2018/11/11

نحن من يسئ إلى إسلامنا من وحي أوهامنا

إن الوسيلة الوحدية لضمان عدم تكرار الخطأ تكمن في الإعتراف الصريح بحدوثه كخطوة أولى، ثمّ بعد ذلك إمتلاك الشجاعة للقبول بتحمّل المسئوليّة عنه. حينها نضمن عدم تكرار الخطأ ونضمن نجاح محاولات العبور إلى الأمام.
ذهبت في بداية الأسبوع المنصرم إلى مدينة لندن حيث حضرت ملتقاً دوليّاً عن آخر ما توصّل إليه العلم والعلماء في مجال علاج مرض التصلّب المتعدّد(اللويحي)، وقد حضر هذا الملتقى المتقدّم جدّاً بحثة من الولايات المتحدة وأستراليا وكل أوروبّا وكذلك "إسرائيل" عن آسيا.
كانت المادّة المعروضة غاية في العصرنة بحيث أنّها عكست وبصدق آخر ما توصّل إليه العقل الإنسانل في الإبداع والتفكير والتطوّر والتعمّق في دهاليز هذا المرض المزمن الذي يقع فريسته الملايين من البشر في العالم، وينفرد هذا المرض إلى حد كبير بإصابة فئة عمريّة تعتبر بكل المقاييس هي عمر الإنسان الذهبي. ومن مآسي القدر فإن هذا المرض يصيب بشكل كبير العنصر النسائي وفي مقتبل العمر حيث تكوين الأسرة وتأمين الوظيفة وبداية الإحساس بقيم ومعاني الحياة الحرّة والمستقلّة.
المهم في الأمر أن كل من حضر إلى هذا الملتقى الكبير كان في مخّه شيئاً واحداً وهو مساعدة المصابين بهذا المرض على التعايش معه بأقلّ قدر من المعاناة، مع تركيز كل البحثة الذين حضروا وأشركونا في آخر نتائج أبحاثهم... تركيز الجميع على فكرة البحث عن علاج ناجع وشافي لهذا المرض الذي مازال يحيّر كل علماء المخ والأعصاب في معرفة أسبابه الأمر الذي جعل علاجه والتخلّص منه ليس بالأمر الهيّن.
الذي جذب إهتمامي على وجه الخصوص وأنا دائماً أحمل همومنا كعرب ومسلمين معي إلى حيث أذهب وإلى حيث أقيم ومع من أختلط وأتبادل أطراف الحديث. الذي جذب إهتمامي هو أنّه حضر في هذا المؤتمر باحث إسرائيلي من النوع الراقي جدّاً والمتعلّم إلى أبعد الحدود فطرح ما في جعبته على الحضور ونال منهم كل إعجاب وتقدير وإمتنان لعمله وكل البحثة في جامعته الذين شاركوا معه بحثه. لقد قدّم نتائج بحث طويل ومتقدّم جدّا تم إجراءه في الجامعة العبريّة في القدس وفي جامعة الحداثة في تل أبيب فبيّن للجميع على أنّه جاء من بلد أبانها للجميع على أنّها في مصاف دول العالم المتقدّمة والمتحضّرة، وهو بذلك كان سفيراً لبلده برغم أنّه لم يأت لذلك الغرض حكماً بالطريقة التي قدّم بها بحثه والمشاعر التي كانت على ملامحه وهو يتحدّث عن أولئك الذين يعانون من مرض التصلّب المتعدّد وكيف بإمكان العلماء مساعدتهم على الإحساس بوجودهم والتمتّع بقدر الممكن بحيواتهم.
هنا قلت أنا في نفسي... أين هي بلادنا العربيّة، وأين هي بلادنا الإسلاميّة في هذا العالم الذي بالفعل خرج من أسوار التخلّف وإنطلق إلى الأمام تاركاً الماضي لحاله ناظراً إلى المستقبل الذي يراه أكثر عطاء وأكثر إستبشاراً وأكثر رحمة بالإنسان من أي وقت مضى.
