2021/05/03

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة الثامنة عشر-ج)

 في هذه الحياة لا يمكنك التواصل مع كل إنسان، ولا تستطيع أن تبلّغ رسالتك إلى حيث تريد. ذلك بكل يقين لا يمنعك من الكتابة والإستمرار في مشروعك "التنويري"، بل على العكس تماماً... عليك كتابة المزيد.
دكتورة ليبيّة ومتخصّصة كتبت منذ عدة أيّام في صفحتها: عندما تحس بنبضات قلبك تتسارع وتتضارب وتحسّ بتضيق في صدرك ما عليك إلّا أن تبتهل إلى الله كي يخفّف عنك...
حينما قرأت تلك العبارات وأنا أعرف بأنّها من دكتورة في الطب، ولها تخصّصها الذي لن أذكره هنا لأن الموضوع إطلاقاً ليس شخصيّاً، ولا شخصنة هنا على الإطلاق؛ فالشخصنة بالنسبة لي هي ليست من ثقافتي ولا هي من خصالي. المهم أنّني حينما قرأت ما كتبت تلك الدكتورة، ردّيت عليها قائلاً: كأطباء، حينما يأتي إلينا أيّ مريض يشتكي من إضطراب في نبضات القلب لا نقول له "أذهب وأدعو ربّك ليشفيك"، وإنّما نكشف عليه ونشخّص علته ومن بعدها نصف له الدواء المناسب، وقد يحتاج المريض أحياناً لمخفّظات تأثير الأدرينالين من أمثال بيتابلوكرس 阝-Blockers، وكان ذلك أقرب إلى المزاح منه إلى الجد. الدكتورة ردّت معلّقة: لا تفقد إيمانك بالله !!.
ذلك الرد لم يثيرني، مع أنّني بصدق إستغربت أن يأتي من شخص درس الطب وتعرّف على الأمراض وتدرّب على ممارسة المهنة. الذي شد إنتباهي بالفعل هو شخص "متصابئ" وأقولها متصابئ بملء الفم كان ربّما في قراراة نفسه يريد أن يتقرّب إليها... فكتب في صفحتها معلّقاً على تعليقي أنا: لا تهتمي بما يكتب، "أنا متأكّد" بأنه ينكر وجود الله، وهو علماني كافر.
الذي أثار إهتمامي لم يكن ما كتبه ذلك الشخص، وإنّما قوله "أنا متأكّد"... أنا بصدق لا أعرفه ولا هو يعرفني إطلاقاً؛ فكيف به "متأكّد"؟ّ.
من هنا، وأنا أكتب في موضوع السحر والإعتقادات الخاطئة أحسست بأنّني أحياناً أتحدّث إلى "حيطان" وإلى بشر كانوا بالفعل قد جبلوا على تصديق الترهات التي توارثوها عن أجدادهم أو شيوخ دينهم بدون التوقّف عندها أو البحث في مصداقيّتها. الكلام بكل تأكيد لا يشمل قرائي الأعزّاء وقارئاتي العزيزات الذين أحترمهم وأتفاعل معهم وأرحّب دوماً بتعليقاتهم ووجهات نظرهم. أنا أقصد هنا - وفقط - من بصدق أحاول تغيير معتقداتهم البالية. أولئك ربّما لا تصلهم كلماتي ولا يقرأون ما أكتب، لكنّني أؤمن بنظرية "الإنتشار العرضي" للثقافة أو المعرفة أو المعلومة.
ماذا أعني بالإنتشار العرضي Horizontal Spread ?. في هذه الحياة لا يمكنك التواصل مع كل إنسان، ولا تستطيع أن تبلّغ رسالتك إلى حيث تريد. ذلك بكل يقين لا يمنعك من الكتابة والإستمرار في مشروعك "التنويري"، بل على العكس تماماً... عليك كتابة المزيد. هناك من يقرأ ما تكتب، وهناك من يتابعك، وهناك من قد يستفيد. كل شخص له محيطين به، وكل محيط بك له محيطين آخرين، والآخرين لهم محيطين... وهكذا. قد يتذكّر بعضكم نظرية "الآنابيب المستطرقة"، حيث أن لمس أنبوبة واحدة قد يسقط كل الآنابيب المجاورة !!.
المخفيّات المخيفات... إلى أين؟
المقصود من سؤالي هو: وماذا عسانا أن نفعل؟.
الإيمان بتلك "الخرافات" يعبر من جيل إلى جيل، ولا أراه قد يتوقّف عند زمن ما. لا أدري لماذا؛ لكنّني أعتقد بأن البشر هم هكذا، وهكذا خلقهم الله. لابد لبعض البشر من "الإرتكان" إلى "قوى خفيّة" للإستمرار في الحياة. هناك من لم يتعلّم، وهناك من تعلّم ولم يستفد، وهناك من إستفاد لكنّه لم يتمكّن من ترك تلك المعتقدات، وهناك من مازال يعيش الشك في مخّه... وهناك، ربّما من "يتندّر بها" !!.
بالنسبة ل"شيوخ الدين"، أعتقد بأنّهم يعتبرونها جزءاً مكمّلاً للإيمان، أي أن إيمان البشر لا يصلح بدون الإعتراف بوجودها، والإيمان بتأثيرها على الناس بدون أن يستفسروا عن الكيفية (الأليّة) التي تؤثّر بها تلك "المخفيّات" على الناس. أنا لا ألوم "رجال الدين"، فهم تلك هي ثقافتهم، وذلك هو تعليمهم. ذلك ما يتعلّمونه من كتبهم، ومن أترابهم، ومن "رموزهم"، ومن من سبقوهم ويعتبرونهم "سلفهم الصالح" الذي لا يخطئ ولا يمكن مخالفته.
دعوني أعود إلى صلب الموضوع... سرّ تأثير "المخفيّات" أو "الكوامن" أو "اللامدركات" أو ال"ماوراء الطبيعة"؛ ولماذا يخاف بعض الناس منهم لدرجة الإرتعاب والعصاب والهلوسة... والهذيان أحياناً؟.
أنا شخصيّاً أرى بأنّه وبكل يقين "غياب المعرفة"، وكذلك "غياب التدبّر"، وربّما غياب "ملكة التحدّي" ... غياب الشجاعة. ومهما يكن من أمر، فإنّ الإيمان بتلك "المخفيّات" هو كالإيمان بالخرافات، والإعتقاد بالمجاهيل... إنّه "التخوّف من المجاهيل" xenophobia، وهي حالة نفسانية يعاني منها الشخص في داخله، أحياناً مع شعوره بتواجدها، وأحياناً تعيش في عالمه "الغير مدروك" Subconscious mind، وتلك قد يكون من الصعب إجتثاثها.
المهم والمؤكّد واليقيني هو أن كل الأمثلة العشرة التي ذكرتها في الحلقة السابقة تحت بند "المخفيّات المخيفات" هي تتعلّق بعالم الغد "المجهول". عالم الغد هو بالفعل بالنسبة لنا نحن البشر يعتبر عالماً مجهولاً مهما إجتهدنا في التنبوء به. أنا أعرف بأن خبراء الأرصاد الجويّة هم ربّما من أكثر الناس تنبوءاً بالمستقبل... فتلك هي مهنتهم !!. هناك أيضاً خبراء الجراثيم والأوبئة Epidemiology والجائحات Pandemics، وكذلك علماء المال ورجال الأعمال، ومتتبّعي البورصة، والعاملين في السياحة... كل أولئك يتنبأون بالمستقبل، ومصالحهم تعتمد بشكل كبير على "التنبوء بالمستقبل". والسؤال الذي يطرح نفسه بكل سهولة: هل بوسعنا التنبوء بالمستقبل، وكم هي درجة اليقين بالنسبة لنا كبشر في ذلك؟.
