّك لست فقيهاً في الدين ولم تكن ملمّاً بأصول الدين وما إليها من عبارات الترفّع والمكابرة حتى تجد نفسك تحتقرهم من كثرة تكبّرهم.
أعود وأقول بأنّني من خلال تجوالي في مواقعهم الإليكترونيّة وقراءتي لما يكتبون وما يفتون به إكتشفت بأنّني بالفعل دخلت عوالم مظلمة تقيم بداخلها عقول متخلّفة بكل معنى الكلمة. أناس مازالوا يعيشون بعقليّة التكهّن والتصوّر والتخمين والظن، لكنّهم أبداً لا يجيدون التدبّر والتحدّي والبحث عن اليقين.... إنّهم من يؤمن بشئ إسمّه "مسلّمات"، ومسلّماتهم هي أشياء يحتسبونها يقينيّة يتجنّبوا الخوض فيها عساها أن تكون سبباً لإدخال الشك في إيمانهم وقوّة معتقداتهم. 
الكثير من هؤلاء الشيوخ عادة ما ينسون أو يتناسون مجادلة سيّدنا إبراهيم عليه السلام مع ربّه حينما تجرّأ سيّدنا إبراهيم وطلب من الرب بأن يريه كيف يحيي الموتى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ}، ذلك هو النوع من علماء الدين الذين أريد أن أراهم وأن أقرأ لهم. شيوخ يستطيعون السؤال عن كل شئ، والبحث في كل شئ، والبرهنة اليقينيّة عن الكثير من كل شئ.

أقول بأنّني من خلال مروري بصفحات ومواقع الكثير منهم تعرّفت على الكثير  من كيفيّة تفكيرهم وإحتسابهم للأمور، ووجدت نفسي بذلك أرفع الغطاء عمّا كان يختبئ تحته، والذي كان يختبئ تحت ذلك الغطاء وللأسف إكتشفت بأنّه عالم موغل في التخلّف وأعتقد بأنّه سبب مهم وجوهري لهذا التردّي والتخلّف والتناحر الذي يعيشه عالمنا الإسلامي والعربي.        

وهذه أمثلة من أقول الشيوخ في موضوع التعويذة أو ما يفضّلون تسميته ب"الرقية":

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ان الرقى والتمائم والتولة شرك". إذا كان هذا الحديث صحيحاً، فكيف يحق لأي شيخ دين أن يقرأ التعويذات بإعتبارها "رقية"، بل ويعتبرها علاجاً "لكل الأمراض والأسقام"؟.
ويقول الدكتور مصطفي غلوش الأستاذ بكلية أصول الدين أنه فيما يختص بالعلاج بالقرآن أرجو أن ألفت الأنظار إلي أن النبي صلي الله عليه وسلم مرض لمدة ثلاثة أيام قبل أن يرفع إلي الرفيق الأعلي، (((((وما نقل))))) أحد من أزواجه أو عشيرته أو أصحابه - وكلّهم يقرأون القرآن ويحفظونه - أنهم تحلّقوا حول رسول الله صلي الله عليه وسلم وقرأ واحد منهم له القرآن بغية الشفاء، أو حتي أنهم جلسوا في المسجد النبوي في حلقات ذكر وقراءة بنية شفاء رسول الله صلي الله عليه وسلم. هذا الموقف يعطينا الفتيا من منبع النبوة أن (((التداوي يكون بالدواء)))، وأن الله خلق لكل داء دواء.
هذه الفتيا تجرّنا إلي أن من يدّعي غيرها إنّما هو مفتئت ومتقوّل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلي جوهر الدين. ومن هنا فإننا نقول وقلبنا مطمئن إنه ((((لا علاج بالقرآن الكريم)))) على النحو الذي نراه من بعض الناس الذي يضع بطاقات ويكتب في الوظيفة معالج بالقرآن الكريم أو الذي يتصدر القنوات الفضائية ويدّعي العلاج بالقرآن. ومن هنا أستطيع أن أقول إن دعوى العلاج بالقرآن دعوى عريضة ودعوى تفسير الأحلام تحتاج إلي رجل عالم صالح.
ويؤكد الدكتور يحيي أبو المعاطي العبّاسي أستاذ التاريخ الإسلامي أن التداوي بالقرآن الكريم والاستشفاء به من الأمراض والآفات عن طريق التلاوة أو القراءة لبعض سوره وآياته من الأمور التي كثر فيها الكلام ووقع فيها الجدال والخلاف بين مانع جملة وتفصيلا بأدلة وأقيسة عقلية فيما يتصور، وبين مغالٍ في الإجازة معتمدا علي بعض النصوص، وفريق وسط بين هذا وذاك.

وأود هنا أن أطرح عليكم رأياً تحليليّاً إلى حد ما وفيه الكثير من الشجاعة بخصوص موقع التعويذة "الرقية" من ناحية التصديق بها كسنّة أو إجتهاد أو موروث:

يقول أحد شيوخ الدين المرموقين: وقع الخلاف بين أهل العلم هل الرقى ووسائلها توقيف من الشارع أم أن الأصل الإجتهاد والتجربة فيها وفي كيفياتها ما لم تخرج إلى المحظور؟. ولنقرّب المسألة ببعض الأمثلة:
المثال الأوّل: لو كتب راقٍ بعض القرآن أو كلّه في ورقة بزعفران ونحوه ثم أعطاها للمريض حتى يبلّها بماء ثم يشربها، فإن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما حكمه؟.
المثال الثاني: القراءة التخييلية، وهي أن يقرأ الراقي على المريض القرآن، ويقول له: في أثناء قراءتي اذكر أسماء من يرد في خاطرك - والراقي ممسك بأحد عروق مفصل اليد - فيرد بين الفينة والأخرى أسماء وأشكال أشخاص يعرفهم المريض ، فيقول الراقي: هؤلاء أصابوك بعينٍ أو غير ذلك، وقد استعمل هذا النوع غير واحد من الرقاة عندنا فانتفع بذلك، وهذا أيضاً لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه ولا عن السلف، فما تتبعته بشدة.
المثال الثالث: رقية الكافر للمسلم، وقد جوزها الشافعي وجماعة، وكرهها مالك، وقال أبو بكر لليهودية التي ترقي عائشة: "أرقيها بكتاب الله".
المثال الرابع: الرقية بالأذكار التي ليست من الكتاب والسنة، والكلام الإنشائي الرصين العبارة مما يباح - إن انتفع به - هل يشرّع؟
فالأمثلة الثلاثة الأول للوسائل، والرابع للرقية نفسها، وينبغي أن يكون الكلام فيها واحداً.
ولم أر أحداً من الأئمة نصّ على هذه المسألة بعينها فيما فتّشته، والسبب في ذلك ماأخبرتك أن تعلق السلف بالكتاب والسنة كان سداً منيعاً أمام العلل والحوادث وحرصهم على عدم تعدي المنقول، ومع ذلك فقد أشارت النصوص إلى شيء من ذلك، وأومأ بعض المحققين إليه، وسأذكر ما وقفت عليه إن شاء الله وقبل بيان مأخذ المسألة وتفصيلها:
اعلم أن الرقية لو كان فيها محرم أو شرك فالإجماع قائم - في الجملة - على المنع، والذي يستدل به لمن قال بالتوقيف أمور ثلاثة:
1- أن ما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم الأصل رده، وباب الرقى قد بينت كيفياته في السنة.
2- أن في ذلك أموراً لا يُدرى ما هي، فالمنع مما لا يعرف في باب الرقى محل إجماع.
3- أن فتح الباب فيما لم يرد لا ينضبط، وهو مظنّة دخول ما يحرم وما يكون شركاً.
والذي يستدل به لمن قال بالاجتهاد أمور منها:
1- ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقالوا:" يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، (((وإنك نهيت عن الرقى)))، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً، من إستطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
ووجوه الدلالة من ثلاثة أقوال:
أ- قوله: "من استطاع.." وهذا من صيغ العموم.
ب- قوله: "فعرضوها عليه" ولو كانت مما شرع إبتداءً لم يعرضوها عليه، إذ هي معلومة عنده.
ت- قوله: "كانت عندنا" أي: في الجاهلية، كما هي ظاهر لا يخفى.
2- وروى مسلم أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعي، قال:" كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
ووجه الدلالة منه من ثلاثة أقوال أيضاً:
أ- قوله: "كنا نرقي في الجاهلية"، وهذا صريح أن رقيتهم لم يرد بها الشرع.
ب- قوله: "أ
عرضوا عليّ رقاكم" جليّ في أن تلك الرقى لم يرد بها الشرع أيضاً.
ت- قوله: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" وهذا ظاهر في إطلاق الإباحة في هذا الباب ما لم يكن في الرقى شرك.
3- ما تقدم في حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم_: "وما أدراك أنها رقية؟".
فيه إشارة إلى أنها إجتهاد من الراقي، ثم لو كانت توقيفية لما توقفوا في أخذ ما أعطي لهم من الأجرة حتى يسألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم بل لما سألوه عن ذلك أصلاً.
4- وروى أبو داود وأحمد من حديث الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال لي: "ألا تعلّمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة".
5- وروى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في رقية الحيّة لبني عمرو".
ففي هذين الخبرين دلالة على أن تلك الرقيتين لم تكونا بأمر الشرع، بل كانت من الاجتهاد، ولما لم تكن شركية ولا متضمّنة لمحظور أرخصت لهم، وهذا القدر كافٍ في الاستدلال على أن وسائل الرقى غير توقيفية

الاعتراضات والمناقشات:
قبل الخوض في ذلك لا بد من ذكر مقدّمات مسلّمات تشير إلى الصواب:
أولاً: إذا كان القولان في مسألةٍ ما، أحدهما مثبت، والآخر نافٍ، فالمثبت مقدم على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم.
ثانياً: إذا اشتبه الحظر بالإباحة غلّب جانب الحظر؛ صيانةً للدين.
ثالثاً: إذا أحتج لأحد القولين بالقواعد العامة للشريعة، وأحتج للآخر بالنصوص الخاصة، فإن العام لا ينافي الخاص، بل لكلٍّ وجهه.
رابعاً: الأصل أن المنافع مباحة، وكل ما عظم نفعه وقلّ ضرره أُطلق بابه للمكلفين، وعكسه كذلك.
خامساً: (((الرقى ضربٌ من ضروب الأدوية)))، وباب الدواء والعلاج في الأصل إجتهاد وتجربة.
إذا تأملت ذلك مع النصوص المتقدمة ظهر لك أن القول بأن الرقية ووسائلها (((إجتهادية))) هو الأظهر، بيد أن وضع ضوابط لذلك أمر لا بد منه، وسيأتي بيان هذا على وجه التفصيل، والجواب عما إحتج به في المنع سيأتي في الاعتراضات.
وأما الاعتراضات والمناقشات:
الاعتراض الأول: قال الحافظ ابن حجر: تمسّك قوم بهذا العموم - يعني حديث جابر الأول - فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف - يعني الذي قدمناه - أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطاً.
فهذا الاعتراض صحيح، إذ ما لا يعقل معناه أكثر ما يكون الدَّخَل منه، فمنعه من باب سد الذرائع، وفي كلام الحافظ إشارة إلى ترجيح ما إخترناه فتأمل.
الاعتراض الثاني:
إن قيل: إن حديث "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" لا يدل على إطلاق الإباحة، وإنما المراد بقوله: "لا بأس بالرقى" أي: مما شرع في السنّة، فيكون من العام الذي أريد به الخصوص، ولم يرد العموم، ولا إستيعاب جميع الرقى، بدلالة أنه إستثنى الشرك، ولم يستثن المحرمات، مع دخولها في الاستثناء من غير خلاف.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نفي العموم غير مسلّم، إذ الأصل في "ال" أن تكون للجنس المفيد للاستغراق.
الثاني: على مدّعي خلاف العموم الدليل، وما ثبت بدليل لا يرفعه إلا دليل.
الثالث: أن الجواب في كلام النبي صلى الله عليه وسلم واردٌ على الاجتهاد في الرقى، وهل يجوز التجربة فيها، فكان الجواب مناسباً لذلك بل أعم من ربط الحكم برقية معيّنة، ونبه على الشرك لقرب عهدهم به كما هو صريح في أول الحديث، ولم ينص على المحرمات؛ لأنه لا محرم فيما ذكره، ولو سلمنا ما قيل، فسيبقى الكلام على أحد أمرين:
إما أن هذا المسكوت عنه، وهو أن الرقى اجتهادية جائز في الشرع، فهذا ما قدمناه.
وإما أن هذا المسكوت عنه ممنوع فأين دليله؟ وأنت خبير بأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. 