قلت في نفسي وأنا أشاهد الخبير الإسرائيلي وهو يطرح عمله بكل ثقة وبكل فخر أمام لفيف من أكبر علماء الأعصاب التخصّصي في كل العالم بحيث نال الإعجاب وجلب لبلده الإحترام والتقدير بدون الحاجة إلى ماكينة دعاية أو أجهزة تلميع... قلت في نفسي، تلك الدولة الصغيرة والتي بدأت من الصفر في زمن لم يتجاوز سبعة عقود من الزمان وفي بيئة كانت ولازالت محاطة بأشد الأعداء ومن كل جانب ومع ذلك فإن دولته بفضل العقل والعلم والإرادة حافظت على وجودها وأبدعت في كل مجالات الحياة فأخذت مكانها بين دول العالم المتقدّمة بينما بقينا نحن من نتاجر بالكلام ونتعيّش على الأحلام والأوهام... بقينا نحن وللحسرة في مكبّات قمامة العالم لا يحفل بنا أحد ولا يحترمنا أحد ولا يشفق علينا أحد.
هنا تذكّرت قول الله تعالى: {{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ }}... كنّا وللأسف "خير أمّة" لكنّنا لم نزل كذلك... فلماذا؟.

هنا وصلت إلى قناعة بأنّ الذي تركنا هكذا أضحوكة لكل العالم المحيط بنا هو بكل تأكيد الطريقة التي نفكّر بها والآلية التي مازلنا نسيّر بها شئون حياتنا. نحن وللأسف نعيش في وهم كبير... اوهام تبعدنا عن الواقع... عن حقيقة أنفسنا. نحن بالفعل مازلنا نعيش في قصور عاجيّة صنعناها من أوهامنا وحافظنا عليها من وحي شيمفونيّتنا ظانّنين بأنّنا بالفعل نحن "خير أمّة" مع أنّنا لم نعد كذلك... نحن لم نعد خير أمّة وقد لا نعود إطلاقاً خير أمّة من جديد.

وهنا يبرز سؤال كبيرأمام ناظريّ ليطرح نفسه أمام عقلي ويستجديني بالبحث عن إجابة له: هل تخلّفنا هو بسبب ديننا أم هو بسبب فهمنا نحن لهذا الدين؟. علينا بأن نجيب بكل صدق عن هذا السؤال، وعندما نصل إلى الإجابة الحقيقيّة قد نلتحق بمن سبقونا....  
السؤال الذي يتوجّب علينا أن نتوقّف عنده ونجيب عليه: نحن قوم متأخّرون وعلينا بألّا نجادل في ذلك، ولكن الذي علينا التوقّف عنده والتفكير فيه هو... هل سبب تأخّرنا هو الدين الذي نتبعه أم أن سبب تأخّرنا هو فهمنا لهذا الدين؟.
بكل تأكيد فإنّ الدين(الإعتقاد) لا يمكن القبول به كسبب لتأخّر أي شعب في العالم. فالمعاول لا تبني ولا تهدّم، وإنّما الأيادي التي تمسكها هي من يستخدمها للبناء أو التخريب. لقد أنزل الله للعرب دينهم بلغتهم حتى يفهموه ولايغالوا في فهمه بسبب أية حواجز لغويّة. الدين أنزل بلغتنا فعلينا جميعاً أن نبحث فيه ونعمل على فهمه وأن لا نترك ذلك لشيوخ الدين كي يفسّروه لنا حسب فهمهم وربّما أيضاً حسب رغباتهم. نحن من أفسد الدين، ونحن من أستخدم الدين كمعول للهدم والتدمير والقضاء على ما بناه من سبقونا حتى أنّنا اليوم على عكس شعوب العالم... هم يبنون ويتقدّموا إلى الأمام، ونحن ندمّر كل ما وقعت عليه أيدينا وبأيدينا من وحي أفكارنا حتى وصلنا إلى هذا الوضع البائس الذي نحن عليه الآن. لقد حان لنا الوقت لأن نتوقّف ونفكّر ونتدبّر وأن نواجه أنفسنا بالحقيقة التي يجب بألّا نزاغ عنها: نحن من أفسد الدين وليس الدين هو من أفسدنا.
