2017/05/06

إنتخابات نبّوها... بسّ نأمّنوها


 بعد هذه الفوضى العارمة التي تعيشها بلادنا، وبعد أن تبيّن لنا طمع بعض الليبيّين وحبّهم المتيّم بالسلطة.... بعد كل ذلك الذي عانت منه بلادنا منذ أوّل إنتخابات حرّة ونزيهة في عام 2012 وحتى يومنا هذا. بعد كل ذلك أصبح واضحاً وجليّاً ومنطقيّاً وعمليّاً الإستنجاد بصناديق الإقتراع من جديد والإحتكام إلى صوت الشعب، فعسى أن يخرجنا ذلك المنحى من هذا المستنقع الذي وجدنا أنفسنا منغمسين في أوحاله العفنة حتى الذقون، وما ينقسنا إلّا إرتفاع منسوب مياه العفونة حتى الأنف فنقضي حينها غارقين في أوحال أفعالنا ومخرجات عقولنا الخامجة.
 نحن بالفعل في أمسّ الحاجة لخوض غمار إنتخابات جديدة وبأسرع ما يمكن من أجل تحديد من يحكمنا ومن يمثّلنا أمام بلاد العالم التي أضحينا أضحوكة للداني والقاصي فيها. نحن بكل تأكيد في حاجة ملحّة وعاجلة لإنتخاب برلمان جديد.... وفي هذه المرّة يتوجّب علينا عدم الإكتفاء ببرلمان، فنحن لا نعرف كيف نمضي في طريقنا بدون وجود رئيساً يراقبنا، وإذا أخطأنا يعاتبنا؛ أمّا إذا نحن تمادينا فيضربنا... وحينها فقط قد يقدر أن يوضّبنا وأن يحفّفنا وأن يهذّبنا. نحن قوم وللأسف لا نفهم بالهمز ولا باللمز ولا حتى بالغمز..... نحن فقط نفهم وننتظم ونستقم حينما تشهر العصاء الغليظة في وجوهنا، وحينما نعرف بأن من يراقبنا يقدر أن يضربنا.
 إنتخابات من حيث الإجراء قد يكون تنظيمها ليس من الأمور الصعبة، ولكن بعد أن قاسينا وعانينا وتعذّبنا وتأسّينا... علينا بأن نفكّر من الآن في الكيفيّة التي عن طريقها وبها نستطيع حماية مخرجات ما ننتخب.
 علينا بأن نكون على بيّنة ويقين ومعرفة بأنّه في وجود المليشيات المسلّحة سوف لن نقدر على حماية أي شئ، ومن هنا فإنّه يتوجّب علينا بأن نعترف جميعاً بأنّه بدون جيش موحّد يسيطر على كل شبر من الأرض الليبيّة بما في ذلك مداخلها ومخارجها فإنّّه يدخل في باب العبث مجرّد التفكير في إجراء إنتخابات جديدة، وهذه يجب بأن تكون معلومة ومفهومة ومهضومة.
وإنطلاقاً من هذا المفهوم فإنّني أقترح الآتي قبل التفكير في إجراء أية إنتخابات في ليبيا:
  1. تنقيح الدستور المؤقّت بما يتماشى مع المرحلة الحالية والإنتخاب على ضوئه.
  2. عدم التصويت على دستور دائم في هذه الأثناء الفوضويّة والهمجيّة والمسمومة.
  3. الإعتراف بحاجتنا إلى مرحلة إنتقالية أخرى وعدم التسرّع بالمطالبة بالمرحلة النهائيّة في هذه الأجواء.
  4. توقيف لجنة إعداد الدستور عن أعمالها إلى أن يتم النظر في كينونتها وكنهها وجديتها.
  5. العمل وبأية وسيلة على توحيد الجيش الليبي في كل أنحاء البلاد، وتحديد القيادات بما في ذلك القيادة العامة والقيادة العليا.
  6. سيطرة الجيش على كل شبر من الأرض الليبية وفرض القانون فيها وعليها بالقوة.
  7. إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر كاملة في كل أنحاء ليبيا يتم خلالها تنظيف البلاد من كل أنواع وأشكال الفوضى، ونزع السلاح من أيدي أية جهة غير تلك الي تخوّلها قيادة الجيش وبعلمها.
  8. يتم الرفع الجزئي لحالة الطورئ لتمكين الناس من الخروج بكل حرية إلى الشوارع والميادين وفرض صوت الشعب على الساحة في كل نواحي ليبيا.
  9. ضمان حريّة التعبير والتظاهر والتجمّع وتشكيل المناشط الإجتماعيّة بما فيها تنظيمات المجتمع المدني حرّة الإرادة تحت مظلّة القانون وحماية الجيش ولكن بدون تدخّله.
  10. إعادة تشكيل جهاز الشرطة وتفعيله.
  11. إعادة تشكيل جهاز القضاء والمحاكم وتمكينها.
  12. الشروع في جولة جديدة من إنتخابات حرّة ونزيهة يتمكّن خلالها الشعب من إنتخاب برلماناً متوازناً ومعبّراً عن إرادة الشعب، وكذلك رئيساً للدولة الليبيّة في إنتخابات مزدوجة تقام في نفس الفترة وبنفس الضمانات.

