2019/12/05

بعيداً عن الأحقاد والفتن... إنّها لحظة الإنتصار للوطن

حينما ينظر الإنسان حوله بشئ من التفكير والتعقّل فإنّه قد يرى أشياء لا يقدر غيره على رؤيتها وقد يحسّ بأشياء لا يحسّ غيره بها. إن التعقّل والتدبّر والتفكير هي وسائلنا الوحيدة لفهم واقعنا والتعامل مع متطلّبت حياتنا... فهل ننظر ونعتبر؟. 
كلمة صادقة ومخلصة ومن القلب أوجّهها لكل الإخوة الأخوات أبناء وبنات ليبيا بدون إستقصاء وبدون تخصيص وبدون تحبيذ لطرف على الآخر.... إنّها وبصدق اللحظة التي علينا بأن لا نتركها تذهب من أمام أعيننا بدون أن نستفيد منها. إنّها بالفعل لحظة الإنتصار لليبيا، وهي بكل تأكيد تعني الإنتصار لأنفسنا ولذواتنا ولكرامتنا... إنّه الإنتصار لبلدنا والذي يعني الإنتصار لنا ولكل أهلنا.
بغض النظر عن حبّكم أو كرهكم للمشير خليفة حفتر، فهو يبقى في نهاية المطاف الإنسان الوحيد الذي حاول بكل مهنيّة وبكل فعاليّة وبكل هدوء بناء جيش لليبيا في أوضاع أقل ما يقال عنها بأنّها شبه مستحيلة. وبرغم كل ذلك تمكّن الرجل من خلق جيش من لا شئ، وتمكّن بذلك الجيش الوليد من تحقيق إنتصارات لا يمكن أن ينكرها إلّا من يكره ليبيا ولا يحفل بما يعانيه الشعب الليبي.
الذين يتابعون الأحداث في بلادنا منذ ثورة 17 فبراير 2011 يعرفون جيّداً كيف تحوّلت الثورة الشبابية الصادقة والمخلصة إلى نهب ونصب وإحتيال على إرادة الشعب الليبي، وإلى إستغلال ممنهج لذلك الفراغ السياسي الذي أوجدته الثورة بعد قضائها على نظام القذّافي. لقد إستغل الحقراء بصدق ثورة الشعب الليبي وحوّلوها إلى مغانم إستفادوا منها هم ومن كان يقف معهم أو يدعمهم.
وبرغم تلك الإنتخابات النقيّة والنزيهة وبرغم تلك المشاركة الكبيرة والحماسية من أبناء وبنات الشعب الليبي في وضع اللبنات الأولى للديموقراطية في بلادنا؛ إلّا أن الطامعين والجشعين لم يعجبهم أن يروا الشعب الليبي وهو يهب لبناء دولته فما كان منهم إلّا وأن تآمروا على حرية الشعب فأبتسروها في مهدها وسيطروا على كل شئ في بلادنا وبدون خجل أو حياء. حاول الشعب الليبي تصحيح المسار وذلك بالخروج ثانية للمشاركة في إنتخابات أخرى كانت نقية ونزيهة لكن الحقراء لم يرقهم ما رأوا فإنقضّوا على العاصمة ودمّروا مطارها ثم إذا بهم يزحفون عليها بالقوة وبالغطرسة حتى أصبحت العاصمة تحت قبضتهم وهم يعرفون يقيناً أنّه في بلدان العالم الثالث حينما تستولي على العاصمة فإنّك في الواقع كنت قد إستوليت على كل البلد وعلى إرادة أهل البلد.
حينما شرعت تلك القوى الطغيانيّة في مشروع الإستيلاء على البلد وبأية وسيلة لم يكن هناك موجوداً المشير خليفة حفتر، ولم يكن هناك أي شئ إسمه الجيش الليبي... لم يكن هناك أي مشروع أو محاولة لبناء دولة على الإطلاق. كان خروج اللواء حينها خليفة حفتر على العلن وإعلانه عن البدء في تشكيل لبنة للجيش الليبي بعد كل ذلك الذي حدث في بنغازي وبقية المناطق الشرقية من بلادنا.. كان الخروج في عام 2015 هو ليس أكثر من غيرة على الوطن، ليس أكثر من الشعور بالغبن، ليس أكثر من محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بهدف القضاء على المحن.