أنا أعرف الإجابة، وأنا أثق في معرفتي ثقة كبيرة. لا يعلم الغيب غير الله... والله فقط. تلك هي الحقيقة التي يتوجّب على كل إنسان وفي أيّ زمان الإيمان بها والوثوق بها والإحتساب على ضوئها. لا يعلم الغيب غير الله - والله فقط - لكل من يظن بأنّ الله قد يطلع على غيبه بعض البشر، وعلى أن الأنبياء يعلمون الغيب. لا يعلم الغيب غير الله، وتلك هي بديهية وعلينا الإعتقاد اليقيني بها. إعتقادنا بها ليس فقط لإعترافنا بوجودها، أو تحدّثنا عنها، أو التلفّظ بها... علينا "الإيمان بذلك" في داخل عقولنا وفي عميق تفكيرنا وفي قرارات أنفسنا. لا يعلم الغيب غير الله، وكان الله قد قالها بكل صراحة: {{قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}}، {{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}}، {{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}}، والآيات كثيرة التي تحدّثت عن الغيب؛ لكنّني هنا أضيف بأن الأنبياء لا يعلمون الغيب إلّا بما يسمح الله لهم به: {{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}}، {{ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}}... إذاً، هذا الجانب أعتقد بأنّه لا خلاف عليه.
من هنا، وحيث أنّنا ربما إتفقنا على أن الغيب هو بيد الله، والله وحده؛ فعلينا الآن العودة بعقولنا إلى تلك "المخفيّات المخيفات"... كلّها وبدون إستثناء "تتنبأ" بالمستقبل، ومن ثم فهي "دجل" و"كذب"، و"فريّة" أو "إفتراء"، و"بهتان". من يصدّقها فهو مخالف لأمر الله كما أرى أنا ذلك، ولكل شخص أن يحكم بما يريد.
ختاماً... بالنسبة لموضوع "تفسير الأحلام"؛ هو بكل تأكيد ليس من تلك "المخفيّات المخيفات"، لكنّه مسألة يتوجّب عليّ التنبيه إليها. تفسير الأحلام قد يربك بعض الناس، وقد يفسد عليهم برامج حياتهم، وقد يدخلهم في مخاوف لا مبرر لها. تفسير الأحلام هو "ضرباً من المستقبل"، وهو يعتبر "تدخّلاً" في أمر الله، وهو "هرطقة" بكل معاني الكلمة. إنّه - من وجهة نظري - ممارسة مخالفة لأوامر الله، ويجب الإقلاع عنها وتجنّبها.
وكما ذكرت كثيراً، فإنّني لا ألوم على المتاجرين بالدين، ولا على المخادعين بإسم الله؛ وإنّما ألوم على كل من يصدّقهم ويرهن حياته ومستقبله بين أيديهم وهو "الآن" يعرف بأنّهم من "الكذّابين"....

يومكم سعيد، والأكثر من ذلك فإنّ مصائركم هي بيد الله، ولا يملك أي كان ومهما كان أية سيطرة عليكم أو على حياتكم، ولا يقدر على إيذاءكم إلّا وأن تسمحوا له أنتم بذلك. فكونوا أقوياء وواثقين... فمستقبلكم هو ملك أيديكم، وأنتم من يقدر على رسم معالمه. أنتم من يقدر على رسم معالم يومكم وملامح مستقبلكم؛ فإبدأوا أنتم الخطوة الأولى، ومن بعدها أتركوا الأمر لله.

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة الثامنة عشر-ب)

 هناك من يحلم حلمة مرعبة فيصاب باليأس وفقدان الأمل، ويصبح إنساناً متشائماً ولا يرى غير النكائب في مسقبل حياته. هناك من يحلم حلمة ما ويذهب لشيخ الدين كي يفسّرها له، ويؤكّد له شيخ الدين وللأسف على أن الحلم هو "رؤية" ويتفلسف شيوخ الدين في تفسيراتهم من خلال تخيّلاتهم وأفكارهم الضيّقة لأبعد الحدود فيقولون لك بأن هناك أحلام عابرة "أضغاث أحلام" وأحلام حقيقية"رؤية".
إن كنت تبحث عن معرفة حظّك فعليك بضاربة الودع
في ليبيا كان نظام التعليم ينقسم إلى أربعة مراحل: الإبتدائي، والإعدادي، والثانوي وبديله المعاهد التعليمية والحرفية، ثم الجامعي. مع بدايات الثمانينات على ما أعتقد، قام الراحل معمر القذّافي بتحديث النظام التعليمي في ليبيا بما يتماشى مع ذلك في الدول الغربية، وبذلك كانت قد ألغيت إمتحانات الشهادة الإبتدائية وإمتحانات الشهادة الإعدادية.
المهم أنّني كنت في المرحلة الإعدادية، وكانت تلك المرحلة تتكوّن من ثلاثة سنوات تختتم بإمتحانات ختاميّة ومفصليّة؛ فهي كانت تحدد من سوف يذهب للتعليم الثانوي ومن قد يرتضي بالإلتحاق بالمعاهد المنتشرة في كل مكان في ليبيا والتي كان أغلبها معاهد المعلّمين العامة لمدة سنتين والخاصة لمدة أربعة سنوات.، وكان معها بالطبع المعاهد الدينية، وبعض المعاهد التخصّصية مثل المعهد الزراعي في الغيران، والمعهد الصناعي في جنزور، ومعهد جمال الدين الميلادي للموسيقى في طرابلس، وبعض المعاهد المشابهة في بقية أنحاء البلاد.
المهم أنّني وبعد إنتهاء إمتحانات الشهادة الإعدادية وقبل إعلان النتائج كنت في يوم من الأيّام - مع صديق لي معي في نفس المدرسة - وكان كلينا يمشي من ناحية البحر ناحية الجنوب، وحدث أن مررنا ما بين محطة الحافلات (البلمان) ومصنع الروجية للسجائر مروراً بالباب الجديد وباب الحرية على يسارنا ومن على يميننا كان وعلى بعد بضعة أمتار سوق الثلاثاء القديم. المهم أننا مررنا بعد ذلك بقرب جامع بورقيبة وكان على مرمى أبصارنا - وعلى يسارنا - الجانب الغربي من معرض طرابلس الدولي حيث مدينة الملاهي وكان عمي رحمه الله يشتغل هناك كشرطي حراسة.
حينما مر كلانا بقرب جامع بورقيبة لفت إنتباهنا وجود إمرأة عجوز تجلس بقرب مدخل الجامع وتطرح أمامها خرقة تضع عليها الكثير من السبح والأحجار "المباركة" وبعض الأعشاب التي كانت تستخدم كدواء. نظرت إلينا العجوز نظرة ماكره بعض الشئ وعرضت علينا قراءة السعد(الطالع) !!.
