2016/08/29

الرسالة المشوّشة عن الإسلام.... من هو الملام؟

إن كان من يحكمنا اليوم هم أراذلنا، وإن كان من يسيطر على أمورنا اليوم هم أنذالنا، وإن كان الذي نعيشه الآن هو أسوأ ما نستطيع فعله.... فرضاء بقضاء الله وأملاً متجّداً في التغيير. من ناحية أخرى، إن كان المخبّأ عنّا هو أسوأ ممّا نعيشه الآن... فقل على أمّتنا السلام وما ينتظرنا هو الطوفان.    
منذ وفاة الرسول عليه السلام والبشر الذين خلفوه تجدهم وقد ساهموا كل حسب إجتهاده أو تقديره أو قصده... ساهموا بشكل أو بآخر
في الإساءة إلى الإسلام وإعطاء الصورة المشوّهة عن هذا الدين الذي أكمله الله وأتمّه وقرّره بأن يكون الرسالة الختاميّة للناس والهدي الذي يتوجّب عليهم إتباعه والسير على نهجه إلى حين قيام الساعة.
كانت أوّل إساءة إلى دين الله تتمثّل في السماح لمن تشيّع مع علي بن أبي طالب ودفعه لينشق عن بقيّة أتباع الرسول عليه السلام وزيّن له بأنّه كان أولى بالخلافة من غيره وبأنّ الخلافة يجب أن لا تخرج عن بيت الرسول وما إلى ذلك من عمليّات الدسّ والتآمر على هذا الدين بدوافع سلطويّة ونظرات ضيّقة بشكل يقترب من العمى عن رؤية الحاضر والتغابي عن المستقبل.
لم يكن الذين خلفوا من تشيّع لعلي ضد أبي بكر أحسن منهم حالاً، فقد شهدت الأيّام الأولى بعد وفاة الرسول الكثير من التنافس الغير حميد بين المسلمين بدوافع قبليّة وعشائرية وبعضها كان عنصريّاً أيضاً، وكادت سقيفة بني ساعده التي إجتمع بها أعيان المسلمين لتقرير مسيرة الإسلام بعد وفاة الرسول.... كادت تلك السقيفة أن تتحوّل إلى ساحة صراع وإقتتال بين أتباعه من المهاجرين والأنصار كل يريد الخلافة لرهطه لولا تدخّل عمر بن الخطّاب في الوقت المناسب وبالحسم المناسب الذي دفعه إلى إشهار سيفه لإخراس تلك الأصوات التي كانت تعترض على خلافة أبو بكر الصدّيق فكان تدخّل عمر كافياً حينها لردم بعض تلك الخلافات ولو إلى حين، لكنّ الصراعات بين المسلمين لم تنته عندها بل وكانت تلك هي ربّما البداية لمسلسل الصراعات والخلافات والمؤامرات بين المسلمين وبعضهم البعض والتي إستمرّت بدون توقّف وحتى يومنا هذا مع زيادة في حدّتها وكثرة في عدد مرّات وقوعها؛ وكذلك مع إرتفاع خسائرها وضراوة أثارها المدمّرة والتي نراها اليوم جاثمة أمام أعيننا كما هو الحال في الصومال وفي أفغانستان وفي سوريا وفي اليمن وفي ليبيا وفي العراق، وغيرها من بلاد المسلمين من باكستان وحتى نيجيريا.
وبإلقاء نظرة سريعة لكنها تفحّصية لما عانت منه بلاد المسلمين من حروب وإقتتالات خلال الأربعة عشر قرناً الماضية نرى بأنّنا وللأسف من ساهم في رسم معالم الصورة المشوّشة عن الإسلام من خلال تفسيرنا للقرآن ومن خلال نظرتنا لما قيل لنا بأنّه من آحاديث الرسول من خلال ما أتفق بعضنا على تسميته بالسنّة ورأي الجماعة مع أنّه في واقع الأمر لم يكن سنّة ولم يكن رأي جماعة على الإطلاق. الذي نقل إلينا كان ليس أكثر من "رأي أفراد"، والذين إعتمدوه وفرضوه علينا كانوا عبارة عن أفراد توفّرت لديهم السلطة وتملّكوا في زمانهم آلية فرض - وليس صنع - القرار. لم يساهم الشعب المسلم إطلاقاً برأيه ولا بمشورته ولا بتداوله لما فرض علينا من أقوال السابقين على أساس أنّه رأي الجماعة وعلى أساس أنّه السنّة التي فرضوها علينا وفرضوا علينا قبولها والإيمان بها كشرط من شروط الإٍسلام وقالوا لنا بأن إسلامنا غير مقبول بدونها، مع أن الله كان قد قالها لنا وبكل صراحة ووضوح بأنّ الدخول في الإسلام لا يتعدّى الشهادة بأنّه لا إله إلّا الله، ولا توجد عبارة "وأن محمّداً رسول الله" في القرآن على الإطلاق... قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}}.