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم البشر.. كل البشر بغض النظر عن خلفيّاتهم العرقية أو الثقافيّة أو الجغرافية. العالم بالفعل كان قد أصبح قرية صغيرة تفتح أبوابها لكل البشر، وعالم اليوم هو ساحة مفتوحة لكل من يقدر على الإبداع والمساهمة في التقدّم والتحضّر الذي ينشده الإنسان في كل مكان. علينا نحن كعرب وكمسلمين أن نفتح عولنا وأن ننظر إلى أنفسنا على أننا بشر مثل غيرنا ولا ميزة لنا على أي جنس أو إنتماء إلّا بما نقدر على تقديمه للبشريّة. نحن في أمسّ الحاجة لأن نتنازل عن الشيفونيّة التي وللأسف أضحت مترسّخة في تفكيرنا بإيحاء الثقافة التي تعلّمناها ومازلنا نتوارثها لأننا لا نستطيع تغييرها من منطلق أنّها "مقدّسة". نحن في حاجة لأن نرى غيرنا على أنّهم بشر مثلنا وبأن كل إنسان يمتلك عقلاً ويمتلك قدرات وعلينا أن نتعامل مع غيرنا وفق تلك الأسس إن نحن أردنا بالفعل أن ننتقل إلى الأمام. 
نحن في أمسّ الحاجة لأن نترك الدين للعبادة وأن نفتح المجال واسعاً أمام الإنسان في بلداننا لأن يبدع ويطوّر ويتعامل مع الغير وفق مقتضيات العمل. لابد لنا كعرب ومسلمين أن نترك الدين للعبادة وأن نغيّر من طريقة تفكيرنا بخصوص "المسلّمات" التي فرضنا تجذّرها في ثقافتنا حتى غدونا اليوم عاجزين عن إجتثاثها مع معرفتنا بأن التفكير القديم لم يعد صالحاً في عالم اليوم. لا أعتقد بأن هناك أي عنصر أقدر على الرفع من قيمة الإنسان وقدراته غير "التحرّر". نعم.. إنّها الحريّة في كل شئ.. الحرية في التفكير، الحرية في الإختيار، والحريّة في الإعتقاد هي أساس كل ما نحتاج إليه في بلداننا المتخلّفة. حينما يتحرر العقل يبدع الإنسان، وحينما نغلّب العقل على العواطف نتمكّن من سبر أغوار الحضارة بكل إقتدار لأنّنا سنكون من بين من يبنيها حينها.  
إنّها ممارسات البشر ولا علاقة للدين أو التديّن في أي مكان في العالم بالتخلّف أو التشدّد. إن من يفعل ذلك هم البشر الذين ينصّبون من أنفسهم وكلاء على الله في الأرض ومن ثم يحتكرون تفسير الدين حسب تفكيرهم ووفق ثقافاتهم الموروثة. إن رجال الدين وفي أي دين هم سبب تخلّف الشعوب بسبب عقم الطريقة التي يفكّرون بها. إن كل بلاد العالم التي أبعدت رجال الدين عن التدخّل في شئون الدولة ومن بينها بكل تأكيد "إسرائيل".. تلك البلاد هي بالفعل من إستطاع أن يعبر إلى الأمام ويحقق التقدّم.