بصراحة وبصدق أنا لم أكن من المؤمنين بتلك الأشياء، لكن صديقي أصر على الجلوس معها والطلب منها لقراءة بختنا، ولم يكن ذلك مجانيّاً بالطبع !!.
المهم قرأت العجوز حظّي أنا أوّلاً وقالت لي بأنني خرجت لتوي من إمتحان عصيب، وبأن ما تراه بالنسبة لي ليس مسرّاً. قالت لي بصريح العبارة بأنني سوف لن أعبر في ذلك الإمتحان!.
بعدها جلس أمامها صديقي وكان مهتمّاً بقوة بما قد تراه له في مستقبله. قالت له بأنّها تراه في يوم من الأيام يسافر إلى بلاد برّه وأن يصبح مشهوراً. قالت له بأنّه سوف يعبر إمتحان الشهادة بنجاح منقطع النظير.
بعدها واصلنا مسيرنا نحو وجهتنا وكان صديقي يجري ويمرح ويبتهج بشكل هستيري. صدق قارئة الحظ في كل ما قالته له، وكان ينظر إليّ بعين "التشفّي" بعض الشئ لأنّها رأت في مستقبلي بأنني سوف أرسب الإمتحان.
أنا بصدق لم أكن أحفل بما قالت لأنني يقيناً لم أكن حينها أؤمن بتلك الأشياء. المهم، أنّه وحين خرجت النتائج حدث العكس تماماً. لقد نجحت أنا وكنت الثالث على الفصل، ورسب هو ليجلس في الدور الثاني في سبتمبر، وكان قد نجح بعد ذلك، ولكن بتقدير مقبول(كنا نقول: نجح بالدف، يعني بالحذف !!)).
صديقي أصبح من جماعة القذّافي بعد ذلك، وبالفعل تم إرساله لتعلّم اللغة الإنجليزية في بريطانيا وكان أن أصيب هناك بأمراض وإختلالات نفسية أثّرت في حياته بشكل كبير، وقامت السفارة الليبية بإعادته إلى ليبيا ولم يخرج من ذلك التيه والعصاب الذي أصابه إلى يومنا هذا. الذي أطنّه الآن - وبعد أن أصبحت طبيباً - أنّه كان ربّما قد أصيب بوقع "التصادم الثقافي" Cultural Clash على عقله فلم يعد يرى طريقه بوضوح، وهناك من قال بأنّه كان قد تم خداعه وبيعت له مخدّرات وحبوب هلوسة أوصلته إلى ذلك التيه (الهبال !). المهم أنّه لم يصبح مشهوراً كما تنبأت له تلك المرأة المتنبئة !!.
المخفيّات المخيفات
كانت تلك ربما هي مقدّمة لحلقة اليوم والتي سوف أتحدّث فيها عن الكثير والكثير من الموروثات الإجتماعية في بلدنا والكثير من البلاد المجاورة لنا، وتلك التي مازالت تعاني من التخلّف وسيطرة المعتقدات القديمة على تفكير وممارسات أهلها.
هناك الكثير من الممارسات التي تعرفونها، وربما كان بعضكم قد مارسها. أنا أرى أنّه من الصعب عليّ الإلمام بها كلّها، لكنني سأذكر ما أتذكّره منها:-
  1. قراءة الطالع: وذلك يتم من قبل عرّافات في أغلب الأحيان، وهن محترفات في هذه المهنة، ويعرفن كيف يلعبن بعقول الزبائن الذين يأتون إليهنّ بهدف معرفة ما تخبئه لهم الأقدار. قراءة الطالع تتم عن طريق "التسبيب"، رمي الودع، قراءة فنجان قهوة، قراءة بعض التسابيح والأذكار وتخيّل مستقبلك أمام عينيك.
  2. الأبراج: أنا كنت أطالع الأبراج من باب "المزحة" في المجلّات المصرية عندما كنت في الإعدادي، وكنت أتمتّع بقراءتها والتندّر بها. هناك من البشر من يتتبّعها بكل شغف ويصدّق ما يقوله برجه له. هناك ربما من يبرمج مستقبل حياته على ما تتنبّأ له به قارئة الأبراج(العرّافة) أو قارئة البخت أو المنجّمة. بكل تأكيد ليس كل من يقوم بقراءة الأبراج هو من النساء، وإنّما هناك من الرجال من يحترف في ذلك بكل تأكيد. قراءة الأبراج تدخل في ما يسمّى ب"علم التنجيم" وهو لوحده يعتبر عالماً شاسعاً في حد ذاته.
  3. التتقيز: التقازة عادة ما تكون إمراة، وهي من تلقي بحجرات أمامها على التراب وتقرأ من خلالها ما عساه أن يحدث لك. أكثر من يستخدم التقازة كان من الفتيات في عمر الزواج، فيذهبن للتقازة(العرّافة) حتى تنظر لهنّ في شأن العريس القادم. هناك الكثير من الأغاني والأهازيج الليبية عن التقّازة، ولمن يرغب في الإستماع توجد الكثير منها على اليوتيوب. أكتب "التقازة" وسوف تنهال عليك الفيديوهات التي قد تنال رضاك !!.
  4. الحضاري: الحضاري كانت منتشرة في بلادنا، وكان يقوم بها الكثير من "المتدينين الصوفيين" في مختلف مناطق ليبيا. كان منها "الحميد" وهو فقط كنوع من الفنون، وكان منها الخبيث؛ حيث تستخدم مراسيم الحضاري والجدب والرقص البهلواني وتلك الأبخرة ودعوة الصلّاح ومن بعدها "التخيّل" ورؤية الأشباح والتحادث مع الجِنّة والشياطين وبعضهم يقول بأن يتحادث مع الملائكة.
  5. الكتيبة: الكتيبة هي معروفة في ليبيا منذ زمن العثمانيين وربما ما قبله. هناك نوعين من الكتيبة: الكتيبة التي تحل المشاكل، والكتيبة التي تخلق المشاكل !!. كتيبة حل المشاكل مثل كتيبة الشيخ لحل العقد، جلب الحظ، إبعاد المرض، حل المربوط، وطرد السحر والجن. كتيبة خلق المشاكل، يقوم بها "الأوغاد"، وهم بكل تأكيد من "شياطين الأنس" للعبث بالآخرين وتثبيت فكرة "التلبّس" و"المسكونيّة"، وجلب المكاره لأناس يقصدهم الذي يقوم بتلك الأعمال القذرة.
  6. الفال: وهو رسم مستقبل أسود لك من قبل أناس يكرهونك والهدف هو "الإساءة لك" من خلال رؤية متشائمة لمستقبل حياتك. ومن على منوالها كنّا نسمع من جدّاتنا "من يكرهك يحلملك الحلمة الشينة"، أي من لا يحبّك لا يرى لك غير الأحلام المزعجة. هناك بكل تأكيد "الفال الحسن"، وهو حينما ترى لك أمّك أو جدّتك(حنّاك) أحداثا سعيدة تأتي أمامك وتفاجئك.