من هنا نرى بأن شهادة الاسلام هى أصلا شهادة توحيد أى شهادة واحدة ، لكنّ من يسمّون أنفسهم "علماء" يجعلوها شهادتين ، فيقسّمونها بالتساوى بين ذكر الله تعالى وذكر محمد عليه السلام ، ولا يخلو عندهم ذكر الله تعالى من وجود محمّدِ معه "كشريك له في الوحدانيّة". 
فالشهادتان لم تذكرا إطلاقاً في القرآن، وإنّما ذكر القرآن شهادة واحدة عنى بها التوحيد وهو الله ولم يذكر القرآن إطلاقاً الشهادتين في أي موضع، وإنّما هي شهادة واحدة.... كما ذكر أعلاه.
وكذلك يجب التنويه على أن محمّداً رسول الله نفسه لم يتلفّظ بالشهادتين إطلاقاً حتّى يصبح مسلماً بل إنّه شهد بأن لا إله إلّا الله فأصبح بتلك الشهادة فقط مسلماً. كان هو نفس الحال مع سيّدنا إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وكان آدم قبلهم من إعترف بوجود الله وآمن بوجوده فأصبح كل منهم مسلماً بدون الحاجة للتلفّظ بما يسمّى بالشهادتين. إعترف كل من أتباع موسى وعيسى بوجود الله وكان ذلك كافياً ليصبح كل منهم وأتباعه من المسلمين، ولم يطلب منهم الله إطلاقاً الإعتراف ببنوّة محمّد عليه السلام ولم يشترط الله على أيّن منهم أو من أتباعهم التلفّظ "بالشهادتين" ليصبح من المسلمين. من هنا يمكن الجزم بأنّ الإعتراف بوجود الله هو فقط ما يكفي لدخول الإسلام، وممارسة المناسك كما جاء بها كل نبي لقومه كافية لدخول الجنة، ومن ثمّ فيمكن التأكيد على أن الجنة ليست هي حكراً على أتباع محمّد عليه السلام، وإنّما هي حق لكل أهل الكتاب الذين ماتوا وهم على إيمان بوجود الله.... ونعتهم الله بالمسلمين.
أمّا إعتباركلمة التوحيد على أنّها تعني ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) مجتمعة في موضع واحد فلم ترد إلا في السنة النبوية ولم ترد في القرآن إطلاقاً، ودعماً لذلك يقول الله تعالى: {{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}}، وقال أيضاً: {{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}}.... الإيمان برسول الله هو من بين المناسك وليس من الشهادة في شئ.
ودليل آخر على أنّ المطلوب فقط لدخول الإسلام يقتصر حصريّاً على الإعتراف بوجود الله هو ما ورد فيما يسمّى بالصحيحين، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة )).... فكل من مات وهو يؤمن بوجود الله عن قناعة يدخل الجنّة بغض النظر عن الدين الذي يتبعه على عكس ما يقوله شيوخ الدين عندنا الذين ينكرون على غير المسلمين (المسيحيّون واليهود) الحق في دخول الجنّة وينعتونهم بالكفّار.....فأولئك هم ليسوا من الكفار وإنّما هم من المسلمين مثلنا ومن حقّهم دخول الجنّة إن هم عملوا لها، وذلك الحق هو تماماً مثل حقّنا فيها ولا ينقصون في ذلك شيئاً على الإطلاق. 
