2020/02/17

عندما تذهب حكومة النفاق ومعها كل السرّاق.. سوف نحتفل من الأعماق

 حينما نرى الأشياء من زاوية نحب أن نراها من خلالها أو بسبب تغافل منّا فإنّنا قد لا نرى الحقيقة كما هي؛ فالأجدر بنا أ، نضع كل الصورة أمام أعيننا ومن بعدها نتفحّصها عن عمق وبذا يمكننا الحكم عليها. علينا بأن نكون صادقين مع أنفسنا ومع ضمائرنا حتى تكون أحكامنا عادلة وتكون النتائج فاضلة.
هذا اليوم يمثّل الذكرى التاسعة لثورة 17 فبراير، ولكن هل هناك ما قد نحتفل به في هذا اليوم؟. هل يوجد لدينا ما يدعونا للإحتفال أو الإبتهاج أو الغناء أو الإسترسال؟.
فبراير كانت ثورة وطنيّة بإمتياز، وكان كل من قام بها لم يكن يطمح حينها في أكثر من التحرّر من سلطة الطاغية والإنطلاق إلى الأمام في وجود الحريّة وفي وجود حكم وسيطرة العقول الوطنيّة بدون إقصاء وبدون تحيّز وبدون محسوبيّة وبدون إستثناء. ذلك هو كل ما كنّا نحلم به حينها، وذلك كان ما رمينا إليه وقتها.
ولكن.... ماذا حدث بعد 17 فبراير 2011؟. علينا أن نجيب بكل تجرّد وبكل صدق وبكل مسئوليّة على هذا السؤال. ماذا حدث بعيد - وليس بعد - 17 فبراير 2011؟.
أنا لا أريد أن ألوم المجلس الإنتقالي في أيّ شئ؛ فإخوتنا في المجلس الإنتقالي كانوا قد قاموا بما يجب وبأكثر مما يجب. علينا بأن نكون منصفين معهم، فهم من تقدّم الركب، وهم من تحمّل الصعاب، وهم بصدق من وقف أمام فوّهات البنادق. علينا أن نتذكّر تشابك الأحداث حينها وكيف أنّه لم تكن هناك قيادة للإنتفاضة ولم تكن لها برامج ولم يفكّر الثائرون بأكثر من القضاء على نظام الطاغية القذّافي... ليس أكثر من "إسقاط النظام".
تصوّروا أن أولئك الذين تواصلوا وتعاونوا وخرجوا للعيان من أجل تكوين جسماً وطنيّاً يقدر على تسيير الأمور إلى حين إعادة بناء الدولة بعد ذلك الإنهيار الكبير لنظام الطاغية القذّافي وما كان قد تركه من فراغ في السلطة خاصّة وأنّه كان قد حكمها بسلطة "القائد الأوحد" مما حرم البلاد من تكوين كوادر سياسية وطنيّة يمكنها ملء الفراغ في حالة حدوث الفراغ. تصّوروا أن أولئك الذين ضحّوا بأنفسهم وأعلنوا عن تأسيس المجلس الإنتقالي أنّهم لم يفعلوا ذلك... فقط أنظروا إليها من تلك النافذة، وحينها فسوف تعرفون أهمية كل عضو في المجلس الإنتقالي... فرجائي بألّا نحكم عليهم بإسقاطات رجعيّة، وألّا نظلمهم بأحكام إرتجاليّة.