  7. العين: وهي خرافة يعتقد بها الكثير من الناس في بلادنا. العين تكون دائماً في نطاق الشر والكراهية، وهي ما يقولون عنها ب"العين الحاسدة" أو "العين الحاقدة" أو "العين الكارهة". العين حسب إعتقاد الكثير من الناس - وأغلبهم من النساء - تتأتّى بأن يصيبك مكروه إن نظرت إليك إحداهن بعين "الإعجاب الشديد" أو ذكرت محاسنك ببعض المبالغة.
  8. السحر: سبق لي التحدّث عن هذا الموضوع في واحدة من هذه السلسلة، وهناك الكثير من الممارسات التي يستخدمها "السحرة" للإيذاء بضحاياهم منها وضع أشياء غريبة في حجرات نومهم، أو تحت مخداتهم، أو في مواضع جلوسهم. أكثر الأشياء المستخدمة هي كومة من الشعر الجاف والوسخ، رمية من الأظافر المقطوعة، بعض الأوراق المكتوب عليها بخط مبعثر عن قصد، والتي يسميها من يؤمن بالسحر ب "الطلاميس". هناك بكل تأكيد تحديثات كثيرة بخصوص مسالك السحرة والتي دخلت مجالات الهواتف النقّالة، ووسائل التواصل الإجتماعي، وكذلك عبر الأثير !!. بمعنى، أنه في عالم اليوم هناك من يصدّق بأن أي إنسان وفي أيّ مكان من العالم بوسعه أن يسحرك عبر الأثير، بدون الحاجة لأن تراه أو يراك... آآآآآه.
  9. الأحلام وتفسيرها: هناك من يحلم حلمة مرعبة فيصاب باليأس وفقدان الأمل، ويصبح إنساناً متشائماً ولا يرى غير النكائب في مسقبل حياته. هناك من يحلم حلمة ما ويذهب لشيخ الدين كي يفسّرها له، ويؤكّد له شيخ الدين وللأسف على أن الحلم هو "رؤية" ويتفلسف شيوخ الدين في تفسيراتهم من خلال تخيّلاتهم وأفكارهم الضيّقة لأبعد الحدود فيقولون لك بأن هناك أحلام عابرة "أضغاث أحلام" وأحلام حقيقية"رؤية". ويأتونك من القرآن بما شئت وكيف أن فلان وفلان حلم بحلمة وفسّرها له كذا وكذا؛ وكل تلك القصص بكل تأكيد هي واردة في القرآن، ولكن الله لم يقل لنا قط بأن نصدّق تفسير الأحلام، أو التكهّن بالمستقبل. فكل الآيات الواردة في القرآن كانت عبارة عن "روايات" لقصص السابقين وكيف كانوا يفكّرون، وهي بكل تأكيد تنقل لنا ثقافة الناس ومعتقداتهم في تلك العصور.
  10. الدعوة: هناك كما نعرف نوعان من "الدعوات": منها الدعوة الحميدة، ومنها الدعوة الخبيثة. الدعوة الحميدة كأن تدعو لك أمّك بالنجاح والتوفيق والحظوظ بفتاة الأحلام بالنسبة للفتيان، أو زوج المستقبل بالنسبة للفتيات!!. أما الدعاوي الخبيثة كأن يدعو عليك من يكرهك بأن "يرفعك الله" أو أن "يدمّر حياتك" أو "الله لا يورّيك خير" أو "من غادي لغادي".. معناها "مشيت فيها" أو "إن شاء معاد نشوف وجهك"... يعني ربي يرفعك، ويخلّصني منّك !!.
أعتقد بأن الحديث في هذه الأمور والبحث في مثل هذه الموروثات قد يحتاج إلى كتب ومجلّدات، ولا أقدر أنا هنا مهما أطلت عليكم أن ألمّ بهذا الموضوع كما وددت.
وفي هذا الإطار، أنا أدعو كل من توجد لديه إضافات أن يتكرّم بها علينا بهدف المعرفة ولفت الإنتباه.... وكذلك من باب "التسلية" !!.
في الحلقة القادمة سوف أتناول هذا الموضوع من زاوية البحث والتحليل والإنتقاد حتى نخرج من تفكيرنا الكثير من المعتقدات الخاطئة ونقدر على العبور إلى الأمام. يومكم مبشّر بالخير إن شاء الله.

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة الثامنة عشر- أ)

القيم الأخلاقية يبنيها المجتمع، وهي متجذّرة في القيم المجتمعيّة، ولا يمكن فرضها بظواهر "غبيّة" مثل فتاوي التحجّب والتخمّر والتنقّب والتبلغم. أيضاً لا ترسم معالمها تلك اللحي الطويلة الغير موضّبة، ولا تلك "اللطع الحمراء" على جباه الرؤوس، ولا تلك "السبح" المتدلية من اليد وأمام الناس، ولا ذلك "التلفّظ" بالعبارات الدينية وكثرة الإستشهاد بسير الأوّلين. القيم الأخلاقية تبنيها الثقافة ويبنيها التعليم، وتبنيها البيئة التي تتفاعل مع محيطها وليس تلك التي تتقوقع في دهاليز الماضي السحيق.
كتيبة الفقي هل بالفعل تشفي المرض؟! 
كنت في الخامسة الإبتدائي، وأقول هنا بأن تلك السنة تحديداً كانت مهمّة جداً بالنسبة لي من الناحية المعرفيّة واللغويّة. كان مدرّسي في اللغة العربية من الأساتذة الذين بصدق تفتخر بهم وتترحّم عليهم من القلب. كان نبهاً وذكيّاً ومحبّاً بشكل كبير للغة العربيّة والأدب العربي بما في ذلك الشعر. كان من خريجي مصر في عهد زعيم العرب وبكل جدارة المرحوم جمال عبد الناصر.
المهم، وبعيداً عن السياسة.. كنت أنا في فصلي من بين الأوائل، وكان دائماً ينافسني على الأولوية طفل ذكي وعنده إصراراً كبيراً جداً على أن يكون هو "الأوّل" في كل شئ. كنت أنا وهو من "الأعداء-الأصحاب" المتخاصمين دوماً بسبب ربّما ذلك التنافس الخفي على الصدارة. المهم أنّني أنا وهو كانوا يجلسوننا في المقعد الأمامي في الصفّة الوسطيّة، وهي صفة "النبغاء" كما كانوا يسمّونها، وبالمناسبة كانت الصفّة التي على اليمين نسمّيها صفة العقلاء، وكان في مقدّمتها خمسة بنات، وأقولها بصدق كن جميلات بشكل كبير ما عدا ربما واحدة لم تكن بذلك الجمال !. كانت البنات الخمسة غير متحجّبات، وكنّ إلتحقن بالمدرسة متأخّراً؛ فكانت أعمارهن تتراوح مابين 14-16 سنة. كنّ ترتدين ملابس عصريّة وبكل تأكيد بدون أي مكياج. كانت إثنتين منهن جميلتين بشكل ملفت للنظر، وكانت شعورهما أقرب إلى الشقراء منها إلى البنية الفاتحة، وكانت عيونهما أقرب إلى الخضراء منها إلى العسليّة.
