2017/07/31

ملاحظات نقديّة على الديباجة الدستوريّة

الدساتير هي بمثابة خرائط طرق لكل بلاد العالم، ولا تستطيع أية دولة أن تتحسّس معالم طريقها بدون إشارات الدستور الضوئيّة وإنذاراته التحذيريّة وتوجيهاته الإجباريّة التي تهدف كلّها إلى تحقيق السير الآمن والسفر المريح نحو الوجهة السليمة.

وهكذا وبعد طول إنتظار خرجت علينا هيئة الدستور بديباجة دستوريّة متكاملة يمكننا إنصافاً وصفها بالوثيقة الدستوريّة، وقد يكون لنا من خلالها وعلى هداها معبراً بليبيا نحو الغد الأفضل.

علينا في البدء تقدير كل من ساهم في هذا العمل المضني وفي ظروف صعبة جدّاً كان ربّما أقل عناء فيها هو غياب الإستقرار وغياب الآمان وغياب الأمل في ليبيا خاصّة بعد إنقلاب يوليو 2014، حيث تم وأد الديموقراطيّة التي كانت ولازالت وليدة في بلد لم يعرف الديموقراطيّة منذ أن أصبح بلداً وسمّي "ليبيا".
علينا كليبيّين وليبيّات أن نرحّب بالوثيقة الدستوريّة، أن ندرسها بكل إمعان، وأن نكون إيجابيين حيالها وذلك بالنقد البنّاء الذي لا يهدف إلّا إلى الإرتفاع بهذه النسخة الدستورية إلى مستوى أفضل وأشمل وأكثر قبولاً من كل فئات الشعب الليبي بمختلف طرق تفكيرهم وإعتقاداتهم وثقافاتهم المتنوّعة.
علينا بأن نفتح أذرعنا لإحتضان نسخة الدستور هذه وأن نعمل جميعاً للمضي بها بكل أمن وسلام نحو مخارجها الطبيعيّة والتي تشمل النقاش والحوار والتعديل بهدف إستصدار نسخة ترتفع إلى مستوى الدساتير العالميّة حتى يتم عرضها على الشعب الليبي للتصويت عليها وإجازتها بأغلبيّة كبيرة وحاسمة لتصبح من بعدها بمثابة الطريق الذي سوف نسلكه جميعاً ملتزمين بكل إشاراته ومعالمه وتوجيهاته من أجل الوصول الآمن إلى غايتنا المنشودة وهي الدولة العصريّة المتحضّرة والمتمدّنة لتصبح ليبيا جزءاً فعّالاً من هذا العالم الذي نعيش فيه ونتكامل معه بكل إيجابيّة وبكل قبول.
لقد قمت الليلة الماضية بقراءة كل مواد النسخة المقترحة، وخلال قراءتي المتأنّية لها وجدت فيها بعض المواد التي توقّفت عندها وفكّرت في تعديلات لها من وحي حبّي لليبيا وإيماني اليقيني بأن ليبيا هي بلدنا وهي بيتنا وهي مأوانا الذي لا بديل لنا عنه أينما حللنا وكيفما عشنا.

الملاحظات والتعديلات المقترحة
المادّة (13)
تضاف عبارة: وتكون المعاهدات الدوليّة مع ليبيا ملزمة للدولة الليبية حتى وإن تغيّر نظام الحكم أو ألغي الدستور.
المادّة (17)
تضاف عبارة: ويتساوى هنا حق الرجل بحق المرأة.
المادّة (22)
تضاف عبارة: ويحق لكل كيان إداري تطوير نفسه وفق إمكانيّاته المتاحة.
المادّة (23)
تضاف عبارة: إلى أن يعاد تأهيله.
المادّة (25)
تستبدل عبارة (مصارفها الرسميّة) بدل الشرعيّة.
المادّة (68) 
يعدّل عمر الناخب لمجلس النوّاب إلى (16 سنة) بدل 18 سنة حكماً بأنّ أكثر من 40% من سكّان ليبيا هم في تلك الفئة العمريّة أو تحتها. كما أن الشباب هم رجال المستقبل. 
المادّة (69)
أن ينزّل عمر المترشّح لمجلس النوّاب إلى 21 سنة بدل 25 سنة. أن تحذف كلمة "مسلم" بإعتبار أن من حق كل ليبي بأن يختار الدين الذي يناسبه، والمعيار يجب بأن يكون الإنتماء للوطن وليس الإنتماء للدين. الناس سوف تختار ما يناسبها، فإن رأت الناس بأن "الكفاءة" أهم من الدين يختار الناس من يروا فيه الكفاءة، ودين الدولة هو الإسلام على أية حال. تحدف كلمة "مسلم" من شروط كل المترشّحين لمؤسّسات الدولة بما فيها المجلس التشريعي، فالمعيار يجب بأن يكون "الإنتماء الوطني" وليس "الإعتقاد الديني" . . .  فنحن يجب أن نؤسّس للدولة "العلمانيّة" لا الدولة "الدينيّة".
المادّة (105)
لايجوز لرئيس مجلس الشورى تولّي مهام رئيس الدولة في حالة شغر مكانه. لا يجوز الجمع بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة. يستبدل "رئيس مجلس الشورى" ب"رئيس الوزراء" الذي يجوز له شغر مكان رئيس الدولة إلى أن يتم إنتخاب رئيساً جديداً.

