2018/06/17

كيف يمكنك السفر بسيّارتك من طرابلس إلى لندن ؟

 إن من يعيش في الماضي ويتنكّر لعالم اليوم هو كمن يحاول أن يخفي شعاع الشمس بغربال. الذين يريدون البقاء في دهاليز الماضي هم أنفسهم من يظنّون بأن الأرض مسطّحة وبأن الشمس هي من تدور حول الأرض. العالم يسير إلى الأمام وما علينا إلّا إنتهاج نفس المسلك حتى نصل إلى هناك أو على الأقل نبقى في الركب.

قمت هذا الصباح - ولأسباب أخرى - بطلب المسافة بين طرابلس ولندن بالكيلومتر ففجأني "جوجل" بمعلومات أبهرتني بصدق وجعلتني أرى الدنيا كما أتصوّرها وكما دعوت كثيراً إلى فهمها والتعامل معها كما هي وليس كما نظنّها أو نتصوّرها نحن في ثقافتنا وفي دروسنا الدينيّة.
كان الغرض من طلب هذه المعلومة مقالاً كنت كتبته هذا الصباح ولكن لأسباب لا أعرفها قرّر حاسوبي القفل بدون إنذار فضيّع عليّ ذلك المقال وشتّت أفكاري مما أغضبني وأشعرني بالحسرة على الوقت الثمين الذي أضعته في كتابته، فدفعني لأن أترك ذلك المقال إلى وقت آخر حينما أجدني بنفس الشعور الذي كان بمعيّتي هذا الصباح. المقال بكل تأكيد أنا أراه مهمّاً لأنّه ينتقد أوضاعنا المؤلمة كعرب ومسلمين.
المهم في الأمر، أن معلومات "جوجل" كانت بصدق أبهرتني وأنا من مستخدمي "السات ناف" كثيراً هنا في بريطانيا. لقد أعطاني تفاصيلاً لم تخطر على بالي وأبان لي كيف أنّه - "جوجل" - لم يترك مكاناً على الأرض بدون حشر أنفه فيه بما في ذلك بلداً أصبحت خراباً وأهلها أصبح ما يقارب من نصفهم مهجّرين من بيوتهم ومحرومين من خيرات بلادهم التي سرقها الحقراء والطمّاعون والإنتهازيون الذين لا تهمّهم إلّا أنفسهم ولا يحفلون بغير إشباع رغباتهم وغرائزهم.
من باب إنبهاري قرّرت مشاركتكم في خريطة الطريق التي رسمها لي "جوجل" إن أنا فكّرت في إستخدام سيّارتي للسفر من طرابلس إلى لندن !!.
"جوجل" ظنّ بأنّني قد أنطلق من شارع الجمهوريّة في طرابلس ليكون مكان وصولي في الوايتهول وسط لندن. جوجل إحتسب المسافة التي عليّ قطعها ب 3008 كيلومتر، والزمن اللازم لي للوصول إلى لندن بإستخدام سيّارتي يومين كاملين. بكل تأكيد "جوجل" لا يعرف بأنّني أقود بسرعة أكبر بكثير من السرعة القانونيّة لأنّني لم أسرّ بذلك لأحد حتى لا تطالني مخالفات رجال المرور وهي قاسية جداً هنا !!.
هذه تفاصيل الرحلة من شارع الجمهوريّة في طرابلس إلى الوايتهول في وسط لندن، لكنّني إشفاقاً عليكم لم أنشر كل شئ أعطاه لي "جوجل"، فذلك قد يحتاج إلى 5 صفحات طويلة من التفاصيل الدقيقة. أترككم لتعرفوا الطريق نحو تونس أوّلاً؛ وبعدها إلى إيطاليا، فرنسا، ثم بريطانيا:
الإنطلاق من شارع الجمهورية، طرابلس، ليبيا
((المسافة: 3,008 كم، والزمن حوالي 2 يوم 0 ساعة)).
الاتجاه نحو جنوب الشرق مباشرة صوب شارع الجمهوريّة على مسافة 63 متر، بعدها البقاء على اليمين في شارع الجمهورية لمسافة 1.0 كم. عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثالث إلى شارع ابو هريدة لمسافة 1.4 كم. عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني إلى ‪(طريق المطار السريع) Airport Hwy‬‏ لمسافة 1.1 كم. بعدها، الاتجاه نحو الطريق المنحدرة إلى ‪Second Ring Rd‬(الطريق الدائري الثاني)‏، لمسافة 8.4 كم. عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الأول في الطريق الدائري الثاني لمسافة 3.1 كم. عند جزيرة دوران الغيران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثالث من حول