لقد نجح المشير خليفة حفتر في تكوين جيش ونجح بذلك الجيش - برغم كل المحاذير - نجح بذلك الجيش في تحرير أغلب التراب الليبي من مغتصبيه وهو اليوم بجيشة الوليد يحيط بالعاصمة من كل مكان وينتظر في اللحظة المواتية لدخول العاصمة. ومع أنّه يقدر على دخول العاصمة هذه الليلة إن هو أراد، لكنّ الرجل له تقديرات وله إعتبارات وله حساباته الخاصة التي تمنعه من تدمير العاصمة أو إلحاق الأذى بأهلها. إنّه يحسب ويقدّر ويتصرّف بكل حكمة وإقتدار... فهل آن لنا بأن نخرج عن صمتنا وأن نعلنها قويّة وصادحة بأننا مع المشير بأننا مع الجيش الوطني الليبي وبأننا بصدق مع بلدنا ومع أهلنا ومع الإنتصار لكرامتنا؟.
المشير حفتر بإعتباره قائداً لذلك الجيش الوليد سوف يحقق الإنتصار وسوف قطعاً يدخل العاصمة وسوف يطرد كل الحقراء الذين سلبوا إرادة ومدخّرات الشعب الليبي، فهل بوسعنا أن نراها كذلك، وهل بوسعنا أن نخرج عن صمتنا لنعلنها وبكل قوة بأننا مع الجيش وبأننا ضد المليشيات وضد كل تلك الجماعات الفاسدة التي تسيطر على العاصمة الآن؟.
أنا شخصيّاً أراها فرصتنا السانحة لأن نقف مع بلدنا من أجل أنفسنا ومن أجل كل أهلنا... فهل نمتلك الشجاعة لنصدح بها عالية..... نحن مع ليبيا ومع كل من يعيد لنا كرامتنا.

2019/11/15

ملتحيان يتحدّثان عن الجان والشيطان

حينما تكون خاوياً في داخلك، ووجلاً في أحوالك، وغير دارٍ بما يطوف حولك، وغير واثقاً في قدراتك، وغير حاسّاً بقوّة إرادتك... حينما تكون أنت كذلك، فإنّ أيّ من المحيطين بك قد يزرع الوساوس في داخلك، ويفقدك ثقتك بنفسك، ويحوّلك إلى وجل تصدّق كل الخرافات وتؤمن بكل الخزعبلات.... ومن حينها تصبح في حساباتك مسحوراً يؤمن بتأثير الجن وتصدّق كل الخرافات. 
إستمعت هذا المساء قليلاً جدّاً على قناة "الحدث" الليبيّة إلى ملتحيين يتحدّثان عن الجان، وكان أحدهما يحثّ الناس على قراءة تلك السورة أو ذلك الدعاء للتخلّص من الجن وإبعاد الشياطين. أنا لم أتمكّن من متابعة الإستماع لأنّني بصدق أحسست بأنّه مازال بيننا من يصر على العيش في عوالم أخرى بعيدة كل البعد عن عالمنا الذي نعيش فيه.
أنا لا أريد هنا أن أناقش ما كانا يقولانه، فذلك كنت رأيته كلام لا معنى ولا قيمة له... بصدق كلام تافه لا معنى ولا قيمة له غير المزيد من تخدير عقول البشر الغافلين وفرض أفكار الجهل والتخلف عليهم بإسم الدين وبإسم القرآن وبإسم الله.
أنا من حيث البدء لا أنكر وجود الشياطين ولا أنكر وجود الجن ولا أنكر حتى وجود السحر؛ فتلك الأشياء كانت قد ذكرت في القرآن وأنا أؤمن بالله وأؤمن بكتابه فأؤمن يقيناً بكلام الله؛ وفي هذه الجزئيّة الصغيرة أنا أختلف مع الغير في تأثير السحر والجن على الناس. التأثير هو "نفساني" بإمتياز... أي أنّه "تخيّلي"، وسوف يقيناً وتأكيداً وبصدق عن سبق معرفة.... سوف لن تؤثّر فيك لا الجِنّة ولا الشياطين إن كنت أنت قويّ الإرادة وتعرف معالم طريقك. أمّا إن كنت أنت ضعيفاً وخائفاً ومرتجفاً فإنّ كل ما تسمعه أو تتخيّله أو تحلم به أو يقال لك قد يقلب لك حياتك إلى تعاسة وشقاء لأنّك حينها سوف تصبح أسيراً للوهم ومتأثّراً بما يوحى إليك.