تلك هي بعض التغييرات التي رأيتها ضروريّة، ولكن يتوجّب الإستماع إلى رأي كل مواطن ليبي وكل مواطنة ليبيّة وإحترام ذلك إذا كنّا بالفعل نسعى إلى تأسيس دستور توافقي حقيقي يلبّي رغبات عموم الشعب الليبي ولا ينقص من حقوق أو واجبات أحد.


2017/07/29

أقول للسرّاج الكذوب ولإيطاليا اللعوب... أليس الأولى حماية الجنوب؟!

عندما يرخص الوطن في عيون أهله يتحوّل إلى غنيمة تنتهب ومصالح آنيّة تكتسب... ومن ثمّ تنثر الرياح بقايا حبّات رماله ويشهد التاريخ على خراب مآله.
بدأ من الواضح - وبعيداً عن التفكير في النوايا الإستعماريّة - بأن كل ما يهمّ إيطاليا اليوم هو حماية حدودها الجنوبيّة مع ليبيا من تعاظم الهجرة الأفريقية إليها والتي أصبحت تستثيرها وتقلق مضاجعها، ولا غرابة في ذلك. فأية دولة في العالم تتعرّض إلى هجرة متواصلة من قارّة مهترئة وفقيرة وموبوءة بكل الأمراض والمشاكل الإجتماعيّة... أية دولة في العالم تتعرّض إلى مثل هكذا هجرات مكثّفة من خارج حدودها سوف تعمل كل ما في وسعها لإيقاف أو على الأقل التقليل من تلك الهجرات إليها إلى أن تنهيها.... وذلك من حقّها.
من هنا يمكن القول بأن من حق إيطاليا أن تبحث عن كل وسيلة لإيقاف تدفّق الأفارقة إلى أراضيها، ولكن ليس من الأخلاق ولا من القيم ولا من الإنسانيّة أن يكون ذلك على حساب دولة أخرى وعلى حساب شعب آخر. لا يجوز لإيطاليا أن تسعد شعبها على حساب تعاسة الشعب الليبي الذي وجد نفسه وللأسف مثل اليتيم لا يجد من يساعده ولا من يغيثه ولا من يهتم بشأنه. بل إن الأمرّ من كل ذلك أن هذا الشعب(الليبي) وجد نفسه الآن ضحيّة لمن يحكمه ونهباً لمن يقول بأنّه ينتمي إليه. الشعب الليبي وجد نفسه الآن بين كفّي رحى بدون رحمة وبلا هواده.
إنّ كل من تدخل السيول إلى بيته عليه أن يبحث عن مصادرها ليوقفها قبل أن يسرع إلى قفل مخارجها لأنّ ذلك حتماً سوف لن يؤدّي إلّا إلى الفيضان المحقّق ومن ثم الغرق المطبق.
إيطاليا كما نعرف كانت تعاني من تدفّق الهجرة الأفريقية إليها منذ سنوات عديدة، وكانت تلك الهجرة سلاحاً يستخدمه العقيد معمّر القذّافي قبل إسقاط نظام حكمه لإبتزاز إيطاليا. وبالفعل نجح القذّافي أيّما نجاح في إختراق أجهزة الحكم في إيطاليا في عهد الرئيس السابق سيلفيو بيرسكوني الذي إضطرّه القذّافي إلى توقيع إتفاق مع ليبيا تُمنَح من خلاله ليبيا الكثير من الإمتيازات الإقتصاديّة والعمرانية والتي من بينها إعادة خدمة ورصف الطريق الساحلي بالكامل بالإضافة إلى مدفوعات أخرى أضطرت إيطاليا للتوقيع على دفعها لليبيا تعويضاً للشعب الليبي على سنوات الإحتلال السابقة. ذلك ما حدث في عهد العقيد معمّر القذّافي عندما كان القذّافي يمتلك القوّة وكان يمتلك الإرادة... وأقولها من باب الإنصاف يمتلك الشجاعة، ويفهم في السياسة.