تلك يجب بأن تكون هي الرسالة الواضحة لكل البشر - وأهل الكتاب على وجه الخصوص - حيث قال الله تعالى لأهل الكتاب: {{قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}}. فهنا نلاحظ بكل وضوح بأن الكلمة السواء بيننا وبينهم هي "ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئاً" وأن " لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله"... لم يذكر القرآن الشهادة بأن محمّداً رسول الله كشرط لدخول الإسلام. فمن عمل بما ورد في تلك الآية وصدق القول فسوف يحاسب يوم القيامة مثل غيره ويحق له دخول الجنّة إن كانت أعماله في الدنيا تؤهّله لدخول الجنّة بصرف النظر عن كونه مسلماً أو نصرانيّاً أو يهوديّاً أو كان من المؤمنين بالله قبل إرسال أولئك الأنبياء ورجوعاً إلى سيّدنا آدم عليه السلام الذي لم يعرف عن وجود نبي إسمه محمّد ولم يعرف عن نبي إسمه عيسى أو موسى لكنّه كان يعرف عن وجود الله ويؤمن بوجوده. آدم كان في الجنّة كما نعرف وما خرج منها إلّا بعد أن إقترف إثماً سوف يحاسب يوم القيامة عليه وإذا كانت أعمال آدم الحسنة أكبر من أعماله الغير حسنة فسوف يدخل آدم الجنّة مثل أي مسلم يحق له ذلك، وكذلك هم أتباع إبراهيم ونوح وموسى وعيسى وبقية الأنبياء. الجنة ليست حكراً على أتباع محمّد وعلينا بأن نتخلّى عن غرورنا وشوفينيّتنا.... ومن يوجد لديه دليلاً واحداً في القرآن فليأتي به، أمّا بقية التفسيرات والآقاويل فتعود لمن قالها أو أفتىء بها.... وتلك لا يعتد بها لأنّها تعكس "دين البشر" وليس دين الله الذي نعرفه ونؤمن به. 
كذلك فإنّنا نلاحظ بكل وضوح بأن الله لم يفرّق بين الأنبياء، ولم يذكر الله إطلاقاً بأن محمدِ هو خير الأنبياء والمرسلين ولم يذكر بأنّه هو سيّدهم جميعاً أو أنّه خير الخلق أجمعين كما يقول شيوخ الدين عندنا. فقد قال الله تعالى:{{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ""وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ"" أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }}. علينا بأن نتخلّى عن غرورنا وعنجهيّتنا بالقول بأن النبي محمّد هو سيّد الخلق أجمعين أو أنّه أشرف الأنبياء والمرسلين أو أنّه أحسن من أنبياء الله الآخرين الذين سبقوه أو أنّه وحده من سوف يشفع للمسلمين يوم القيامة، فالمسيحيين يقولون بأن عيسى عليه السلام مات من أجل ذنوبهم... بمعنى أنّه شفع لهم جميعاً، وكذلك يقول اليهود. 
لقد مضت علينا أكثر من 1400 سنة ونحن نجتهد ونجتهد ونجتهد ونحرّف ديننا في كل إجتهاد فنضيف إليه ونتفلسف فيه حتى بعدنا كثيراً عن حقيقة ديننا وإنحرفنا كثيراً عمّا ذكر في القرآن وأدخلنا على دين الله الكثير من دين البشر من خلال إجتهادات البشر، حتّى أنّك تجد اليوم من لا يحفل كثيراً بما ذكر في القرآن وإنّما يأتيك بحديث منسوب للنبي ويعتبره أصل التشريع ولو لم يذكر ما ورد في ذلك الحديث في القرآن.
بتلك الإجتهادات البشريّة والتفلسف في الدين فشلنا فشلاً ذريعاً في فهم ديننا كما أراده الله وأخذنا نتشدّد في الدين حتى أوصلنا الإسلام في ذهون الغير مسلمين إلى ما نعرفه اليوم ونتحسّس منه... بل ونخجل من فهم الغرب لديننا بسبب كل تلك الشوائب التي أضيفت إلى الإسلام من خلال شيوخ الدين أو من يطلقون على أنفسهم "العلماء". لقد عجزنا عن نقل الصورة الصحيحة عن الإسلام لغيرنا بسبب تسلّط شيوخ ديننا علينا وبسبب إستفرادهم بتفسير القرآن وبسن الشرائع وفرض تلك المفاهيم علينا.