  تحييد الدين عن شئون الدولة هي قضيّة علينا الخوض فيها بكل عمق مستفيدين في ذلك ممّن قامت به أوروبا في العصور الوسطى وكيف أن أوروبا بذلك... وبذلك فقط... تمكّنت من الخروج من بوتقة التخلّف والولوج إلى عالم العقل والمعرفة وحريّة التفكير والإختيار والتصرّف. أنا بكل قوّة مع فصل الدين عن شئون الدولة وترك الدين للعبادة وفقط. الدين هو علاقة بين الإنسان وربّه، ومن ثمّ فلا داعي لغمس تلك العلاقة في أتون السياسة وفي تصريف شئون الدول. علينا أن نفهم ونعرف ونتيقّن بأن الكثير من دول العالم التي لا تعترف بالدين من حيث الأساس هي بلاد متقدّمة ومتطوّرة ويتمتّع فيها الإنسان بأكبر قدر من الإحترام والتقدير والآمان في بلاده، ومثالنا بالتأكيد هو اليابان والصين. أمّا بخصوص التعليم الديني في المدارس، فأنا لست ضد التعليم الديني في المدراس... بل أنا وبكل قوّة أرغب في الإبقاء على ذلك ولكن بترك المادة المعروضة على التلاميذ والطلّاب لتكون تحت إختيار وتنقيح وإشراف رجال التعليم وليس شيوخ الدين. أنا شخصيّاً أرى بأن نكبة كل بلاد العالم هي بسبب شيوخ الدين، وعلينا بكل قوّة تحييد هؤلاء البشر عن العبث بحياتنا والتدخّل في شئوننا لأن رجال الدين في كل أنحاء العالم هم آناس منغلقين على أنفسهم ويخافون إلى حد الإرتعاب من أي شئ إسمه العلم ويخشون حد الكراهية من العلماء والمتعلّمين. علينا أيضاً أن نعي ونعرف بأن شيوخ الدين هم ليسوا علماء في شئ ويجب أن تنزع عنهم تلك الصفة، فما هم بعلماء ولا يعرفون العلم إلّا من خلال النقل والتكرار بدون البحث والإستنتاج وتلك لوحدها تبيّن بأن رجال الدين هم ليسوا من العلماء ولا تليق تلك الصفة بهم في أوضاعهم الحاليّة.
العلمانيّة تعني حريّة الإعتقاد وحريّة التفكير ولا تعني إطلاقاً الكفر. إن الدين يمارس بكل حريّة وبكل آمان في كل دول العالم العلمانيّة، لكنّه ليس كذلك في البلدان التي تتشدّق بتطبيق الشريعة. إن البلاد التي تتشدّق بتطبيق الشريعة هي تلك البلاد التي لو أن أي مسلم من مواطنيها خالف المفروض في داخلها ولو كان في نفس العقيدة وإنّما بإتّباع مذهب مختلف فسوف يحارب وقد يتم التخلّص منه. الدين في بلداننا تحوّل إلى تجارة والدين في البلاد العلمانيّة أصبح يمارس بكل حريّة وإقتناع. تركيا بكل تأكيد هي دولة علمانيّة وكذلك ماليزيا وكذلك إندونيسيا وكذلك تونس وكذلك مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وفي عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.... وتلك البلاد الإسلاميّة العلمانيّة تعتبر من أرقى البلاد الإسلامية ومن أكثرها تحضّراً وإنفتاحاً على الغير وعلى مواطنيها.

2018/11/03

نتحسّر على ماضينا لأن حاضرنا أبكى مآقينا

عالم اليوم هو عالم التفكير والتخطيط والبرمجة والإبتكار... أي أنّه عالم إستخدام ملكة العقل. إن نحن كعرب وكمسلمين رغبنا في العيش في هذا العالم فعلينا الإلتجاء إلى عقولنا والإستنجاد بعلمائنا(ليس شيوخ الدين) ومفكّرينا وأصحاب العقول النيّرة بيننا، وعلينا تقديرهم وإحترامهم وتمكينهم من قيادة المركب.... فهم سوف لن يسمحوا لوجودنا بالإنحسار ولكياننا بالإندثار.
كنت هذا الصباح أشاهد حفلة موسيقية بهيجة سابقة للفنّان السوري علي الديك ومعه نخبة من الفنّانين والفنّانات من سوريا ولبنان وشدّني كثيراً ما شاهدت حتى أنّ عيناي كادتا أن تدمعا حينما قفزت إلى مخيلتي مشاهد من الدمار والخراب في سوريا العزيزة والذي وللأسف طال كل شئ وشمل كل شارع وبيت بمن فيها وبمن عليها من البشر الذين كانوا بالأمس القريب من أسعد وألطف وأدمث البشر في منطقتهم المحيطة بهم وهي منطقة الهلال الخصيب التي كنّا قد قرأنا عنها في مراحل تعليمنا الأوليّة وكانت قد أعطيت لنا على أنّها أرض الماء والنماء والخضرة والوجه الحسن. تلك هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن العراق، لكنّها جميعاً وللأسف لم تعد بها لا خضرة ولا ماء ولا وجوه حسان دعكم من الفن والأدب والإبداع البشري الذي كان يجد الوسط المعين ويحظى بالحبور والدعم اليقين.