المهم، فلنترك المجلس الإنتقالي لحاله، ولنتحدّث عن ليبيا بعيد إنتصار ثورة 17 فبراير في عام 2011.
الكثير من الليبيين والليبيّات يعرفون يقيناً بأن كل أولئك الخانعين الذين كانوا إمّا هاربين خارج الوطن أو يحاربون في أفغانستان أو أنّهم كانوا متعاونين مع نظام الطاغية القذّافي مباركين له في كل شئ... الليبيّون والليبيات يعرفون يقيناً بأن أولئك "الجبناء" هم من قفز للساحة حينما كانت الساحة شاغرة وأولئك هم من حلّ مكان نظام الطاغية القذّافي ليسيطروا على كل شبر في بلادنا حينما كانت كل الشوارع والميادين والمدن والقرى تعيش في فراغ. إن كل المتشددين الإسلاميين، والجهاديين، والإرهابيين، والطّامعين هم من ملأ ذلك الفراغ في السلطة وبذلك فقد سيطروا على الدولة الليبية بمجرّد إنقشاع غبار المعركة... بمجرّد عودة الثوّار الحقيقيون إلى مواقعهم قبل الإنتفاضة العظيمة. نعم وبكل صدق فقد قام الشرفاء بالثورة ليستولي عليها الحقراء، وتلك كانت مخارج الثورة وأوّل "منجزاتها".
ومع كل ذلك، فقد واصل الشعب الليبي توقه نحو التحرّر وبالفعل خرج الليبيّون في أوّل إنتخابات حرّة في بلادهم منذ تأسيس الدولة الليبية، وكانت إنتخابات يوليو عام 2012. برهن الشعب الليبي على أنّه - برغم عقود الطغيان - قادر على التصرّف كما تتصرّف شعوب البلاد المتعمّقة في الديموقراطيّة، وكانت الإنتخابات الليبية مثالاً لكل من يبحث عن الحريّة والنزاهة والشفافية.
ماذا حدث بعد تلك الإنتخابات الديموقراطيّة؟. علينا بأن نرى الأشياء على طبيعتها وألا نغمض أعيننا عمّا حدث بعد إنتخابات يوليو عام 2012. فقد أسفرت نتائج إنتخابات المؤتمر الوطني العام في 7 يوليو 2012، عن فوز تيّار تحالف القوى الوطنية بقيادة السيّد محمود جبريل بـ39 مقعداً من أصل 80 مقعداً بالنسبة للقوائم الانتخابية، في حين حصل حزب العدالة والبناء - الإخوان المسلمون - على 17 مقعداً فقط. ألم تخسر كل القوى الدينيّة وشيوخ التعاسة ما كانت تحلم به في السيطرة على مقاعد البرلمان؟. هم أنفسهم عرفوا ذلك، لكنّهم لم يرضوا به. لم يرضوا به فقط لأنّهم يريدون أن يحكموا ليبيا وفق أجنداتهم المتخلّفة وأفكارهم الغبيّة. ألم يعملوا التحالفات، والتكتّلات، وكل الخزعبلات من أجل تسيير جلسات المؤتمر الوطني وفق أهوائهم ورغباتهم ومخططاتهم بهدف فرض أنفسهم وفرض أجنداتهم؟. أليسوا هم من خلال تكتّلاتهم من أصدر القرار رقم 7 بالهجوم على بني وليد وقرار "العزل السياسي" الذي به وعن طريقه عملوا على عزل كل وطني وشريف؟. أليسوا هم من تعمّد منع تكوين أيّ جيش وطني من منطلق عقدة الخوف من الجيش التي تعيش في أذهان وعقول وبواطن الإخوان المسلمون الذين كانوا يسيطرون على الأوضاع في ليبيا؟. أليسوا هم من عمل جاهداً على خلق أجسام بديلة عن الجيش من أمثال: كتائب ثوار مصراتة (درع الوسطى)، غرفة عمليات ثوار ليبيا، درع الغربيّة، الحرس الوطني، مجلس شورى ثوار بنغازي، ثوار جبل نفوسة... وغيرها كثير؟. لا تسألوني هنا عن قادتها ومن ذلك الذي كان وراءها ويدعمها بالمال.