إنّنا إن فعلنا كل ذلك وكنّا صادقين في نوايانا وفي مساعينا، فإنّه يقيناً سوف يكون بوسعنا إجراء إنتخابات حرة ونزيهة في ربيع السنة القادمة كما تم التنويه إلى ذلك سابقاً . . . وربّنا يحمي ليبيا ويمكّن خيارها من حكمها والحفاظ على ثرواتها من النهب والسلب والإحتيال والنصب.

2017/04/29

دولة بلا جيش هي فوضى وضياع وطيش

تمكّن الإنسان عبر العصور وعبر التجارب وعبر التعلّم وعبر المحاولة والخطأ من رسم معالم جديدة لحياته، وبذلك فقد إنتقل إلى الأمام وإستطاع الإنسان المبدع أن يوصل بالبشريّة إلى ما هي عليه الآن... وسوف نشهد المزيد من التطوّر والتمدّن والتحضّر في وقتنا الذي سوف نعيشه؛ امّا من سوف يأتون من بعدنا فهم بكل تأكيد سوف يتنعّمون بحياة أروع وأفضل وأرقي بكثير من حياتنا التي نعيشها الآن. أنا هنا لا أقارن بحياة الإنسان القديم، وإنّما فقط أقارن حياة الإنسان في الأمس القريب جداً وحياة الإنسان اليوم وحياة الإنسان المنشودة خلال العقد القادم من الزمان... وأحلم كثيراً جداً برؤية ما يسرّ النفس ويبهر النظر.
بعد ثورة 17 فبراير 2011 دخلت ليبيا في فوضى بدأت صغيرة ولكن ما لبثت أن تعاضمت عبر السنوات الست الماضية، والسبب الجوهري في ذلك هو تغييب الجيش الليبي، وكذلك تغييب باقي مؤسّسات الدولة خاصّة ومنذ يوليو 2014 حينما قام الهمجيّون بالإطباق على مؤسّسات الدولة وتدميرها بعد أن سبقهم أمثالهم من الهمج في شرق البلاد بإغتيال بقايا الدولة في بنغازي وما حولها.
تم القضاء على ما تبقّى من ضبّاط الجيش، وتم القضاء على ما تبقّى من الأجهزة الأمنية وتمت إخافة عناصر الشرطة وترهيبهم بهدف إبعادهم عن الساحة حتى تخلو الأخيرة لكل عابث ولكل طامع ولكل مخرّب. وبالفعل دخلت ليبيا في فوضى لم تكن في أذهان ولا تفكير من قاموا بالثورة في عام 2011. تمّت إزالة الدولة بكل معالمها حتى يتمكّن الفوضويّون والهمج من فرض وجودهم على الساحة، وحتى يسرق الطامعون ما يريدون بدون أن يخرج عليهم من يردعهم أو حتى يقلق مضاجعم. دخلت بلادنا في فوضى، وعانى أهلنا من وقعها وتحوّلت ليبيا بالفعل إلى خرابة ومرتع لك الأفّاقين والمنافقين والدجّالين من داخلها ومن خارجها، وطمع فينا حتى الحقراء الذين كانوا لا يستطيعون التفوّة بعبارة واحدة ضد هذه الدولة قبيل ثورة 17 فبراير 2011.
في المقابل، رأينا بأن تونس التي سبقتنا بالثورة بثلاثة أشهر فقط قد تمكّنت بكل نجاح من إعادة بناء الدولة ونجحت تونس بسرعة فائقة من الإنضمام إلى طابور بلاد العالم السائرة إلى الأمام، وما نجحت تونس فيما نجحت فيه لولا حفاظ إخوتنا في تونس على جيشهم، ولولا وقوف الجيش المهني في تونس مع البلد وضد كل من حاول الإساءة أو النيل من ذلك البلد. نجحت تونس في المضي قدماً فقط لأنّ جيشها لم يمسّه ضرّاً ولآن مؤسّساتها كدولة بقيت متكاملة وفاعلة، ولآن كل من حاول العبث بتونس وجد من يردعه أو يبعده أو يزيحه.
نحن فشلنا فشلاً ذريعاً لأنّنا لم نمكّن جيشنا من إعادة تنظيم فئاته وأفراده، ولأن بعضنا وللأسف رأى الجيش عدوّاً مبيناً فقرّر التخلّص من ضبّاطه وخيرة المهنيين فيه. نحن فشلنا وللأسف لأنّه وجد بيننا من لم يكن يعترف بشئ إسمه الدولة العصريّة، ومن مازال يعتقد بأبجديات وثقافة العصور التي تجاوزها الزمن.
نحن الآن نجد أنفسنا تائهون ولانعرف لنا قراراً وذلك فقط لأنّنا فقدنا البوصلة... بوصلة العبور إلى الأمام وهي "الجيش". لا يمكن يا سادتي ويا سيّداتي لأية دولة في العصر الحديث بأن تكون دولة ويكون لها إعتباراً بدون جيش. لا يمكن تكوين دولة بدون جيش مهني ومحترف وقادر. هذه بديهة يتوجّب علينا الأخذ بها والإيمان بها والتفكير على أساسها إن كنا نرغب بالفعل في الخروج من هذا التيه الذي نعيشه الآن. علينا كليبيين وليبيّات بأن نقتنع قناعة لا جدال فيها بأنّنا بدون جيش سوف لن نتمكّن من بناء دولة ولو جلبنا كل العالم ليعيننا على تحقيق ذلك. لا أمم متحدة، ولا دول كبرى، ولا جيران أو أصدقاء سوف يبنون لنا دولة أو يبنون لنا جيشاً. نحن أبناء وبنات هذا البلد من فقط نستطيع بناء دولتنا، وسوف لن نبنيها بدون جيش وبدون شرطة وبدون بناء مؤسّسات الدولة العصريّة... وبدون قانون وبدون قضاء يحكم بالعدل.