المهم، وهنا ربما هو بيت القصيد... كانت الفتيات تحظين بإحترام لا مثيل له منا نحن الأطفال "المشاغبين"، وكنّا ننظر إليهن بأنهن أخواتنا ولم يخطر ببال أيّ منا بأن ينظر إليهن إطلاقا وإطلاقا من نواحي أخرى. دعوني أعود إلى تشكيلة الفصل... لم أذكر لكم الصفّة بجانب النوافذ (الصفة على يسارنا)، تلك الصفّة يضع فيها المدرّسون أولئك كبار السن والمتخلّفين في دراستهم، وهم في أعمار المراهقة(16-18)؛ وكنّا نحن فيما بيننا نسمّيها ""صفّة الحمير" .... ما تقولوها لحد من فضلكم !!. الذي حداني بذكرهم هو أنّهم وفي ذلك العمر المراهق، لم ولم ينظروا إلى البنات بأية نظرات تثير الريبة أو تتجاوز حدود الإحترام التي كنّا كلّنا تعلّمناها من أسرنا. وهنا أنا أريد أن أتوقّف بكم وبصراحة لأقولها لشيوخ الدين؛ بأن القيم الأخلاقيّة لا ترسّخها المظاهر من لباس وتحجيب وتغليف للبنات. القيم الأخلاقية يبنيها المجتمع، وهي متجذّرة في القيم المجتمعيّة، ولا يمكن فرضها بظواهر "غبيّة" مثل فتاوي التحجّب والتخمّر والتنقّب والتبلغم. أيضاً لا ترسم معالمها تلك اللحي الطويلة الغير موضّبة، ولا تلك "اللطع الحمراء" على جباه الرؤوس، ولا تلك "السبح" المتدلية من اليد وأمام الناس، ولا ذلك "التلفّظ" بالعبارات الدينية وكثرة الإستشهاد بسير الأوّلين. القيم الأخلاقية تبنيها الثقافة ويبنيها التعليم، وتبنيها البيئة التي تتفاعل مع محيطها وليس تلك التي تتقوقع في دهاليز الماضي السحيق.
إن لم تنفع تلك، فهذه قد تنفع !
أذكر أنّه في أحد الأيام في تلك السنة، وكنّا في حصّة اللغة العربية، دخل علينا الأستاذ بحلّته البهيّة وبإبتساماته التي كانت بالفعل تريحنا وتجلب الأمان لنا مع أنّه كان متشدداً ومرعباً حينما يتعلّق الأمر بإحترام النظام في الفصل، وحينما يتعلّق الأمر بالتعلّم. كان ذلك الأستاذ صارماً ومتحمّساً لمهنته، وكان يحظى بإحترامنا كلّنا بما في ذلك أولئك "الشيابين" في صفّة "الحمير"، الذين من النادر أن يسألهم الآساتذة أية أسئلة لأنّهم لم يكونوا يتوقّعوا منهم القدرة على الإجابة عن أيّ سؤال !!. كانت الحصة وقتها عن "الأدب العربي" وكان جوهرها نحو وإعراب. المهم أن الأستاذ أتى معه بكتاب شعر وأخذ يقرأ منه:
كأنّك جندب في ذيل كبش...... تدلدل هكذا والكبش يمشي.
حاول المدرّس شرح البيت لكنه حينما ذكر "الجندب" لم يعرف معناها. أذكر بأنّه تركنا وذهب للإدارة، وهناك سأل زملاءه عن معنى الجندب وتفسير ذلك البيت من الشعر، وتبيّن لنا من قبل أجهزة مخابراتنا الطفولية بأنّه لم يجد منهم أي معونة لغوية !!. المهم أنّني عدت ذلك المساء للبيت كعادتي وعلى الفور عرضت ذلك البيت على أبي وقلت له ضاحكاً (ومستهزءاً) بأن الأستاذ لم يعرف تفسير بيت الشعر !.
هنا، أقول لكم "وبكل تواضع" بأن أبي رحمه الله كان من المهتمين كثيراً باللغة العربية، وكان والدي مهتمّاً كثيراً بأصول الدين، وكانت له مكتبة كبيرة في مختلف علوم الدين. ومع أنّه كان يشتغل في محكمة ككاتب جلسات؛ إلّا أن ثقافته الدينية وقدراته الكبيرة على "الإفتاء" في شئون الدين أعطته مكانة محترمة بين المعاصرين له في المنطقة، وكانوا كثيراً ما يطلبون منه القيام بالخطابة والإمامة في المسجد، وكان يلقي خطب الجمعة والكثير من الدروس والمواعظ الدينية كلّما توفّر له الوقت.
المهم، أن ذلك لم يكن المقصود من حديثي معكم لهذا اليوم؛ إنّما ذكرته فقط من باب "المعرفة" كمقدّمة. كان أبي يختارني أنا من بين إخوتي لأن أقرأ له كتبه في كل مساء، وهو يأخذ في تفسيرها وشرحها، وكان يحكي لي قصص الأنبياء وتاريخ المسلمين القديم، وكنت أنا شغوفاً بتلك القصص بشكل كبير. كنت في يوم الجمعة أستفد من ذهاب أبي للمسجد مبكّراً بأن أخذ واحدة من شُنطه الكبيرة الملوءة بالكتب الدينية، وأقولها بصراحة كانت فيها الكثير من "الكتب الصفراء" التي لم أكن أعرف حينها بأنّها "كتب صفراء" !!. في تلك الكتب كنت أقرأ عن السحر، والكتيبة، والعين، والفال، والتسبيب، وفك طلاسم السحر، وفك المربوط، وجلب الحظ، وإبعاد الجن والشياطين؛ وكانت هناك أشياء أخرى بالنسبة لي مثيرة للإنتباه بشكل "جنوني"!!. كنت أقرأ عن كيف يمكن بعض الناس ربط الشاب ليلة زواجه، وكيف يفرّقون بين الزوج وزوجته، وكيف تكتب لمن تعشقها وهي غير مهتمة بك فتصبح مغرمة بيك، وكانت هناك أشياء كثيرة وكثيرة جداً كنت أقرأها بعيداً عن أعين أبي !!. أقول بأنني جرّبت بعضها، ولكن لم ينفع أي شئ منها... هههه !!.
أأأأأه، لقد تعلّمت الكثير والكثير عن عوالم شيوخ الدين الخيالية، وكتبهم الموغلة في "عالم الأوهام"؛ وأعتقد بأنني من هناك، ومن ثقافة أكثر من سنتين متواصلتين وبعمق في عوالم "شيوخ الدين" كنت تعلّمت الكثير والكثير جداً.
كانت لي عادة "قبيحة" منذ صغري، لكنّني بالطبع أعتز وأفتخر بها. كنت دائماً من الفضوليين، وكنت أريد أن أعرف "الأسباب"، ولم أقتنع بكل ما يقال لي هكذا بدون توقّف ومماكحة وأسئلة كثيرة وبحث عميق عن "إقناع". كنت "عنايدي" بكل معنى الكلمة، وكان "رأسي كاسح". أذكر أنّني عندما كنت في أوّل إعدادي، ذهبنا في يوم الجمعة للجامع لأداء صلاة الجمعة، وكان الشيخ زِمني" بكل معاني الكلمة. كان بكل تأكيد من المتعلّمين من ثقافة "الكتب الصفراء"، وقال في خطبة الجمعة يومها: وترى الكافر والناكر لفضل الله عليه يوم القيامة وهو يوضع في أعلى درج سلّم العذاب. سبع درجات عالية يوضع هو في أعلاها، وعلى كل درج كانت هناك سبعة أفاعى، وكل واحدة بسبعة رؤوس. كان ينزل كل درجة فتقول له الملائكة من ربّك؟؛ وهو لايقدر أن يقول "الله" فتضربه الملائكة على ظهره لتنزله درجة أخرى حيث يقابل أفاعى أخرى كل منها بسبعة رؤوس وهي أشد خطراً وفتكاً من سابقاتها، فتلتوي حوله وتلدغه برؤوسها السبعة فتسممه ويموت. تأتي إليه الملائكة وتعيده للحياة من جديد، ثم تسأله: من هو ربّك فلا يجيب. تضربه الملائكة من جديد لتنزله درجة أسفل في السلّم... وهكذا. تستمر القصة بالطبع مثل حكاوي "ألف ليلة وليلة" حتى نهاية الخطبة !!.