يقول إبن تيميّة: إن العلاج بالقرآن والرقي يعتبر من أفضل الأعمال، فإنّه مازال الأنبياء والصالحون يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله ورسوله وهو من أعمال الأنبياء والصالحين. 
ويقول الدكتور الدكتور محمد بن عبدالرحمن الخميس – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / كلية أصول الدين / قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة: أن الناس في زماننا قد انتشرت بينهم أمراض كثيرة نتيجة الغفلة عن شرع الله والإعراض عن ذكره، والكثير منهم لا يلتفت إلى الرقية الشرعية، ولا يعبرها بالاً بل يكتفي بالأدوية المادية فقط، والبعض يطعن في إثبات العين وأثرها، ولا يشير باستعمال الرقية الشرعية، هذا مع أن الطب قد عجز عن كثير من هذه الأمراض.

وعن نوعية الأمراض، قال الدكتور حمدي محمد مراد أستاذ الحديث الشريف وعلومه في كلية الدعوة وأصول الدين، الأمراض ثلاثة:
1- مرض عضوي، ويتعالج بالوسائل المعروفة في علم الطب والتشخيص.
2- مرض نفسي، ناتج مرضه من المؤثّرات المحيطة، وهذا علاجه بالطب النفسي. كذلك يمكن علاجه بالموعظة الشرعيّة والقراءة القرآنيّة.
3- مرض نفسي، يعاني المريض فيه من بعض المشاعر المضطربة والتي قد يكون من بين الأسباب غير التي ذكرناها سابقا أن يكون السحر - ربما - فنحن لا ننكر وقوعه بشكل أو بآخر، ومثل هذا لا يجدي فيه سوى القران الكريم وما صح من الأدعية النبويّة والأذكار المأثورة... فيزيل الله بها أسباب هذا المرض بإذنه.
فان كان مريضا غير مدجّل ولا كاذب ولا مفتعل (متمارض) فهو حينئذ يعتبر مريضاً عضويّاً، وهذا علاجه عضوي بالطب العلاجي المتعارف عليه.

ويقول الدكتور الدكتور محمد بن عبدالرحمن الخميس - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / كلية أصول الدين / قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة: إن الناس في زماننا قد إنتشرت بينهم أمراضاً كثيرة نتيجة الغفلة عن شرع الله والإعراض عن ذكره، والكثير منهم لا يلتفت إلى الرقية الشرعية، ولا يعبرها بالاً بل يكتفي بالأدوية المادية فقط، والبعض يطعن في إثبات العين وأثرها، ولا يشير باستعمال الرقية الشرعية، هذا مع أن الطب قد عجز عن كثير من هذه الأمراض.
 
يقول صاحب موقع "ملتقى أهل السنّة والحديث" الإليكتروني: يتساء ل البعض عن حكم الاغتسال بالماء المقروء عليه وإهراقه، حيث يؤتى بماء وينفث أو (((يتفل فيه)))، ويمسح منه أو يغتسل به أو يهرق في آماكن الخلاء.
ويجيب قائلاً: عن محمد بن يوسف بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّ دخل على ثابت بن قيس - قال أحمد من بطحان - وهو مريض: فقال رسول الله: أكشف البأس رب الناس، ثمّ أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح ثم نفث فيه بماء ثم صبّه عليه.
وفي رسالة عن حكم السحر والكهانة وما يتعلق بهما، يقول الشيخ العلّامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز بعد أن ساق طريقة العلاج المتّبعة في علاج السحر وهي إستخدام سبع ورقات من السدر الأخضر وقراءة بعض الآيات : ( وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب منه ثلاث مرات ويغتسل بالباقي وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لإستعماله مرّتين أو أكثر)..... آه.
وفي موضوع الخلوة بالنساء وكشف موضع الرقية : كان الصالحون يخافون على أنفسهم من فتنة النساء رغم رسوخ أقدامهم، وكبر سنهم، وذهاب أبصارهم، والرقاة والمعالجون في هذا الزمان - إلا من رحم الله - لا يتحرّج أحدهم من الانفراد بالمرأة الأجنبية بغير محرم، ويتعللون بتعللات فاسدة ويتناسون حديث: ((أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ)).
قال ابن القيم - رحمه الله-: "ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال ((((أصل كل بلية وشر))))، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه (((((من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة)))))".

أمّا بخصوص من يقرأ الرقية، فيقول معالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان معالي فوزان: منهم من يرقي بواسطة التليفون أو الجوال، والرقية يشترط أن تكون مباشرة في حضور المريض وحضور الراقي، (((وأن ينفث عليه)))، وأن يقرأ من كتاب الله ويعوذه بالتعاويذ الشرعية مباشرة، أما في التليفون أو في الجوال ولا يدري أين هو ولا يعرفه فهذا خطر عظيم، سمعنا من يقرأ في الوايت مملوء بالماء، يقرأ فيه أو في الخزان، هذا تلاعب بالرقية إلى هذا الحد!! فيجب التنبؤ بهذه الأمور، ثم أيضاً مسألة الجوال أو الإنترنت قد ينشر من خلالهما ضلال وشر، اعمل كذا واعمل كذا، أو أنت مصاب بالسحر، أو أنت كذا وكذا، وأشد من ذلك ما حصل الآن من الفضائيات التي يستعملها السحرة والكهان والمنجمون وينشرون في الناس الشر والعقائد الباطلة، فيجب الحذر من هذه الأمور، لا تكون الرقية إلا عند أناس معروفين في علمهم وعقيدتهم وأمانتهم ومنشئهم؛ حتى تنضبط الرقية ولا يدخلها شيء من المحاذير الشرعية، فلنكن من هذا الأمر على حذر شديد. 

وبخصوص علاد الصرع بالرقية، قال الهيثمي : ( وإن كانت العزيمة أو الرقية مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به ، جازت قراءتها على المصروع وغيره وكتابتها كذلك ). هناك مخالفات وتجاوزات وبدع يقترفها بعضهم عند قراءة الرقية منها،(((((الإفراط في ضرب المصروع)))))، وإستخدام الخنق، والصعق بالكهرباء، أو بواسطة الضغط براحة القدم لعلاج المصروع، وقد (((((ثبت))))) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان (((((يضرب المصروع))))) إما بضربة من يده، وإما أن يضربه بمجمع ثوبه، ولم يثبت عنه غير هذا..
قال الشيخ محمد صفوت نور الدين - رحمه الله تعالى - رئيس أنصار السنة في مصر سابقاً: "إن ما يفعله كثير من الناس من ضرب وخنق وكي (((((وإسراف))))) في استخدام ذلك، فإنهم بهذا يخرجون عن الشرع الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولو كان الضرب هو المؤثر لكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بجلد المصروع، ولا يحتاج لرقيته، وخطر ذلك كبير، إضافة إلى عدم جوازه، فقد يموت بسبب نوبات الصرع، أو توقف عمل القلب، أو يحدث خلل في ضخ الدم، وقد يؤدي إلى شلل في الأعضاء الخارجية، إضافة إلى إهانة لآدمية الإنسان الذي كرمه الله تعالى".