عادت بي الأخيلة إلى فترة الستينات والسبعينات حيث بلداننا العربيّة كانت كلّها تنعم بالآمان والإستقرار، وبرغم بعض الطغيان السياسي هنا أو هناك إلّا أن الناس كانت تحب الوطن وتعطف على المواطن، وحين كانت القلوب - قلوب العرب - عامرة بالحب والرحمة والقناعة والرضاء. ففي تلك الآونة كان التراحم بيننا على أشدّه وكان الإحساس الوطني يدور مع دمائنا وكان كل منّا ينظر إلى الغد ويحلم بالمستقبل الزاهر برغم بعض الإنتكاسات هنا أو هناك.
أنا بطبعي مستقبلي التفكير عقلاني النظرة واقعي التصرّف، لكنّني وجدت نفسي في هذا الصباح والحسرة تكاد تخنقني... وجدت نفسي على غير عادتي أحنّ إلى ذلك الماضي البهيج ليس من باب حب الحنين والتنعّم بتحفيز العواطف وإفاقة الأشجان، وإنّما من وحي ما أرى وما أشاهد وما أحسّ به الآن من حسرة على هذه الأمة التي ضحكوا عليها وضكت هي على نفسها.
أنا رأيت - والأشجان على أشدّها - بأن ما جرى لنا هو بكل تأكيد من تخطيط غيرنا الذي تعرّف على ثقافتنا "المتوارثة" وفهم الطريقة التي يفكّر بها أغلبنا وكيف أنّنا كنّا ومازلنا مخدّرين بأثر الدين وتأثير شيوخ الدين، وكيف أمكنهم بعد فهم واقعنا والتعرّف على نفسيّاتنا من إستغلال نفس الوسط للعب بعقولنا والرمي بنا في هاوية التدمير الذاتي لكل ما وجدناه بين أيدينا... لكل ما بنيناه وما تعبنا من أجل تحقيقه في عقدين من الزمان تليتا إستقلالنا بعد أن تنعّمنا بالتحرّر ممّن إحتلّونا بنفس السر وبنفس المخطّط ولكن بنظريّة كانت تختلف بما تماشى مع ذلك الزمان.
أنا لست من أنصار نظريّة المؤامرة ولا من المقتنعين بأن غيرنا(الإستعمار والصهيونية) هو من يعبث بنا ويكيد بنا ويدمّر تراثنا ويطمس حضارتنا ويقضي على كياننا، فقناعتي هي دائماً أنّه لا يمكن أن يعبث ببيتك غير الذي تسمح له بذلك إلّا وأن يكون معتدياً وحينها يمكنك الدفاع عن كرامتك بكل ما أوتيت... ويقيناً حينها فإنّك أنت من دائماً ينتصر، ومثالنا بكل تأكيد صراعنا أثناء عقود الإحتلال الأجنبي لبلداننا وإنتصارنا في نهاية المطاف رغم ضعف عدّتنا وشحّ إمكانياتنا. غيرك لا يمكنه أن يعبث بك إن كنت أنت حريصاً على كيانك وتملك الإرادة للدفاع عن كرامتك وصون شرفك والحفاظ على ممتلكاتك.
الذي حدث في عالمنا العربي هو أنّنا تحوّلنا إلى ضحايا لطريقة تفكيرنا التي وللأسف كانت تستحوذ عليها عواطفنا وتنحسر من خلالها العقلانيّة والحسابات في تصرّفاتنا. هم (أمريكا وبريطانيا وإسرائيل) كانوا في هدوء قد درسوا ثقافتنا وعرفوا طريقة تفكيرنا وفهموا الكثير عنّا فإستغلّوا ذلك لدفعنا إلى تدمير أنفسنا بأيدينا وتلك هي بكل تأكيد تعتبر نبوغاً وتميّزاً لهم علينا من وحي ثقافتهم ومن نتاج تحرّرهم من سيطرة العواطف والسماح لعقولهم كي تسيّر أمورهم وكانوا قد سبروا تلك الأغوار منذ القرن الخامس عشر الميلادي حيث ثورات التحرّر الحقيقيّة في غرب أوروبا وشمال أمريكا من بعدها.