حدث كل ذلك بعيد ثورة فبراير 2011 والذي لم يذكر كان أعظم، فأين كان اللواء خليفة حفتر حينها، وهل كان هناك أي شئ إسمه الجيش الوطني الليبي؟. هل كان للسيّد خليفة حفتر أي وجود حينها وبينما كانت ليبيا تسرق في كل ما كان موجوداً بها. أموال ليبيا، بنية ليبيا التحتية، مصانع ليبيا، مزارع ليبيا، مدخّرات ليبيا، الخزانة الليبية... كل ذلك كان يسرق وفي وضح النهار.... لم يكن خليفة حفتر حينها موجوداً، ولم يكن هناك أيّ وجود للجيش الوطني حينها.
ماذا عن كل تلك عمليات الإغتيال والإختطاف، والإغتصاب، والفديات الخياليّة التي كان الغلابة من أبناء وبنات الشعب الليبي يضطرّون لدفعها من أجل إستعادة المخطوفين من ذويهم والأحبّاء على قلوبهم؟.
ماذا حدث بعد إنتخابات عام 2014 البرلمانيّة؟. ألم يخسر الإخوان ومعهم الجماعات الدينية المتطرّفة مرّة أخرى في هذه الإنتخابات وبشكل أكبر وأعمق؟. ماذا فعلت الجماعات الدينية بمعاونة مسلّحيها في البرلمان الجديد؟. ألم يجبروا كل أعضائه على الرحيل للبقعة الوحيدة المتحرّرة في ليبيا من سيطرتهم حينها وهي طبرق؟. ألم يفرضوا بقاء المؤتمر الوطني برغم الإنتخابات الجديدة، ولماذا فعلوا كل ذلك؟. هل كان السيّد خليفة حفتر موجوداً حينها، وهل كان هناك أيّ شئ إسمه الجيش الوطني الليبي وقتها؟. لماذا تكذبوا على أنفسكم وتكذبوا على الشعب الليبي يا من تناصرون حكومة الصخيرات المفروضة علينا من غيرنا وتقفون مع تجّار الدين وسماسرة الثوريّة في عاصمةالوطن؟. ألم تؤنّبكم ظمائركم وأنتم تقفون مع الظالم وأنتم تعرفون يقيناً بأنّه بالفعل ظالماً وطاغياً ومتشبّثاً بالسلطة حتى النخاع؟.
دعوني أذكّركم يا من تحتفلون اليوم بكل تبجّح في العاصمة بثورة فبراير... من هو ذلك الذي هجم على مطار العاصمة ودمّره عن بكرة أبيه في يوليو عام 2014، أي بعيد إنتخابات البرلمان الثانية وخروج نتائجها التي كانت مفاجئة للتيّار الإسلامي؟. من هي الجهات التي سرقت كل محتويات المطار بعد تدميره ثم إذا بها تتوجّه ناحية العاصمة التي لم يكن لها من يحميها حينها فإستولت عليها بدون مقاومة على الإطلاق؟. هل كان هناك أي وجود للسيّد خليفة حفتر حينها أو للجيش الوطني حتى تلومونه على تلك الجرائم التي أعقبت ثورة 17 فبراير؟. أتمنّى أنّكم في هذا اليوم تقفون لحظة تدبّر وتفكير ومكاشفة مع النفس أمام الله وتروا الأشياء على حقيقتها حتى تعرفوا كم أنتم مخطئون، وكم أنتم ظالمون يا أيّها البشر.
أنا سوف لن أحتفل معكم في هذا اليوم وسوف لن أحتفل إلى أن تعود ليبيا إلى أهلها، وإلى أن ينال كل ظالم جزاء ظلمه، وإلى أن تعود أموال وخيرات ليبيا إلى أهلها... تمتّعوا بإنجازاتكم العظيمة إلى أن تفتحوا عيونكم فتجدوا أنفسكم على حافة الهاوية، وحينها قد لا ينفع الندم.