الآن ليبيا وللأسف أصبحت زريبة بلا راعي وخربة بلا حامي، فتحوّلت ليبيا الحبيبة إلى مكب لكل من هبّ ودب، وأصبحت ليبيا اليوم بلد بلا حكومة وبلا إرادة وبلا قدرات. لقد أصبح الشعب الليبي مطيّة سهلة لكل من أراد أن يركب، ولم يجد هذا الشعب وللأسف من يغيثه ولا من يحميه. لقد تألّب على الشعب الليبي وللحسرة والخجل رهط من بين أبنائه الذين تحوّلوا إلى سرّاق ومتاجرين ومقامرين بهدف تحقيق غاياتهم الغير نبيلة وتنفيذ مآربهم الغير شريفة بعد أن أصبح الوطن في نظرهم ليس أكثر من غنيمة جاهزة للنهب ولو كان ذلك على حساب القيم وعلى حساب قوت ومعين الشعب.
في هذا الخضم المتلاطم، وفي هذه الفوضى المتداخلة والمتراكبة لا يمكننا بأن نتوقّع من إيطاليا أو غيرها من جيراننا بأن يكونوا أكثر حرصاً على بلادنا منّا. من هنا رأينا إيطاليا وهي بدورها بدأت تستفيد من الفوضى التي تعيشها بلادنا لتحقيق مصالح لشعبها ولم يعد يهمّها الشعب الليبي في شئ، فالشعب الذي يتنازل عن مصالحه ويرضى بحكم العصابات له لا يمكنه أن يتوقّع من الغير بأن ينتبهوا إلى مطالبه وإن كانت مشروعة. إيطاليا وجدت فرصتها وبدأت بالفعل تغرس مخالبها في التراب الليبي بهدف حماية مصالحها قبل أن تكون بهدف إعادة إحتلال هذا البلد لأن الإحتلال الظاهر قد يثير حفيظة الغير وقد يمنعها من تنفيذه.
إيطاليا بحثت لها عن "عملاء" من الليبيّين كي يساعدوها على تحقيق مآربها، ولم تجهد نفسها في إيجادهم. لقد وجدت إيطاليا بكل سهولة من يساعدها على تحقيق مآربها، وبدأت مع من وجدته في تنفيذ أجنداتها..... حماية حدودها الجنوبية مع ليبيا ولتغرق ليبيا بالهجرات الأفريقية فذلك لم يعد حينها يهم إيطاليا في شئ، وسوف لن يوقظ مضاجعها طالما أن حدودها الجنوبية كانت قد تمت حمايتها من قبل جنودها ومن جنود عملائها من الليبيّين الذين يحكمون الآن غرب البلاد ولو كان ذلك بدون شرعيّة وطنيّة وفي غياب الشعب الليبي الذي لم تعد له إرادة منذ أن قامت "ثورة التكبير" في هذا البلد في عام 2011.
حينما دعت فرنسا كل من المشير خليفة حفتر والسيّد فائز السرّاج للإلتقاء على أراضيها وفي ضيافة رئيسها إيمانويل ماكرون، كانت إيطاليا أوّل من عارض ذلك اللقاء وحينما أصبح اللقاء ممكناً كانت إيطاليا أوّل من شكّك في نتائجه وأشار إلى فشله... أو أبان النيّة القويّة لإفشال كل ما سوف ينتج عنه..... وبالفعل فعلت إيطاليا ما كانت تنوي فعله.
فبعيد صدور الإتفاق وتوقيع المشاركين عليه، سارعت إيطاليا للإتصال بأحد طرفي الإتفاق وهو السيّد فائز السرّاج وربما هي عرضت عليه بدائل أغرته فضرب الأخير بالإتفاق عرض الحائط وإنحاز بالكامل إلى المشروع الإيطالي لتوطين المهاجرين الآفارقة في ليبيا ومنعهم بالكامل للهجرة نحو الشمال بعد ليبيا. 
