2019/06/02

"ليبيا موطني" تدخل عامها التاسع

المحافظة على المبدأ هو أساس الإستمراريّة، وإحترام القرّاء هو عنوان النجاح. الصحافة الناجحة هي تلك التي تسعى إلى بلوغ الأحسن، فتتجنّب التكرار وتحتضن المستقبل وتنظر إلى الأمام.
إحتفلت "ليبيا موطني" يوم الأمس بعيدها الثامن ودخلت بذلك عامها التاسع وهي فرحة مبتهجة وسعيدة. وبرغم كل الصعوبات وضيق الوقت حافظت "لييبيا موطني" على إستمراريّتها بكل ثقة وهي تحتضن وتتفاعل مع كل تقدّم أحرزه الإنسان عبر تاريخه الطويل، و"ليبيا موطني" لا يمكنها إطلاقاً إغفال العصر ولا نسيان التكامل معه. الحياة كما نعرف لا يمكنها إلّا وأن تسير إلى الأمام، وساعة الزمن لا يمكن لعقاربها بأن تدور إلى الوراء؛ ومن هذا المنطلق تسير "ليبيا موطني" متوافقة مع سيران قطار الحياة وهي سعيدة بذلك لأنّها تعرف بأن إحتضان الحاضر والتناغم مع المستقبل هما السبيلان الوحيدان لبلوغ الهدف والإنتقال من هنا إلى هناك.
بدأت "ليبيا موطني" في أوّل يونيو 2011 وكان في رصيدها قارئ واحد، وبلغت عام 2019 وهي تفتخر ببلوغ عدد قرّائها والمتابعين لها 162,748 طيلة الثمان سنوات الماضية. وحافظ الليبيون والليبيّات في داخل ليبيا على مركز الصدارة من بين أولئك الممتابعين لهذا الموقع، بينما كانت بريطانيا بقرائها الليبيين والعرب هي المحطّة الموالية. ويسرّ "ليبيا موطني" أنّها وجدت الكثير ممن حافظوا على متابعتها في آماكن مختلفة من العالم شملت بكل تأكيد العرب في البلاد العربيّة وبلاد أخرى من العالم. 
وحافظت "ليبيا موطني" على نسق متناسب من القرّاء عبر سنواتها الثمان الماضية، بحيث كانت أعداد المتابعين لكل سنة متشابهة إلى حد كبير مع وجود بعض الطفرات بكل تأكيد  نتيجة للظروف المحيطة وأحداث كل سنة:

 بينما بلغ عدد قرائها ومتابعيها للسنة الماضية وحدها 26,089 قارئ وقارئة، وبلغ عدد قرّاء وقارئات "ليبيا موطني" في الشهر الماضي لوحده 2,193 قارئ وقارئة، وكان العرب في الصيّن هم أكثر المتابعين حسب الإحصائيّات المرافقة لهذا الموقع من قبل الجهة المضيّفة.
وحافظت السنة الماضية هي بدورها على زخم متناسق من القرّاء والزوّار خلال أشهر السنة المختلفة:

أمّا بخصوص المواضيع التي تابعها القرّاء والقارئات فهي إختلفت في المضمون عبر السنوات الثمان الماضية:

ومواضيع الشهر الماضي على سبيل المثل هي بدورها شهدت إختلافاً ملحوظاً في المضمون حسب إختيار القرّاء الأعزّاء والقارئات العزيزات:
وختاماً في هذه العجالة لا يسعني إلّا وأن أحيي كل من تابع "ليبيا موطني" وحافظ على عهده بها، وأكرر وعدي هنا بأن "ليبيا موطني" سوف تحافظ على خطّها المستقل وسوف تحتفظ بكل أواصر الحب والود مع قرائها الأعزّاء وقارئاتها العزيزات وبكل تأكيد فإن هناك مساحة للتحسّن والتطوير حينما يسنح الوقت بذلك.... لكم منّي خالص التحيّة والإحترام، وإلى الملتقى في إحصائيّات العام القادم بإذن الله. 