إن عقم التفكير وإنغلاق ملكة التدبّر عندنا إنّما يعكس كم إنكفائنا على أنفسنا ومقدار عجزنا عن تطوير ذات بيننا. نحن عجزنا عن فهم روح الدين الإسلامي ولم نتمكّن بعد من إستيعاب ملامح الرسالة التي أرسلها الله لنا وطلب منّا فهمها ونقلها إلى غيرنا كما أرادها هو وليس كما أردناها نحن.
نحن وللأسف أخذنا نركّز على المظاهر وتجاهلنا - عن غباء وعن إصرار- الجواهر التي ذكرها الله لنا بكل وضوح في القرآن، فأوجدنا عبر القرون التي إنقضت "ديناً عميقاً" هو ليس دين الله وإنّما هو "دين الشيوخ" من أمثال إبن العثيمين والألباني والشنقيطي وبن باز وأسامة بن لادن وغيرهم ممّن فسّر القرآن على هواه وفرض علينا الشيوخ الذين أتوا من بعده ما فسّره معتبرين ذلك هو الدين الصحيح وهو التفسير الحقيقي للقرآن الذي لا يستطيع غير أولئك تفسيره، وذلك بسبب إحتكار المعرفة ومنع الإجتهاد على غير "العلماء" الذين هم ليسوا بعلماء ولا هم من العارفين كما يتوهّمون.
لقد إهتم شيوخ الدين بالكم ونسوا الكيف، وركّزوا على المظاهر ونسوا الجواهر، وقالوا لنا بأن الرسول عليه السلام كان يأكل كذا ويركب كذا ويتداوى بكذا ويلبس كذا ويعاشر كذا ويختلط بكذا، ولم يقل لنا شيوخ الدين أولئك بأن الرسول كان صادقاً وعادلاً وقنوعاً ورحيماً، وكان صلّى الله عليه وسلّم لا يكذب ولا يسرق ولا ينافق ولا يتملّك ما لم يكن له فيه حقّاً. هل ذكّرنا شيوخ ديننا بصفات الرسول وقيمه وأخلاقه بدل التركيز على لباسه وأكله ومركوبه، فتلك المستخدمات تخضع للمكان وتخضع للزمان ويتحكّم فيها العرض والطلب، كما أنّها لصيقة العصر وقرينة المتوفّر في زمان الرسول. ماذا لو أن رسول الله عليه السلام وجد حينها تلفزيون، أو سينما، أو هاتف نقّال، أو طائرة، أو سيّارة، أو مصرفاً، أو عملة ورقية أو بطاقة إئتمان، أو ساعة يد، أو ماكينة حلاقة، أو بخّاخة ما بعد الحلاقة أو فرشة ومعجون أسنان... ماذا لو أن رسول الله كانت قد توفّرت له تلك الإمكانيات في زمانه وفي مكانه، ألم يستخدمها حينها وتصبح بذلك "سنّة نبوية" يفرضها علينا شيوخ الدين؟. هل رفض شيوخ الدين في هذا العصر إستخدام تلك الأشياء المتوفّرة اليوم والإكتفاء فقط بإستخدام ما كان يستخدمه الرسول؟... هل يقدر شيوخ الدين على الإلتزام بما كان يستخدمه الرسول ويركبه ويسافر به ويتواصل عن طريقه فيتركوا هواتفهم النقّالة، ويتركوا سياراتهم، ويتوقّفوا عن إستخدام الطائرات في تنقّلاتهم، ورفض التعالج في المستشفيات أو تناول العقاقير التي إكتشفها العلم بإعتبار أن الرسول عليه السلام لم يستخدمها في زمانه؟. أنا أتحدّاهم أن يتوقّفوا عن تلك الإنتقائيّة البغيضة عند تحدّثهم عن الدين.
