2017/02/23

القوّات المسلّحة "العربيّة" الليبيّة والقرارات المصيريّة


  أنا ربّما أعتبر نفسي من أكبر المطالبين بالجيش والشرطة والقانون والتناوب السلمي على السلطة في كل ربوع ليبيا، ولم يكن هذا مطلبي اليوم ولا الأمس، ولكن منذ أن خرجنا في عام 1975 في مدينة بنغازي في أوّل مظاهرة علنيّة ضد نظام الطاغية معمّر القذّافي حينما كان في أوج أيّام عظمته وجنونه وأحلامه المريضة التي جعلته يعيش في عالم الأوهام حتى قضى نحبه وهو يحلم ويتصوّر ويتمنّى.
لا يمكن لأي دولة وفي أي مكان في العالم بأن تكون دولة وتستمر كدولة بدون وجود تلك "العرصات الأربع"، وهذه بديهيّة علينا كلّنا كليبيّين وليبيّات تجنّب الخوض فيها أو التجادل حولها. بكل تأكيد يمكننا مناقشة الكيفية والآلية والمهام والمرجعيّة، لكن تلك الآساسيّات من وجهة نظري علينا القبول بها والعمل على تأكيد تثبيتها في بلادنا.
الذي دعاني لكتابة هذا الموضوع هو ما ورد إلى مسامعي من ممارسات من طرف رئيس الأركان العامة اللواء عبدالرازق الناظوري الحاكم العسكري للمنطقة الممتدة من مدينة درنة شرقًا وحتى بن جواد، والتي أراها كمواطن ليبي خارجة عن مهامه وإختصاصاته، وأرى بأنّه يتوجّب عليه إحترام مهنته وأن يفتئ في أشياء يفهمها وأن يبتعد عن الإفتاء في أشياء هي ليست من إختصاصاته ولا أعتقد بأنّه يفهم فيها أي شئ.

كانت البداية بدعوته لشيخ من شيوخ الوهابيّة المتخلّفة المدعو أسامة بن عطايا العتيبي(إسمه الحقيقي:أبو عمر آسامة عطايا الأردني)، الذي كان قد وصل إلى بعض مدن المنطقة الشرقية، يوم 8 يناير الجاري، للإشراف على دورة دينية تحت مسمى "دورة الكرامة"، بدعوة من "القيادة العامة للقوات المسلحة" بحسب بيانين صادرين عن كل من الهيئة العامة للأوقاف التابعة للحكومة المؤقتة والمجلس البلدي اجدابيا.
وكان العتيبي قد دخل مدينة طبرق، ضمن جولة له في أغلب مناطق ليبيا بهدف التبشير بالوهابيّة السعوديّة المتخلّفة رغم معارضةة الأجهزة الأمنية وعميد البلدية، وسط حضور مكثف من اتباع ما صار يعرف بـ«السلفية المدخلية»، وتحت حراسة مشددة من جهاز الأمن الرئاسي التابع لمجلس النواب.... دعوته لذلك لمتخلّف بأن يلقي دروس في مناطق مختلفة من ليبيا بدون الرجوع إلى سلطات الدولة التشريعيّة أو التنفيذيّة.
وفي خطبة الجمعة التي ألقاها بمدينة اجدابيا، رحّب العتيبي بمصادرة المصالح الأمنية بمدينة المرج عشرات الكتب، مؤكّدا أنّهاا "تروّج للبدع والضلال والتشيّع والإلحاد والإنحلال والشذوذ"، منبها من "خطورة هذه الافكار"، ومحذّرا من "دراسة الفلسفة"، كما هاجم من أسماهم بـ"العلمانيين والصوفيين والخوارج والإخوان"، على حد وصفه.

يذكر أن العتيبي نفى في لقاء تلفزيوني مع قناة «ليبيا الحدث» دوران الأرض قائلاً: «إن الأرض ليست كروية ولا تدور»، كما اعتبر الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف «بدعة ولا يجوز».