المهم أننا حينما نعود خارجين من الجامع متجهين إلى بيوتنا؛ وهنا أقولها بأن مرافقي كانوا كلّهم في أعمار أكبر من عمري، وكانوا يتحدثون عن خطبة الشيخ وكيف أنه في يوم القيامة سوف تأتينا تلك الأفاعي وكيف وكيف، وكانوا بالفعل خائفين ومذعورين. كنت أنا أنظر إليهم بشفقة عليهم وبصدق لم أكن أكترث حينها على الإطلاق. قاطعتهم متسائلاً: هل تظنّون بأن ما كان يقوله الشيخ حقيقياً؟. قالوها معاً وبقوة "نعم" وحرام عليك تقول مثل هذا الكلام على الشيخ الجليل. لم تخيفني نبرات أصواتهم ولم يرهبوني بالعنفوان والصرامة في كلامهم؛ فأضفت لهم متسائلاً: ومن أين أتى الشيخ بهذا الكلام، ومن هو ذاك الذي عاد من يوم القيامة ليشهد بما يحدث هناك؟. أنا كنت قرأت مثل تلك "التفاهات" في كتب أبي "الصفراء" ، وكنت أستهزئ بها ولا أصدّق ما كانت تقول.
قبل أن أنهي حلقة اليوم بقصة طريفة وطريفة من الواقع، دعوني أعود وأقول بأن والدي رحمة الله عليه كان قد بحث في كتبه وعاد لي بتفسير لبيت الشعر ذلك. قال لي بأن الجندب هو "العبس" الذي في ذيل الكبش، وهو "زبالة" الكبش مختلطة بكل الأوساخ التي يمر بها الكبش؛ وكان الجاحظ قد قال: ما غلبني أحد قط في حياتي إلا رجل وإمرأة: فأما الرجل فإنني كنت مجتازاً في بعض الطريق فإذا بشخص قصير بطين كبير الهامة طويل اللحية مؤتزر بمئزر وبيده مشط يمشطها(مثل شيوخ الدين تماماً... من عندي هههه !!)، فقلت في نفسي رجل قصير بطين آلي فاستزريته فقلت: أيها الشيخ، لقد قلت فيك شعراً فترك المشط بيده وقال: أسمعني. قلت:
كأنّك صعوة في أصل حشّ ...... أصاب الحشّ منها بعد رشّ
فرد علي ذلك الشخص السمين - والكلام هنا هو للجاحظ – قائلاً:
كأنّك جندب في ذيل كبش ..... تدلدل هكذا والكبش يمشي
المهم أنّني حملت تفسير أبي لكلمة الجندب لأستاذي في اليوم الموالي وكان أبي قد كتبه بخط يده، وبالفعل ذهل أستاذي من قدرات أبي اللغوية، ومن يومها بدأوا يعاملونني بكيفية مختلفة وبالكثير من "الإهتمام" !!.
في نهاية حلقة اليوم، أكتب لكم قصة واقعيّة وحقيقية من ذكريات طفولتي؛ وأكتبها إليكم ربما لطرافتها، وربما لإرتباطها بما سوف أقوله في الحلقة الموالية، والتي سوف تكون بعنوان "المخفيّات المخيفات":-
كان لي صديقاً وزميلاً في الدراسة. كنا في الخامسة إبتدائي. كان لصديقي جده(حنّة) لأبيه، وكانت بالفعل "زمنية". كان عمرها حوالي 80 سنة. كانت في صحة جيّدة، ولكن من حين إلى حين تتذكّر ماضيها وتنظر إلى نفسها على أنّها مشرفة على النهاية وكانت تحن إلى الماضي كثيراً. كانت تحسّ ب"تهيّج العواطف" وتأخذ في البكاء. كانت تتكرر عليها تلك المشاهد مما حدا بحفيدها (زميلي ذلك) بأن يذهب للفقي ( وهو نفس ذلك الشيخ الزمني الذي كان يتحدّث عن السبعة أفاعي وبسبعة رؤوس !). كان يذهب للفقي ويطلب منه أن يعمل "كتيبة" لحنّاه تبعد عنها "وساوس الشيطان". كان بالطبع أبوه هو من أمره بفعل ذلك. المهم كان الفقي (الفقيه !!) يعمل لها كتيبة بالصمغ على ورق أصفر ويعطيها لحفيدها بعد أن يحلف بأنّه سوف لن يأخذ ولا ملّيم !!. طبعاً صديقي يعطيه ربع جنيه، وطبعاً يأخذها الشيخ بعد أن يحلف بأنّه لن يتقاضي أي درهم على "عمله لوجه الله". يذهب بها صديقي لجدته ويقول لها "الشيخ قالك دوبيها في أميه وإشربيها". كانت تفعل ذلك وبعد 5 دقائق تأتي إليه وتقول له: الله يبارك فيك يا وليدي. الكتيبة متاعة الفقي نفعت ونحس في روحي ولّيت منادمة من جديد !!.
المهم، أنها في كل يوم بعد المدرسة تجيه وتقول له: ياوليدي تره برّه للفقي وقولّه يكتبلي. يمشي المسكين كل المسافة ويطلب من الشيخ الكتيبة، يعطيه ربع جنيه، ويرجعها لحنّاه... وتتكرر الحكاية في كل يوم، حتى بلغ بصديقي ما بلغ. بدأ يكره الذهاب للفقي(الشيخ)، وفكّر في حيلة ذكية: إشترى الصمغ من السوق، وكان عنده ورق قديم "مصفرّ"، وكتب خربشات عليها وأتى بها لجدته قائلاً لها: الشيخ قالك وقالك ودوبيها في الميه وأشربيها تبعد عليك "الجنون" اللي ساكناتك. كانت تفعل وتأتي إليه شاكره إياه وتدعيله أن ربي يفتح عليه وما "يوريله شر". كانت جدّته تتعافى من كتيبة يده، وكفى هو نفسه مشقة الذهاب للشيخ، وكان بالطبع يصرف الربع جنيه في المدرسة.... هههههه.
يومكم سعيد، ولكن بكره إنشاء لله أدخل معكم في لب الموضوع... "المخفيّات المخيفات" !!.

