2026/05/14

الصين برهنت على أنّها بلد العقل والتخمين

 السـياسـة هـي بالـفـعـل فـن مـخـرجـات الـعـقـل والـتـفـكـيـر، والسـيـاسـي الـعـاقـل والـفـاهـم هـو فـقـط مـن يـعـرف كـيـف يـتـعامـل مـع فـنـون السـيـاسـة، وكـيـف يـسـتـثـمـرهـا لـخـدمـة بـلــده... ولـخـدمـة شــعـبـه.


من خلال تعامل الصين مع الرئيس الأمريكي مراهق السياسة دونالد ترامب يتبّين لنا جميعاً بأن الرئيس الصيني هو بالفعل إنسان ناضج وعاقل ومتّزن لأبعد الحدود.

كل شيء فعله الرئيس الصيني "شي جين بينغ" في عمليات التعامل مع زيارة دونالد ترامب ومرافقيه للصين كان وفق أسس مدروسة ومبرمجة مسبّقاً؛ برهنت على أن من يحكم الصين هم أناس يفهمون كل فنون السياسة، ويعرفون كيف يتعاملون ومع من يتعاملون.
كان الإستقبال حاشداً وودّياً ومرفّهاً إلى حد كبير ، ولم يكن ذلك مجرّد مراسم وبروتوكولات؛ بل إنّه كان بالفعل ينبع من نتاج عقول تفكّر وتعرف كيف تتصرّف.

لقد إنبهر المختبل ترامب بتلك الحفاوة التي قابلته بها الصين، وهو ربّما لا يعرف السر أو الأسرار الكامنة وراء كل ذلك. الصين تعرف يقيناً ما تريد من الكاوبوي الآتي لها من هناك من أرض رعاة البقر، والصين سوف تحصل بكل هدوء وبدون ضوضاء على كل ما تريد بدون خسائر على الإطلاق.... والأيّام القادمة سوف تخبرنا بالمتخبّي وراء كواليسها. مساءكم سعيد.