الجزيرة لمسافة 0.6 كم. تابع بعدها السير في الطريق الساحلي لمسافة 66.8 كم نحو صبراتة، ثم العجيلات. من العجيلات حتى ملّيته لمسافة 19.8 كم، ثمّ زوارة لمسافة 11.7 كيلومتر. بعد ذلك عليك الاتجاه نحو اليمين بعد مسافة 0.4 كم، وعند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني إلى الطريق الدائري الخارجي، وبعد مسافة 3.9 عليك الاتجاه نحو اليمين لمسافة 34.5 كم. بعد ذلك عليك الاتجاه يمينًا إلى الطريق الساحلي ناحية راس اجدير لمسافة 20.8 كم، ومن هناك عليك المتابعة في خط مستقيم طريق برسوم مرور لمسافة 0.1 كم. بعد ذلك، تابع السير جهة اليمين لتصل إلى طريق برسوم مرور للدخول إلى تونس. بعد ذلك وبمسافة ‎1.1 كم عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني. بعد 31.4 كم، وعند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني في جزيرة الدوران لمسافة 2.8 كم. عند جزيرة الدوران المقابلة، عليك الاتجاه نحو المخرج الثالث إلى ‪P1‬ لمسافة 59.3 كم. بعد ذلك تجد جزيرة دوران. تابع القيادة خلال جزيرة الدوران وفي إتجاه مستقيم مع البقاء في ‪P1‬‏ لمسافة 8.8 كم، بعدها عليك الاتجاه نحو اليمين لمسافة 3.4 كم وعليك المتابعة في نفس الطريق لمسافة 2.5 ك فتجد جزيرة دوران أخرى. تابع من هناك السير مباشرةً لمسافة 21.0 كم. تجد بعدها جزيرة دوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني إلى ‪C116‬‏ لمسافة 17.5 كم. هناك، وعند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الأول إلى ‪N1‬‏/‪P1‬‏ مع المتابعة في ‪P1‬‏ لمسافة 34.1 كم حتى تصل إلى جزيرة دوران. عليك بعدها الاتجاه نحو المخرج الثالث والاستمرار في ‪P1‬ لمسافة 3.0 كم. عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الثاني والاستمرار في ‪P1‬‏ لمسافة 2.0 كم. عند جزيرة الدوران، عليك الاتجاه نحو المخرج الأول والاستمرار في ‪P1‬‏ لمسافة 7.9 كم.
تستمر التعليمات بكل دقّة وبالكيلومتر حتى الميناء في تونس العاصمة ومن هناك عليك أخذ السفينة ناحية جنوة في إيطاليا. التعليمات واضحة وبالكيلومتر في داخل إيطاليا حتى نقطة العبور إلى فرنسا، ومن فرنسا بكل كيلومتر وبكل توجيهات دقيقة ناحية الأراضي البريطانيّة عن طريق نفق بحر المانش لتستقل القطار هناك ومعك سيارتك بالطبع في إتجاه معبر دراتفورد في بريطانيا. من هناك تبدأ قيادة سيارتك من جديد لمسافة 53.2 كم حتى تصل إلى مفترق أشفورد\ لندن ثم تأخذ الطريق السريع M25 من هناك في إتّجاه لندن حيث يعطيك "جوجل" كل التفاصيل الدقيقة وبالكيلومتر إلى أن تدخل العاصمة البريطانيّة في آمان وسلام لتقود بعدها سيّارتك إلى بيتك وأنت فرح وسعيد ‬‏..!!.
تلك هي حياتنا المعاصرة لمن مازالوا يعشقون العيش في الماضي ويريدوا أن يذكّروننا كيف كان النبي عليه السلام يسافر وكيف كان الصحابة رضي الله عنهم يسافرون. أفيقوا يا أيّها الشيوخ من سباتكم قبل أن يجرفكم تيّار الحداثة والتغيير وحينها قسماً فسوف لن تجدوا من يفزع لكم ولا من يتعاطف معكم. سوف يقوم الشباب حينها بنتف لحاكم وخلع تلابيبكم وترككم في العراء. رجائي أن تروا الدنيا كما نراها نحن حتى تحافظوا على إحترام الناس لكم والإستماع إلى مواعظكم وإرشاداتكم قبل أن يجد البشر وسائل أخرى يستقون منها معلوماتهم التي يحتاجون إليها وتصبحون أنتم من محتويات المتاحف التي لا يرى الناس متعة في مشاهدتها أو رغبة في زيارتها.

2018/06/16

وماذا بعد العيد ؟!