كانت البداية بدعوته لشيخ من شيوخ الوهابيّة المتخلّفة المدعو أسامة بن عطايا العتيبي(إسمه الحقيقي:أبو عمر آسامة عطايا الأردني)، الذي كان قد وصل إلى بعض مدن المنطقة الشرقية، يوم 8 يناير الجاري، للإشراف على دورة دينية تحت مسمى "دورة الكرامة"، بدعوة من "القيادة العامة للقوات المسلحة" بحسب بيانين صادرين عن كل من الهيئة العامة للأوقاف التابعة للحكومة المؤقتة والمجلس البلدي اجدابيا.
وكان العتيبي قد دخل مدينة طبرق، ضمن جولة له في أغلب مناطق ليبيا بهدف التبشير بالوهابيّة السعوديّة المتخلّفة رغم معارضة الأجهزة الأمنية وعميد البلدية، وسط حضور مكثف من اتباع ما صار يعرف بـ«السلفية المدخلية»، وتحت حراسة مشددة من جهاز الأمن الرئاسي التابع لمجلس النواب.... دعوته لذلك لمتخلّف بأن يلقي دروس في مناطق مختلفة من ليبيا بدون الرجوع إلى سلطات الدولة التشريعيّة أو التنفيذيّة.
وفي خطبة الجمعة التي ألقاها بمدينة اجدابيا، رحّب العتيبي بمصادرة المصالح الأمنية بمدينة المرج عشرات الكتب، مؤكّدا أنّها "تروّج للبدع والضلال والتشيّع والإلحاد والإنحلال والشذوذ"، منبها من "خطورة هذه الافكار"، ومحذّرا من "دراسة الفلسفة"، كما هاجم من أسماهم بـ"العلمانيين والصوفيين والخوارج والإخوان"، على حد وصفه.

يذكر أن العتيبي نفى في لقاء تلفزيوني مع قناة «ليبيا الحدث» دوران الأرض قائلاً: «إن الأرض ليست كروية ولا تدور»، كما اعتبر الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف «بدعة ولا يجوز».

ويثير العتيبي جوّا من الجدل منذ وصوله ليبيا قبل شهر تقريبًا، بدعوة من القيادة العامة للجيش، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي الليبية نسخة منها، بسبب عديد الآراء التي يطرحها، وكان آخرها ما أعلنه في مقابلة له مع قناة «ليبيا الحدث»، بقوله «إن الأرض لا تدور».

والعتيبي المكنى أيضًا بـ«أبوعمر» هو فلسطيني الأصل وكان قد سبق له القتال في أفغانستان وهو أحد تلاميذ الشيخ السعودي ربيع المدخلي الذي أفتى بهدم مقام الشيخ عبد السلام الأسمر في زليتن خلال أغسطس العام 2012.

لا أدري ما هي علاقة رئاسة الأركان بمثل هذه الأشياء، ولماذا تقحم رئاسة الأركان نفسها في أشياء لا تخصّها ولا يفهمها من يديرها ويشرف عليها؟.
القرار الثاني الذي أصدره السيّد الناظوري يتعلّق بمنع سفر المرأة الليبيّة بدون محرم. ماذا يفهم اللواء الناظوري في شئون الدين، وبأي صفة يسمح لنفسه الدخول في معامع هي أكبر من فهمه وأبعد من تقديره وأوسع من مداركه؟.
هل قرار منع سفر المرأة بدون محرم سوف يحمي السيادة الليبيّة، وهل يعيد لليبيا هيبتها ومكانتها التي ضاعت وتبخّرت منذ 17 فبراير 2011؟. هل مثل هكذا قرار له علاقة إطلاقاً بالجيش والأمن والسيادة ومعارك القتال؟. ألم يكن الأجدر باللواء الناظوري التركيز على مشروع تحرير بنغازي من الدواعش الذين نعرف بأن مصدرهم هي السعوديّة ومفرّخهم وحاميهم هو الفكر الوهابي المتخلّف الذي يطبّل له اللواء الناظوري بذلك الشكل الذي يتناقض مع مشروع محاربته للإرهاب والفكر الداعشي الذي مصدره هو الفكر الوهابي المتخلّف والذي أضرّ بالإسلام أكثر من إضرار الحملة الصليبيّة وكل ما تعرّض له الإسلام منذ وفاة النبي محمّد عليه السلام وحتى يومنا هذا. هل بربّكم أن قرارا سخيف وتافه مثل هذا سوف يحرّر بنغازي أو حتّى يحرّر العمارا الإثنى عشر التي مازال الجيش عاجزاً عن تحريرها من أيدي بعض العشرات من مقاتلي داعش رغم صغر مساحة المنطقة التي تقع فيها هذه العمارات... ودعنا في هذا الشأن من التحدّث عن تحرير ليبيا ككل؟.
هناك جانب آخر لا يمكن إهماله في بلد قلنا بأننا ثرنا فيها ضد حكم القذّافي من أجل الحريّة ومن أجل سيادة القانون والفصل بين السلطات... فهل يحق للواء الناظوري إصدار مثل هكذا قرارات التي يجب بأن تصدر من الجهة التشريعيّة في الدولة الليبيّة وهي مجلس النوّاب؟. ماذا يمثّل السيّد الناظوري أكثر من كونه رئيساً للأركان، وتم تعيينه من قبل القائد العام للجيش - وليس مجلس النوّاب - ليكون حاكماً عسكريّاً ؟. كونه حاكماً عسكريّا يجب بأن تكون تلك لمرحلة مؤقّته تقتضيها ظروف ومتطلّبات عملية التحرير وليس أكثر من ذلك بيوم واحد إن كنا بالفعل نسعى إلى بناء كيان ودولة ومشروع حكم عصري ومتمدّن. إذا كان اللواء الناظوري أو السيّد القائد العالم للجيش يحلمون بحكم ليبيا بعد تحريرها فهما واهمان. ليبيا سوف لن يقبل شعبها إطلاقاً ومهما كانت المبرّرات بحكم العسكر بعد ذلك الذي عانى منه الشعب الليبي طيلة العقود الأربعة الماضية على يدي طاغية عسكري سوف لن يقبل هذا الشعب بتكرار شبيه له من جديد.