2026/05/10

الماضي مضى والغد يحمل بين طيّاته القدر والقضاء

 نحن لا نقدر على تغيير الماضي، ولا على إعادته من جديد حتى وإن حاولنا؛ لكنّنا نقدر على تغيير ما هو آتٍ. نحن نقدر على تغيير مجريات الغد؛ لكنّنا أبداً لا نقدر على إعادة أحداث الماضي.
حينما يركن كل منّا إلى نفسه يحاكيها... يحادثها... يتواصل معها يكتشف أنّه يحمل بين جنباته قوى كبيرة وفاعلة، وعلى أنّه بالفعل يقدر على إخراج تلك القوى الكامنة في أعماقه، ومن بعدها تكون متوفّرة له ليستخدمها في كل ما ينفعه ويعمل على نقله إلى الأمام.
دعوني أحدّثكم هنا عن إكتشاف النفط في ليبيا... إنّ أوّل من فكّر في إمكانية وجود النفط في ليبيا كان الجيولوجي الإيطالي "أرديتو ديسيو" Ardito Desio. الكونت أرديتو ديسيو كان بالإضافة إلى كونه جيولوجيّاً محترفاً، فإنّه كذلك كان مستكشفًا ومتسلّقًا للجبال ورسّامأنا دائماً حينما أتحدّث إلى مرضاي أنبّههم على أن الماضي كان قد مضى وإنتهى، وعلى أن الغد هو الحدث الموالي... الحدث القادم. أقول خرائط، وكان فضوليّاً بشكل كبير حتى أنّه بدأ بالحفر باحثاً عن البترول في منطقة الجغبوب في عام 1926م، وفي عام 1938م تمكّن بالفعل من العثور على النفط في ليبيا؛ غير أن إكتشاف النفط بشكل تجاري كان في عام 1958م, ومن بعدها بدأ الإنتاج الفعلي للنفط في ليبيا في عام1961م. وتملك ليبيا أكبر إحتياطي نفطي في كل قارة أفريقيا, وهو يقدّر ب46 مليار برميل... أي ما يعادل 4% من كل الإحتياطي العالمي.
أعود إلى رأس الموضوع حتى لا أذهب بكم بعيداً في بحر تخيّلاتي الواسع.... كان من الممكن أن تظل قصّة النفط في طي الكتمان، وأن يبقى النفط في باطن الأرض لا يعرف أحد تفاصيلها، لولا أن المسوحات الترابية والسطحيّة في ليبيا كانت قد آبانت وجود تلك الثروة في أعماق الصخور ، وكان أن بدأ الحفر، وبدأت التجارب والمحاولات حتى تمّ إستخراج النفط من أعماق بلادنا التي كانت بعيدة عن الأنظار، وبعيدة عن حتى مجرّد التفكير فيها.
إكتشاف النفط في ليبيا كان يعتبر نظرة إلى الأمام؛ ولكنّه بكل تأكيد يعتبر تعلّماً من الماضي.
تلك هي حياتنا كأفراد... فكل منّا يجتهد ويبادر ويقوم بفعل أشياء بدون معرفة ما يخبئه له القدر؛ فيخطئ ويصيب... وجلّ من لا يخطئ. الله لا يخطئ لأنّه يعرف الغيب، ونحن نخطئ لآنّنا نجهل ما يخبئه لنا القدر. لا عيب في أن يخطئ أيّ منّا؛ فكل إنسان هو خطّاء، والإنسان العاقل والناضج هو من يعترف بأخطائه ومن ثمّ يتعلّم منها، ومن بعدها يبني خبرته في الحياة.
من هنا يمكنني القول بأنّ تحسّرنا على الماضي وبكائنا عليه سوف لن يعيداه لنا؛ أمّا تفكيرنا في الغد والتخطيط السليم له فهو ما يصنع لنا الغد، ونحن كبشر من يقدر على رسم معالم مستقبلنا، ومن بعدها السير بآمان على تلك المعالم والطرقات.
إن النظر إلى الغد هو ما سوف يصنعه لنا؛ أمّا النظر إلى الوراء والعيش بمعطيات الماضي فإنّه إطلاقاً سوف لن يعيد ذلك الماضي لنا حتى وإن عشقناه... كما نتغنّى نحن العرب بأمجادنا الماضية في الأندلس. يومكم سعيد.

2026/05/03

الفكر الوهابي والعمل الإرهابي(2)

 حينما تتغلّب العواطف على العقول ، وعندما تغيب البصيرة... يخطئ الإنسان، ويتمادى في فعل الأخطاء بدون أن يعي بأنّه كان قد أخطأ.... ومن ثمّ فهو لا يتعلّم من الماضي، ولا يحاول إصلاح أخطائه، ولا يقدر على بناء نفسه.

