2019/03/23

أضواء توعويّة على فكر السلفيّة

الإنسان يتطوّر والحياة تسير إلى الأمام. فكلّما نظر الإنسان إلى الأمام كلّما إكتشف خفايا جديدة في حياته، وكلّما تعلّم خبرة جديدة تضاف إلى بقيّة خبراته التي تعلّمها من قبلها. لا يمكنك النظر إلى الوراء وأنت تمشي إلى الأمام... ذلك يتنافى مع المنطق.
 لو عدنا إلى أوّل تأسيس للسلفية على يد أحمد بن حنبل في القرن الرابع للهجرة.. أي ما يزيد عن 400 سنة بعد وفاة الرسول، نجد أن فكر إبن حنبل يعتمد أساساً وربما حصريّاً على الدعوة إلى العودة إلى كل أقوال الرسول (المنسوبة إليه) وأفعاله (المرويّة عنه) من قبل أناس عاشوا في فترة زمنية تتجاوز المائتين سنة (قرنين من الزمان) حدثت خلالها حروباً مدمّرة قضت على الأخضر واليابس كان من بينها بالطبع ما نعرفه ب"الفتنة الكبرى" التي هجّرت كل من بقى من المسلمين في مكّة والمدينة إلى بلاد الحبشة وفارس واليمن والعراق وسوريا ولم يحملوا معهم أي تراث مكتوب على الإطلاق.
وقف إبن حنبل ضد أي تجديد أو تغيير أو بحث أو تفكير إستحداثي ومن ضمن ما وقف ضدّه أبو حنبل هو العلوم المترجمة عن الإغريق وكذلك أفكار وإجتهادات علماء المسلمين التجديديّة والبحثيّة والتدبّرية في الكون وفي الخلق وفي علوم الحياة على إعتبار أن ذلك سوف يقود إلى الشك والشك يدفع إلى الردّة وإنكار وجود الله.
تلك كانت خلاصة الفكر السلفي على يد أحمد بن حنبل، وتعريف السلفية في اللغة العربية هو: السَّلَف - بفتح السين واللام - يكشف عنها في مادة (س ل ف) وهو ((((ما مضى وانقضى))))؛ ويكفيني ذلك التعريف للحكم على الفكر السلفي الرجعي والإنعزالي. حارب كل المبدعين المسلمين فكر أبو حنبل حتى تمكّنوا من القضاء عليه وإبعاده بإعتباره يقف ضد التجديد والبحث والتطوّر.
بقى الفكر السلفي مهجوراً ومنسيّاً ومبعداً إلى العام 656هـ، أي بعد أكثر من قرنين من الزمان، حينما ظهر "إين تيميّة" (رب الفكر الوهابي) بدعوته لإحياء الفكر السلفي. وحارب المجدّدون الإسلاميّون فكر إبن تيميّة وتمكّنوا من إبعاده وحذفه من جديد وفق نفس المعايير والمحاذير السابقة، وبقى الفكر السلفي طي النسيان وبعيداً عن الأنظار إلّا ما كان في الخفاء (الكهوف والحفر ) إلى أن عاود الفكر السلفي إلى الظهور من جديد في القرن الثامن عشر الميلادي على يد محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية، وكانت دعوته في هذه المرّة قد واكبت عصر إنحطاط وأفول نجم الدولة العثمانية وصعود الإستعمار الغربي.
كان لهذه الدعوة الكثير من المتعاطفين نتيجة للظروف الصعبة التي كانت تمر بها بلاد المسلمين ونتيجة لخوف المسلمين على إنحسار الإسلام ولجوء الكثير من المسلمين إلى التنكّر لدين الله(الكفر أو الردّة)، وكان الخوف الأكبر بكل تأكيد على بلاد الحجاز من أن تلتهمها القوى الإستعماريّة وتستولي على الآماكن المقدّسة (الكعبة والحرمين) فكانت هذه المخاوف والعواطف الجيّاشة والخوف على الإسلام والأكثر من ذلك الخوف على وقوع الآماكن المقدّسة تحت الهيمنة المسيحيّة ما قد يفتح الطريق لعودة الغزوات الصليبيّة من جديد ...... كانت كل تلك المخاوف والظروف المحيطة حينها مشجّعة جدّاً لنمو الفكر السلفي خاصّة وأن الإسلام كان قد شهد تفسّخاً وإنحلالاً كبيرين على يد سلاطين العثمانيين وخاصّة في العهد العثماني الثاني حيث بلغ الفساد أوجه وإنتشر في كل أرجاء الإمبراطورية العجوز التي كانت تحتضر حتى قبل إندحارها في الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1918.
تلك كانت الخلفيّة التاريحيّة للفكر السلفي والتي تبيّن كيف كان هذا الفكر منبوذاً منذ أوّل ولادته، والملفت في الأمر أن هذا الفكر الغريب كان منبوذاً من المسلمين أنفسهم لأنّه كان يقف حائلاً دون التطوّر والحداثة ومانعاً لهما بكل قوّة وعنف أحياناً.