نحن نركّز على عدد الصلوات وعدد التسبيحات وعدد النوافل وكم مرة يقرأ فيها المسلم القرآن وكم من السور يحفظ الطفل بدون الإنتباه إلى كم من الفهم وكم من الإستيعاب وكم من التيقّن؟. نحن نركّز اليوم على عدد الأيّام التي كان الرسول يصومها في شوّال أوفي محرّم أو في ذي القعدة، ونختلف في عدد الركعات من النوافل في رمضان(التراويح) هل كانت 10 أو 20 ركعة، ولا نحفل بكيفية التعبّد، وكم الإخلاص في التعبّد، وما هي العظات من الصوم والصلاة والحج وبقية فرائض الإسلام. نحن من أدخل فرائض جديدة في الدين الإسلامي مثل التحجّب والتنقّب وترك شعر اللحية وتقصير الشوارب وتشمير السراويل وتركنا فرائض الإسلام التي ذكرها الله في القرآن. نحن بدأنا نهتم باللباس وبالمظهر أكثر من إهتمامنا بالجوهر... جوهر الإنسان، فخلقنا بذلك المسلم المنافق والكذّاب والمتظاهر والمتفاخر والمتعجرف والمترفّع بدل ذلك المتواضع وذلك البسيط وذلك العفيف الذي لا تمتد يده إلى ملك غيره أو مالا يحق له أخذه... تلك الأخلاق الحميدة هي التي كان عليها رسولنا عليه السلام فأين نحن من كل ذلك؟. 
فالغش على سبيل المثال هو صفة وليس ممارسة. الذي يمارس الغش هو من يقصده القرآن، وأي كانت تلك الممارسة فهي منبوذة. وسواء حرّفت الموازين أو غيّرت الأسعار، أو تدخّلت في نوعية المادة المتاجر بها كأن تضيف ماء مثلاً للنخالة كي يزيد وزنها، فإنّ كل تلك الأعمال هي ممارسة للغش وعقابها يقع تحت قانون تحريم الغش. ذلك هو القرآن... الدين هو ممارسة وليس توصيف. 
يقولون كان النبي عليه السلام يأكل كذا ويلبس كذا ويعتبرون ذلك من السنن. أبداً، لايمكن إعتبار تلك من السنن ولا تهمّنا لك الأفعال في شئ نحن المسلمون الذين نعيش في هذا الزمان. الرسول عليه السلام كان يتصرّف كما يتصرّف الناس في زمانه وفي مكانه وتلك هي طبيعة الأشياء. تلك الأعمال التي كان يمارسها الرسول ليست سنناً، بل هي ممارسات حياتية تفرضها المرحلة(الزمان والمكان والبيئة والثقافة بما فيها العادات والتقاليد). سنن الرسول بالنسبة لنا هي صفاته(الخلق الحسن، عدم الكذب، العدل، الرحمة، الرفق، الصبر، النبل، القناعة، وما إليها من الصفات الحميدة) التي يتوجّب علينا الإقتداء بها وممارستها إن إستطعنا، فإن لم نستطع فإن الدين يسر وإننا نحن لسنا أنبياء حتى تتم محاسبتنا بخواص الأنبياء. أليس هو الدين يسر، وألسنا نحن من يعسّر على أنفسنا؟. 
هذه الأمّة التي تختزل العموم في الخصوص هي أمّة ناقصة عقل، ولكن لماذا نحن نلوم أمّة على أفعال أغبياء ومنغلقين على أنفسهم؟. إن الذين يتحدّثون بإسم الأمّة هم لا يمثّلونها في شئ، والذين يسمّون أنفسهم علماء هم ليسوا بعلماء. شيوخ الدين(الصفة الأنسب لهم من العلماء) هم من عيّن أنفسهم كذلك ولا يد لنا أو رأي في تعيينهم.. شيوخ الدين هؤلاء لا يمثّلون الأمّة ولا يحق لهم التحدّث بإسم الأمة أو نيابة عنها. ثم... إن كلمة الأمّة أصبحت اليوم غير مستصاغة ولا هي مقبولة، لأنّها في واقع الأمر لم تعد تعني شيئاً له قيمة. ربما هي كلمة عاطفية أكثر من كونها تعبيراً جغرافيّاً أو نعتاً سيوسيولوجيّاً. لم تعد هناك أمم في عالم اليوم، وإنّما أصبحت هناك دولاً ربما بأمم مختلفة. هذا هو عالم اليوم... دولاً متعدّدة الأجناس ولا يمكننا نكران هذه البديهة الحياتية. أمّا شيوخ الدين ونظرية الإختزال فهي وسيلتهم الوحيدة لفرض الطغيان على محدّثيهم. قال لي أحدهم عندما حدّثته عن التقدم العلمي عند الغرب... أولئك الذين يعيشون مع بعض بالزواج المثلي. هذا إختزال لكل ثقافة وحضارة الغرب في "الزواج المثلي" والذي يعتبر شواذاً حتى عند الغرب أنفسهم ولم تسمح به كنائسهم، ولم تتقبّله مجتمعاتهم وإنّما سمحت به حكوماتهم كإستثناء وحدوثه مازال يعتبر شواذاً عن القاعدة وهو نسبياً يعتبر نادر الحدوث حتى في أكثر المجتمعات الغربية إنفتاحاً مثل السويد والولايات المتحدة. فلماذ إذاً يقفز شيوخنا لإختزال كل إيجابيّات أوروبا ومساهماتها الفريدة والكبيرة في بناء الحضارة الإنسانية في "زواج المثليين"؟. أعتقد بأنّها حالة نفسانية خطيرة عند شيوخنا وأنا أعتبرها إنعكاساً لشح ثقافي وغباء نمطي يعاني منه أولئك الشيوخ.