2020/02/15

ثورة الكرامة إستحوذ عليها أتباع النعامة

الشرفاء دائماً يفعلون ويذهبون، أمّا الحقراء فإنّهم ينتظرون ثم يترقّبون، ثم حينما تحين فرصهم يغنمون.
في مثل هذا اليوم من عام 2011 خرجت صيحة مدوّية من داخل ليبيا لتسمع الطاغية ولأوّل مرّة لأكثر من 40 سنة... لتسمعه ما كان يرتعب من سماعه... "الشعب يريد تغيير النظام". كانت تلك العبارة لها وقع الصاعقة على نظام الطاغية معمّر القذّافي، وكان قد سمعها لأوّل مرة من بنغازي... نعم من بنغازي.

بنغازي في عام 1975 خرج شبابها - وكنت أنا منهم - لأوّل مرّة ضد نظام الطاغية القذّافي، وكانت أحلامهم حينها متواضعة ولم تتجاوز المطالبة بإطلاق سراح وتأمين بعض الطلبة الذين أمسكت بهم أجهزة أمن القذّافي لأنّهم "كانوا يتآمرون على الثورة" !!.

بنغازي أُسكتت في عام 1975، لكن بنغازي لا تعرف الخضوع ولا ترضى بالطغيان مهما طغى صاحبه وتجبّر. سكتت بنغازي إلى حين، وحينما حانت اللحظة الحقيقيّة للمطالبة بالحريّة، خرجت بنغازي الأبيّة فكانت بصدق منارة للحريّة.

وعودة إلى يوم الثلاثاء 15 فبراير 2011 حينما بدأ العد التنازلي لنظام حكم طاغية فرض على الشعب الليبي لأكثر من أربعة عقود من الزمان... عودة إلى تلك الأيّام الذهبية في تاريخ الشعب الليبي حينما كانت الإنتفاضة شبابيّة وكانت الثورة حقيقيّة وكانت بالفعل من أجل الإنعتاق والحريّة.

كان حينها كل الخائفين والمرتجفين والحالمين بالسلطة، كانوا مازالوا يرتجفون في مخابئهم وهم لا يمتلكون من صفات الرجولة ما يدفعهم للخروج مع الشباب دعك من تقدّم الصفوف لقيادة ثورة التحرر. حينما عرف الحالمون بالسلطة بأن الرجال كانوا بالفعل قد قاموا بالثورة وبأن الطغيان كان قد إنهزم... حينها، وحينها فقط خرجوا هم من جحورهم وتبنّوا ثورة الشباب ليتركها الشباب لهم كي يتنعّموا بالمجد الذي كانوا يحلمون به وإذا به في ذلك اليوم قد وضع بين أيديهم ، بينما قرّر شباب ليبيا الأنقياء العودة كل إلى عمله لأنّه كان قد نجح في أداء مهمّته بكل إقتدار. من بعدها خرج الجبناء من جحورهم لينتهزوا حالة الهلع التي أصيب بها الطاغية وهزّت أركان حكمه، فإذا بهم يجدوا أنفسهم يستولون على سلطة كانوا يحلمون بها منذ زمن طويل وطويل جداً لكنّهم أبداً لم يكونوا يمتلكون الشجاعة ولم يكونوا يمتلكون الرجولة ولم يكونوا يحلمون بشئ إسمه التحرّر؛ فالحريّة هي الكلمة التي لم يجدوها في كتبهم الصفراء، والحريّة هي الكلمة التي كانوا دوماً يرتعبون من سماعها.

كانت تلك هي الومضات الأولى لثورة الشباب في مثل هذا اليوم من عام 2011، وكانت بعدها ببضعة أيّام حينما سقط الطاغية وتسارع الطغاة الذين كانوا مختبئين ليركبوا موجة التحرّر ويتحوّلوا هم إلى "ثوّار" وأصحاب قرار بعد أن عرفوا بأن نظام الطاغية الذي كان يخيفهم ويرعبهم ويكبت الكلمات في حناجرهم كان قد زال وإنتهى وإنهار.

حينها لم يخجلوا من أنفسهم ولم يعترفوا بمصالحاتهم مع النظام وبمراجعاتهم التي تنازلوا بها عن أفكارهم ومعتقداتهم حتى ينالوا رضاء الطاغية ويحظوا بعطفه وحنانه بل وببعض من دنانيره التي قذف بها إليهم حينما أخرجهم من بيوت ضيافته بعد أن نجح في تدجينهم وتحويلهم إلى خراف طائعة وحملان ضائعة لكنّهم كانوا فرحين بذلك اليسير الذي تحصّلوا عليه مقابل حملهم لأسمال "ملك الملوك" بين أيديهم حتى لا تلامس الأرض وهو يمشي متباهياً بين خدمه الجدد الذين تبنّوا أفكاره وأعلنوا ترحيبهم بمشروع "ليبيا الغد" بل وإستعدادهم لعمل أيّ شئ بإسم الإسلام من أجل إنجاح مشروع "ليبيا الغد" للإبنه ووريثه سيف الإسلام.