الغريب في الأمر أنّه في حين نشر الخبر في كل مكان ومن خلال الصحافة الإيطاليّة خرج السيّد السرّاج ليكذّب الخبر ويعتبر وسائل الإعلام هي من تروّج له. كذلك خرج الناطق الرسمي بإسم البحريّة الليبيّة التابعة لسلطة السرّاج العميد أيّوب قاسم بتكذيب الخبر وإعتبار أن كل ما حدث هو عبارة عن "سفينة إيطالية صغيرة دخلت الميناء لإحضار بعض قطع الغيار للزوارق الليبيّة التي إستلمتها من إيطاليا كإعانة".... ذلك هو جانب سلطة السرّاج المخادع والذي كشفه بكل جلاء بيان وزير خارجيّته المفوّض السيّد محمّد سيالة في بيان رسمي له والذي إعترف فيه بالقبول بدخول قوّات إيطاليّة إلى الشواطئ الليبيّة بما فيها جنود وسفن حربيّة من أجل "منع المتاجرة بالبشر". 
ذلك التخبّط يبرهن بكل جلاء على أن سلطة السيّد السرّاج هي تكذب على الليبيّين وتخادعهم، لكنّني لم أعرف النوايا والخفايا وراء ذلك الإنكار من قبل السيّد السرّاج الذي برهن على أنّه "تعمّداً" يكذب على الشعب الليبي... فما هي النوايا المخفيّة يا سيّد فائز السرّاج؟. 
إن كان وراء الأكمة وعوداً بحماية المجلس الرئاسي فليقال ذلك بكل وضوح للشعب الليبي، وإن كان ذلك من أجل مصالح شخصيّة أخرى فليذهب السرّاج وجماعته ويتركوا ليبيا لأهلها قبل أن يشرّعوا أبوابها لمن لا يريد لها خيراً. الإيطاليّون لا يريديون غير تحقيق مصالحهم وتتنفيذ مخطّطاتهم، أمّا مصير ليبيا ومعاناة الشعب الليبي فسوف لن تحفل بها إيطاليا التي برهنت بكل وضوح على أنّها ضد إنتصار الجيش الليبي وفرض سلطته على كل ليبيا. فذلك يقيناً سوف يحافظ على السيادة الليبيّة وسوف يرغم إيطاليا على الإيفاء بإلتزاماتها بكل ما سبق وأن وقّعت عليه في الماضي لتعويض الشعب الليبي عن فترة إستعمارها له. 
إن إستعجال إيطاليا بالتشكيك في نتائج ملتقى باريس بين المشير خليفة حفتر والسيّد فائز السرّاج، وشروعها الفوري في إرسال قوّاتها إلى الشواطئ الليبيّة وحتى قبل الحصول على موافقة البرلمان الإيطالي ليدل على أن إيطاليا تتحسّس من إحتمالية دخول الجيش الليبي للعاصمة طرابلس ومن ثمّ فهي تسرع الآن في إدخال قوّاتها للعاصمة وتحت ذريعة حماية حدودها الجنوبية من الهجرة الغير شرعية مع أن الهدف الكامن وراء ذلك هو منع الجيش الليبي وبأية وسيلة من دخول العاصمة وفي أي وقت... فلتفهموها يا أيّها الليبيّون والليبيّات.
لقد بدأ واضحا الآن بأن مخارج الهجرة من ليبيا نحو الشمال هي في طريقها للإقفال بالكامل على أن تبقى حدود ليبيا الجنوبية مفتوحة لكل من هب ودب. إن مثل هكذا إتفاق سوف يغرق ليبيا بالمهاجرين الآفارقة وسوف يحوّل ليبيا إلى مكب كبير للهجرات الأفريقيّة وبمباركة دوليّة سوف تصبح قانوناً ملزما بحجّة "حقوق الإنسان". تلك هي حقوق المهاجر الإفريقي على حساب المواطن الليبي، ولكن من يحميك يا إبن ليبيا ومن يحفل بأمرك يا إبنة ليبيا؟!.