 وأخيراً... أترككم مع هذه القراءة الممتعة:
إختلفت آراء علماء الأزهر حول مراكز الرقية الشرعية فبعضهم إتهمها بالتكسّب بالقرآن، والآخر بـممارسة السحر والدجل والشعوذة، والجميع إجتمع على أن الرقية الشرعية بالقرآن يقوم بها الشخص المريض نفسه، إلتقت "البوابة نيوز" مع أحد العاملين بتلك المراكز التي تعالج بالرقية الشرعية وعدد من علماء الأزهر وكانت هذه هي آراؤهم:
قال الشيخ مجدى زكى، أحد الدعاة العاملين في المؤسسة العلاجية للعلاج بالرقية الشرعية بالجيزة: إن مؤسستنا لا تعالج إلا بالقرآن الكريم فقط للشخص المصاب بالمس أو السحر، وذلك عن طريق الرقية الشرعية في جلسات قد تستغرق جلستين أو ثلاثة أو أكثر حسب حالة المريض، مضيفا أن الرقية قد تتم بقراءة بعض آيات القرآن على الماء أو العسل النحل ثم يعطى للشخص لتناوله كما جاء بالسنة النبوية المطهرة، وقد جاء أيضا في السنة استعمال ورق السدر في الرقية، أما آيات الرقية فمنها أوائل سورة البقرة وآية الكرسى وأول عشر آيات من سورة الصافات، وأول عشر آيات من سورة يس، والمعوذتين والإخلاص، وتختلف الآيات وتكرارها حسب حالة المريض ونوع المرض سواء بالسحر أو المس أو الحسد.
وأضاف زكى أن المؤسسة بها عدد من المشايخ المعالجين بالقرآن يقومون بعلاج الحالة المرضية في المؤسسة نفسها أو في منزله حسب حالته المرضية نظير مقابل مادى رمزى وليس للكسب الكبير، موضحا أن الرقية الشرعية تكون مسموعة ومقروءة يقوم الراقى بتلاوتها على المصاب، أما إذا وجدت شخصا يقوم بالهمس والتعزيم على أشياء معينة يطلبها من المريض فهذا سحر وليس رقية وهو دجل وشعوذة ونحن ننكر ذلك تماما ولا نعمل به لأنه محرم.
وأكد زكى أن علاج المس والسحر له طرق عديدة تختلف حسب المعالج فهناك من يعالج بالرقية الشرعية من القرآن الكريم وهى أصح الطرق، وهناك من يعالج بنظام الطلاسم وهو أن يأخذ إسم المريض ويعمل له طلسم، وهناك علاج للسحر بالسحر عن طريق جان قوى موجود على المعالج نفسه يجعله يسيطر على الجان الموجود على المريض، وهناك نوع آخر يكون المعالج عليه جان قوى يدخله في جسم المريض ليقوم بإخراج الجن الموجود على المريض بأن يتفق معه في معاهدة أو ما شابه ذلك، وهناك طرق أخرى يأمر فيها المعالج بأن يأتى المريض بالسحر أو العمل من مكان وجوده فقد يتواجد السحر في كفن ميت أو في بطن سمكة كما يزعمون، وهناك نوع أيضا يسمى العلاج بالأرقام الفلكية، وكل هذه الأنواع باطلة وخاطئة تماما لأنها نوع من السحر الذي نهى عنه الدين الإسلامى فيما عدا العلاج بالرقية الشرعية فهى من القرآن.
وقال الدكتور بكر زكى عوض، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف، لقد ورد في بعض النصوص النبوية أن بعض سور القرآن الكريم إذا تلاها الشخص على نفسه فإنها تقيه من مس الشيطان من ناحية ووساوسه من ناحية أخرى، وخص هاتين السورتين بالذكر وهما سورة الفلق والناس، على أن يقوم الإنسان بفعل هذا بنفسه، وقد ورد في السنة النبوية أن بعض الصحابة الكرام قام برقية رجل آخر قد لدغه ثعبان فبرئ منه إكراما للصحابى من ناحية وإكراما للنص القرآنى من ناحية ثانية، وقد أعطاهم هذا الرجل أعطية فتوقفوا عن تناولها فلما أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم أن يأكلوا منها.
وأوضح عوض أن السنة النبوية قد جاء فيها أن الإنسان قبل أن ينام يستحب له أن يقرأ آية الكرسى وسور الصمد والفلق والناس، وأن ينفخ أو ينفث في كفيه ويمسح بهما ما استطاع من جسده، ومثل ذلك نفعله أيضا مع الأطفال، أما فيما يتعلق بالمراكز التي أنشئت للعلاج من المس والسحر أو بالرقية الشرعية أو ما شابه ذلك فهى أقرب إلى النصب منها إلى مبادئ الإسلام، لأن كثيرا ممن يمارسون تلك الأعمال ليسوا بأصحاب فقه ولا وعى دينى ولا معرفة بأصول الرقية الشرعية من قريب ولا من بعيد، ومنهم أيضا من يدعى استخدامه الجن ليعالج به من هو ممسوس بجن آخر، فهذا الشخص مريض يحتاج إلى علاج لأن عليه جنا يستخدمه، فلو كان قادرا على نفع غيره وشفائه فلماذا لا يفعل ذلك في حق نفسه المريضة.
وأرجع عوض السبب في لجوء المسلمين إلى هذه المراكز في ضعف وعيهم بدينهم، وبخاصة أننا نجد ذلك واضحا في الإعلان عن هذه المراكز في الشوارع أو في مجلات وصحف، ويقال إنها مركز للعلاج بالرقية الشرعية أو العلاج الروحانى أو السحر والمس، فكل ذلك ناتج عن انحدار ثقافى وقلة الوعى الدينى، أو (((أزمة نفسية يعيشها الإنسان فيتوهم بأنه ممسوس))).
وأكد عميد كلية أصول الدين أن الرقية الشرعية لا بد أن يقوم بها الإنسان لعلاج نفسه، ولا يمكن أن تغنى عن الطب والعلاج فهناك بعض المراكز تزعم أنها قادرة على إجراء عمليات جراحية لبعض مرضى القب والمخ أو الكبد ويقولون إن الشفاء يتم بلا مشرط أو إجراء عملية جراحية، فأنا أقول إن ذلك مخالف جملة وتفصيلا لسنن الله جل وعلا، ولو كان أصحاب هذه المراكز على ثقة من كلامهم فلماذا لا يقومون بالتوجه لمستشفيات الأورام وعلاج المرضى هناك حتى يوفروا على الدولة ما ينفق على علاج المرضى بالمليارات.
فيما قال الدكتور سالم عبدالجليل، وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، إن هناك رقية شرعية في الدين الإسلامى وتكون بالقرآن الكريم، فإذا أصيب الإنسان بوسوسة من الشيطان أو مس أو سحر أو ما شابه ذلك نكتفى بقراءة سورة البقرة؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "سورة البقرة لا تستطيعها البطلة" أي السحرة، بأن يقوم الشخص المريض نفسه بقراءتها بتأن وبتدبر (((فيصرف الله تعالى ما به من مرض)))، وبالتالى فإن الرقية الشرعية يقوم بها المريض نفسه ولا يقوم بها غيره وذلك بقراءة الفاتحة والمعوذتين صباحا ومساء ثلاث مرات فلو فعل هذا بيقين لن يحتاج إلى دجّالين.
وأوضح عبدالجليل أن الشيطان موجود بالفعل ويوسوس للإنسان، كما يوجد مس أو لمس من الجن للإنسان لقول الله تعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ "، مؤكدا أن هذا لا يعنى دخول الجن في جسم الإنسان كما يقول الدجّالون والسحرة، وإنما هو مس أو وسوسة قد يتغلب عليه الإنسان بالذكر والقرآن لقول الله تعالى أيضا: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ". وأكد عبدالجليل أن مراكز الرقية الشرعية ما هي إلا أكل عيش.
فيما رأى الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الأسبق، أن من يلجأ إلى استخدام السحر لعلاج مرضى السحر والحسد والمس هو دجال ومشعوذ، وليس من الإسلام في شيء، فالقرآن الكريم كتاب هداية يمكن التبرك به ويمكن أن يقرأه الإنسان لينعم الله عليه بالسكينة أو الطمأنينة، أما العلاج فهو مسألة أخرى تخضع لمقاييس علمية، وما ورد في القرآن من علاج فقط هو العسل النحل، أما قيام بعض الناس بفتح مراكز لعلاج الناس بالقرآن والسنة هو دجل ولا يصح في الدين الإسلامي لأنه لا دليل عليه في القرآن والسنة النبوية، فهم يستخدمون القرآن والسنة لكسب المال أو طلب النفوذ والزعامة وسط القوم.
وأضاف الجندى أن هناك رقية شرعية في الدين لكن هي للتبرك بها ولا يمكن استخدامها في الشفاء من أمراض السحر والمس فهذه بدعة وليس عليها دليل صحيح لاستخدامها في العلاج، لأن القرآن ليس بكتاب طب حتى لو تضمن بعض الحقائق العلمية لكنه كتاب هداية يهدى الناس إلى الطريق الصحيح نحو الله.
شاهدوا هذا الفيديو: حالة هستيريا تعالج بالرقية
شاهدوا أين مازلنا نعيش نحن وكيف نتصرّف. أليس بالإمكان حقن هذا المخبول ب 4 ملجم من اللورازيبام أو 5 ملجم من ميدازولام لتخليصه من هيستريّته بدل ذلك الإسفاف؟. هل يعامل مرضى الغرب "الكافر" بمثل هذه القسوة والغباء؟.
وشاهدوا هذا الفيديو أيضاً: "لإبعاد جن "المحبّة
في هذه يستخدم من يسمّي نفسه بالراقي الماء الذي قرأ عليه التعويذة (الرقية) بعد أن نفث فيه بعض من لعابه كالعادة لإبطال ما يدّعيه ب"سحر المحبّة"... حييييي.


في الحلقات الموالية سوف تقرأون:
10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.
14- أجزاء الدماغ المتربطة بالإعتقاد.
15- إختلالات في وظائف الدماغ وعلاقتها بالإعتقاد والتخيّل.
16- حالات مرضيّة ودوائيّة وإرتباطها بالتخيّل وسماع الأصوات الغريبة.
17- مقدّمة للمحرّرعن الفرق بين عالمنا وعالمهم.
18- رأي المحرّر في موضوع الجن.
19- رأي المحرّر في موضوع السحر.
20- رأي المحرّر في موضوع الشيطان.
21- رأي المحرّر في ما يسمّى ب"الرقية الشرعيّة".
22- مقال ختامي وردود على إستفسارات.

2015/04/18

مس من الجن (8)


(الحلقة الثامنة)
الرقية(التعويذة) عبر التاريخ

عندما يكون عالم الإنسان ضيّقاً وعندما تكون مداركه محدودة، فإنّ إختياراته سوف تكون قليلة وما يستطيع أن يفعله لنفسه أقل. فعندما يصيبه عارضاً (مرضاً أو علّة) فإنّه سوف يحار ماذا عساه أن يفعل، وقد يضطر أحياناً إلى ما هو أبعد من الخيال بما قد يلامس الخرافة ويقترب من البدعة ويتماثل مع الحيلة من أجل إنقاذ حياته ممّا يتهدّدها ويحافظ على كيانه من الإنقراض. 
فكما أن ما نفعله ونستعمله اليوم قد لا يكون مفيداً لمن سوف يأتي في الغد، فإنّ ما كان يفعله السلف وما كانوا يستعملون وكيف كانوا يتعالجون لا يمكنه أبداً أن يتناسب معنا في عالم اليوم.
لو حاولنا مقارنة ما حقّقه الإنسان منذ 50 سنة بما توصّل إليه نفس الإنسان في عالم اليوم فإنّنا سوف نلحظ تغييرات جذريّة وإنطلاقة في عالم العلاج والتطبيب والإختراعات والمستخدمات اليوميّة لا يوجد لها نظيراً في تلك الفترة، فماذا إذاً يحدث لو أننا حاولنا مقارنة نفس تلك المعطيات بما كان يتوفّر للبشر منذ أكثر من 1200 سنة؟. 
من... هنا فالأصلح والأمثل والأكثر واقعيّة بالنسبة لنا هو أن نعيش في عالم اليوم، وأن نتعامل بما يحيط بنا وبما توافر لدينا وبما حقّقه العقل البشري لنا؛ حتّى ننعم بحياتنا العصريّة ونتمتّع بكل جديد ومبتكر فيها.

الرقية... ما هي وكيف أبدعت؟
 الرقية : بضم الراء وبالقاف مقصور، والجمع رقى بسكون القاف، يقال رقى بالفتح فى الماضي. ويرقى بالكسر فى المستقبل، ورقيت فلاناً بكسر القاف أرقيه، وأسترقى طلب الرقية، والجمع رقى بغير همزة والرقاء صاحب رقى.... ومعناها لغة هو: التعوّذ أو المعوذة.
 الرقية كما يعرّفوها هى: ألفاظ خاصة يظن بأن النفع يكون بسببها والشفاء من الأسقام المهلكة يحصل بفعلها، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضرراً أو أذى. وتسمّى المعوذة، فأصل العوذ والعياذ هو الالتجاء والإعتصام.
 وتكون الرقية من العين واللدغة والسحر و(((((السم))))) والألم والهم والغم والمس والجنون والفزع و((((الصرع))))، وغير ذلك من الأمراض.... لاحظ، وغير ذلك من الأمراض !.

ما يسمّى بالرقية "الشرعيّة"
لا يختلف معنى الرقية في الشرع عن المعنى اللغوي كثيراً، إذ أن الرقية هي العوذة في اللغة أي الملتجأ ( القاموس المحيط)،
فالمرقي يلتجئ إلى الرقية لكي يشفى مما أصابه وسواء تلك الرقية كانت مشروعة أو ممنوعة فهذا في اللغة فقط، أما في الشرع  فالمراد بالرقية المشروعة : هو كل ما كان من الأدعية المشروعة أو الآيات القرآنية .... بمعنى أصح، هو أن الرقية تعني: المعوذة من الشر أو الشيطان.
وطالما أن الرقية تعني الدعاء، فإن تاريخها يرجع إلى تاريخ أوّل وجود للإنسانيّة، وأوّل من عرفت عنه الرقية هما أبوي البشر آدم وحواء عـليـهما الـسلام، وذلك حينما وسوس إبليس إليهما. 
ثم نجـد الـرقـية عـند خـليل الرحمن إبـراهيم عليه الصلاة والـسلام حيث يقال بأنّه كان يعوذ بإسماعيل وإسحاق من الشيطان، وهذه يمكن أن يطلق عليها إستعاذة. وأيضاً نجد الرقية وبلفظ واضح وصريح عند نبى الله زكريا عليه السلام، وكذلك عند إمرأة عمران أم مريم عليها السلام حينما عوّذت إبنتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم.
والرقية كانت متداولة عند اليهود وقبل مجئ الإسلام، فعن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها فقال أبو بكر ارقيها بكتاب الله". وعن إبن عباس أن ضماداً- هو ضماد بن ثعلبة الأزدي- قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقى من هذه الريح، فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. فقال: فلقيته. فقال: "يا محمد إني أرقى من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه……..".
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: أعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.
وقال المازري: أختلف في إسترقاء أهل الكتاب، فأجازها قوم، وكرهها مالك لئلا يكون مما بدّلوه. وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء، كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول والحاذق يأنــف أن يبدل حرصـاً.
 ويقول الدكتور على بن نفيع العلياني: وفى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "أرقيها بكتاب الله"، يعني أرقيها بكتاب الله بما في التوراة. وفى هذا دلالة على أن اليهود إنّما يغيّرون الأحكام والعقائد، وأما الرقى، فإنّهم لم يغيّروها حفاظا على فائدتها؛ فإنّها إذا غيّرت لا تنفع، هذا الذي يظهر، والله أعلم.بالنسبة لما يسمّى ب"الرقية الشرعية"، فهي مجموعة من الآيات القرانيّة من مختلف السور تساعد على العلاج من السحر والمس والحسد والتعب وتساعد في كثير من الامور كـثبات الحمل والبعد عن الفشل في أي أمر أو البعد عن المرض وسائر الأمور، وهي مفيدة في كل الحالات؛ لأن الرقية كلّها هي عبارة عن أيات وأدعية لله وحده سبحانه وتعالى ولن تضر وستنفع بإذن الله.