أنا الذي أختلف فيه مع شيوخ الدين وخاصّة أولئك المتزمّتين منهم والذين تضيق بهم الأفق ولا يعيشون عالم اليوم بكل مخرجاته ومفرزاته وعلومه وإختراعاته وكذلك تحديثاته.. ما أختلف فيه معهم هو قناعتهم بتفاسير عفى عليها الزمن وإحتسابها من المسلّمات التي لا يحق لنا مناقشتها، أو مقارعتها، أو إختبارها، أو بكل تأكيد الشك في صحّتها.
أنا إنسان علمي ومنطقي وواقعي، وسبق لي أن درست دماغ الإنسان بكل إهتمام وبكل شغف وبكل تدبّر، ومارست مهنتي فيه بكل إحتراف وإقتدار ورغبة وحماس لأكثر من عقدين من الزمان، وأقولها بكل صدق أنني كلّما إطّلعت على معلومة جديدة أو إكتشاف جديد أو ناقشت فكرة مبتكرة مع أحد كبار العلماء في مجالي كنت دائماً أحاول ربطها بما ورد في القرآن؛ وحينما أعثر على أي إختلاف أو تباعد أو تجافي أفتح القرآن وأقرأ الآية الدالّة على ما أرى فيه الإختلاف من جديد فأدرسها في كل مرّة بعناية وبالكثير من التدبّر فأجد أنّني أفهم معنى الآية من جديد وكأنّني أقرأها لأوّل مرّة. أجد أن ما نعرفه اليوم حتى وإن بدا لنا بانّه يتعارض مع ما ذكر في القرآن فإنّما يدل ذلك فقط على أنّنا لم نفهم المقصود من كلام الله أو أنّنا ربّما كنّا فسّرناه في زمن مضى ووفق علوم ومعارف ذلك الزمان التي لا يمكن لها بأن تتماشى أو تتجانس مع عالم اليوم بما وصل إليه عالم اليوم من إختراعات وعلوم جديدة لم يكن بوسع إنسان الأمس حتى مجرّد التفكير فيها أو التنبوء بها.
حينما أصل إلى تفسير جديد للقرآن أقول في داخل نفسي بأن القرآن هو بالفعل صالح لكل زمان وكل مكان لسببين: أوّلهما أنّه كلام الله، والله أعرف بعالم الغيب. وثانيهما: أنّ كلام الله هذا لا يمكننا فهم مراميه ولا تفسيره بعلومنا مهما بلغت وفي أي زمان من حياة الإنسان، فالمعنى الحقيقي للقرآن لا يعلمه الّا الله. قال الله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}}... أنا بصدق أرى بأن هذه الآية هي بالفعل أهم آية في القرآن الكريم مع قناعتي بأن كل كلام الله هو بنفس الأهميّة لأنّه من عند نفس الإله.
وختامي لهذه المقالة السريعة أود أن أنبّه كل الإخوة والأخوات بأن يكونوا حذرين جداً من كلام شيوخ التعاسة مثل هذين الذين كانا يخرّفان على قناة "الحدث". سؤالي لهما هو بسيط ومتواضع: لماذا هو كل منهما كان قد حلق شاربه وترك لحيته هكذا مثل عشّ الغراب؟. على أيّ أساس إستند حينما ترك شعر لحيته ينمو وبدون الكثير من العناية والإهتمام، وعلى أي أساس حلق شاربه؟. ألم يخلق له الله الشارب واللحية معاً؟. لماذا جعل الله منطقة الشارب واللحية مكاناً لنمو الشعر عند الرجال ولم يجعل ذلك عند النساء؟. لماذا نحن نختار شعر الشارب لنزيله ونختار شعر اللحية لنتركه؟. هل هي خيارات شخصيّة أم أنّها من آوامر الدين الذي يؤمنان به؟.
أنا بحثت في القرآن فلم أجد أي شئ عن شعر اللحية أو شعر الشارب، ولم يذكر الله أي منهما إطلاقاً فيما يخص التديّن والعبادة، ولم يتحدّث الله عن أي منهما مباشرة أو غير مباشرة، فلماذا حلق أو ترك شعر الشارب أصبح اليوم من بين الشرائع عندنا؟. هل ذلك هو دين الله أم أنّه دين البشر الذي شوّشوا به على دين الله وجعلوه مبعثاً للشك والتخاصم بين أتباع دين الله من المسلمين؛ بل إن بعضهم (شيوخ التعاسة) من إعتبر ذلك من الأمور التكفيريّة ؟.