المشير خليفة حفتر ورفاقه في شرق البلاد الآن، وبعض من رفاقه في غرب وجنوب البلاد هم الآن يعملون بكل قوّة ومثابرة على إعادة بناء الجيش الليبي، وأعتقد بأنّهم صادقون في ذلك. أنا لا يوجد لديّ أي شك في أن ما تقوم به قيادة الجيش في شرق البلاد من مجهودات ومساعي ومحاولات وإتصالات إنّما هو يهدف فقط إلى إعادة بناء الدولة الليبية وفق أسس الدولة العصريّة، وهم يعرفون يقيناً بأن ذلك سوف لن يحدث بدون وجود جيشاً يفرض القانون ويحمي رعاته والحاكمين به.
إن كل ما يقال عن قيادة الجيش وكل ما يشاع وكل ما يتداول وخاصّة في العاصمة إنّما هو يصدر من أفواه أولئك الذين يكرهون الجيش ولا يطيقون رؤية الدولة تتكوّن وفق الأسس العصريّة للدولة لأنّهم لا يريدون قيام دولة وهم يعرفون يقيناً بأن قيام دولة بكل مؤسّساتها سوف يقطع عليهم الطريق نحو الكذب والغش والسرقة والنهب والإحتيال والتدجيل على الناس. إنّهم هم فقط من يقف في طريق تأسيس الدولة وهم سوف لن يتركوا الدولة تتكوّن بدون وجود من يفرض ذلك عليهم، وسوف لن يفرض ذلك عليهم غير الجيش القوي الذي هم بسبب ذلك يحاربونه.
إن ما يجري في شرق البلاد الآن بعد سيطرة الجيش على مجريات الحياة هناك هو ما سوف يعيد لنا الأمل ببناء دولتنا العصريّة، وما هي إلّا بضعة آسابيع حتى نرى بنغازي وهي تخرج في أبهى حلّة لها كمدينة آمنة ونظيفة ومريحة لسكّانها، وما هي إلّا بضعة آسابيع حتى نرى مؤسّسات الدولة وهي تعود من جديد إلى بنغازي والمناطق الشرقية التي يحميها الجيش الوطني ويحافظ على أمن وسلامة المواطن فيها.
مجلس النوّاب سوف يعود قريباً إلى بنغازي، وأجهزة الشرطة كانت بالفعل قد فُعّلت وكانت قد بدأت تفرض وجودها في الشوارع والميادين. كليّات الجامعة أعادت إفتتاح أبوابها لطلّابها، أسواق بنغازي بدأت تفتتح من جديد، والمواطن بدأ يخرج في أيّ وقت في وسط وضواحي بنغازي وهو يحسّ بالأمن والسلامة لآنّه يعرف بأن هناك من يحميه ويسرع لنجدته إن هو تعرّض لأية محاولة إغتصاب أو إختطاف أو إبتزاز أو إعتداء من أية جهة كانت. شوارع وميادين وأزقّة بنغازي أصبحت الآن نظيفة بالكامل من أية مليشيات مسلّحة، وعصابات الجريمة المنظّمة سوف لن تتمكّن من البقاء في بنغازي بعد الآن نظراً لحماية الجيش لمرافق الحياة فيها.
الكلّية العسكرية في بنغازي كانت قد فتحت أبوابها منذ فترة وشرعت في تخريج الضبّاط المهنيّين والإحترافيين، وهؤلاء سوف يساهموا في تقوية وإستمرارية الجيش الليبي من أجل المحافظة على الدولة من التبخّر. السلاح سوف يصل إلى الجيش الليبي بقرارات دولية أو بغيرها، والمناطق الغربية سوف يستغيث أهلها بالجيش لإنقاذهم من السرّاق والمجرمين . . . والجيش سوف يهب وبكل قوّة لإنقاذ الناس في غرب البلاد وجنوبها من عصابات النهب والسرقة والإختطاف والقتل، وسوف بكل تأكيد ينتصر الجيش. سوف بكل تأكيد ينتصر الجيش.... وحينما ينتصر الجيش فسوف تنتصر ليبيا.
عندما ينتصر جيشنا ويفرض سيطرته على كل التراب الليبي سوف يتمكّن الليبيّون والليبيّات حينها فقط من المشاركة في إنتخابات جديدة تكون نتائجها عاكسة لإرادة الناس وتكون المحافظة عليها مضمونة بقوة وإرادة الجيش.
إن الذين يتحدّثون الآن عن إجراء إنتخابات برلمانية وإنتخاب لرئيس الدولة إنّما هم من وجهة نظري يعيشون بعيدين عن الواقع، فلا إنتخابات بدون وجود من يحمي نتائجها، ورجائي رجائي أن تتركوا المنظّمات الدولية لشأنها فهي قد ترسل لكم من يشرف على الإنتخابات وقد تعينكم بتزويدكم ببعض المهنيين والفنيين، لكنّها سوف لن تحمي لكم نتائج تلك الإنتخابات وسوف لن تمنع من سوف يجهضها في مهدها كما حدث في إنتخابات 2012 التي كانت باهرة بكل المعايير وكانت ناجحة بكل المقاييس، لكن وللأسف سرعان ما عبث بها من لا يريد أن يرى دولة عصرية تتكوّن في ليبيا.... وحينها وللحسرة لم يكن يتواجد لدينا جيشاً ليحمي مؤسّسات بلادنا ولم تكن تتواجد لدينا شرطة قادرة على حماية أهلنا من المجرمين. علينا بأن نتعلّم الدروس وبأن لا نكرّر الأخطاء، وعلينا بأن نفكّر ونعتقد ونعترف بأن الذي ينقصنا هو ليس إنتخابات ولا مؤسّسات ولا مكاتب ولا سفارات ولا قناصل أو قنصليّات، وإنّما الذي ينقصنا هو فقط من بيده أن يحمي هذه المؤسّسات ويمكّنها من العمل وذلك هو الجيش بمعاونة الشرطة وأجهزة القضاء، والطيّبون والطيّبات من أهل البلد... وهم كثّر ومتواجدون في كل مكان، لكنّهم مبعدين الآن بقوّة الجبروت وسلطة الطغيان.