المهم أن أولئك وغيرهم من كان يتعايش على المعونات الإجتماعية في بلاد أوروبا "الكافرة" ومعهم أولئك "المغاوير" الذين عادوا لتوّهم من مغارات وحفر وبلاليع تورا بورا هم من "فجأة"عادت إليهم الشجاعة وتحوّلوا إلى فرسان مغاوير بعد أن عرفوا وأيقنوا وتأكّدوا بأن نظام الطاغية الذي كانوا يناصرونه ويحمونه قد إنتهى وزال. حينها بالفعل قلنا ومازلنا نقول بأن ثورة الشباب الشرفاء كان قد إستحوذ عليها بكل غدر وإستخفاف أولئك الحقراء والذين مازالوا وللأسف يحتكرونها حتى ذكراها التاسعة الغرّاء.... كل عام وأنتم بخير.

بصراحة أقولها لكم...الأمم المتحدة سوف لن تحل مشاكلكم

 أنت أولى بشئونك، وكلّما إعتمدت على غيرك في حلحلة مشاكلك كلّما ندمت على ذلك المسلك؛ فغيرك حتى وإن كان صادقاً وحتى وإن إجتهد بأفضل ما يمكن، فهو لا يمكنه إطلاقاً أن يفهمك بقدر فهمك أنت لنفسك.
منذ أن دخلت الأمم المتحدة على الخط لم تر ليبيا نوراً يسطع. عيّنت الأمم المتحده ستّة ممثلين ساميين لها، وكل واحد منهم كان قد ساهم في تعقيد المشاكل بين الليبيين بدل حلّها.
فمن عبد الإله الخطيب، إلى إيان مارتن، إلى طارق متري، إلى برناردينو ليون، إلى مارتن كوبلر، وحتّى غسّان سلامة.... ستة من الممثلين للأمم المتحدة في ليبيا منذ عام 2011 فماذا فعلوا وماذا أنجزوا وماذا حققوا.... وماذا بصدق ننتظر منهم؟.
إن من عقّد الحل في ليبيا وأشعل نار الفتنة بين الليبيين هم ممثلوا الأمم المتحدة الذين لم تكن لأي منهم مهام محددة أو تواريخ معروفة أو محاسبة من أي نوع على فشل أيّ منهم . لم تكن هناك محاسبة لأيّ منهم لأنّ أي منهم لم تكن له أية مهام محددة ولم يكن له برنامجاً مربوطاً بزمن.
ألم يحن الوقت لليبيين والليبيّات أن يديروا ظهورهم لممثلي الأمم المتحدة ويحلّوا مشاكلهم بأنفسهم؟. ماذا تتوقّعوا من غسّان سلامة أن يفعل لكم غير زرع كل بذور الفتنة بينكم حتى يتمكّن من تمديد مهمّته لمدة أطول وحينما يجدوا بديلاً له سوف يستدعونه لنيويورك ويرسلوا بديلاً عنه بدون أية محاسبات وبدون أية مراجعات وبدون أية تعديلات لمهام الممثل السامي للأمم المتحدة في ليبيا. فلا أحد يعرف ماذا يمكن للأمم المتحدة أن تفعله