شيوخ الدين في عالمنا الإسلامي لا همّ لهم إلّا البحث عن أي شئ يختلف بشأنه المسلمون فيكونوا بذلك سبباً لنشر الفرقة والإختصام بين أتباع الديانة الواحدة والغرض: {{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ}}... بغياً بينهم.
يقول شيوخ التعاسة الذين يؤمنون بحلق الشارب وترك اللحية بأن النبي عليه السلام كان قد قال: (( قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين))... هذا بالطبع فيما ورد في تجميعات البخاري ومسلم والتي يطق عليها شيوخ التعاسة "الصحيحين" ويقولون عنهما: هذان الصحيحان "صحيح البخاري وصحيح مسلم" هما أصحّ الكتب بعد كتاب الله عزّ وجل. مع العلم بأن البخاري ومسلم كما نعرف لم يكونا من العرب، ولم يعيشا في زمن الرسول، ولم يذكرا مصدراً واحداً موثّقاً لأيّ من الآحاديث التي كانا قد جمّعاها بعد 200 سنة من وفاة الرسول. جمّعا كلاماً من أفواه بشر لم يعيشوا في زمن النبوّة ولم يقرأوا آحاديثاً مكتوبة على الإطلاق، ومع كل ذلك يعتبر شيوخ التعاسة بأن تلك الآحاديث هي "صحيحة" ولا تقبل الشك، ويصنّفان تلك التجميعات "الصحيحين" بعد القرآن مباشرة، وذلك بحد ذاته يعد تجنّياً ما بعده تجنّي وجهلاً مطبقاً بمجريات الأمور.
الدليل البسيط والمتواضع على ما أقول هو أن ذلك "الحديث" كان قد ورد على أشكال وصور مختلفة حسب الراوي: فعن حديث لإبن عمر يقول فيه عن النبي ﷺ أنّه قال ((قصوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين))، وفي مكان آخر يقول عن النبي نفسه: ((قصوا الشوارب ووفّروا اللحى خالفوا المشركين))، وفي مكان آخر قيل عن النبي أنّه قال: ((أحفوا الشوارب ووفّروا اللحى خالفوا المشركين)). وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنَه قال: ((جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس))!!. يقول شيوخ التعاسة موجّهين كلامهم لكل المسلمين: فهذه الأحاديث الصحيحة كلها تدل على وجوب إعفاء اللحى وتوفيرها وإرخائها وعدم قصّها أو حلقها، ولو طالت.... أنظروا إلى كلمة "وجوب" وهي تعني عندهم بمرتبة "الفرض"، فالواجب هو فرض حسب تقييمات شيوخ الدين عندنا. ثم، أنظروا إلى "الأحاديث الصحيحة" ... صحيحة بماذا وصحيحة عند من وبأي إثبات؟.
وقبل الختام، ليس لديّ ما أقوله أكثر من إختلاف شيوخ الدين وتخاصمهم في شأن حلق أو تحفيف أو قص الشارب، فقد إختلف شيوخ الدين في موضوع الشارب بين طائفتين... نحن هنا نتحدّث عن "مذاهب" بحالها:
القول الأول : أن السنّة هي الحلق بالكلّية ، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ، ورجّحه غير واحد من المحققين منهم .
القول الثاني : أن السنّة هي قصّ الشارب ، وأما حلقه فمكروه : وهو مذهب المالكية والشافعية ، وشدَّد الإمام مالك رحمه الله في ذلك .
فبأيّ رأي تأخذ إن كنت تستدل برأيهم وتأتمر بفتاويهم؟!....
وفي الختام لمن يبحث عن المفيد من الكلام... حينما يروي أولئك عن النبي قوله: (خالفوا المشركين))... فهل كان النبي إبراهيم مشركاً، وهل كان النبي نوح مشركاً، وهل كان النبي عيسى مشركاً، وهل كان النبي موسى مشركاً... فكلّهم كانت لديهم لحي وكانت لديهم شوارب طويلة؟. ألسنا نحن نحتاج فقط إلى القليل واليسير من التفكير والتدبّر قبل أن نعطي للناس أحكاماً نقول بأنّها من الدين، بل ونعتبرها من الفروض؟....تصبحون على خير، وجمعتكم مباركة.