وقبل أن أختم هذا المقال المتواضع أود أن أنوّه إلى أنّ اللواء الناظوري من وجهة نظري وحسب تخميني هو ليس من الوهابيين ولا هو من المتشدّدين في الدين ولا هو من تيّار الإسلام السياسي ودليلي البسيط على تخميني هذا هو أنّ اللواء الناظوري يحارب كل تلك الجماعات والتنظيمات الدينيّة وكل تجّار الدين الذين ينفقون عليهم ويدعمونهم.
من هنا يمكن القول بأن اللواء الناظوري ليس من رغبته ولا من توجّهاته ولا من إهتماماته التعامل مع تجّار الدين بأي شكل من الأشكال، لكنّه ربّما وجد نفسه مرغماً للإستجابة للتيّار السلفي في بنغازي والذي إعتمد عليه بكل قوّة في مشروع تحرير بنغازي وكأنّي به الآن يرضخ للشروط ويحقّق لهم ما ربما كان قد وعدهم به قبل أن يقبلوا بالقتال معه، وربّما يمكن القول من باب حسن النيّة بأنّ قيادة الجيش الوطني إنّما هي تحاول رد الجميل لجماعة حاربت معها وناصرتها في وقت كانت فيه في أشد الحاجة لمن يناصرها.
هذا التفكير قد يقودنا إلى التعرّض للمثال السعودي في هذا الشأن، حيث تحالف الوهابيّون مع آل سعود للسيطرة على الحكم في نجد والحجاز؛ ولولا ذلك التعاضد لما تكوّنت المملكة السعودية على الإطلاق في 23 سبتمبر 1932م. بكل تأكيد كان ذلك التعاضد بين آل سعود والوهابيّون هو الركيزة الوحيدة التي على إثرها تكوّنت المملكة السعوديّة وبقيت متماسكة بسبب التحالف "المصلحي" الوثيق بين آل سعود والوهابيّون، بحيث يشرّع الوهابيون ويحكم آل سعود وهو ما نراه اليوم في تلك المملكة التعيسة التي نعرف بأنّها عاشر أقل دولة في العالم من حيث إنعدام الحريّة لشعبها، وبأنّها أكثر بلاد العالم المنتجة للنفط تلويثاً للبيئة، وهي من أكثر بلاد العالم في طغيان الحكم لأنّها مملكة إقطاعية وغير دستوريّة حيث يحكم فيها آل سعود بسلطة تشريعية وسلطة تنفيذية بدون الخضوع لأي نوع من المحاسبة (حكم ملكي مطلق).
في هذا الشأن يحق لنا في ليبيا بأن نخاف على بلادنا وأن نخاف على أنفسنا، فسوف لن نسمح إطلاقاً بأن تحكم ليبيا على نسق نظام الحكم السعودي؛ ومن هنا يتوجّب علينا محاولة النظر إلى ما هو أبعد من مجرّد دعوة شيخ سلفي وهابي لإلقاء دروس وعظ أو مجرّد منع النساء من السفر بدون محرم.
في الختام أود أن أحيي الجيش الليبي على التضحيات الكبيرة من أجل ليبيا ومن أجل تحريرها من سطوة تجّار الدين من الدواعش والمشعوذين من أنصار الشريعة والإخوان والوهابيين، وتمنّيت لو أن جيشنا البطل حافظ على زخمه وإنتصاره بدون تدخّل قياداته في أمور ليست من التحرير في شئ، وليست من الوطنيّة في شئ، ولا علاقة لها بمشروع بناء الدولة الليبيّة العصريّة والحديثة. وأود هنا أن أنبّه أيضاً إلى أنّه وقبل أن يتحوّل الشعب الليبي من إحتضان الجيش