في ليبيا، وبكل يقين لا توجد نيّة صادقة من الدول الكبرى لحل الصراع في ليبيا ولا لحل الصراع في أية دولة في العالم المتخاصم من بلاد العالم الثالث؛ فالكبار يقتاتون على تخاصم الصغار. الدول العظمى هي وحدها من يستفيد من أية مشكلة في العوالم الأخرى من الثالث فما بعد، لأن الدول الكبرى هي وحدها من يستفيد من خصام بلدان العالم المتخلّف. الدول الكبرى المسيطرة على والمسيّرة للأمم المتحدة هي من يبيع السلاح، وهي من يسرق ثروات الشعوب الغلبانة في وجود الفوضى والتي من بينها غياب أنظمة حكم وطنية. الدول العظمى هي من سوف يقوم بعمليات البناء بعد التدمير، وهي المستفيد من العمالة إلى المواد الخام إلى كل مشاريع إعادة الحياة لتلك البلدان التي دمّرت ما كانت بنته بسبب غباء حكّامها وجهل وتخلّف شعوبها.
هناك أمام الليبيين الشرفاء والليبيات الشريفات موقفين فقط عليهما إختيار أحدهما وبسرعة: إمّا طرد ممثل الأمم المتحدة لغير رجعة، وإمّا تجاهله بالكامل وعدم التعاون معه في أيّ شئ. يمكنكم أن تبنوا له قصراً في الصحراء ومن بعدها تستضيفونه للإستجمام هناك حتى تحلّوا مشاكلكم، ومن ثمّ يكون بوسعكم أن تدعونه ليشرف على حفل التصالح بينكم وليتنعّم هو حينها بالبريستيج الذي جاء إلى ليبيا من أجله، ولصرّح لوسائل اعلام وقتها بأنّه هو - وهو فقط - من إستطاع أن يحل مشاكل بلادكم لك، وهو من مهّد لكم الطريق كي تعبروه نحو الغد المبهج.
الحل في ليبيا يا سادتي ويا سيّداتي هو فقط ب"الحسم العسكري"، والذي ينتصر هو من سوف يفرض الأمن وسلطة القانون على البقية، ومن بعدها قد وربما وعسى أن تتمكّنوا من إنتخاب من يحكمكم من بين مواطنيكم بعيداً عن أعين العالم الذي يتربّص بكم.
لا... ولا .... ولا أخرى لحلول الأمم المتحده الخبيثة، ونعم ومليون نعم للحل الوطني ولو كان عسكرياً. نحن فيما بيننا فيما بعد قد نتمكّن من إيجاد صيغة للحل ترضي الجميع أو تفرض على الجميع أو تتجاهل للجميع.... ولا يهم هنا طالما أنّها وسيلة حل جدّية؛ فقد سئمنا المراوحة في آماكننا لما يقرب من عقد من الزمان ونحن لم نعثر بعد على مواطن الآمان في بلادنا مع أنّها موجودة حولنا وخلفنا وأمامنا وتحت أرجلنا.