2017/03/26

رسالة مفتوحة إلى المشير خليفة حفتر - القائد العام للجيش الليبي

السيّد المحترم خليفة أبو القاسم حفتر - بعد التحية والإحترام والتقدير:
يتابع الشعب الليبي بكل إعجاب وترقّب إنتصارات الجيش الليبي بقيادتكم الحكيمة والمهنية الراقية، وتلك الإنتصارات بكل تأكيد أعادت إلى هذا الشعب الأمل الذي طالما حلم بتحقيقه منذ أن ثار على نظام الطاغية معمّر القذّافي والذي يتمثّل في إقامة دولة عصريّة ومدنيّة ومتحضّرة على كل ربوع ليبيا بهدف اللحاق بمن سبقونا ومن أجل إعادة الكرامة لبلدنا ولأنفسنا.
إن ما تحقّق أخيراً في منطقة الهلال النفطي من إنتصارات باهرة في ظروف نعرف بأنّها كانت صعبة وشبه مستحيلة، لكن قيادتكم الحكيمة ومهنيّتكم العالية في الميدان ذلّلت الكثير من تلك الصعوبات وحقّقت الإنتصارات التي شاهدنها بأعيننا وشعرنا بوقعها الإيجابي في أنفسنا. . . فتحية حب وتقدير لكم ولكل المنتسبين للجيش الليبي الذي نرى على يديه تحقيق أحلامنا وطموحاتنا بإذن الله.
أودّ في هذا الإطار أن أنقل لكم ما أحسّه وأشعر به من أن أكثر من 900% من أبناء وبنات الشعب الليبي وفي كل ربوع ليبيا إنّما هم معكم ومع جيشهم الذي لا يرون أية بدائل له، وهذا التأييد الشعبي الكبير سوف يتحوّل إلى واقع ملموس قد يفاجئ أولئك الذين يعيشون في عالمهم الخيالي وقصورهم العاجية حيث وجودهم هناك وبأحلامهم تلك نعرف بأنّهم بعيدون كل البعد عن الواقع، ومن ثمّ فسوف تكون مفاجآتهم أبعد من توقّعاتهم وإحباطاتهم أكبر بكثير من حساباتهم.
أود سيادة المشير في البداية أن أطرح بعض الأفكار العامة والتي أراها ربّما ضروريّة من أجل رسم الصورة التي أود نقلها إليكم من دافع الحرص على أمن وسلامة بلادنا من ناحية وبرغبة كسر الجمود والإنتقال إلى الأمام حتى ربّما نتمكّن معاً من نفض غبار السنوات الست الماضية لنتحسّس معاً معالم طريقنا التي أضعناها ووجدنا أنفسنا تائهين لا نعرف إلى أية وجهة نسير.