الرقية الشرعية يقصد بها قراءة الآيات القرآنيّة أو الأدعية الشرعية مع ((((النفث)))) على الموضع الذي يتألّم منه الجسد (أو على المريض المراد رقيته). وتعتبر من أساليب العلاج الشائعة في العالم العربي والإسلامي.... أنتبه إلى "النفث" أو التفال أو بالليبي "الدفال" حاشاكم.
يقول الإمام إبن القيّم: مرّ بي وقت بمكة، سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء ، فكنت أعالج بها (بالحمد لله رب العالمين). آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه، فوجدت لذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد على ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الإنتفاع، وليس معنى هذا ولازمه ترك التداوي والإستشفاء بالأدوية الطبيعية المادية، والإكتفاء بقراءة آيات من القرآن الكريم. فليس ذلك من الرشد في الدين، ولا من الفقه لسنن الله تعالى الكونية. ولكن الشأن هو الجمع بين هذا وذاك، والانتفاع بالأمرين، والجمع بين بذل الأسباب الحسية والمادية؛ مع الاعتماد على ما جاء به التوجيه الشرعي، وتعلّق القلب بالله تعالى وحده، فهو النافع وهو رب الأسباب تبارك وتعالى. وأما إقرار العقل لهذا التداوي فواضح؛ إذ العقل لا يحيل ذلك ولا يمنعه أبداً، كيف وقد جاء الخبر الصادق بذلك، والعقل قد صدق المخبر فيما هو أعظم من مجرد الإخبار بالاستشفاء بتلاوة بعض الآيات والسور.

ويعرفها إبن الأثير بالقول: إن الرقية هي العُوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. ويقول ابن منظور: والرقية هي العوذة أو المعروفة.
ويقول الإمام إبن حجر رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند إجتماع ثلاثة شروط، وإختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنّه لابد من إعتبار الشروط المذكورة" .
  1. أن يكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.
  2. أن تكون باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره.
  3.  أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
ويقول الإمام إبن حجر في شرحه لحديث أنس في الإذن في الرقية من الحمّة والأذن: "وأما رقيه الأذن، فقال إبن بطال: المراد وجع الأذن، أي رخص في رقية الأذن إذا كان بها وجع، وهذا يرد الحصر الماضي في الحديث المذكور في "باب من إكتوى"، حيث قال: "لا رقية إلا من عين أو حمّة". فيجوز أن يكون رخص فيه، بعد أن منع منه أو يحتمل أن يكون المعنى لا رقية أنفع من رقية العين والحمّه، ولم يرد نفي الرقى من غيرهما..... وهنا أنا لا ألومهم، ففي عصرهم لم يكن هناك طبّاً ولا مستشفيات ولا تحاليل ولا مضادّات حيويّة.
 وقال أيضاً في شرحه لحديث إبن عباس فـي المرأة التي كانت تصرع وتنكتشف: "وفيه أن (((((علاج الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى الله أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير)))))، وأن تأثير ذلك وإنفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية.... وهنا أقول بأن مثل هذا الكلام هو باطل بالكمال والتمام في عصرنا، لكنّه قد يكون مشروعاً في ذلك الزمان.

ونقل صاحب الفتح الربّاني عن الإمام النووي في حديث أبي سعيد عند قوله: وما أدراك أنها رقيه: "فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على (((((اللديغ)))) والمريض، وسائر أصحاب الأسقام أو العاهات. ورضي الله عن عمر في سدّه لهذا الباب حين قال لأُبَّي رضي الله عنه وحوله جماعة من أتباعه: "أما علمت أنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع". ولهذا كان بعض من إشتهر بإجابة الدعوة من السلف يخفون أنفسهم ولم يزدحم الناس على أبوابهم. 
وفي قصة أُوَيْـسٍ القرني عظة وعبرة في مخافة الفتنة وسد أبوابها ووسائلها صيانة للنفس والدين.
إنتشار هذه الظاهرة في مجتمعاتنا اليوم لما تدرّه من أموال على المتفرغ وغيره، قد تفتح بابا للمشعوذين والدجالين وأصحاب النفوس المريضة وطلاب الكسب غير المشروع في فتح عيادات واستقبال الناس والعامة. ويتوهم كثير من الناس أن هذه الطريقة، وهي التردد على هذه العيادات هي طريقة الرقى الشرعية، فيظل يطلبها ويسترقي غيره، وتتعطل بذلك الطريقة الشرعية وهي رقية الإنسان نفسه، والالتجاء بصدق إلى الله عز وجل، الأمر الذي يؤدى إلى تعلّق المريض بغير الله ولجوئه إليه وإطمئنان قلبه إليه؛ مما ينافي توكّله على الله تعالى وحده، ومن ثم ينقص توحيده أو ينقضه تماماً.
وقد سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في محاضرة له عن فتح عيادات خاصة للقراءة. فأجاب: "هذا لا يجوز لأنه يفتح باباً للفتنه وباباً لإحتيال المحتالين، وما كان هذا من عمل السلف أن يفتحوا دوراً أو محلات للقراءة. وأن التوسّع في هذا يحدث شراً، ويدخل فيه من لا يحسنه، لأن الناس يجرون وراء الطمع، ويحبّون جلب الناس إليهم، ولو بعمل أشياء محرّمة، ومن يأمن الناس؟ ولا يقال: هذا رجل صالح، لأن الإنسان يفتن والعياذ بالله، ولو كان صالحاً. ففتح هذا الباب لا يجوز ويجب إغلاقه. 

وتتم الرقية الشرعيّة بقراءة سور من كتاب الله هي: الفاتحة وأوائل سورة البقرة وآية الكرسي ، وأواخر سورة البقرة ، وأوّل سورة آل عمران ، وسورة الإخلاص والكافرون والمعوذتين... لماذا هذه فقط؟!. 

في الحلقات الموالية سوف تقرأون:
9- ما يقوله شيوخ الدين عن الرقية.
 10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.
14- أجزاء الدماغ المتربطة بالإعتقاد.
15- إختلالات في وظائف الدماغ وعلاقتها بالإعتقاد والتخيّل.
16- حالات مرضيّة ودوائيّة وإرتباطها بالتخيّل وسماع الأصوات الغريبة.
17- مقدّمة للمحرّرعن الفرق بين عالمنا وعالمهم.
18- رأي المحرّر في موضوع الجن.
19- رأي المحرّر في موضوع السحر.
20- رأي المحرّر في موضوع الشيطان.
21- رأي المحرّر في ما يسمّى ب"الرقية الشرعيّة".
22- مقال ختامي وردود على إستفسارات.

2015/04/16

النفس والروح.... حوار فلسفي

العلاقة بين الروح والجسد هي في واقع الأمر علاقة بين الحياة والموت، فالروح هي مظهر الحياة والجسد هو عبارة عن كيان جامد يتحرّك في وجود الروح ويتجمّد في غيابها... فالذي يموت هوجسد الإنسان لآنّ الروح لا تموت، بل إنّها ترجع إلى بارئها.
عدّت هذا الصباح من عيادة " الإنتكاسة في مرض التصلّب المتعدّد" أو ما يعرف ب Multiple Sclerosis Relapse Clinic ودخلت إلى مكتبي فوجدت صديقي وزميلي أخصائي جراحة الأعصاب وهو إنسان متفتّح جداً ومنطقي وعملي إلى أبعد الحدود، كما أنّني ألتقي معه في الكثير من المفاهيم والمعايير الفلسفيّة والعقلانيّة، فحييته وبادرته مازحاً: يتم التداول هذه الأيّام عن محاولات جادّة لزراعة مخ بكامله في رأس الإنسان فماذا تقول؟.

نظر إليّ بكل تفرّس وقال بسرعة: لا يمكن أن تحدث، وسوف لن تنجح هذه المحاولات حتى وإن كانت جدّيّة. وهنا بدأنا نتناقش حول هذا المشروع "العملاق" وبدأنا نمزح كثيراً حوله وتبادلنا الكثير من السناريوهات الساخرة مستعرضين حالات نعرفها وماذا سوف يحدث لها لو تم زرع مخّ شاب صغير في رأس أيّ منها؟.
وبطبيعة الحال جال بنا الخيال عميقاً في عالم المخ والوظيفة بإعتبار أن كلينا معنيّاً بهذا الشأن وبإهتمام كبير حتى وصل بنا الحوار إلى مناقشة الهيئة التي سوف يكون عليها الشخص بعد زراعة مخ جديد له !.
 هنا دخلنا في تعريف "الموت" السريري، فحسب منظّمة الصحّة العالميّة يعني الموت النهائي (الغير رجعي) أو ما يعرف ب موت جذع الدماغ Brain Stem Death بما يحمله جذع الدماغ من مراكز حيويّة للقلب والتنفّس، وعندما تموت هذه المراكز فكيف يمكن أن يتم زرع ذلك الدماغ بدونها؟!.
هذا يعني أن هناك مخرجين لمثل هذه العمليّة لا ثالث لهما:
  1. أن يؤخذ المخ من شخص مازال بالتعريف العالمي على قيد الحياة، ممّا يعني قتل ذلك الشخص عمداً وتلك قضيّة أخلاقيّة لا تغتفر.
  2. أو أن يؤخذ دماغ تالف لا يمكن - حسب التعريف - إعادة الحياة إليه، ممّا يعني أن الشخص الثاني الذي زرع له الدماغ سوف لن يعيش أبداً !.
هذا النوع من المجادلة يعتبر صحيّاً ومنطقيّاً وعقلانيّاً، وهو مقنع بتلك المعايير بإعتبار أن النتيجة الحتميّة لمثل هذا النقاش (بين أخصائيي أعصاب أحدهما أخصائي جراحة أعصاب وثانيهما أخصائي طب أعصاب) أنّه لايمكن زراعة مخ إنسان لأي إنسان ثاني إلّا أن يكون ذلك على حساب قتل شخص آخر، وهذا يعتبر قتل نفس بغير حق.
بعد ذلك تشعّب بنا النقاش إلى "الروح"، وهنا ذكّرت محدّثي بالآية الكريمة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }. وذكر لي هو أنّه في حالة النوم والإغماءة وحالات التخدير الكلّي، فإنّ الإنسان يتحوّل إلى ما يشبه "الجثّة الهامدة" لكنّها مع كل ذلك تبقى على قيد الحياة. وهنا ذكّرته بأن الروح هي معين الحياة، وهي جزء (نفخة) من الله؛ وعندما يموت الإنسان فإنّ ذلك الجزء من الله سوف يعود إليه بناء على قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ  ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}، وهذا ما حدا بمحدّثي لأن يسألني عن الروح والنفس... ما الفرق أو العلاقة بينهما؟. هنا أحسست أنا بصعوبة الموقف وتشعّب الأسئلة بحيث أنّها تجاوزت المتعارف عليه !.
ومن أجل الخوض في تلك الأمور "الصعبة"، عدنا إلى حالة النوم العميق وغياب الوعي والتخدير الكلّي العميق، فعلّق محدّثي قائلاً: الشخص يغيب بالكامل عن الوعي فلا يفكّر ولا يتواصل ولا يعبّر ولا يتحكّم..... فهل نعتبره ميّتاً؟!. وكانت الإجابة سريعة من الطرفين، بأنّ الشخص في هذه الحالات مازال يعتبرعلى قيد الحياة ولا يمكن إحتسابه ميّتاً حسب التعريف العالمي للموت السريري.
إذاً... مثل ذلك الشخص مع أنّه يظهر كجثّة هامدة، لكنّ الروح تبقى في جسده ولا تغادره في مثل هذه الحالات، فالروح إن هي غادرت الجسد فإنّها قطعاً سوف لن تعود إليه وتبقى بعيدة عنه إلى يوم البعث حيث تعود الروح إلى الجسد فتمكّنه من النهوض والحركة مما يدفع به للهروع إلى مكان التجمّع والحساب حسب قوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا}. هنا سألني محدّثي - وهو مسلم علماني متفتّح وعصري في التفكير - ما الفرق بين الروح والنفس، ومن سوف يحاسب الله يوم البعث... الروح أم النفس؟.
هذا السؤال كان بالفعل صعباً بالنسبة لي، لكنّني إلتجأت إلى أحسن ما لديّ من تفكير وتصوّر وإعتبار وتدبّر، فقلت له: ربّما أنّ النفس والروح هما أمران مختلفان. فالنفس هي الإرادة، المشيئة، الإختيار، القرار... بينما الروح هي "المحرّك"... وهي بمثابة البنزين للسيّارة. ربّما هي بمثابة "الشرارة" الكهربائيّة لمصباح الإنارة، فعندما تصل إليه الشرارة الكهربائيّة يشتعل وعندما تنقطع عنه ينطفئ. كذلك هي الروح بالنسبة لجسد الإنسان.
هنا إقتنع صاحبي بهذا المدخل، لكنّه عاد وسألني سؤالاً آخر: من سوف يحاسب الله يوم القيامة: الروح أم النفس؟.
شعرت بصعوبة كبيرة في الإجابة على هذا السؤال رغم أنّني أعتبر نفسي مجتهداً قويّاً ولي الكثير من التعمّق في مثل هذه الأشياء. هنا إقترحت على محدّثي بأن النفس والروح هما أمران مختلفان ... فالروح هي من أمر ربّي وهي جزء منه، ومن ثمّ فهي مجرّد نفخة حياة في جسم الإنسان تمكّنه من التحرّك والتفكير والتصرّف وإستخدام الملكات التي خلق بها ثم جبل عليها. بمعنى، أن الروح ليس لها علاقة على الإطلاق بتصرّفات وإختيارات الإنسان، ومن هنا فإنّ الله سوف لن يحاسب الروح، فهي منه ولا يعقل بأن يحاسب الله - سبحانه - نفسه.
كان صاحبي مهتمّاً جدّاً بما قلته له وكان بالفعل صاغياً جيّداً، لكنّه ظل ينتظر الإجابة على سؤاله الوجيه: من سوف يحاسب الله يوم القيامة النفس أو الروح؟.
واصلت إجتهادي "العلمي" وليس "الديني" قائلاً: النفس هي الإرادة، الإختيار، الإقدام، والتحفّز بالنسبة للإنسان، وهي من هنا تكون بمثابة "النفس الأمّارة بالسوء، وقد نسمّيها الشيطان قرين الإنسان.
وهنا آتاني سؤال آخر شعرت بصعوبته... إذا كانت النفس هي الأمّارة بالسوء حسب قوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}، وإذا أعتبرنا أن الإنسان هو عبارة عن خليط بين الخير والشر، فهل معنى هذا أن الإنسان يحمل نفسيتين: واحدة للخير والأخرى للشر؟.
هنا تذكّرت قوله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}... إلّا ما رحم ربّي. يعني أن هناك نفساً ربّما تكون أمّارة بالخير، أو أنّها على الأقل ليست أمّارة بالسوء، وكذلك قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}، فالنفس المطمئنّة لا يمكن لها بأن تكون أمّارة بالسوء أو بالشر.
مع ذلك فقد حرت في الإجابة، وشعرت بأن الأمور أصبحت تتعقّد أمامي. لكنّني بطبيعة الحال لست من النوع الذي يذعن بسهولة ويركن للقبول بالفشل.... قلت، ربّما النفس الأمّارة بالخير في الإنسان هي الروح، وبإعتبار أن الروح هي جزء من الله حسب قوله تعالى:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}... إذاً الإنسان ينفخ فيه الله من روحه، وبإعتبار أن الله لا يمكنه أن يأمر بالشر، فإنّ النفس الأمّارة بالخير في الإنسان قد تكون هي الروح.
ظل محدّثي صاغياً مبدياً إعجابه بطريقتي في النقاش ومحاولاتي الجادّة لتفسير مثل هذه المعضلة، وهنا سألني: هل يعقل بأن الجزء الذي هو من الله (الروح) من الممكن أن يفسد؟. وهنا طلبت منه توضيحاً أكثر لسؤاله. قال: البشر خطّاءون، ولا يوجد إنساناً على وجه الأرض إلّا ويخطئ، ولا يوجد إنساناً معصوماً عن الخطأ بغض النظر عمّا يتقوّل به الشيعة في الأئمّة الإثنى عشرة، بما فيهم "الإمام الغائب" أو "الخليفة المنتظر" !!.
هنا قلت معقّباً: دعنا نبقى في علوم المخ والأعصاب ولنترك الدين "للمتديّنين" !. عقّب هو سريعاً بالقول: وأنت تستشهد بالقرآن في أغلب ما تقول، فكيف يمكنك ترك الدين جانباً؟!.
قلت: نعم، ذلك صحيحاً، ولكن الذي أستشهد به هو "القرآن" الذي يعكس الدين الأوحد بكل جلاء، وما إختلفوا فيه إلّا بغياً فيما بينهم، كما قال الله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. ففي دين الله الحقيقي لا يوجد سنّة ولا شيعة ولا حنبلية ولا أحمديّة ولا يزيديّة ولا أباضيّة ولا وهابيّة. هنا لاحظت سكون محاوري وإنصاته لكل ما أقول منتظراً المزيد من "نظريّتي" في النفس والروح !.
أصبت عند هذا الحين بخيبة أمل نتيجة لوقوعي في الشرك من جديد بأن أعادني صاحبي إلى نفس الموضوع الذي حاولت تجاوزه بطريقة مخادعة بأن رغبت في الخوض في موضوع الإختلاف في الدين والتخاصم في تفسيرالقرآن بين المسلمين، لكنّه أصر على مواصلة نفس الحديث عن الروح والنفس بإعتباره يهمّ كل منّا في مجال تخصّصه.
صاحبي بإعتبارأنّه سنّي عصري ومتفتّح فلم يحفل كثيراً بقضية التناحر الديني بين الشيعة والسنّة بقدر إهتمامه بقضايا التناظر العلمي والإجتهاد فيه من خلال هذه النافذة... نافذة العلم والدراية.
قلت... نعم، فلنعد إذاً إلى قضيّة الروح والنفس. فكما أذن الله للشيطان بأن يتصدّى لإرادته بإذنه، فقد أعطاه كامل الحريّة لأن يحاول العبث بالجانب الطيّب من الإنسان فعساه أن يفسده عليه ويتركه إنساناً فاسداً في كل شئ. فالشيطان أعطاه الله الإذن بأن يحاول جر النفس الأمّارة بالخير لتصبح نفساً أمّارة بالشر وأعطاه الإذن بأن يواصل محاولاته كما أراد وبقدر إستطاعته إلى يوم البعث، وهنا إستدركت قائلاً: أعتقد بأن الإنسان خلق على فعل الخير (كلّه نفساً أمّارة بالخير) منذ ولادته، فالطفل الصغير مثلاً لا يعرف عمل الشر وإنّما يتعلّم ذلك عبر الأيّام والأشهر والسنوات، فيتعلّم الطفل الصغير الكثير من الحيل والخدع (التريكّات والخزعبلات والطروح...) والتي تكون في البداية بريئة، وعادة ما يستخدمها مع أمّه وهي الأقرب إليه والأكثر إلتصاقاً به، ثم ما يلبث أن يطوّرها تديجيّاً نحو جانب الشر بأن تبدأ علامات الحب المفرط للأم في البداية، لكن ذلك الحب المفرط سرعان ما يتحوّل إلى "غيرة" والتي بدورها تدفع إلى نشوء عامل الكراهية تجاه الآخرين، وهذا بدوره يدفع إلى الجنوح للعنف والإيذاء وتبدأ النفس الأمّارة بالسوء في النمو والتضخّم مع الأيّام حتى يتعلم الإنسان الكثير من الخبث والمكر والتحايل؛ وهنا يجد الشيطان الطريق واسعة ليدخل إلى الإنسان فيداعب نفسه الشرّيرة (الأمّارة بالسوء) حتى تسمح له بالدخول والإقامة، وتبدأ بذلك النفس الأمّارة بالسوء في النمو والتعاظم حتى تتجاوز النفس الأمّارة بالخير عند الكثير من الناس، وقد تتمكّن منها وتقضي عليها عند البعض.
مازال صاحبي يستمع إليّ بكل إهتمام وأنا أطرح نظرياتي في مجال الخير والشر مما أنسانا قضية زرع المخ التي ربما كنّا سنختلف بشأنها. طلب منّي مواصلة الكلام عن الخير والشر في داخل الإنسان، فقلت: ثم يعيش الإنسان بروحه البريئة وبنفسه الأمّارة بالسوء إلى أن يموت، فتدخّل هنا سائلاً: وماذا سيحدث له بعد ذلك؟.
قلت: تعود روحه إلى بارئها، وتذكّرت الآية من جديد: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}. هنا نلاحظ بأن الله خاطب النفس، لكنّه نعتها ب"المطمئنّة" وهذا يؤكّد بأن نظريّتي التي أسلفتها والتي تقول بأن الإنسان تتواجد بداخله نفساً حميدة (الروح)، ونفساً شرّيرة(الشيطان). هذا ربّما يظهر واضحاً في تلك الآية عن النفس التي وصفها الله ب"المطمئنّة" والتي دعاها بكل لطف {أرجعي إلى ربّك راضية مطمئنّة}..وأضاف من لطفه وعنايته بها بأن قال لها: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}... هنا ظهر لي تحدّياً جديداً، فلم يقل الله إلى النفس الحميدة (المطمئنّة) إرجعي إلى خالقك، وإنّما قال لها فأدخلي في عبادي وهذا معناه بكل تأكيد "في عبادي الصالحين" الذين أنا راض عنهم، وبذلك فلتدخلي في جنّتي، وهو هنا مازال يتحدّث عن النفس الحميدة "الأمّارة بالخير" في مقابل تلك النفس الشريرة "الأمّارة بالشر" وقد لا يكون الله يخاطب في هذا الإطار "الروح" فلا يعقل أن يخاطب الله نفسه.
والسؤال الجدير بالإجابة هنا هو: وماذا سوف يحدث للروح بعد أن تعود إلى ربّها، ثم تبعث من جديد لتحيي الإنسان وتخرجه من القبر وتدفعه للجري إلى مكان الحساب... ماذا سوف يحدث لتلك الروح بعد ذلك؟.
الإجابة قد يجوز تلخيصها في هذه الآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}... من هنا نعرف بأن الروح هي من أمر ربّي، ومهما حاولنا التفلسف في هذا الموضوع فإنّ علمنا مهما تعاضم سوف يبقى "قليلاً" بحسابات الله.
هنا وصلت إلى قناعة مفادها أنّنا مهما تعلّمنا ومهما تفلسفنا فإنّنا نبقى عاجزين عن تفسير القرآن كما أراده الله، وما علينا إلا أن نؤمن به كما أنزل حينما نعجز عن تفسيره إستناداً إلى قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}.... صدق الله العظيم. 