نحن أسأنا إلى ديننا بشكل فاق التصوّر وتجاوز كل التوقّعات لأنّنا قدّسنا الغير مقدّس وفرضنا الغير مفروض في نفس الوقت الذي تساهلنا فيه مع ما ورد في قرآننا من فرائض ونواهي ذكرها الله بصريح العبارة. نحن من يجب علينا التوقّف عن ترديد تفسيرات وأقوال السابقين وبدل ذلك نعود إلى قرآننا نقرأه من جديد كما هو وكما أنزله الله ثم نحاول تفسير كلام الله وفق علومنا ومعارفنا ومستخدماتنا التي نتعايش معها الآن حتى نستطيع تقديم ديننا النظيف إلى غيرنا من البشر، وعلينا بأن نتخلّى عن تلك الشوفينيّة التي توارثناها من أولئك الذين سبقونا وأخذنا نضيف عليها بما إستطعنا حتى بدأنا وللأسف نرى أنفسنا بمعزل عن غيرنا من البشر ونتوهّم بأن الله خصّص الجنّة لنا وحدنا وحرم منها بقية خلقه مع أنّه أرسل لهم أنبياء من عنده وطلب منهم إتباع ما جاء به إليهم أنبيائهم وعلينا بألّا نخدع أنفسنا بأنّ عيسى جاء لقومه ليقول لهم بأن نبيّاً إسمه محمّداً سوف يخرج على البشر بعد أجيال وبأنّه يتوجّب عليهم إتباعه والإيمان به. عيسى لم يقل لقومه ذلك أبداً، وإنّما جاءهم برسالة من الرب تأمرهم بفعل كذا وتنهاهم عن فعل كذا وإن هم نفّذوا ما طلبه الله منهم فإنّ الله يعدهم بالجنّة ولهم كامل الحق فيها إن هم ماتوا على الإعتراف بوجود الله. 
تحدّثت منذ أيّام مع مثقفة مسيحيّة كانت قد حضرت ملتقياً مسيحياً لمجموعة من المثقفين ودعاة الدين، وقالت لي في إستغراب كامل أن رجل الكنيسة (شيخ الدين) قال لهم بأن المسحيين هم وحدهم من سوف يدخل الجنّة، وبأنّه لا يحق لغير أتباع المسيح دخول الجنّة (كما يقول شيوخنا تماماً !!) وأبدت لي إمتعاضها وغضبها من سماع ذلك الكلام قائلة وبكل قوّة "بأن الجنّة يجب أن تكون مفتوحة لكل من يؤمن بالله سواء كان مسيحياً أو مسلماً أو يهوديّاً أو أي إنسان آخر طالما أنّه يعترف بوجود الله"... تلك هي مسيحيّة تقول هكذا كلام وهي قويّة جدّاً وواثقة بما تقول، فكيف بنا نحن نتعدّى على حقوق غيرنا ونحرمهم من جنّة الله في نفس الوقت الذي نعترف فيه بأنّهم من أهل الكتاب وأنّهم من المسلمين بإعتبار أن أنبيائهم ذكروا في القرآن لنا بأنّهم كانوا كلّهم من المسلمين... ألسنا نحن نغالط أنفسنا وبالكثير من التبجّح والأنانية؟.