إنّه ليس المكان ولا الزمان، وإنّما هي الإرادة في داخل الإنسان
كثيراً ما تجد البشر يبحثون عن السعادة في كل مكان وينتظرون حدوثها مع كل قابل من الزمان وهم قد لا يعرفون بأن السعادة إنّما هي تصنع وتتعاظم في داخلهم. إن من يبحث عن المجد في محيطه سوف لن يعثر عليه ولن يبلغه، فالمجد هو ما تفكّر فيه أنت وما تستطيع أن تفعله أنت. إرادة الإنسان وقدراته والآليّة التي بها وعن طريقها يستطيع أي منّا أن يستحثّها من أجل صنع الغد، وهو من قد يقولبها ويشكّلها ويوظّبها بما يستجيب لرغباته ومطالبه وطموحاته.
نحن كثيراً ما نحلم بليبيا دولة مدنية وعصريّة ومتقدّمة، لكنّنا نبقي تلك الرغبة في ملف الأمنيات ولا نجهد أنفسنا في البحث عن الإمكانية... الآليّة... الطريقة التي يتوجّب علينا إنتهاجها لبلوغ تلك الغاية. إنّنا نحن من يصنع التغيير ولا يحق لنا إنتظار الغير ليصنعه لنا إن كنّا بالفعل نبحث عن غد واعد وحياة أكثر أمناً وآماناً.
بكل تأكيد يأتي السؤال بعد كل ذلك: وكيف بوسعنا أن نفعل إن كان غيرنا يعرقل؟.
هذا أيضاً يعتبر سؤالاً وجيهاً ويحتاج إلى إجابة شافية، لكن تلك الإجابة سوف لن تسقط علينا من السماء.... علينا بأن نبحث عنها ونجدها في داخلنا أن في محيطنا ثم بعد ذلك نمنهجها ثم نفرضها.
الذي يحدث في ليبيا الآن من فوضى وهمجية قد يعتبره البعض سابقة فريدة من نوعها وقد يظنّه آخرون بأنّه غير مسبوق. إن من يظن ذلك هو الغير مطلّع والغير عارف بمجريات الحياة وأحداث الزمن. فقد خلق الله الإنسان بميزات وعيوب وأعطاه عقل كي يستخدمه ليفعّل بعض من خواصه حسب الطلب وحسب مقتضيات الحال. البشر بكل تأكيد هم خطّاوون قبل أن يكونوا من المصلحين، ومن السهل على أي منّا بأن يهدم بناء مهما تعاظم من أن يبني مثله... تلك هي أيضاً سنّة الحياة التي علينا التعرّف عليها والإقتناع بها والتعامل وفق مقتضياتها.
في داخل كل إنسان منّا توجد إرادة وقدرات قد تكون متناهية لكنّها بكل تأكيد متعاظمة ومن السهل إستثمارها وتنميتها ثم تطويعها وتفعيلها والإنطلاق بها نحو الغد. الحياة لا يمكنها إلّا وأن تسير إلى الأمام، وعلينا بأن ننظر أمامنا إن كنا بالفعل نرغب في التحرّك من هنا إلى هناك.
من وجهة نظري فإن التفكير السليم والتمازج الأفقي ربما يمكن إعتبارهما من أهم قواعد البناء السليم لأي كيان... وكيان الدولة ليس بإستثناء. التفكير السليم هو في داخلنا، والتمازج الأفقي هو بمقدرونا... ولكن علينا البحث عن وفي الآليّة.
الآليّة أيضاً يمكن خلقها من خلال التواصل والتحادث في وجود ملكة "الإستماع". علينا بأن نكون جاهزين للإستماع إلى غيرنا والتناغم معهم بدون إستثناء إن كنا بالفعل نسعى لبناء دولتنا.
أنا شخصيّاً أرى بأنّه في غياب القوة الحاسمة لا يمكنك أن تنفّذ ما تفكّر فيه وما تسعى لتنفيذه. علينا بأن نتفق على تلك "القوة" قبل أن نفكّر في إختيار من يديرها. الجيش والشرطة أنا أرى بأن كل الليبيّين والليبيّات - مع بعض الإستثناءات التي لا تهمّتا كثيراُ - يتفقون عليهما. كيف يمكننا خلقهما، وكيف يمكن تقويتهما، وكيف يمكن بعث الإنسجام بين من ينتمي إليهما؟. تلك أسئلة تحتاج إلى تفكير وبرمجة وتخطيط في وجود رغبة "التواصل" وليس بالضرورة إليّاتها التي يمكن خلقها طالما تواجدت الرغبة.
البداية من وجهة نظري يجب بأن تكون مبادرة أكيدة من حضرتكم سيّد المشير بإعتباركم القائد العام للجيش الليبي الذي نعرفه ونرى بأنّه موجود على أرضيّة الواقع. أنا أرى حضرة المشيرخليفة حفتر بأنّه توجد بين يديك مفاتيح الحل في ليبيا وأنّه بوسعك إستخدامها من أجل تحقيق ذلك الهدف.