كانت أوّل محاولة جادّة منهم في هذا الإطار لتدميرنا بأيدينا قد بدأت أثناء إحتلال أفغانستان من قبل الإتحاد السوفييتي حينها، حيث كانت ربّما أوّل تجارب إستغلال العاطفة الدينيّة عند الشعوب الشرق أوسطيّة لتحشيد العالم الإسلامي خلف التفكير الغربي المدروس والمحبوك والمبرمج. تم تدمير أفغانستان بكل ما كانت تملك من بناء وحضارة وقيم إنسانيّة ونظام حكم متوازن مع أنّه لم يكن مثاليّاً، وبالفعل نجحت التجربة بما فاق تصوّر المبرمجين، وكان أن دمّرت أفغانستان وتحوّلت إلى ما نعرفه اليوم. إنتقلت العمليّة من بعد ذلك إلى الصومال ونجحت النظريّة من جديد في الصومال وأضحت الصومال كما نعرف اليوم... وإزداد المنظّرون ثقة بأنفسهم وتيقّناً من نجاح مشروعهم، حتى كانت ثورات الربيع العربي وما تلى تلك الثورات من أحداث أوصلتنا إلى الواقع المخزي والمزري الذي نعيشه الآن كعرب وكمسلمين.
كان الهدف الأوّلي بكل تأكيد تثبيت دولة "إسرائيل" في المنطقة بوضع دائم ونهائي، وأراهم اليوم ينجحون في ذلك المشروع بكل براعة وبكل إتقان. فنحن اليوم نرى أن جميع الأصوات التي كانت ترفض علناً وبكل قوّة وثبور أي شئ إسمه "إسرائيل" في المنطقة، وإعتبار أن دولة الصهاينة هي عبارة عن كيان لقيط أريد توطينه في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني. تلك الأصوات الوطنيّة(شعوب وحكومات على حد سواء) بدأت بالفعل تخفت وتتوارى منذ بدايات السبعينات وإنتهت بالكامل بعد ثورات الربيع العربي وما تلى ثورات الربيع العربي ومن إنتصار للفكر الإسلاموي المتخلّف بقيادة السعودية وبقية دويلات الخليج المجاورة والتي كانت بكل تأكيد وبكل يقين هي المعاول التي قضت على ثورات الربيع العربي في مهدها ولم يكن ذلك وليد صدفة وإنّما كان نتيجة لتخطيط ممنهج ومدروس وبالفعل كان تخطيطاً ذكيّاّ ومحبوكاً بكل المقاييس والمعايير. تحرّكت دويلات الخليج بكل ما أوتيت من مال وخبث وعمالة مصدرها التبعية المصيرية والوجودية من قبل حكّام تلك الدويلات لتلك الدول التي ذكرتها أعلاه، فكانت ثورات الربيع العربي غير "عفويّة" بل مخططاً لها سلفاً، وكانت النتائج كما نراها الآن؛ غير أن المخطّط هو أبعد وأكبر وأسوأ وأشمل ممّا نتصوّر.... 
أنا شخصيّاً أرى بأنّ كل ما حدث في منطقتنا العربيّة كان مخطّطاً له مسبقاً وبكل عناية وإتقان. أنا على ثقة بأن أجهزة مخابرات كبرى (سي آي إيه، إم آي 6، الموساد) كانت قد عملت متعاونة على هذا المشروع وعلى أن مثل هكذا عمل كان قد تطلّب الكثير من الدراسة والتخطيط، وعلى أن تلك المخابرات كانت قد درست العقليّة العربيّة والإسلاميّة عن قرب، وكانت ربّما المخابرات الإسرائيليّة هي من أدّت الدور الأكبر في هذا الإطار بالذات من حيث قربها من المكان ومن حيث الخلفيّة الثقافيّة لتلك المخابرات. كان التخطيط عميقاً جدّاً وذكيّاً لأبعد الحدود، وكانت الحبكة متقنة على كل جانب وفي كل الأطراف... وأعني هنا "كل الأطراف".