العالم من حولنا يحسب ويقيّم ويختار وينظّم، ونحن نتفرّج مشدوهين وكأنّنا نعيش في كوكب آخر. ألم يحن الوقت لنا كي ننسجم مع غيرنا ونتخلّص من شوفينيّتنا فعسانا أن نخرج من تخلّفنا وقهرتنا ووإمتهان الغير لنا وغلبتنا؟!.   

الآن وقد صمنا رمضان وعيّدنا وتبادلنا التهاني وكنّا غاية في الروعة والدماثة وحسن المعاملة... فهل يستمر هذا الزخم وهل نجعل هذه المناسبة بداية للتفكير والتدبّر والنظر المحتسب من حولنا؟. هل نستفيد من هذا الزخم الأخلاقي بأن نتبنّى روح رمضان وروح العيد لتكونا منوالاً لنا في حياتنا وتذكرة لنا في كل تصرّفاتنا؟.
الحياة يا سادتي ليس لها إلّا وأن تعبر إلى الأمام متجهة نحو غدٍ يصنعه البشر ويراقبه الرب، فهل نكون نحن من يساهم في صنع هذا الغد؟. نعم، نحن قد تكون قدراتنا ضعيفة ومساهماتنا متواضعة في صنع الغد الإنساني، فهل بوسعنا على الأقل أن نصنع غدنا - هنا - في ليبيا بلدنا؟. هل بوسعنا أن نلتقي ونتصافح ونتبادل العبارات الجميلة كما فعلنا في العيد؟. هل بوسعنا أن نستغفر ربنا ونتوب إليه كما فعلنا في رمضان؟. هل نتواصل مع بعضنا ونساعد المحتاج منّا كما فعلنا في آخر شهر الصيام؟. هل بقى لنا الكثير من الوقت كي نسمح للعبث بأن يستمر والرفث بأن ينتشر؟.
يا أيّها الليبيّون والليبيّات... إن العالم من حولنا كلّه يسعى إلى الأفضل ويعمل من أجل بلوغ الأفضل، فلماذا نسمح نحن لأنفسنا بأن نكون نحن من الشواذ؟. هل آن لنا بأن نعقل ونتفكّر ونسعى نحو تحقيق الأفضل والأجمل والأنبل؟. دعونا نفكّر ونتعلّم الدروس ونعتبر، فوالله إنّنا لا نفعل ما تمليه علينا ضمائرنا ولا نتصرّف كما تقوله شفاهنا وكما نذكره في آحاديثنا وكتاباتنا. إنّنا نكثر من النفاق ونتعامل بالمذاق ونتجرّع كل المرّ جزاء ذلك والترياق. علينا بأن نخرج من عالمنا المظلم ونفتح عيوننا على العالم من حولنا فعسانا أن نرى نور الشمس وعسانا أن نتلمّس طريقنا نحو الأفضل.
يا أيّها السادة والسيّدات... أنا سمعت بالأمس وزير الصحّة في بريطانيا وهو يقول معقّباً على قرار الحكومة برفع الغطاء عن الخبرات الصحّية كي تهاجر بحريّة إلى بريطانيا: إن بلدنا تحتاج إلى 10,000 طبيب و30,000 ممرّض وممرّضة ولا يمكننا تخريج تلك الأعداد الهائلة من جامعاتنا في ظرف قصير من الزمن، فعلينا الترحيب بالخبرات """الجاهزة""" من خارج حدودنا فهي لا تكلّفنا شيئاً لإعداها وهي جاهزة لنا كي نستفيد منها الآن، وقبل غدٍ. إن قرار الحكومة في هذا الشأن كان صائباً، وسوف تعود مردوداته على كل مواطن في بلدنا... إنتهى النقل.
ذلك كيف يفكّر غيرنا، وبمثل ذلك فقط ينتقل غيرنا إلى الأمام؛ وبعكسه نحن نرجع إلى الخلف وندمّر بلدنا بأيدينا لأننا لا نحفل بمعاناة أهلنا ونحن نرى عذابات ونسمع آهات المعدمين منهم. نحن وللأسف لا نستخدم عقولنا ولا نرجع إلى إنسانيّتنا وروح ديننا. نحن تسيّرنا حماقاتنا وأنانياتنا وأطمعانا وملذّات أنفسنا ونعرف بأن كل ذلك على حساب غيرنا ونعرف بأنّه إغتصاب وإستلاب لحقوق أهلنا وناسنا وإخوتنا وأبناء عمومتنا وجيراننا. نحن نفضّل الإستمرار بطرق تفكيرنا التي تغلب عليها الغطرسة والغباء ورداءة التقدير لأنّنا لا نقدر على الجلوس والتأنّي والتفكير.. لأنّنا وللأسف مازلنا نعيش بعقلية البداوة وتفكير العشوائيّة والشقاوه.