وعودة من جديد لرؤية شهر العيد

حياة يسيّرها العلم وتحدّد معالمها نتائج الأبحاث ومخرجات الإختراعات هي حياة واثقة وناجحة ومبدعة ومتحضّرة وواعدة. حينما نحتكم إلى عواطفنا ونستند إلى خيالاتنا في مناقشة الأمور أو طرح البدائل فإنّنا بذلك نبتعد عن المنطق ونتخفّى عن الواقع.
 
تفيد الحسابات الفلكيّة الدقيقة والعلميّة بأن شهر شوّال سوف يظهر مساء الإثنين وبأنّه سوف يمكث 6 دقائق بعد غروب الشمس في مكّة المكرّمة، وسوف يمكث 9 دقائق في طرابلس ليبيا، و3 دقائق في لندن. فهل يمكن رؤية الهلال في ذلك الزمن القصير؟. 
يقول الفلكي السعودي "ملهم هندي"، عضو الإتحاد العربي لعلوم الفلك والفضاء، إن الحسابات الفلكية تشير إلى أن الهلال سوف يمكث وقتاً قصيراً بعد غروب الشمس مساء الإثنين ولا يمكن رؤية الهلال في ذلك الزمن القصير وبذلك فهو يقول بأن العيد هو يوم الإربعاء !!.
أريد هنا أن أعود إلى موضوع "الرؤية" وما هي دلائله حتى نكون على بيّنة من أمورنا وحتى لا نأخذ الكلام على عواهنه بدون بحث أو إستقراء أو تبيّن. علينا بأن نعيد التفكير في كل شئ وأن نستخدم عقولنا قبل قبول أيّ شئ إن كنّا بالفعل نسعى إلى تسيير أمورنا وفق أسس تفكيرنا ووفق إعتباراتنا التي تناقش وتستفسر ولا تقبل بأيّ شئ غير مقنع لمجرّد أن غيرنا كان قد قاله لنا أو صرّح به أو ربّما أنّه كان قد ألزمنا بإتّباعه.... أو قد يكون أفتى به لنا.
أنا أعرف يقيناً بأن "الرؤية" - رؤية الهلال - لم ترد في القرآن إطلاقاً، وبأن الإستناد في ذلك يرتكز على "حديث" يروى عن الرسول يقول: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً))، في حين لم تذكر الرؤية في القرآن إطلاقاً، وبأن كل ما ذكر في القرآن هو: {{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ}}، وهنا نلاحظ كلمة "شهد" بدل "رأى" وفي ذلك هناك إختلافاً كبيراً. لماذا الله إستخدم "شهد" بدل "رأى"، أليس في ذلك حكمة علينا البحث فيها والتعرّف على كنهها؟. ألا يجوز هنا القول بأن إختيار الله لكلمة "شهد" بدل "رأى" كان لحكمة في إعتبارات الخالق بحيث أنّها ربّما تبقي الباب مفتوحاً لإختراعات وإكتشافات وإبتكارات الغد؟.
كلمة "شَهَد" هي بالطبع ليست "شاهد" وهي تعني حضر، عاين، أدرك، أو عاصر... لكنّها يقيناً لا تعني "رأى". فشاهد المحكمة على سبيل المثال ليس هو من شهدها وتلك تعني من رأى أو سمع أو لمس أو وقع عليه الأمر. إذاً فكيف يمكننا التعامل مع ما كان قد روي عن الرسول بأنّه عليه الصلاة والسلام كان "ربّما" قد قال: "" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته""؟.
إن المتتبّع لذلك الحديث فسوف يجد روايات كثيرة له وبآساليب مختلفة مما قد يعني بأن الرواة قد لا يكونوا صادقين في رواياتهم من ناحية ، وحيث أن ذلك "الحديث" كان قد تواتر على ألسنة البشر وبكل تأكيد لم تكن هناك "إفادة" خطّية أو دليل مادّي على صحّة قول الرسول له. ومن ناحية أخرى فيمكن القول بأن رسول الله كان يتعامل مع معطيات زمانه وموجودات مكانه. فلم يكن في عهد الرسول هناك علم فلك ولم تكن هناك مراصد ولم تكن هناك حينها أقماراً صناعيّة. كان مستوى