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة السابعة عشر- ج)

الشخص الذي يفكّر ويحلّل ويبحث عن البراهين هو ذلك الشخص الذي لا يخاف ولا يتأثّر ولا يكترث. أما ذلك الشخص الذي يسرع وبدون تفكير بإلصاقها بالجن وأفعال السحرة فإنّه سوف يخاف ويرتعب ويفقد السيطرة على تصرّفاته ويدخل بذلك في دوّامة لانهاية لها. يتحوّل ذلك المرتعب إلى "مخبول، مشوّش الفكر، حائر، متذبذب؛ ومن ثمّ يصبح فاقد الإرادة وخاضعاً لكل الإيحاءات والتأويلات ويرضى بما يؤمر به أو يرتّب له.
هناك أشياء تحدث أمام أعيننا ولا نقدر على تفسيرها. بعض البشر يبحثون عميقاً فيها، يتفحّصوها، يرسلوها لعقولهم لتقوم بتدبّرها، ثم تمر بملكة التفكير عندهم فيتخيّلوها ويتصوّروها وترتسم أمام أخيلتهم بكل وضوح... ثم بعد ذلك يكون بوسعهم أن يبحثوا في أمرها.
البعض الآخر، قد يتجاهلها من زاوية "أن الباب اللي يجيك منّه الريح سدّه وأستريح"، والبعض الآخر يعتقد بأنّها من أفعال الجن أو السحر أو "القوى الخفيّة".
الشخص الذي يفكّر ويحلّل ويبحث عن البراهين هو ذلك الشخص الذي لا يخاف ولا يتأثّر ولا يكترث. الشخص الذي "يتجاهل" قد يمر بسلام لفترة ما، وحينما تتكاثر عليه متشابهات الأحداث يصدّقها ويعتقد بوجودها. أما ذلك الشخص الذي يسرع وبدون تفكير بإلصاقها بالجن وأفعال السحرة فإنّه سوف يخاف ويرتعب ويفقد السيطرة على تصرّفاته ويدخل بذلك في دوّامة لانهاية لها. يتحوّل ذلك المرتعب إلى "مخبول، مشوّش الفكر، حائر، متذبذب؛ ومن ثمّ يصبح فاقد الإرادة وخاضعاً لكل الإيحاءات والتأويلات ويرضى بما يؤمر به أو يرتّب له.
نحن كثيراً ما نتفرّج على المشاهد المثيرة في التلفزيون، والتي من بينها "الألعاب البهلوانيّة"، ومشاهد السحرة، وأولئك الذين يجيدون خداع البصر بألعابهم التي قد تستند على بعض محاولات "التنويم المغناطيسي" بهدف السيطرة على تركيز المشاهد والإستحواذ على تفكيره. بعد تلك المشاهد المثيرة يحس أغلبنا بالإنشراح والسعادة ويتعامل معها على أنّها ليست أكثر من "ألعاب بهلوانية" هدفها التخفيف على المشاهد وبث مشاعر الفرح في أوصاله.... أي أنّنا نشاهدها على أنّها "فكاهات بريئة".
هناك بكل تأكيد مشاهد أخرى لا نتفرّج عليها في التلفزيون، ولا تصلنا من باب المتعة والسرور. أشياء يتخيّلها البعض وتنسج لهم عقولهم عنها القصص الخيالية والتي كثيراً ما تكون مرعبة ومخيفة ومدمّره حسب إعتقاداتهم؛ وبذلك فإن الضحايا يكونوا خائفين ومرتعبين وفاقدي الإرادة في أغلب الأحيان، ويصبحون على إثر ذلك بالفعل "منوّمين مغناطيسيّاً" أو مغيّبين عقليّاً؛ فيصدّقوا خيالاتهم البصرية والسمعية وتستجيب لها عقولهم الخائفة فترسم لهم أشباحاً وأوهاماً وسيناريوهات مرعبة ومخيفة تزيد من إرتعابهم فتدخلهم في تلك "الدوّامة" التي يبقون بداخلها إلى أن يأتي إليهم من "يخرجهم منها" !!.
وحيث أننا هنا نتعامل مع "خرافات" و"أوهام" و"تصوّرات" و"تخيّلات" لا أساس لها من الصحّة غير تصديق المتضرر لها وإعتقاده بوجودها وبقدراتها الرهيبة؛ فإن الحل يكون دائماً هو بدوره "إعتقاديّ" و"خيالي"و "إيحائي"، و بكل صدق "دلسي". صاحب الحل يكون دائماً شيخ من شيوخ الدين، وهو بكل يقين دجّال وكاذب وجاهل منافق، ومن غبائه وسطحية تفكيره وضيق مداركه يصدّق كل ما يفعله الساحر، و"يرسّخ" تلك الهالة في عقول وتفكير "المرتعبين" بأن يقول لهم بأن "القرآن" كان قد ذكر ذلك، وبأن ، وبأن، وبأن الرسول عليه السلام كان قد تم سحره !!. بذلك ينظم شيح الدين إلى جانب الساحر ويصوّره على أنّه يمتلك قدرات خارقة، وعلى أن بوسع الساحر أن يدمّر حياة الإنسان ويفرّقه عن زوجه وأمّه وإخوته ومحبّيه؛ بسبب إرسال "الجن الخبيث" إليه فيتملّكه ويسيطر عليه. يقول شيخ الدين للإنسان الخائف والمرتعب... لايمكنك يا إبني أو يا بنتي مقاومة أفعال الساحر، لأنّ الساحر يقدر على تسخير الجن، وحينما يسلّط "الجن" عليك فإنّه - الجن - يتلبّسك ويصبح من حينها قادراً على دفعك لفعل أشياء هي ليست من تفكيرك ولا هي من مشيئتك ولا هي من إرادتك. تلك "الإيحاءات" تضيف إلى مخاوف "المسحور"، وبالفعل تنوّمه مغناطيسياً، وتدخله في عالم "التيه"؛ فتخلق منه إنساناً مذعوراً ومرتعباً ومتذبذباً وفاقداً للسيطرة على نفسه. يتحوّل حينها ذلك الإنسان إلى ضحيّة للساحر وضحيّة لشيخ الدين الذي وبكل قوّة يدعم كل أفعال الساحر ويؤكّدها من خلال قراءة بعض آيات السحر حتى لا يترك أي مجال لذلك الإنسان - المشوّش التفكير والمرتعب وفاقد الإرادة - لآن يفكّر أو يقدر على التصرّف بوحي من إرادته وقدراته التي حباه الله بها.
حينها يصبح "الضحيّة" بالفعل أضحوكة بين الساحر، الذي لم يسبق له أن إختلط به أو رأه أو تحادث معه أو حتى سمع صوته؛ وبين شيخ الدين الذي يذهب إليه طالباً "الإغاثة" منه. شيخ الدين يستفيد من تلك الحالة بأن يجدها فرصته لكي يقنع ذلك "المسحور" بأن وسيلته الوحيده للتخلّص من هذا السحر تكمن في الإستعانة ب"عالم" ورع ويخاف الله ليقرأ له "الرقية الشرعية" والتي "بإذن الله" سوف تخرج ذلك الجن الذي يلبسه أو يتلبّسه، وبذلك يبطل السحر.
إن لم تنفع الرقية بإخراج الجن وإبطال السحر، يوحي شيخ الدين للمصاب بأن الجن الذي يسكنه هو جن خبيث، وقد يكون من الصعب إخراجه. تلك في حد ذاتها بكافية لأن تزيد من رعب المرتعب، وتجعله أكثر خنوعاً وخضوعا لشيخ الدين... وهناك الكثير من النساء تم إستغلالهن بآساليب غير أخلاقيّة وهن في تلك الحيرة من أمورهن.