ليبيا يا سادتي ويا سيّداي تمتلك من الخبرات المهنيّة والأكاديمية مالا يمتلكه غيرها من الدول المجاورة، وليبيا ربما تعتبر من بين أكبر بلاد العالم التي نزحت عقولها إلى خارج حدودها. نحن نرى عقولنا تنزح إلى خارج حدونا وخيراتنا تنزف إلى خارج ترابنا لكنّنا لا نأبه ولا نبالي... بل إنّنا وللأسف نسعد بذلك ونشجّعه من حيث ندري ولا ندري.
رجائي يا سادتي ويا سيّداتي أن نجلس ونفكّر من جديد.. دعونا نسأل أنفسنا سؤالاُ بسيطاً جداً: من هو ذلك الذي يهاجر ويترك البلد إلى غيرها؟. إنّه المتعلّم والمقتدر والواثق والقادر على المنافسة في بلاد العالم المتقدّمة..... إنّه من بين أجود العقول والخبرات الليبيّة. نعم، أبرز وأجود وأنفس الخبرات الليبيّة تهاجر ... تنزف... تسكب.. إلى خارج حدودنا ونحن نتفرّج فقط بل والكثير منا يسعده ذلك ويفرح به!!. ألسنا نحن من إبتدع مصطلح "الدبل شفرة"؟. ألسنا نحن من حارب وبكل قوّة عودة العقول الليبيّة بحجة أنّهم "دبل شفرة"؟. هل يعرف أولئك الأغبياء الذين يحاربون العقول الليبية المبدعة والقادرة ويقفون سدّاً منيعاً في وجه عودتها إلى البلاد.. هل يعرف أولئك بأنّ من يخرج من ليبيا هم فقط القادرون والمبدعون والواثقون، وبأن كل من يبقى في ليبيا في تلك الظروف السيئة والعصيبة التي صنعتها لنا مخرجات ثوة فبراير 2011... بأن كل من يرضى بالبقاء في بلد تعمّها الفوضى وتنتشر فيها الحماقة هم فقط العاجزون والفاشلون والذين لا يستطيعون المنافسة خارج الحدود مع بعض الإستثناءات التي قد تشمل أولئك الذين تمنعهم ظروفهم الإجتماعية من الهروب إلى خارج البلاد؟. 
نعم، يا سادتي ويا سيّداتي، إن كل من يخرج من ليبيا هو فقط من يمتلك العقل والعلم والخبرة والمقدرة على تقديم أجود مخرجات العقل لكنّهم وللأسف يهبون خبراتهم لغيرنا نحن من هم أولى بها.. "نحن" هنا تعني الشعب الليبي لمن قد يختلط عليه الأمر.
كل شعوب العالم تعمل المستحيل من أجل إستقطاب الخبرات الأجنبية وإغرائها بهدف جذبها للوفود إليها من أجل المساهمة في تقديم أجود وأنفس الخدمات لمواطنيها... إلّا نحن من يعمل كل ما في وسعه من أجل تهجير العقول الوطنية إلى خارج الحدود ومحاربتها بعد ذلك ووضع كل العراقيل لمنعها من العودة والمساهمة في بناء الدولة. نحن من يخرّب بلادنا ونحن من يدمّر بنانا التحتيّة، ونحن من يقف ضد إستثمار كنوز بلادنا والإبقاء عليها تحت الأرض أو تدمير ما يخرج منها لا لشئ سواء الغباء والحقد والكراهية. ألم يكن الهجوم على موانئ تصدير النفط وحرق المنشاءات النفطية والإعتصام حول أبار النفط لمنع الإستخراج ومن ثم التصدير.. ألم تكن تلك الممارسات الغبيّة من بين ما أشرت إليه أعلاه؟. ألا يستحق كل من يعبث بخيرات الشعب الليبي أن يتم الحجر عليه ووضعه في السجن مع الأعمال الشاقة إلى أن يتوب أو أن يقضي كل عمره قابعاً في دهاليز الظلام وكهوف السجن المخيفة؟.
كل عام وأنتم بخير، لكن دعونا ننطلق إلى الأمام. دعونا الآن نخرج من بهارج التهاني والتبريكات إلى مواطن العمل وباحات إستخدام العقل والإرادة من أجل بلدنا ومن أجل أنفسنا ومن أجل مستقبل أولئك الذين مازالوا بين ظهرانينا ينتظرون مستقبلاً نحن من سوف يتركه لهم....عيدكم مبارك.