وخلصنا في النهاية إلى القول أنّه بالإمكان من الناحية النظرية زرع دماغ إنسان في جسم إنسان ثان، ولكن من الناحية العمليّة إن ذلك سوف لن يحدث بسبب إعتبارات إنسانية وأخلاقيّة، فشأن ذلك أن يدفع إلى قتل بشر للإستفادة من أدمغتهم وزرعها في رؤوس بشر آخرين وهذا الإجراء لا يمكن أن تسمح به القيم الإنسانية المتمدّنة إلا أن تتمكّن داعش ومن يسير في أفقها من حكم العالم، وحينها بكل تأكيد هم قطع الروس وذبح البشر يعتبر عندهم من أيسر الأشياء وخاصة من الشباب وصغار السن، وقد يتمكّنوا من إلزام كبار جراحي الأعصاب في العالم من زرع أدمغة الشباب المقطوعة رؤوسهم لكبار داعش وقادتها الذين بكل تأكيد لا يملكون أدمغة فاعلة، وقد يحدث ذلك تغييراً جوهريّاً في طريقة تفكير أمراء داعش وقادتها. هناك نقطة يجب التنويه إليها وهي أنّه في حالة تمكّن داعش من السيطرة على العالم وتأسيس "الدولة الإسلاميّة" المزعومة، فإن أكثر المستفيد من حكم داعش سوف يكون "النسوة" لآن أمراء داعش يقرّون بأن المرأة ناقصة عقل، ومن ثم فلن يصلح دماغها للزراعة؛ وبذلك فسوف تسلم المرأة من ظلم الدواعش !.

والخاتمة يمكن تزيينها بذكر أن تنمية الأعصاب الطرفية وإصلاح أجزاء تالفة من الدماغ هي في طريقها نحو النور، وسوف يشهد العقد القادم تطوّراً نوعيّاً في هذا المجال من خلال تنمية وزراعة الخلايا الجذعيّة والتي سوف تحدث ثورة حقيقيّة في مجال معالجة الكثير من الأمراض العصبيّة التي هي الآن في حكم المستحيل علاجها.        






   


  



2015/04/11

مسّ من الجن (7)


(الحلقة السابعة)
ماذا يقول شيوخ الدين عن الشيطان؟

 عندما يواجه المرء أشياء لا يعرفها ولا يراها ولا يلمسها ولا يحسّ بها تلامسه يبدأ في نسج القصص الخياليّة والتصوّرات الوهميّة عنها.  فيشرع في تأليف السناريوهات حولها والتي كثيراً ما تكون مخيفة ومرعبة وربّما يدخل بها ومعها إلى عالم الخيال و"الفنتازيا" والتصوّر والتكهّن، لأنّه يعرف بأن كل ما يقوله عنها سوف لن يكون بوسع الآخرين دحضه أو تكذيبه أو تحدّيه.
المشكلة هي ليست في من يتصوّر ويتخيّل وينسج القصص والآقاويل، وإنّما المشكلة تكمن من وجهة نظري في الطرف الآخر.... الطرف المستقبل. الذين يقرأون تلك القصص أو يستمعون إليها عادة ما يكونوا من عموم الناس، وهؤلاء يتواجد بينهم المتعلّم ومتوسّط التعليم وقليله وفاقده. الكثير من المتعلّمين وخاصّة أولئك الذين يؤمنون بالحجّة والبرهان والدليل سوف يعمدوا إلى مناقشة كل ما يصل إلى أسماعهم أو يعبر أمام أبصارهم وسوف يجتهدون بكل تأكيد في البحث عن الدليل والبرهان، وهؤلاء سيكون من الصعب تمرير الخرافات عليهم ومن الصعب إقناعهم  بصور نظريّة وقصص خياليّة تكون مبنيّة على التصوّر والإجتهاد.
المجموعة الثانية هي مجموعة "أشباه المتعلّمين" وهم ثيرون جداً في عالمنا العربي والإسلامي أسوة ببقيّة بلاد العالم المتخلّفة، وهؤلاء يصبح أغلبهم من الضحايا، وهم كثيراً ما ينقلون إلى غيرهم كل ما يسمعون وما يشاهدون بدون نقاش أو مجادلة لأنّهم لا يقدرون على ذلك. هؤلاء من وجهة نظري يعتبرون بيئة موبوءة إلى حد كبير بما قد يحملون على عواتقهم بدون علمهم مهمّة نشر تلك الخرافات وتوزيعها على غيرهم من البشر مع الإصرار أحياناً على فرضها على مستمعيهم بحجّة أنّها "يقينيّة" أو كان مصدرها من "الشيوخ التقاة"، وقد يستخدم هؤلاء أحياناً وسائل عنف أو إجبار لتحقيق ما يبشّرون به. هذه العيّنة الكبيرة من الناس غالباً يكوّنوا الفئة المقصودة من طرف الدجّالين ورجال الدين الذين يؤمنون بأشياء عفى عليها الزمن لكنّهم لا يعترفون بذلك... بل إنّهم ينكرونه من حيث الأساس.
المجموعة الثالثة هي الفئة الغير متعلّمة، وهذه المجموعة ربّما تعتبر أقل خطراً على الغير من الآخرين، لكنّها بكل تأكيد تؤذي أنفسها بدون أن تعي. المجموعة الغير متعلّمة تتلقّف كل ما تسمع وتؤمن به وقد تضيف إليه من مخاوفها فتبقى رهينة للوجل والتردّد وفقدان الثقة بالنفس وهذا قد يؤدّي إلى تحوّل الشخص إلى مطيع مستجيب تلقائيّاً بدون تدبّر ولا تيقّن ولا إستفسار.

أنا سوف أطرح عليكم في هذه الحلقة بعض مما نسجه الكثير من رجال الدين من قصص وحكايات وتصوّرات وخزعبلات عن الشياطين، وهؤلاء - رجال الدين - كما نعرف يعيشون عوالمهم الخاصّة بهم ويأخذون مصادر معلوماتهم من أولئك الذين سبقوهم وعيبهم أنّهم يعتبرونها من المسلّمات التي لا تخضع للنقاش بسبب إصباغها بصبغة "التديّن" وتغليفها بثياب القدسيّة، ومن ثمّ فهي تتحوّل عندهم إلى ما يشبه المسلّمات التي لا يجوز مناقشتها أو المجادلة فيها بما قد يوقع صاحبها في دائرة الشك والدخول إلى عالم "المحرّمات" إن هو فعل أو حاول أن يفعل.
أتمنّى بأن يقرأ كل منكم ما يراه بكل تروٍّ ونباهة وتدبّر، فلا خير من أن نفهم ما نقرأ ونعمل على إعادة تدويره في داخل عقولنا ومناقشته حتى لا نتحوّل إلى مطيّة له نحمل أوزاره بدون أن نعي مما قد يدخل الشك والريبة في تفكيرنا والتشويش في مفاهيمنا.

ماذا يقول شيوخ الدين عن الشياطين؟
دعوني في البدء أعرض ما قاله الشيخ عمر السعدان إمام مسجد الحقيل بالرياض عن الشياطين ودورات المياه:
أكد الشيخ عمر السعدان، إمام مسجد الحقيل بالرياض، وصاحب المقطع الشهير الداعي لإغلاق أبواب دورات المياه لطرد الشياطين، أنه استند في ذلك على السنة النبوية وفتاوى العلماء.
وأوضح في تصريح لـ”تواصل” أن قوله إن أسباب حفظ البيت من الشياطين إغلاق أبواب دورات المياه جاء على سبيل المثال لا الحصر.
وقال: “مما لاشك فيه أن دورات المياه محتضر للشياطين حيث قال- صلى الله عليه وسلم -: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) صحّحه الألباني.. والحشوش: هي مواضع قضاء الحاجة (الخلاء)، ومنها الكُنُف “دورات المياه” التي في البيوت.. وقد ثبت في عموم الأحاديث كلمة إغلاق (أبواب) لا (باب)”.
وأشار السعدان في معرض تبريره لما جاء بالمقطع إلى الحديث الشريف: (أجيفوا الأبواب واذكروا إسم الله عليها؛ فإن الشيطان لا يفتح باباً أجيف وذكر إسم الله عليه).. رواه البخاري في الأدب المفرد وصحّحه الألباني، كما ذكّر بقوله صلى الله عليه وسلم: (فأغلقوا الأبواب وأذكروا إسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا..) متفق عليه، وروي عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: (أجيفوا الأبواب، وأكفتوا صبيانكم عند العشاء؛ فإن للجن إنتشارًا وخطفةً)، وقال إبن دقيق العيد: يحتمل أن يؤخذ قوله: فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، على عمومه.
وتابع الشيخ عمر السعدان: “وذكر لي غير واحد ممن له – دراية في الرقية الشرعية – أن من أسباب أذية الشياطين لأهل البيت هو فتح أبواب (دورات المياه) وعدم إغلاقها، مشيرين إلى بعض الحالات.
وأكد السعدان أنه إستند في رأيه أيضًا إلى كلام العلماء، مشيراً إلى فتوى منشورة على موقع “إسلام ويب” ردًا على سؤال: "هل إغلاق أبواب دورات المياه يمنع الشياطين من الدخول"؟.

وفي هذا لإطار بما أنّني لا أعلّق في الحلقات الأوليّة - وهذه الحلقة من بينها - فإنّني قد أكتفي بما ردّ به  الدكتور عبد العزيز بن محمّد السدحان، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية ، والدكتور بكليّة الشريعة بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية سابقاً:
قال الشيخ الدكتور عبدالعزيز بن محمد السدحان، إن الفيديو المتداول حول ضرورة إغلاق أبواب دورات المياه لطرد الشياطين غير دقيق. وأكد في تصريح لـ”تواصل” أن المقصود في معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحيحين ‏ ‏”‏… وأغلقوا الأبواب‏،‏ واذكروا اسم الله،‏ فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقًا…” ليس مقصوراً على أبواب دورات المياه كما قال أحد الشباب في الفيديو المنتشر عبر “الكيك”. 
وقال السدحان: “الذي يظهر لي من الحديث خلاف ما جاء في المقطع وفّق الله صاحبه؛ وذلك من وجوه: الوجه الأول أن الحديث ظاهره العموم وذلك يعني جميع الأبواب دون استثناء، والوجه الثاني أنَّ الحديث خاص بالليل كما جاء التصريح بذلك في بعض ألفاظ الحديث، ونصَّ على ذلك أيضًا بعض شُرَّاح الحديث”. 
وتابع: “الوجه الثالث أنه قد يُقال: المراد بذلك الباب الرئيسي للبيت، وهذا الأقرب لما جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل العبد بيته وذكر اسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإن لم يذكر اسم الله قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء)”. 
وأضاف: “مما يؤكد هذا، الوجه الرابع وهو: أنّ من المعلوم أن كثيرًا من البيوت القديمة يكون مكان قضاء الحاجة فيه زاوية من الدار لها مدخل-دون باب- فيه جدار يستر صاحبه عن الأعين، وهناك مساجد قديمة تشهد طريقة بنيانها بهذا الشأن، والله أعلم بالصواب”.