حينما تفشل "الرقية الشرعية" في إخراج الجن وإبطال السحر، يعمد شيخ الدين إلى الإستعانة بآساليب أخرى "عبطية" بإمتياز؛ من بينها قراءة القرآن على رأس المريض ثم نثر الرذاذ(النفث) عليه، بما يعني في واقع الأمر "البصق" على مقدّمة رأسه والتي يسمّيها شيوخ الدين ب"الناصية"، حتى يربطوها بالقرآن، وبذلك يعطونها قدسيّة: {{نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}}، وإذا لم ينفع كل ذلك، فقد يقرأوا القرآن على كوب مملوء بالماء ويطلبوا من المصاب شربه... هيه، هيه، قول بإسم الله؛ وإمسك الكأس بيدك اليمين !!. وأحياناً لزيادة "القدسية" قد يستعين شيح الدين "الرائي" ببخور وتعاويذ أخرى من بينها الجاوي والفاصوخ وربما يلجأ البعض إلى ضرب الدفوف والتلفّظ بالكثير من العبارات مثل حيّ حيّ، يا الله يا الله، وينك يا جد الصالحين، ويا سيدي عبد السلام الأسمر أو سيدي بوعجيلة أو يعلم الله من بقيّة أسماء "المرابطيّة" !!. القصّة سوف لن تنتهي هناك، خاصّة إن فشل "الرائي" في إخلراج "الجان" أو "الشيطان". هناك الكثير من الخزعبلات التي يضحكون بها على المريض المسكين، ومن بينها اللجوء إلى ما يسمّونه ب"الطب النبوي"، وما كان رسول طبيباً ولا قال بأنّه يقدر على معالجة الأمراض. إنّه تجنّي على دين الله وتجنّي على رسوله؛ لكن شيوخ الدين في كل أزمانهم وفي كل عصورهم هم دائماً يلوون كلام لله ويحرّفون دينه لخدمة أغراضهم "الغبيّة"، والتي هم أنفسهم أحياناً قد لا يعرفوا بأنّهم يخالفون كلام الله بسبب جهلهم وتضيّق أفاق تفكيرهم. هناك، لو أنّهم أدخلوك في "الطب النبوي" فحدّث ولا حرج. يأتي التشريط، وتأتي المغايت (سحب الدم الفاسد !!)، وتأتي الأعشاب، وتأتي كل الخرافات التي تجاوزها الزمن. قرأت هذا اليوم بأنّهم قتلوا إمرأة صغيرة في السن بسبب تمرير مياه "مرقيّة" - يعني قرئت عليها "الرقية" - في وريدها فماتت المسكينة. تلك هي جريمة كبرى لو أننا كنّا نعيش في بلاد متقدّمة وتحترم الإنسان. نحن وللأسف في عالمنا المتخلّف لا من يحاسب ولا من يراقب ولا من يقدر على مجابهة شيوخ التعاسة، أو حتى أن يقول لهم بأنّهم مخطئون. سوف يكفّرونه ويستبيحوا دمه، ثم يكيدون به ويقتلونه "للتقرّب بقتله إلى الله" !!..
المهم أنّني أنا في حلقة اليوم لم أكن أشاء أن أتحدّث عن ما يفعله "شيوخ الدين" بالمسحور، وإنّما وددت في حلقة اليوم أن أعرض عليكم مشهداً آخر يكون مكمّلاً لمشاهد الحلقة السابقة وتلك التي سبقتها بخصوص الأليّة التي يفكّر بها مخ الإنسان حينما يتعرّض الشخص لمشاهد أو أفعال تعتبر غريبة على تفكيره أو ربما خارجه عن مجالات تصوّره. أنا هنا أتحدّث عن بعض الظواهر التي نعتبرها كبشر "خارقة للعادة" ومن ثم نتندّر حولها، نبحث فيها، نتفلسف بشأنها، أو نرتعب منها.
ظاهرة اليوم "الخارقة للعادة"، وتكمن في تمرير سكيناً أو خنجراً أو عصاء حادة أو قضيباً حديديّاً ملتهباً في بطن إنسان من الأمام إلى الخلف بدون أن يحسّ ذلك الإنسان أي ألم !!. كثيراً ما نقول عنها بأنّها "خدع بصريّة" وبكل تأكيد نصنّفها في قائمة "الألعاب البهلوانية"، وقد نبوّبها تحت خانة "التنويم المغناطيسي"؛ غير أن أحد الجرّاحين المحترفين كان قد فسّر تلك الظاهرة وكان قد أزاح اللثام عنها.
يقول الجرّاح الخبير بأن الشخص المعروض في شريط الفيديو المرفق كان ربّما قد تم التعامل معه من قبل في وجود كل الإحطياطات، وبأنّه ربّما شعر بالكثير من الألم حينها، وقد يكون نزف بعض الشئ، وقد يكون دخل المستشفى للعناية؛ لكنّه بكل تأكيد خرج من المستشفى وقد إلتأمت جروحه بتكوين ندباً Scars محل دخول السيف وخروجه من الجهة الأخرى، والمعروف عن الندب التي تتكوّن بعد الجراحة أنّها نسيج متليّف لا أعصاب ولا أوعية دموية فيه. حينما يوضع السيف الحاد والرقيق في نفس الندب ويعبر من نفس المسار حتى الجانب الآخر من البطن فإن المريض لا يحسّ بأي ألم، ولا يحدث له أي نزيف أو قطع في الأحشاء ذلك لأن الشخص الذي يدخل السيف يعرف تحديداً الممر الآمن بين الأحشاء، ويعرف الوجهة فيمر بالسيف بكل هدوء وببطء شديد حتى يبعد السيف ما يقع أمامه وهو في طريقه نحو الندب من الجهة الأخرى.
نحن نعرف بأن الأحشاء الداخلية بما فيها عضلة القلب هي خالية من أعصاب الألم، ولولا الأغشية المغطية له - وهي غنية بالأوعية الدموية والأعصاب - لما شعر أيّ منّا بتقطّع أوصاله من الداخل على الإطلاق. نحس بالألم في القلب فقط حينما يصيب العطب شغاف القلب أو جدران الأوعية الدموية، لكن عضلة القلب إن نحن أبعدنا الأغشية المحيطة بها وإبتعدنا عن الأوعية الدموية فهي لا ألم فيها على الإطلاق، ويمكن تقطيع القلب أو الكبد أو الكلية أو الأمعاء بدون الإحساس بأيّ ألم. يمكن أيضاً تقطيع الدماغ إلى قطع صغيرة بدون الإحساس بأيّ ألم إن نحن تجنّبنا السحايا، وبعض الحواجز بين الفصوص.
يومكم سعيد، وكلّما تحدثنا عن أسرار الجسم كلّما تعرّفنا على أشياء جديدة تفتح مداركنا على أشياء لم نكن نعرفها من قبل.. وقد تكون غريبة جداً.
هذه مشهد لحالة واقعيّة، وقد تم تفسير الظاهرة أعلاه... أتمنّى لكم مشاهدة ممتعة !!: