2016/09/24

أُعيد المسروق إلى أهله فغضب السُرّاق

أعلنت المؤسّسة الوطنيّة للنفط خلال اليومين الماضيين عن شحن أكثر من نصف مليون برميل من النفط من طبرق إلى إيطاليا وأكثر من نصف مليون آخر من الهلال النفطي إلى إسبانيا. وكانت هذه المؤسّسة - التي أعتبرها أشرف وأنقى ما تبقّى في بلادنا- قد أعلنت عن تصدير كمّيات مشابهة في الأسبوعين الماضيين بعيد تحرير موانئ النفط من السرّاق والمنافقين وقبيل محاولتهم الفاشلة لوضع أيديهم القذرة من جديد على أرزاق الليبيّين والليبيّات؛ لكنّ الجيش الوطني - وهو بالفعل برهن على أنّه جيشاً وطنيّاً بإمتياز - قام بدحرهم ثانية وقد تكون هذه المرّة هي الخاتمة بالنسبة لهم، وسوف تكون شبيهات لها ختام مسك لنصف عقد من الكذب على الليبيّين والتغوّل عليهم بإسم الله وتحت مظاهر التديّن التي بدأنا نراها على وجوه ومتون المنافقين الجدد والذين تبيّن لنا وللأسف بأنّهم أكثر وأشد نفاقاً ممّن سبقوهم في عهد الطاغية القذّافي.

هل تعلمون يا أيّها الليبيّون والليبيات ماذا يعني بالنسبة لكم هذا الإعلان؟. إنّه يعني الكثير، والقليل منه فقط ألخّصه لكم في هذه النقاط:
  1. توفير سيولة مالية لكم تزيد عن 50 مليون دولار في أقل من أسبوع.
  2. أن المؤسّسة الوطنية للنفط هي حريصة على أموالكم وتسعى لإعادة الرخاء إليكم.
  3. أن هناك صدق ومصداقيّة بالنسبة لمن يحرس نفطكم الآن ويسهر على سلامته.
  4. أن مجرّد الإعلان عن التصدير يعني وضع كل المردود تحت المحاسبة والمتابعة القانونية.
  5. أن زمن الكذب عليكم وبيع نفطكم في السر قد إنتهى، أو على الأقل في طريقه للإنتهاء.
من هنا أنا أرى يا أيّها السادة والسيّدات بأنّ ما جرى خلال الآسابيع الماضية من تحرير الجيش للموانئ النفطية وإفتكاك أرزاقكم من بين فكوك السرّاق كان عملاً وطنيّاً بإمتياز، وكان الهدف منه إعادة حقوقكم المغتصبة إليكم.
من هنا علينا أن نرى جميعاً كليبيين وليبيات بأن من غضبوا وحنقوا وإشمأزّوا وثارت ثائرتهم بسبب إنتصار الجيش هم "السرّاق" الذين كانوا يسرقون قوت يومكم ويحرمونكم من ثروة بلادكم.
من هنا علينا جميعاً أن نرى ونعرف ونتيقّن بأن دولة بلا جيش هي بصدق زريبة بلا حرّاس يدخلها من يشاء وينهب منها من يشاء وكما يشاء بكل سفاقة وعدم حياء.

ألم تحسّوا معي بأنّنا خلال الخمسة سنوات الماضية بقينا كلّنا ضحيّة لكذب وبهتان ونفاق تجّار الدين والمتستّرين بعباءة الإيمان، ومرتزقة الثوريّة والمتلحّفين بعباءة الوطنيّة، و"الأخيار" الذين إستغلّوا طيبتنا أولاّ وسذاجاتنا ثانياً وعجزنا ثالثاً فكشّروا لنا عن أنيابهم بعد أن عرفوا بأننا لم نعد بقادرين على ردعهم بعد أن روّضونا ثم إستكانوننا حتى أصبحنا بفعل "أسحارهم" الخبيثة علينا مجرّد قطيع من الأغنام لم نعد نقدر حتى على الغثاء.؟.

أيّها السادة والسيّدات يا أبناء وبنات الشعب الليبي... لقد أصبح الآن كل شئ واضحاً للعيان، وبالفعل كشف ضوء النار وجوه وسحنات السرّاق والكذّابين والمنافقين الذين وللأسف أفرزتهم ثورتكم الوطنية في 17 فبراير 2011 وكشفت لنا الأيّام عن بواطنهم بعد أن إستطعنا النظر تحت عباءاتهم التي كتبوا عليها "الله أكبر" و"بإسم الله"، و"تطبيق الشريعة"، و"الصحوة الإسلاميّة" وما إليها من تلك العبارات التي لعبت بعقول الكثير منّا وخدّرت الكثير منا ومازال وللأسف بيننا من ظلّ يصدّقها ويرضى لنفسه وأفراد أسرته بأن يستمرّوا ضحايا لها.

يا أيّها السادة والسيّدات... لم يبق لنا غير التفكير بعقولنا وفتح عيوننا وإبعاد الغشاوة عن نواظرنا حتى نرى معالم طريقنا واضحة أمامنا فنعرف أين نضع أقدامنا ونعرف ماذا عساه أن يكون مخبأ لنا حتى ربّما نتمكّن من إزاحته فنتجنّب مخاطره ومثالبه التي قد نكون غير مستعدّين لها أو محتاطين منها.

لقد حان لنا بأن ننظر حولنا ونتفحّص وجوه من يخرج أمامنا ليكذب علينا حتى يواصل إستغلالنا مستفيداً من طيبتنا أو سذاجتنا أو جهلنا أو عدم درايتنا. لقد حان لنا بأن نقولها واضحة وصريحة وقويّة... كفاكم يا أيّها المنافقون والأفّاقون كذباً علينا فليس لنا في بلادنا غير تلك الأسس التي طبّقها غيرنا فنجح بها، وتلك الأسس هي "أنظمة الحكم العصريّة".... فلا يمكن لدولة - وأية دولة - من أن تنهض وتقوم وتسير إلى الأمام في وجود مليشيات مسلّحة توازي الجيش، ولايمكن لدولة أن تستقر في وجود قبائل وطوائف دينية وجماعات تبحث عن سلطة.
الدولة الحديثة لابدّ وأن تتعامل بمعطيات العصر الذي تعيش فيه، ومعطيات عصرنا واضحة لمن بالفعل يبحث عن مخرج لليبيا من هذه الفوضى التي جلبت إليها. ليس لنا غير أجهزة عصرية متعارف عليها في ثقافة زماننا الذي نعيش فيه وهي: سلطة تشريعية ينتخبها الشعب بكل حريّة، سلطة تنفيذية متمدّنة وعصرية، سلطة قضائيّة نزيهة ومهنية، جيش وطني محترف وبكل إنضباطيّة، وشرطة متمرّسة تلتزم بالقانون والنظام وتعمل تحت السلطة التنفيذية.
فليكن ذلك هو ديدننا، ولتكن تلك هي غايتنا.... ولنعمل معاً لبلوغ ما نصبوا إليه وتحقيق جلّ ما نحلم به قبل أن يتجاوزنا قطار الزمن وتتوارى عن أنظارنا سفينة الحياة.