تلك المخابرات بكل يقين لم تختر البوعزيزي، وبكل تأكيد فإنّ المرحوم البوعزيزي لم يكن يتعامل معها؛ ولكن الإعداد لمثل ذلك السيناريو كان من صنع مخابرات محنّكة وخبيرة حتى بدأ وكأنّ  كل شئ كان طبيعيّاً بكل المعايير بحيث تكون له تأثيرات قويّة في المنطقة، وكان  ذلك هو كل ما حدث بالتمام. 
أعتقد بأن دول الخليج العربيّة لم تكن تعلم بالتخطيط ولا المشروع، لكنّها - وفي إطار الخطّة المعدّة - إستملت معلومات مخابراتيّة ونصائح "إستراتيجيّة" بأن تكون مستعدّة لأن "الثورة" سوف تجتاح المنطقة كلّها وسوف تكون دول الخليج العربية هي المحطّة الرابعة بعد تونس ومصر وليبيا. تم الإيعاز إلى حكّام دول الخليج بأن يقوموا بالدور المخطّط لهم من حيث الدفع بكل العناصر المتشدّدة والتي بكل تأكيد تتبع السلفيّة الجهاديّة(حنابلة ووهابيّة) لكلّ منطقة تم القضاء على نظام الحكم "الديكتاتوري" فيها بهدف السيطرة عليها وإشعال نار الفتنة فيها من أجل أن يشعر الناس في دول الخليج بأن ثورات الربيع العربي هي ثورات فوضويّة ولا توجد لها أجندات تحرّريّة أو وطنيّة... وكان ذلك هو تحديداً ما حدث بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011.
كانت سوريّا بكل تأكيد هي جوهر الإهتمام قي ثورات الربيع العربي بحكم تجاورها مع "إسرائيل"، وكان أن إجتمع  شيوخ دين من السعوديّة ومصروبعض الآخرين(مصر كانت حينها تحت سلطة الإخوان) في مؤتمر أطلق عليه "موقف علماء الأمة من القضية السورية"، وكان ذلك في القاهرة يوم 13 يونيو 2013. هذا ومن الجدير ذكره أن ذلك المؤتمر كان قد أصدر بياناً دعى فيه إلى وجوب "الجهاد" لنصرة سوريا بالنفس والمال والسلاح، معتبرين أن ما يجري في أرض الشام من حزب الله وإيران وروسيا والصين، هو "إعلان حرب على الإسلام والمسلمين".
القضيّة من وجهة نظري لم تكن تحرير البلاد العربيّة من سيطرة "الطغاة" الذين كانوا يحكمونها وإلّا لكانت دول الخليج هي أوّل من شهد تلك الثورات، وإنّما كانت القضيّة في جوهرها وأساسها وخلاصتها تهدف إلى تمكين "إسرائيل" من التثبّت في المنطقة بشكل نهائي وأبدي مع جعل "إسرائيل" قدوة لكل جيرانها العرب بعد التوافق معها والإعتراف بوجودها "القانوني" في كلّ ما كان يعرف بفلسطين. تلك كانت بكل تأكيد أول إهتمامات ومخارج "ثورات الربيع العربي" الخفيّة والتي لم يكن يعرفها أو حتّى يفكّر فيها كل من قام بتلك الثورات.
البرنامج المرسوم حسب إعتقادي كان يدفع إلى تحقيق المهام التالية في المدى القصير:
  1. تثبيت "إسرائيل" النهائي والأبدي والقانوني في المنطقة.
  2. الجعل من "إسرائيل" جوهرة المنطقة وعقلها المفكّر بإعتبار أن العقلية اليهوديّة متفوّقة على العقلية العربية.