دعوني الآن أعرض عليكم هذا السرد للشيخ الدكتور "عائض القرني" في مقتطفات من كتابه "الحقيقة الغائبة... أسرار برمودا والتنّين من القرآن والسنّة"، فقد تجدوا فيها من الخيال والتخيّل والتنظير ما يستحوذ على إهتمامك:
خلق الله عز وجل (سوميا) أبو الجن قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام. وقال عز وجل لـ(سوميا): تمنّ. فقال (سوميا): أتمنّى أن
نرى ولا نُرى، وأن نغيب في الثرى، وأن يصير كهلنا شاباً .. ولبى الله عز وجل لـ(سوميا) أمنيته، وأسكنه الأرض له ما يشاء فيها..
وهكذا كان الجن أوّل من عبد الرب في الأرض (لا حظ أن الجن والشياطين لا يختلفون كثيراً، حيث يقال بأن أبناء الجن الكفرة هم من الشياطين !). 
لكن أتت أمة من الجن، وبدلاً من أن يداوموا الشكر للرب على ما أنعم عليهم من النعم، فسدوا في الأرض بسفكهم للدماء فيما بينهم ..
وأمر الرب جنوده من الملائكة بغزو الأرض لإجتثاث الشرّ الذي عمّها وعقاب بني الجن على إفسادهم فيها.
وغزت الملائكة الأرض وقتلت من قتلت وشردت من شردت من الجن .. وفرّ من الجن نفر قليل، إختبئوا بالجزر وأعالي الجبال .. وأسّر الملائكة من الجن (إبليس) الذي كان حينذاك صغيراً، وأخذوه معهم للسماء. 
كبر (إبليس) بين الملائكة، وإقتدى بهم بالاجتهاد في الطاعة للخالق سبحانه .. وأعطاه الرب منزلة عظيمة بتوليته سلطان السماء الدنيا. وخلق الرب أبو البشر (آدم) عليه السلام .. وأمر الملائكة بالسجود لـ(آدم)، وسجدوا جميعاً طاعةً لأمر الرب، لكن (إبليس) أبى السجود .. وبعد أن سأله الرب عن سبب امتناعه قال: (أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين).
وطرد الرب (إبليس) من رحمته، عقاباً له على عصيانه وتكبّره .. وبعد أن رأى (إبليس) ما آل إليه الحال، طلب من الرب أن يمد له بالحياة حتى يوم البعث، وأجاب الرب طلبه .. ثم أخذ (إبليس) يتوعد (آدم) وذريته من بعده بأنه سيكون سبب طردهم من رحمة الله.
وأسكن الرب (آدم) الجنة، وخلق له أم البشر (حواء) لتؤنسه في وحدته، وأعطاهما مطلق الحرية في الجنة، إلا شجرة نهاهما عن الأكل منها. 
في حين بقيت النار في داخل (إبليس) موقدة، تبغي الانتقام من (آدم) الذي يراه السبب في طرده من رحمة الرب .. وهو غير مدرك أن كبره وحسده لـ(آدم) هما اللذان أضاعا منه منزلته التي تبوأها بين الملائكة، وضياع الأهم طرده من رحمة ربه.
كانت الجنة محروسة من الملائكة الذين يُحرمون على (إبليس) دخولها كما أمرهم الرب بذلك .. وكان (إبليس) يُمني النفس بدخول الجنة حتى يتمكن من (آدم) الذي لم يكن يغادرها.
فاهتدى لحيلة .. وهي أنه شاهد الحية يتسنى لها دخول الجنة والخروج منها، دون أن يمنعها الحراس الملائكة من الدخول أو الخروج ... فطلب من الحية مساعدته للدخول للجنة، بأن يختبئ داخل جوفها حتى تمر من الحراس الملائكة .. ووافقت الحية، واختبئ (إبليس) داخلها حتى تمكّنت من المرور من حراسة الملائكة لداخل الجنة دون أن تُكتشف الحيلة .. وذلك لحكمة لا يعلمها إلا الله سبحانه.  
وطلب (إبليس) من الحية أن تكمل مساعدتها له، ووافقت .. وعلم (إبليس) بأمرِ الشجرة التي نهى الرب سبحانه (آدم) و(حواء) من الأكل منها، ووجد أنها المدخل الذي سيتسنى له منه إغواء (آدم) و(حواء) حتى يخرجهما عن طاعة الرب وخروجهما من رحمته تماماً كحاله.
ووجد (إبليس) والحية (آدم) و(حواء) داخل الجنة، فأغوى (إبليس) (آدم)، بينما أغوت الحية (حواء) حتى أكلا من الشجرة، بعد أن أوهماهما بأنهما من الناصحين، وأن من يأكل من هذه الشجرة يُصبح من الخالدين، ومن أصحاب مُلك لا يُبلى.
وغضب الرب على (آدم) و(حواء) لأكلهما من الشجرة .. لم يجد (آدم) و(حواء) أي تبرير لفعلتهما سوى طلب المغفرة
وحكم الرب على (آدم) و(حواء) و(إبليس) والحية بعد ما حدث. وهبط (آدم) و(حواء) من السماء إلى الأرض وتحديداً في "الهند" كما ذهب أكثر المفسرين .. في حين هبط (إبليس) في "دستميسان" على مقربة من البصرة .. وهبطت الحيّة في أصفهان. (المصدر البداية والنهاية لابن كثير). وتاب الرب على (آدم) و(حواء)، ووعدهما بالفوز بالجنة إن اتبعا هداه، وبالنار إن ضلا السبيل. 
شجرة الزقّوم التي أكل منها آدم وحواء
كانت الأرض صحراء مقفرة، لكن الرب أعطى (آدم) من ثمار الجنة ليزرعها بعد أن علّمه صنعة كل شيء .. وزرع (آدم) ثمار الجنة على الأرض، وأنجب من (حواء) الأولاد، وبقي على طاعة ربه فيما أمر واجتناب ما نهى عنه.
ولم يُخمد (إبليس) نار عداوته لـ(آدم) رغم ما فعل بطرد أبو البشر من الجنة .. فكان يُمني النفس أن يُحرم عليه الجنة للأبد تماماً كحاله .. لكن ما العمل؟ فهو يرى أن عداوته قد انكشفت، ولم يعد بإمكانهِ مواجهة (آدم) الذي هو على طاعة الرب قائم، غير أن (إبليس) بالأصلِ ضعيف. لذا إختار أن يستخدم سلاحه "الوسوسة"، لكن ليس على (آدم) و(حواء) بل على إبنهم (قابيل) الذي كان يُمني النفس بالزواج من توأمته التي شاء الرب أن يتزوجها أخيه (هابيل) ... فوسوس (إبليس) ل(قابيل) قتل أخيه (هابيل) فحدث ما حدث من القتل .......... والقصة في ذلك مشهورة.
ووجد (إبليس) بذلك أن ذريّة (آدم) هدفه .. فتجنّب (آدم) و(حواء) لإيمانهما القوي وتوبتهما العظيمة، ووضع جلَّ أهدافه في ذريتهما التي رآها أضعف أمام الأهواء .. فبدأ شرّه يظهر للوجود وبلا حدود.
مات (آدم) وماتت (حواء)، وظن (إبليس) أن موتهما إنتهاءً لهروبه من المواجهة، وأن بإمكانه الظهور علناً للبشر وشنّ حربه عليهم، لأنهم ضعفاء لا يقدرون على المواجهة .. فظهر للعلن ومعه خلق من شياطين الجن والمردة والغيلان ليبسط نفوذه على الحياة في الأرض.
لكن الرب شاء أن ينصر بني الإنس على الجيش الإبليسي الذي أسسه (إبليس) من الجن والمردة والغيلان، حين نصرهم برجلٍ عظيم اسمه (مهلاييل) ونسبه هو: "مهلاييل بن قينن بن انوش بن شيث عليه السلام بن آدم عليه السلام" .. ويروى أنه ملك الأقاليم السبعة وأول من قطع الأشجار.
قام (مهلاييل) بتأسيس مدينتين محصّنتين هما: مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى، ليحتمي بها الإنس من أي خطرٍ يهددهم .. ثم أسّس جيشه الإنسي الذي كان أوّل جيش في حياة الإنس للدفاع عن بابل والسوس الأقصى، وقامت معركةٌ رهيبة بين جيش (مهلاييل) وجيش (إبليس)، وكتب الرب النصر بها للإنس، حيث قُتل بها المردة والغيلان وعدد كبير من الجان، وفرّ (إبليس) من المواجهة.
بعد هزيمة (إبليس) وفراره من الأراضي التي يحكمها (مهلاييل) .. ظل يبحث عن مأوى يحميه ومن معه من شياطين الجن الخاسرين في المعركة ضد (مهلاييل) .. وإختار أن يكون هذا المأوى بعيداً عن مواطن الإنس، يبني به مملكة يحكمها وتلم شمل قومه شياطين الجن الفارين من غزو الملائكة آنذاك .. فأي مأوى إختار (إبليس) لبناء مملكته؟
طاف (إبليس) في الأرض بحثاً عن المنطقة الملائمة لبناء حلمه .. ووقع إختياره على منطقتي مثلث "برمودا" ومثلث "التنين" .. وكان إختياره لهاتين المنطقتين لأسباب عدة هي:
1- تقع منطقتي برمودا والتنين على بُعد آلاف الأميال عن المناطق التي يستوطنها البشر آنذاك.
2- أراد (إبليس) أن تكون مملكته في المواطن التي فرّ إليها معظم شياطين الجن إبان غزو الملائكة والتي كانت لجزر البحار التي يصل تعدادها عشرات الآلاف.
إستغل (إبليس) قدرات الجن الخارقة في بناء المملكة، والتي كان من أهم تلك القدرات التي تلائم طبيعة البحر. وبعد ذلك وضع عرشه على الماء، وأسس جيشه من شياطين الجن الذين التفّوا حوله في مملكته، ينفّذون كل ما يأمرهم به.
ووضع (إبليس) للحيّات مكانة خاصة عنده، جزاء ما فعلت له الحيّة في السماء من مساعدة تسبّبت في خروج (آدم) و(حواء) من الجنة ... وذلك بأن جعلها من المقربين لعرشه.
وأسّس (إبليس) مجلس وزرائه الذين سيقود مخططاته الشيطانية في عالم الإنس .. عن كتاب "آكام المرجان للشلبي" روي عن (زيد) عن (مجاهد) قوله: (لإبليس خمسة من ولده، قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره، ثم سمّاهم فذكر: ثبر، الأعور، سوط، داسم، زلنبور .. أما ثبر فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية .. وأما الأعور فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزيّنه، وأما سوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيُخبره بالخبر فيذهب الرجل إلى القوم فيقول لهم: قد رأيتُ رجلاً أعرف وجهه وما أدري أسمه حدثني بكذا وكذا .. أما داسم فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يُريه العيب فيهم ويُغضبه عليهم ... أما زلنبور فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق.
ولم يكن (إبليس) وشياطين الجن فحسب من تسنى لهم بناء مملكة قوية، بل أيضاً الإنس بنوا حضارات عظيمة، حتى غدى العالم لبني الإنس قرية صغيرة، ولم يعد المكانين المنعزلين عن العالم المسمّيين برمودا والتنين غائبتين عن عيون الإنس، ذلك أن بفضل التكنولوجيا المتطورة التي اخترعها الإنس من طائرات حلّقت في السماء، وسفن طافت البحار، وغوّاصات بلغت كل قاع، جعلت كل شيء تحت مرمى الأبصار.

وظلت مملكة شياطين الجن آمنة لعصور عدة .. لكن ما أن عرف الإنس ركوب البحر ومرورهما بكلتا المنطقتين، إلا وأدرك شياطين الجن الخطر الذي يهددهم .. فاختطفوا أعداداً من السفن والقوارب والغواصات والطائرات التي ربما رأت سراً عن عالم شياطين الجن، فخشي الجن إفتضاح أمرهم، وبالتالي خسارة مملكتهم، كما خسروا من قبل الأرض التي كانوا وحدهم يعيشون فيها، وخسروا معركتهم مع (مهلاييل) الذي شردهم عن الأراضي القريبة من مواطن الإنس .. فعمدوا إلى إختطاف كل طائرة وسفينة ونحوهما مارة .. حتى حققوا بذلك نصراً. عندها صدر قرار دولي بمنع الملاحة في منطقتي مثلث برمودا ومثلث التنّين !!..... من أمثال هذه القصص الخياليّة أتتنا قصص الشياطين والجن ومدى علاقة كل منهما بالبشر من خلال "السحر" الذي يستخدمه السحرة للسيطرة على الشياطين من الجن ليعبثوا بالناس.