أمّا بخصوص تشعّبات الفكر السلفي، فإن جميع من يؤمن بهذا الفكر هو في واقع الأمر يؤمن بنفس المفاهيم والمعايير والحيثيات التي ترتبط به، ولا فرق هنا إطلاقاً بين سلفي وآخر إلّا في كم التشدّد وسرعة اللجوء إلى ردّة الفعل مع الطرف الآخر والتي تبدأ بالتكفير وتنتهي بالقتل والسلح والذبح والتمثيل بالجثث على آساس أن أصحابها من الكفّار. أي أن الفكر السلفي هو فكر تكفيري إقصائي بإميتاز ولا يقبل إطلاقاً الطرف الآخر ولا يقبل النقاش أو الحوار على أساس أن كل سلفي يجب أن يتبع ولا يناقش (مسلّمات). 
وخلاصة القول: إن جميع التشكيلات والتنظيمات والأجسام السلفية هي من صلب واحد وتؤمن بفكر واحد ولا تختلف إلّا في القبول بدرجة العنف وكم ونوع ردّات الفعل على كل من يخالفهم الرأي. إن جميع ما ظهر في العالم العربي والإسلامي من تنظيمات إرهابيّة (تتجاوز المائة تنظيم) من أمثال أنصار الشريعة، جبهة النصرة، الطالبان، القاعدة، بوكو حرام، الشباب الصومالي، داعش... وغيرها كثير هي وجوه مختلفة لعملة واحدة وهي السلفيّة الرجعية المتشدّدة والتكفيريّة، وكل هذه التنظيمات هي مدعومة من السعوديّة وبأموال الحج والعمرة التي يتجاوز ريعها في السنة ال 22 مليار دولار تدخل كلّها في خزينة آل سعود ويستفيد منها الوهابيّون الذين يجمعهم مع آل سعود حلف وجودي مرتبط ببعضه ويعود بفوائده عليهما وحدهما ولو على حساب بقية البشر. وصدق من قال: إن السعودية تفرّخ الإرهاب، وهي برهنت على أنّها كذلك.
بدأ الإهتمام الغربي والأمريكي بالفكر الوهابي المتشدّد منذ نهاية فترة السبعينات وبداية الثمانيّات لكنّ همّ أمريكا حينها كان منصبّاً على مكافحة الشيوعيّة وتفتيت الإتحاد السوفييتي، ولم يكن وقتها الفكر الوهابي بنفس الإهتمام بل على العكس، فقد إستخدمت أمريكا الفكر الوهابي وأتباعه لمحاربة روسيا من زاوية محاربة "الملحدين" على إعتبار أن أمريكا وغرب أوروبا هم من "أهل الكتاب" ويؤمنون بوجود الله.
بعيد أحداث سبتمبر عام 2001 في أمريكا، حدثت في الإستراتيجيّة الأمريكيّة رجّة كبيرة، وتبيّن لكل الساسة والمفكّرين الأمريكان بأن جذور الطالبان هي وهابيّة وبأن بيت الوهابيّة ووطنها هو السعوديّة. من هناك سمعنا في عهد جورج بوش الأب بأنّ "السعوديّة هي من يفرّخ الإرهاب". 
بدأ ومن حين أحداث سبتمبر 2001 إهتمام المخابرات الأمريكيّة يركّز على السعوديّة ودول الخليج ككل، وتمّت دراسة المنطقة بالكامل من النواحي الثقافية والتعليميّة والإجتماعيّة والتاريخيّة أيضاً حتى توصّلت المخابرات الأمريكيّة أخيراً إلى أن السعوديّة هي راعية الإرهاب ومنبعه ومبعثه وموطنه من خلال الفكر الوهابي الذي يشدد مقابضه على حياة الناس في هذا البلد. فقد تكلّم الكثير من أعضاء الكونجرس الأمريكي عن دور السعوديّة في أحداث سبتمبر 2001، وكان أن طالب الكثير من النوّاب بضرورة إستجواب أفراداً من الأسرة الحاكمة في السعوديّة. غير أن الأسرة الحاكمة في السعوديّة كان قد أصابها الهلع من تلك الدعوات فهدّدت بسحب إستثماراتها في أمريكا والتي بلغت أكثر من 700 بليون دولار مستثمرة كلّها في شركات أمريكيّة، فكان أن سكت باراك أوباما عن تلك القضيّة ووضعها في الرفّ، وبديل ذلك قام باراك أوباما وزوجته ميشيل بزيارة السعوديّة ولم تحقق زيارته تلك أي تقدّم في شأن إستدراك دور السعوديّة الحقيقي في أحداث سبتمبر 2001، وكان فشل مهمّة أوباما بسبب ضعفه من ناحية وبسبب قلّة الحسم عند الديموقرايين بصفة عامة. بعد تولّي دونالد ترامب الرئاسة في أمريكا تغيّرت النظرة وتغيّرت طريقة التعامل مع السعوديّة على أساس أن السعودية هي مفرّخة الإرهاب. كان الجمهوريون يريدون القضاء على الإرهاب "الإسلامي" بأي ثمن، وذلك يعني حرباً معلنة مع القاعدة وداعش في أيّ مكان تواجدتا فيه. تبيّن للأمريكان بأنّه تتواجد ما يزيد عن 100 جماعة إرهابيّة في العالم متفرّعة من تنظيم القاعدة وداعش من بينها بكل تأكيد بوكو حرام، وجبهة النصرة، وأنصار الشريعة وغيرها وكان الأمر من الصعوبة بمكان بالنسبة لأمريكا محاربة كل تلك التنظيمات المتطرّفة على أساس أن كل منها سوف تفرّخ تنظيمات جديدة وبأن القضاء عليها جميعاً يكمن في القضاء على مصدرها وهو السعوديّة.