كتبت بالأمس عن جذور الفكر الوهابي المتخلّف، وكيف أنّه أثّر في شعوب المنطقة بذلك الشكل المتزمّت والمتشدد والغير قابل للحياة. لقد خلق لنا الفكر الوهابي الغبي جماعات متشدّدة وإرهابيّة بإسم الإسلام، وأخذوا يقومون بأعمالهم القبيحة بإسمنا كمسلمين، وبإسم ديننا الذي نؤمن به ونعرف يقيناً بأنّه دين سلام وتآلف ومحبّة بين البشر بغض النظر عن إعتقاداتهم، إنتماءاتهم، أو طرق عيشهم.
الذي دفعني لكتابة حلقة الأمس هو ما حدث يوم الإربعاء الماضي 29 إبريل 2026م حيث قام شاب صومالي الأصل يدعى "عيسى سليمان" بطعن رجلين يهوديين في منطقة Golders Green في شمال لندن "نصرة للقضية الفلسطينيّة" كما قال عيسى سليمان البالغ من العمر 34 سنة.
وُلد عيسى سليمان في الصومال، وهاجر منها إلى بريطانيا أثناء طفولته، وتحصّل على الجنسيّة البريطانيّة، وأصبح من حينها مواطناً بريطانيّاً.
لا أدري أين تعلّم عيسى سليمان؛ لكنّني أظن بأنّه كان قد تعلّم في مدارس دينية في شرق لندن حيث كل شيوخ التشدّد المهجّرين من بلدانهم الإسلاميّة يقيمون هناك، ويعملون بكل حريّة لنشر المذهب الوهابي المشدّد والذي يدعوا إلى "أسلمة" كل العالم بالقوّة.
السؤال البسيط والمتواضع هو: ماذا حقّق عيسى سليمان بمهاجمة يهوديين يحملان جنسيّة بريطانيّة، ويعيشان مع أسرتيهما بأمن وسلام بالقرب من مسكنه؟.
نحن نعرف بأن دولة الصهاينة تعاني هذه الأيّام من كره كل العالم لها، وعلى أن اليهود بصفة عامّة أصبحوا اليوم منبوذين من بقية شعوب العالم بسبب ممارسات حكّام الصهاينة في فلسطين، وبسبب تلك الجرائم البربريّة في غزة والضفّة الغربيّة ولبنان... وكذلك في إيران.
لقد تعاطفت وسائل الإعلام مع "اليهود" بمجرّد وقوع تلك الحادثة، وتحوّل الشعب اليهودي من جديد كشعب مظلوم ومسكين ومضطهد من قبل "المسلمين"، وبدأنا نسمع من جديد نغمة "معاداة الساميّة" التي أبدع الصهاينة في إستثمارها منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية.
ذلك الشاب الغبي والمتخلّف لم يفكّر في نتائج عملته الحقيرة حينما قام بها، وكان في داخله ربّما يظن بأنّه بعملته تلك كان قد قدّم عملاً جليلاً للقضيّة الفلسطينيّة، أو أنّه ربّما قام بالإنتقام من "اليهود" المجرمين.
ما حدث يوم الإربعاء الماضي أعاد بذاكرتي لعام 1967م حينما خسر العرب حرب يونيو لصالح الصهاينة، ومن بعدها قامت كل البلاد العربية التي يقيم يهود على أراضيها بطردهم إلى خارج حدودها.
كان ذلك فعلاً صبيانيّاً، وعاطفيّاً... وبالفعل كان سلوكاً غبيّاً بشكل كبير. كان فعلاً عشوائيّاً سيّرته العاطفة وتحكّمت فيه "السطحيّة" في التفكير.
لقد ذهب كل اليهود المطرودين من البلاد العربيّة في عام 1967م إلى دولة الصهاينة، وأصبحوا هناك من أبناء "الدولة الصهيونيّة" والمدافعين عنها. أصبح أغلبهم من أكبر الحاقدين على العرب والمسلمين لأنّهم طردوهم من بيوتهم وإستولوا على ممتلكاتهم، وحرموهم من جنسياتهم العربيّة التي كانوا يحملونها، ويفتخرون بها.
أعود بكم قليلاً إلى مظاهرات الأمريكان في الولايات المتحدة، ومظاهرات البريطانيين في بريطانيا بعد حرب أكتوبر في غزّة، وكان من بين المتظاهرين المنادين بعنصريّة الدولة الصهيونيّة والمطالبين برد حقوق الفلسطينيين... كانوا من اليهود الذين رأيناهم بملابسهم التقليدية وبشعور رؤوسهم التي دلّت على يهوديتهم. كانوا يناصرون حقوق الشعب الفلسطيني، ويستنكروا أعمال الجيش الصهيوني أمام كل وسائل الإعلام. لقد أثّرت تلك الجماعات اليهودية المتظاهرة في الرأي العام العالمي بشكل كبير جداً؛ لآن كل من كان يشاهد كان يرى يهوداً يستنكرون فعل "إسرائيل"، ويطالبون برد حقوق الشعب الفلسطيني إليه.
ألسنا نحن العرب مازلنا نعيش بمداد عواطفنا، ولا نقدر على إستخدام عقولنا لنفكّر؟. المشكلة الأكبر من ذلك؛ أنّنا نحن العرب لم نتعلّم من أحداث التاريخ، ولم نتعلّم من أخطائنا السابقة... لأنّنا وللأسف نفتقر إلى شئ إسمه "Lack of insight" أو ما قد نقول عنه... غياب البصيرة. يومكم سعيد.