  3. إضعاف جميع الدول العربيّة في كل المنطقة العربية وليس تلك المحيطة ب"إسرائيل" فقط.
  4. حلب منطقة الخليج بالكامل وتجفيف مصادرها الطبيعية ثم بعد ذلك تغيير حكّامها.
  5. الإبقاء على إيران البعبع في كل المنطقة والتخويف بها كلّما دعت الحاجة إلى ذلك. 

أمّا على المدى البعيد، فإن الخطّة تدفع إلى ما هو أعظم وأكثر هولاً ممّا قد يظن به أي متشائم في المنطقة العربية ككل. الخطّة على المدى البعيد تعني تحديداً القضاء على التطرّف الإسلامي وإلى الأبد من خلال هذا المخطّط:
  1. إفلاس المنطقة وتحويلها إلى مستجدية.
  2. توريط المنطقة في ديون ضخمة وبفوائد كبيرة من خلال البنك الدولي.
  3. تفريغ العقول العربيّة من الفكر الإسلامي بالكامل.
  4. إحداث ثورة ضد سيطرة رجال الدين على شئون الدولة أسوة بما حدث في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي.
  5. تشجيع الشباب على ترك دينهم والتنكّر له بحكم أنّه دين تخلّف ولا يصنع المستقبل.
  6. الدفع إلى تثبيت الفكر العلماني في المنطقة بإعتباره الطريق الوحيد نحو إعادة البناء وتحقيق الرفاهيّة.
  7. محاولات التنصير من خلال المساعدات والدعم وتعبئة الفراغ الحاصل نتيجة لعزوف الشباب عن الدين الإسلامي.
تلك هي من وجهة نظري الخطّة المرسومة لثورات الربيع العربي حتى قبل حدوثها، وتلك هي الإستراتيجية في الأمدية القصيرة والبعيدة، وقد تنجح تلك الخطة كما برمج لها. إن الذي نراه الآن إنّما هو يسير وفق الخطّة ولا توجد أية دلائل تطرح البديل.
قد يقول قائل إن للدين ربّ يحميه، وأرد على ذلك القائل بأن الدين عند الله ليس هو الدين عندنا. الإسلام هو ليس دين محمّد عليه السلام، وإنّما هو دين الله الذي أراده للبشر، وكان هذا الدين في المنطقة قبل ميلاد محمّد بن عبد الله بألاف السنين. فقد كان إبراهيم مسلماً وكان نوح مسلماً وكان موسى مسلماً وكان يوسف مسلماً كما أخبرنا به القرآن. 
النبي محمّد لم يأت بدين جديد وإنّما أتى بالفصل الأخير من نفس الدين، ومن ثمّ فإن الله سوف يحافظ على دينه من خلال كينونة الدين عند الله وليس من خلال فهمنا نحن المسلمون لدين الله الذي نظن من خلاله بأنّنا نحن فقط هم المسلمون وبأن الجنة هي لنا وحدنا وما إليها  من شوفينيات قصيرة النظر وضحلة التفكير. 
حينما يتم إفراغ عقول الشباب من دين محمّد فإن ذلك لا يخرجهم من الإسلام، وإنّما في واقع الأمر يبقيهم فيه مثل ما حدث أثناء ثورة أوربا على الكنيسة ونشوء العلمانيّة. العلمانيّة لا تعني إطلاقاً الكفر وإنّما هي تعني تحديداً "حريّة التعبّد" وحريّة التفكير. أنا أقول هذا الكلام اليوم وأترك الأيّام لتشهد على ما أقول، وما لي من هم سواء أن نستفيق نحن العرب والمسلمون من سباتنا وأن نلتهي بأنفسنا وأن نفتح عيوننا على العالم المحيط بنا، فالبشر ليسوا هم من الملائكة مع أنّهم ليسوا من الشياطين كذلك. علينا بأن نترك المجال لعقلائنا ومفكرينا والمثقفين منّا كي يقودوا المرحلة وأن نمكّنهم من ذلك، وبعدها سوف ترون منطقتنا وقد مسكت ليس بتلابيب التحضّر وإنّما بمقاوده.