أنا شخصيّاً أرى بأنّك سيّد المشير قد يكون منعزلاً أو ربّما نائياً بنفسك بعض الشئ عن الواقع السياسي والإجتماعي وقد تكون لك معاذيرك بإعتبارك قائداً ميدانيّاً وتحمل في عقلك الكثير من المشاغل والهموم، لكنّك مع كل ذلك من وجهة نظري تحتاج إلى القيام بالآتي وعلى وجه السرعة:
  1. تغيير الإسم الرسمي للقوّات التي تقودها من القوّات المسلّحة العربية الليبيّة إلى القوات المسلّحة الليبيّة. هذا التغيير أنا أراه جذريّاً ومهمّا بقدر أهمية الإنتصار في المعارك الميدانيّة.
  2. الخروج على وسائل الإعلام - وأنت الآن في موقع القوّة - لتمد يد المصافحة لكل من يرغب في التصالح من بقيّة فعاليات الجيش المبعثرة في آماكن مختلفة من ليبيا بهدف توحيد الجيش الليبي وإعادة الكرامة لكل ليبيا.
  3. أتمنّى منكم سيّد المشير خليفة حفتر بأن تقولها بكل صراحة وبكل جلاء وبكل وضوح بأنّك لا تطمح إلى حكم ليبيا إلّا من خلال صناديق الإقتراع "كمدني" وبلباس مدني وليس كعسكري ولو كنت مدعوماً بالنصر المبين.
  4. أتمنّى منكم سيّد المشير خليفة حفتر بأن تخرج على وسائل الإعلام وتقولها بكل وضوح لا يقبل الشك بأنّك مع الديموقراطيّة ومع الإختيار الشعبي الحر، ومن ثم فإنّك سوف لن تتدخّل في شئون الحكم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبأنّ دوركم سوف لن يتعدّى قيادة الجيش وتنفيذ آوامر السلطة المنتخبة من قبل الشعب الليبي لحماية الدولة الليبية من العابثين وحماية سلطاتها المنتخبة من طمع الطامعين.
  5. بأنّك سيد المشير خليفة حفتر سوف تتعهّد وأمام كل الليبيين والليبيّات بأنّك سوف تشرف على بناء جيشاً ليبيّاً مهنيّاً لا يبحث عن السلطة وإنّما يمتهن في حماية الدولة الليبي وصون حدودها من الإختراق من أية قوة في العالم. وبأنّك كذلك بمجرّد الإطمئنان على إكتمال الهيكلة التراكبيّة للجيش الليبي وبمجرّد وضع الشخص المناسب في المكان المناسب وبمجرّد إستقرار البلاد فإنّك سوف تتقاعد وتترك مكانك لمن قدر على ملئه مثلك من الدماء الليبيّة الشابّة والقادرة حتى تستريح أنت وتلتهي بأمورك الخاصة معوّضاً نفسك وأسرتك عن تلك السنوات العديدة التي أمضيتها مهنيّاً بارعاً في جيش ليبيا الذي بكل تأكيد تفتخر به أنت وسوف نفتخر به نحن ونختضنه ونعتز به بإعتباره الحصن الذي يحمي بلادنا ويصون كرامتنا.
  6. مدينة طرابلس سيّد المشير لها خصوصيّة خاصّة عند كل الليبيّين والليبيّات بإعتبارها عاصمة البلاد، ولها إهتمامات دوليّة كذلك. من هنا - وأنت أعرف - يتوجّب التعامل مع العاصمة بطريقة ذكيّة وتكتيكيّة بحيث يتم التخطيط الدقيق لإنتفاض العاصمة من الداخل في وجود دعم عسكري متكامل ومبرمج بحيث يتم تحرير العاصمة بأقل خسائر بشريّة وبنويّة ممكنة حتى يعطي جيشنا الوطني إنطباعاً رائعاً لكل من سوف يراقبه عن كثب وبكل إهتمام.
  7. أولئك "السلفيّون" هم لا يختلفون إطلاقاً عن الوهابيّين، والطالبان، والدواعش، والإخوان، والليبيّة المقاتلة، وأنصار الشريعة. إنّهم كلّهم من طينة واحدة وينتمون جميعهم إلى عقليّة تفكير واحدة، وهم أخطر على ليبيا من رياح القبلي. هؤلاء البشر لا يؤمنون بشئ إسمه "الجيش" ولا يعترفون بالدولة العصريّة، ولا يستطيعون العيش بمعطيات الحاضر.. إنّهم يعيشون عوالمهم الخاصّة بهم. فرجائي... رجائي سيّد المشير إنأى بنفسك وجيشك عنهم أو أبعدهم عن الجيش الوطني إن كنت بالفعل تتوق إلى التسرّب إلى عقول وقلوب مثقّفي ليبيا وشبابها الواعد.
تلك هي النقاط التي رأيتها جوهريّة وآساسيّة إن كنا بالفعل نبحث عن مخرج لأزمة بلادنا الخانقة والمتراكبة والعصيّة على الحل بحسب المعطيات الموجودة الآن على أرض الواقع.