ماذا يقول شيوخ الدين عن الشياطين؟
عن كيفيّة وسوسة الشيطان للانسان، يقولون: عندما يفكر الإنسان بأمر معين فأنة يسمع في عقلة صوت مطابق للصوت الذي يتكلم به و هذا طبيعي و هو صوت نفس الإنسان.
و من المعروف في الشريعة الإسلامية أن لكل إنسان قرين شيطان يوسوس له. ولكن كيف يوسوس هذا القرين للإنسان؟. يجيب رجال الدين عن مثل ذلك السؤال بالآتي: يقوم هذا الشيطان بمطابقة صوته مع صوت نفس الإنسان من حيث السرعة، النبرة، و حتى اللغات التي يعرفها الإنسان و يتكلّم بها هذا القرين و يوسوس للإنسان بها، فيسمع الإنسان صوت في عقلة مطابقاً لصوت نفسه ويعتقد الإنسان أن نفسه تحدّثه بهذه الأمور والأفكار. و لكن الأفكار التي يحتويها هذا الصوت هي أفكار سوء (أن يؤذي الإنسان نفسه أو غيره)، فحشاء (أفكار الزنا و ما شابه)، و القول على الله بما لا يعلم الإنسان؛ ويخدع الشيطان الإنسان بجعله يعتقد أن هذه الأفكار هي من نفس الإنسان و أنها حقيقة.
ويستمر الشيوخ في القول: تعوّذ الرسول صلّى الله عليه و سلّم من الشيطان الرجيم بقوله: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه و نفخه و نفثه. النفث هو عبارة عن إخراج هواء بلا لعاب فإذن من قول الرسول صلّى الله عليه و سلّم يمكن أن نستنتج أن الشيطان ينفث للإنسان ولكن السؤال هو لماذا يعمل الشيطان هذا العمل؟.

أين يقيم الشيطان؟
 يقول شيوخ الدين بأنّه باستطاعة الشياطين الوصول إلى كل الأمكنة: في السماء وفي الأرض وبين السماوات والأرض، وفي المياه والبحار، وفي كل الأمكنة الأخرى. 
من ناحية أخرى يمكن أن نستشف من بعض الأحاديث أن الجن يوجد مع كل إنسان، وهذا يعني أن مكان إقامته هو الجسد البشري وهذا ما يعرف إصطلاحا باسم القرين، وهناك أيضا الوسواس الخنّاس الذي يمكن أن نقول أن مكان إقامته هو صدر الآدمي وقد ينتقل إلى القلب مكان الوسوسة، وهناك شيطان يمكنه أن يتواجد في خيشوم الإنسان وآخر يمكنه أن يدخل مع التثاؤب، ونوع آخر من الجن يمكنه أن يدخل معك بيتك، أنواع أخرى تتواجد في الحشوش أو المراحيض بمفهومنا الحالي.
يقول أحدهم(وأظنّه من الشيعة)، يتواجد إبليس الشيطان الرجيم في باطن الارض وهو نفسه المسيح الدجّال وهو مكان يسمى بالارض المجوفة (Hollow Earth) في باطن الأرض من تحت الثرى وتسمى الأرض المفروشة وهي جنة لله في باطن الارض التي استولى عليها المسيح الدجال الذي هو نفسه (إبليس) الشيطان الرجيم و منها طرد بسببه أبونا آدم و أمنا حواء بعد أن أغواهما الشيطان الرجيم ..لأن الله تعالى جعل آدم خليفته في الأرض و عاش في تلك الجنة التي في باطن الارض و هي غير جنة المأوى في السماء ندعوكم الى موقع الامام المهدي المنتظر ناصر محمد اليماني الى طاولة الحوار العالمية في عصر الحوار ما قبل الظهور .. هناك أمور كثيرة كانت غائبة عنا و أبصرناها بفضل الله تعالى علينا على يد الامام المهدي المنتظر ناصر دين محمد صلى الله عليه و سلم

ويتحدّث البعض الآخر من شيوخ الدين عن مواضع إقامة الشيطان ( وهي محض تخيّلات ووجهات نظر): يتواجد الشيطان في الخلاء والغرف المهجوره والتي توجد بها روائح كريهه أو ترتكب فيها معاصي، أو الغرف التي تعلّق فيها صوراً، وأيضاَ يقيم الشيطان في زوايا الغرف.
وجاء في الموسوعة الفقهية: غالباً ما يسكن الجن في مواضع المعاصي والنجاسات، كالحمّامات والحشوش، والمزابل والقمامين. فعن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصحّحه الألباني (المحضرة= مكان حضور الجن والشياطين، الخبُث= الخبائث، قال الخطابي: يريد ذكران الشياطين وإناثهم.

فإن كان كذلك، فالظاهر أن إغلاق باب الحمام مع ذكر إسم الله يمنع ما قد يكون فيه من الجن من دخول بقية غرف المنزل؛ فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنح الليل بإغلاق الأبواب وذكر إسم الله، وعلّل ذلك صلى الله عليه وسلم فقال: فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقا.
قال إبن دقيق العيد: في الأمر بإغلاق الأبواب من المصالح الدينية والدنيوية حراسة الأنفس والأموال من أهل العبث والفساد ولا سيّما الشياطين. وأما قوله: فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، فإنّها إشارة إلى أن الأمر بالإغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالإنسان.
وبخصوص كيفيّة دخول الشيطان لجسم الإنسان يقول شيوخ الدين: غالباً ما يدخل الشيطان لجسم الإنسان من أطراف اليدين والقدمين والفم أو الأنف لقوله الرسول:إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل من الفم.
ويقول أحدهم: إذا قمت بتبديل ملابسك قل ( بسم الله الحكيم ) حتى (((لا يرى الشيطان عورتك)))، فإن نظرتهم خبيثه وقد يٌعجب الشيطان بجسدك فيعشقك ويدخلك..... آه.
عموما الشياطين تكره ذكر الله،  وتنفجر صراخاً حينما يكبّر المسلم للصلاة، وتبكي الشياطين حينما يسجد المسلم ويتدافع الشياطين هاربين إذا قال المسلم "لا اله الا الله" بصوت عالٍ.... سبحان الله!.
وعن أسباب دخول الشيطان لجسم الأنسان يقول شيوخ الدين: هناك عدّة أسباب تدفع الإنسان لدخل جسم الإنسان منها؛ الغفلة وإرتكاب المعاصي وترك الأذكار والفرح الشديد والغضب الشديد، والوجود في أماكن المعصية وإرتكاب الكبائر.
وعن أهداف دخول الشيطان لجسم الإنسان، فإنّنا نجد في "الموسوعة العقديّة"الآتي: 
الهدف البعيد: هناك هدف وحيد يسعى الشيطان لتحقيقه في نهاية الأمر، هو أن يلقى الإنسان في الجحيم، ويحرمه الجنة .
الأهداف القريبة:
  1. إيقاع العباد في الشرك والكفر: وذلك بدعوتهم إلى عبادة غير الله والكفر بالله وشريعته. 
  2. إذا لم يستطع تكفيرهم فيوقعهم في الذنوب: فإذا لم يستطع إيقاعهم في الشرك والكفر، فإنه لا ييئس، ويرضى بما دون ذلك من إيقاعهم في الذنوب والمعاصي، وغرس العداوة والبغضاء في صفوفهم.
  3. صده العباد عن طاعة الله: وهو لا يكتفي بدعوة الناس إلى الكفر والذنوب والمعاصي بل يصدهم عن فعل الخير، فلا يترك سبيلاً من سبل الخير يسلكه عبد من عباد الله إلا قعد فيه، يصدهم ويميل بهم .
  4. إفساد الطاعات: إذا لم يستطع الشيطان أن يصدهم عن الطاعات، فإنه يجتهد في إفساد العبادة والطاعة، كي يحرمهم الأجر والثواب. 
  5. الإيذاء البدني والنفسي: كما يهدف الشيطان إلى إضلال الإنسان بالكفر والذنوب، فإنه يهدف إلى إيذاء المسلم في بدنه ونفسه، ونحن نسوق بعض ما نعرفه من هذا الإيذاء: 
أ- مهاجمة الرسول صلى الله عليه وسلم: وذلك كما في الحديث الذي يخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بمهاجمة الشيطان له، ومجيء الشيطان بشهاب من نار ليرميه في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ب – الحلم من الشيطان: للشيطان القدرة على أن يرى الإنسان في منامه أحلاماً تزعجه وتضايقه بهدف إحزانه وإيلامه.
ج- إحراق المنازل بالنار: وذلك بواسطة بعض الحيوانات التي يغريها بذلك، ان يدل مثل هذه الفأرة على هذا السراج فيحرقكم.
 د- تخبط الشيطان للإنسان عند الموت.
هـ- إيذاؤه الوليد حين يولد.
و- مرض الطاعون من الجن.
ز- بعض الأمراض الأخرى.

وعن مراحل تأثير الشيطان على الإنسان، يقول إبن القيّم: تأثير الشيطان على الإنسان يتدرّج في ستة مراحل وهي:
المرحلة الأولى : يسعى أن يكفر الإنسان أو يجعله يشرك بالله.
المرحلة الثانية : مرحلة البدعة، ويقوم في هذه المرحلة بجعل الإنسان يبتدع البدعة ويطبقها، فإن لم يستطع بدأ في المرحلة الثالثة.
المرحلة الثالثة : مرحلة المعاصي الكبيرة، فإن كان ذلك الإنسان قد عصمه الله من الكبائر بدأ في المرحلة الرابعة.
المرحلة الرابعة : مرحلة الصغائر (صغار الذنوب) ويقوم بتزينها له ويقوم يتقليلها وتصغيرها للإنسان، فإن عُصِمَ منها بدأ في المرحلة الخامسة.
المرحلة الخامسة : أن يُشْغِل الإنسان بالمباحات بحيث يشغل الإنسان فيضيع أوقاته في الأمور المباحة.
المرحلة السادسة : وهي أن يُشغِلَ الإنسان بالعمل المفضول عما هو أفضل منه، بعمل معين طيب، ولكنه ينشغل به عما هو أطيب 
وأفضل منه.

وختاماً... يمكن القول بأن معلوماتنا عن الشياطين وكيف يؤثّرون فينا أو كيف نتأثّر بهم تبقى عبارة عن تخيّلات وتصوّرات، وهذا بسبب كينونة الشيطان المخفيّة عن الأنظار والمبعدة عن المدارك الحسيّة.

في الحلقات الموالية سوف تقرأون:
 8- الرقية عبر التاريخ.
9- ما يقوله شيوخ الدين عن الرقية.
 10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.
14- أجزاء الدماغ المتربطة بالإعتقاد.
15- إختلالات في وظائف الدماغ وعلاقتها بالإعتقاد والتخيّل.
16- حالات مرضيّة ودوائيّة وإرتباطها بالتخيّل وسماع الأصوات الغريبة.
17- مقدّمة للمحرّرعن الفرق بين عالمنا وعالمهم.
18- رأي المحرّر في موضوع الجن.
19- رأي المحرّر في موضوع السحر.
20- رأي المحرّر في موضوع الشيطان.
21- رأي المحرّر في ما يسمّى ب"الرقية الشرعيّة".
22- مقال ختامي وردود على إستفسارات.