ودعمه والوقوف إلى جانبه... قبل أن يتحوّل هذا الشعب من دعم الجيش إلى التوجّس منه والإبتعاد عنه بسبب إقحام هذا الجيش الوطني في أمور لا تعنيه ولا تهمّه ولا علاقة لها بحربه على الإرهاب الذي يدعو إليه هذا المشعوذ الذي تستظيفه قيادة الجيش الليبي بما يوحي بوجود تناقض كبير في نوايا قيادة الجيش ومساعيها المعلنة لتحرير ليبيا من أشباه هذا المتخلّف.
أتمنّى من كل قلبي بأن تنأي قيادة الجيش بنفسها عن الدخول في صراعات رجال الدين الذين تتعارض طرق تفكيرهم مع مشروع بناء دولة وبناء مستقبل وبناء إنسان عصري يؤمن بالدين القويم الذي أنزله الله على نبيّه محمد عليه السلام قبل أن يفسده رجال الدين بتعاويذهم وترهاتهم التي لا تتماشى مع إرادة الله في الكون وفي تدبّر شئونه.
كذلك أود هنا أن أدعو قيادة الجيش بأن تتخلّص من عنجهيّتها التي ربما هي ورثتها من نظام الطاغية القذّافي، وذلك بأن تكون قيادة الجيش أكثر قرباً من الشعب الليبي - كل الشعب الليبي بدون إستثناء - حتى يطمأن الشعب إليها ويقف معها ويناصرها؛ ومن خلال مناصرة كل قطاعات الشعب وعرقيّاته وتنوّعاته تستطيع قيادة الجيش بسط نفوذها على كل التراب الليبي حتى يكون بوسعها بعد ذلك تطهير كل ليبيا من هذا الدنس الذي لحق بها منذ إعلان ما يسمّى بالتحرير في أكتوبر 2011، حيث عبث ببلادنا كل شذّاذ الأفاق والدجّالين وسماسرة الثورية وتجّار الدين ومن حينها ونحن نسير بسرعة نحو الهاوية بعد أن أضعنا بلداً كان يحظى بإحترام دول العالم وكانت تهابه كل الجرذان التي خرجت تزحف على كل شئ في ليبيانا الحبيبة لتفسده وتبعثره وتقطّعه إرباً إرباً. على قيادة الجيش الليبي أن تراجع مواقفها المتصلّبة تجاه إخوتنا الغير عرب من الآمازيغ والتوارق والتبو وبقية الإثنيات التي تنتمي إلى ليبيا وتستحق بأن تحترم وتقدّر وتعتبر. على قيادة الجيش الليبي التواصل مع أهلنا الآمازيغ ومع أهلنا التوارق ومع أهلنا التبو بكل حنيّة وبكل أخويّة لتطمأنهم وتخفّف من إرتيابهم وإنزعاجهم من نوايا الجيش نحوهم خاصّة مع إصرار قيادة الجيش على إستخدام عبارة "الجيش العربي الليبي" أو "القوّات المسلّحة العربيّة الليبية" حيث أن إستخدام "العربية" سوف لن يغيّر أي شئ من الأمر الواقع، لكنّه في المقابل كان قد أثار الكثير من الحساسيات التي نحن في غنى عنها ليس في الظروف الحالية فقط، وإنّما في ليبيا اليوم وغداً وإلى قيام الساعة. أتمنّى بأن تحاول قيادة الجيش التفكير العميق في الأشياء بدل التمادي بالتشبّث بالظواهر والقشور التي كانت هي الثقافة السائدة في عهد نظام الطاغية معمّر القذّافي الذي ثارعليه وأسقطه كل الشعب الليبي بعربه وآمازيغه وتبوه وتوارقه، ولا فضل في ذلك لمجموعة على أخرى.