أنا بكل صدق أنتظر منك سيّد المشيرخليفة حفتر بأن تكون مفتاحاً للحل في ليبيا وبأن تحتفظ بمكانتك الكبيرة التي حققتها من خلال التضحية والمثابرة والشجاعة التي علينا جميعاً بأن نعترف لك بها ونقدّرك أيّما تقدير عنها.
نعم... بإمكانك سيّد المشير خليفة حفتر بأن تكون مفتاح الحل في ليبيا وأنت بكل تأكيد تقدر على ذلك، ولكن عليك من وجهة نظري - بأن تكون قنوعاً وعاقلاً ومتفتّحاً حتى تحتفظ بهذه المكانة مدى حياتك وتترك أثارها الجيّدة من بعدك - بعد عمر طويل - لأفراد أسرتك المحترمين. أنا شخصيّاً أتمنّى منك سيّد المشير خليفة حفتر بأن ترى نفسك ضابطاً وطنيّاً في الجيش الليبي وتلك هي مهنتك التي إخترتها وتلك هي المهنة الشريفة والوطنيّة التي عن جدارة وإقتدار تجيدها، وأتمنّى عليك سيّد المشير بألّا توغل في الطموح إلى أكثر من ذلك كأن ربما تحلم بحكم ليبيا لأن ذلك الحلم قد يفقدك كل ما حقّقته من مكانة وإحترام وتقدير من خلال قيادتك لحرب تحريرها والتي سوف لا محالة تكون أنت والشعب الليبي الفائزين فيها.