درست المخابرات الأمريكية جيّداً وبكل ذكاء وبالتعاون مع الموساد الإسرائيلي الذي يفهم ثقافة المنطقة جيّداً ويعرف خفايا سكّان منطقة الخليج بكل حذق، وبعد دراسات مستفيضة ومتيقظة ونبهة ومتمرّسة ومهنية توصّلت المخابرات الأمريكيّة بأن محاربة السعودية سوف لن تكون في مصلحة أمريكا بإعتبار أن السعوديّة هي قبلة المسلمين في كل مكان في العالم، وإذا حاولت أمريكا محاربة السعودية جهارة فسوف تهب كل الدولة الإسلاميّة لنجدة السعودية، وسوف تقوم الجاليات الإسلامية في كل أنحاء العالم بعمليات إنتقامية ضد أمريكا والغرب. من هنا كان إختيار محاربة السعودية والقضاء على الأسرة الحاكمة أمر غير موضوع في الحسابات المخابراتيّة بسبب تلك الإعتبارات التي ذكرت. خرجت من رحم كل تلك الإحتمالات فكرة ذكيّة وفي العمق سرعان ما تبنّاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحيث أن ترامب يمتلك شجاعة ومثابرة وإقدام مقارنة بمن سبقوه وخاصّة الديموقراطيين مثل كلينتون وأوباما فقام دونالد ترامب بنفسه مع زوجته ميلانيا وإبنته إيفانكا وزجها النبه والحاذق جداً جارد كوشنر بزيارة السعودية بعد أن تم التمهيد الكبير لتلك الزيارة بمساعدة إبن الملك سلمان سفير السعودية في أمريكا حينها محمّد بن سلمان وآخرين من المقرّبين والنافذين في النظام السعودي، وبالفعل حظيت تلك الزيارة بإهتمام منقطع النظير في داخل المملكة السعودية وفي كل المنطقة. 
وكان أن عقدت إتفاقيات تجارية بمئات المليارات من الدولارات، ولكن الأهم من كل ذلك هو ترهيب النظام الحاكم في السعوديّة وتخويفه من إيران بعد أن تم تصوير إيران كقوة عظمى وبوسعها إلتهام السعوديّة في عدة أيّام. الأسرة الحاكمة السعودية كان شغلها الجوهري هو قوّتين: قوّة داخلية وهي الوهابيّون، وقوة خارجية وهي إيران "الفارسية". تعهّد الرئيس الأمريكي ترامب بتحجيم كل تلكما القوّتين وأكّد لملك السعوديّة وأصحاب القرار فيها بأنّه بوسع أمريكا حماية الأسرة الحاكمة من الوهابيّين ومن الفرس.
بسبب كل تلك البرامج الأمريكيّة الإستراتيجية والمدروسة بكل عناية نشهد الآن إنفلات الأسرة الحاكمة في السعودية التدريجي والمدروس من مخالب الوهابيّين وتأمينها من "أطماع إيران " في مملكة آل سعود لتحكّمها في الآماكن المقدّسة و نشر "الفكر الشيعي" في المنطقة.
نحن نرى وبخطى واثقة نجاح المشروع الأمريكي للقضاء على الإرهاب من موطنه ومن مكان تفريحه بدون إحداث أية ضجّة أو تسخين لأية جهة إسلامية وفي أي مكان في العالم. بل على العكس، نجحت أمريكا بخطّتها الذكيّة تحويل السعودية الآن في عيون كل المسلمين في العالم إلى دولة متنكّرة لتعاليم الإسلام "السمحاء"، حتى أننا اليوم نرى كل العالم الإسلامي وهو يسخر من تصرّفات محمد بن سلمان وكيف أن والده يوافقه على كل تصرّفاته "الرعناء"، وبقية القصة التي نعرفها ونقرأ تفاصيل جديدة لها في كل يوم مع الإبقاء على قضيّة "الخاشوقجي" مفتوحة وتكليف قطر بالقيام بدور مدروس ومبرمج ومعد مسبقاً على أن تؤدّي قناة الجزيرة الدور المرسوم لها بكل عناية ومثابرة وإتقان.