نحن نهدم وندمّر وغيرنا يبني ويعمّر

 كلّما حاول الإنسان أن يخفي الحقيقة كلّما إكتشف عقله الباطن بأنّه يكذب. قد يكذب المرء على غيره وتلك يمكن فهمها، أمّا أن يكذب الإنسان على نفسه فتلك تعتبر بكل المفاهيم مرضاً ليس من السهل علاجه. ليس هناك أكثر جدوى من مواجهة الواقع وقول الحقيقة لنفسك ولغيرك حتى لا تظلم نفسك ولا تظلم الأخرين.

كانوا يلقّنونا منذ نعومة أظافرنا بأن أجدادنا بلغوا الهند والسند وأنشأوا حضارة عجزت عن تحقيق مثلها غيرنا من شعوب الأرض. كانوا يقولون لنا بأنّنا أنقى أمّة وأطهر بشراً على الأرض، وكانوا يحدّثوننا فقط عن الجيّد والرائع والجميل مع الكثير من المونتاج والإخراج والتجميل والتطبيل. كانوا يرسموا لنا صوراً من خيالاتهم ولكن لجهلنا حينها ولندرة أو منع الرأي الآخر كنّا نصدّق كل ما يقال لنا حتى أننا كبرنا على تصديق كل ما كنّا نسمعه، ونشأنا على عدم الإستماع إلى غيرنا الذي يحاول دوماً أن يرينا الوجه الآخر للحقيقة الذي كان أجدادنا الأولين يطمسون معالمه عنّا ولا يتحدّثون عنه حتى أننا ترسّخت في عقولنا وفي مفاهيمنا ثقافة أحاديّة ظللنا نعتقد بأنّها هي الحقيقة.
تلك لم تكن وللأسف هي الحقيقة، أو على الأقل لم تكن كل الحقيقة، وما أخفوه عنّا كان يحمل بين طياته الكثير والكثير من سيئات ومساوئ من سبقونا وممارساتهم الرديئة إن لم أقل السيئة التي تم إخفائها عنّا أو تمّت التعمية عنها بهدف إخفائها أو إبعادها أو السكوت عنها حتى لا تنتقل إلينا وقد لا يكون السبب حينها متعمّداً وقد تكون الأسباب حسنة، وقد تكون بعض من ثقافة ذلك الزمان.
المهم في الأمر أنّنا اليوم في أمسّ الحاجة لأن نبحث بأنفسنا عن الحقيقة... عن الحقائق، وأن نزيل ستار "القدسيّة" عن الكثير من أولئك الذين كانوا ينتمون ل"سلفنا الصالح" الذي أضهروه لنا وكأنّه ملاك بل أسبغوا عليه "القدسيّة" حتى لا نعيد النظر في مسار حياته بهدف البحث عن تلك الخفايا التي ظلّت خفيّة عنّا حتى يومنا هذا. لقد عرفنا اليوم ولكن بعد الكثير من الجهد والعرق والبحث في خفايا الكتب بأنّه لا عصمة لغير الله، وبأنّه لا يوجد مخلوق معصوم عن الخطأ ماعدا الملائكة الذين لا يفعلون أي شئ لم يأمرهم الله بفعله ومن ثم فالملائكة هم بالفعل يأخذون عصمتهم من عصمة خالقهم وبذلك يكونوا هم وحدهم ووحدهم فقط من الخلق الذين يستحقّون لقب العصمة.
المهم أن الذي دفعني لكتابة هذه المقدّمة هو قراءتي هذا الصباح لخبر أن علماء ناسا الأمريكية بدأوا "عن بعد" في إصلاح أعطال في مركبة فضائية إسمها Voyager 2 أو الرحّالة 2 والتي كانت قد أرسلت للفضاء البعيد في عام 1977 لتلتحق بسابقتها الرحّالة 1 والتي كانت قد أرسلت قبلها بغرض التعرّف على المزيد من أسرار الفضاء.
المركبة المعنيّة بالإصلاح عن بعد هي بالفعل بعيدة عن الأرض بمسافة 10 مليار ميل. ... أي عشرة ألاف مليون ميل عن الأرض ويمكنكم تحويلها إلى كيلومترات لتعرفوا كم هي بعيدة عنّا !!.
المهم أن تلك العربة فسد من معدّاتها الإلكيترونيّة الآن 8 معدّات مهمّة جداً من بين العدد الكلي من معداتها المزوّدة بها وهي 10 معدّات غاية في التعقيد والحساسية من الناحية التقنية. علماء ناسا على الأرض عرفوا أيضاً بأن بطاريات الشحن هي بدورها بدأت في الوهن والضعف وقد تفقد قدرتها على الشحن الكهربائي، وسوف يقومون من الأرض بإصلاح كل تلك الأعطال وتحديث العربة بحيث تكمل مهمّتها.
أولئك هم "الكفرة" والذين مصيرهم نار جهنّم كما تقول لنا كتبنا الصفراء التي ورثناها عن أجدادنا الأفذاذ. أولئك "الكفرة الفجرة والمثليّون" هم من نراهم يبدعون في كل يوم، ويصنعون لنا كل ما نأكل وما نشرب وكل ما نستخدمه في حياتنا اليومية ونحن مازلنا وللأسف نلوّك ثقافتنا التي ورثناها عن أناس عاشوا لأكثر من 1000 سنة سبقتنا. هم يبحثون عن التجديد ونحن نصر على المحافظة على تراثنا القديم ونصر على عدم البحث فيه حتى لا يدخل الشك في إيماننا... وسوف نظل هكذا إلى أن نصبح توابع لغيرنا وحينها قد نتنكّر لكل ما قيل لنا.... وربنا يستر.