وختاماً إسمح لي سعادة المشير بأن أعود إلى الكلام العام لأقول لك ولي ولكل أهلنا في ليبيا بأنّه حينما يفكّر أحدنا ويتدبّر يرى الأمور بشكل أوضح، وحينها فقط لا يلغي إنتصاراته بغلطة الوقوع في شراك السلطة والطموح الغير واقعيّة. إن الإحتفاظ بقدر من البطولة قد يكون أنفع وأفيد وأجدى من الحلم بكل البطولة، إذ يمكن الإحتفاظ بالأولى بكل سهولة ولكن من الصعب بلوغ الثانية بدون إحتمالية تدمير الأولى وذلك يعني في واقع الأمر "التدمير الذاتي" الذي كثيراً ما يقع فيه قادة الجيش والحكّام العرب، ولنا في التاريخ الكثير من الأمثلة والتي من بينها بكل تأكيد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والراحل صدّام حسين، والراحل معمّر القذّافي، والراحل حافظ الأسد، والرئيس اليمني المخلوع على عبد الله صالح والأمثلة كثيرة... وكثيرة جدّاً. أنا أخشى بأن يصبح المشير عبد الفتّاح السيسي هو بدوره ضحيّة لأحلام الزعامة والتفرّد بالسلطة، وسبق لي أن نصحته بألّا ينغمس بنفسه في أوحال السلطة لكنّه فضّل بأن يمضي في الطريق حتى نهايته وقد يفقد بذلك كل تلك الإعتبارات والتقديرات التي تالها حينما أخرج مصر من مخالب الإخوان القذرة والشرسة وبذلك فقد أنقذ مصر بالفعل من شرورهم لكنّ الطريق في مصر مازالت طويلة وشائكة وقد يصبح المشير السيسي من بين المتضرّرين منها على حساب التنعمّ بأنوار السلطة وبهارج السلطان.

إن معرفة الواقع وتدبّره تمكّننا من التعرّف على أخطائه وتسهّل علينا تداركها.... فهل نفكّر ونعتبر ونقبل بالقناعة والرضا من أجل الإحتفاظ بالكرامة والتمتّع بالغد؟.

لك فائق إحترامي وتقديري سيّد المشير خليفة حفتر، وربّنا ينصركم على طغاة ليبيا الجدد الذين فاجأونا بنهمهم القوي وحبّهم الشديد للسلطة ولو كان ذلك على حساب عذابات الغلابة من أبناء وبنات هذا الشعب الذي يستحق منّا جميعاً الرأفة والرحمة والإحترام والتقدير والمعونة والمساعدة.

2017/02/26

خرجت أبحث عن الربيع

 من كان الربيع يتورّد في داخله فإنّه يراه حيثما ذهب ويسعد به حيثما كان. من يحسّ بالسعادة في داخله يراها ماثلة أمامه أينما حلّ وأينما إرتحل.... نحن من يصنع الحياة، والإنسان الفاشل العاجز هو فقط من ينتظر بأن تُصنع الحياة له.