تعليم الناس وكم ثقافتهم محدودين جداً حتى وإن أعتبر ذلك رائعاً في زمانهم. كان على الرسول عليه السلام أن ينصح أتباعه بما يعرف وبما يتوافر لديه، ومن ثمّ فموضوع "السُنّة" بكل تأكيد يحتاج إلى إعادة نقاش وبحث ومناكفات لأنّ ما كان قد قاله رسول الله يعكس تفاعله مع محيطه ومع ثقافة وعلوم زمانه وليس بالضرورة أن يصبح ذلك ملزماً لنا نحن من يعيش في هذا الزمان، وليس بالضرورة أنّ ما نعرفه الآن سوف يكون ملزماً لمن يأتي من بعدنا؛ فالحياة هي تسير إلى الأمام وتنتقل إلى الأمام ومن ثمّ فسوف تبقى علومنا ومداركنا صغيرة جداً مقارنة بضخامة الكون وبعظمة الخالق الذي خلق هذا الكون.
من هنا أنا شخصياً أرى بأن شيوخ الدين أصبحوا اليوم بالفعل خارج زمانهم بسبب طريقة تفكيرهم التي تستند على معطيات الماضي وبسبب بعدهم الكبير عن تطوّرات الحياة البشريّة نظراً لمحدوديّة مصادر علومهم ومحدوديّة مداركهم وضيق أفق إطّلاعاتهم، وكذلك إصرارهم على العيش بمعطيات الماضي وتنكّر أغلبهم لعلوم العصر مع أن ذلك التنكّر هو "إنتقائي" بإمتياز. فهم يستخدمون شاشات التلفزيون، ويستفيدون من علوم الأقمار الصناعية في عمليات البث والدعاية، وهم يستخدمون الهواتف النقّالة، ويركبون الطائرات والسيّارات ويتقاضون مرتبات ويرصدون أموالهم في المصارف وما إليها من مستخدمات نواتج العصرنة.
من الناحية المنطقية والواقعية والعلمية بكل تأكيد، فحينما يبقى الهلال بعد غروب الشمس ولو كان ذلك لثانية واحدة فإنّ ذلك بحد ذاته يحتّم إعتباره بداية للشهر الجديد، والحساب يجب بأن يلغي الرؤية ذلك لأن الرؤية كانت قد "أُشترطت" في زمن لم يكن فيه الحساب موجوداً. من هذا المنطلق فإن أوّل أيّام العيد يجب بأن تكون يوم الثلاثاء وليس الإربعاء، ولكن وللأسف مازال لشيوخ الدين سلطة الأمر إلى أن تتمكّن بلاد المسلمين من إعتماد العلم والعلماء الحقيقيّون (ليس شيوخ الدين الذين يسمّون أنفسهم علماء) في شرعنة مجريات الأمور وفق أسس علمية ومنطقية وواقعيّة تثبتها وتبرهن عليها حسابات يقينيّة وليس رؤية تخضع للكثير من الإعتبارات والتي من بينها موانع الرؤية الطبيعية التي نعرفها مثل السحاب والضباب والشبّورات المائيّة وغيرها من الموانع التي تعتمد في الزمن القديم على حاسّة النظر عند البشر وفي زماننا هذا على مقدرة المناضير والمراصد على رؤية الأشياء الصغيرة وذات الطيف الضعيف في وجود بقايا شعاع الشمس عند الغروب. فمناضير المستقبل سوف تكون أكثر دقة وأكثر مقدرة على الرؤية من مناضير اليوم وكذلك هي المقدرة على إستخدام التقنية العصريّة. 
ومن هذا المنطلق فأنا أطالب وبكل قوّة بالإستناد إلى الحسابات العلمية التي لا تقبل الشك ولا تتغيّر مع الزمان، فحقائق العلم بمجرّد ثبوتها تصبح أمراً ملزماً وأشياء ثابته لا تتغيّر مع الزمان ولا تتغيّر مع المكان. عيدكم مبارك وأيّامكم كلّها سعادة وإرتياح وهناء.

2019/05/24

خطابنا الديني يقتل الأمل في النفوس... ويدفع إلى اليأس

 لا يمكن لأي شعب بأن ينتقل إلى الأمام إن كان هو مازال ينظر إلى الماضي. الحياة تسير إلى الأمام وتخطو في كل آوان مراحل جديدة تدحض خرافات الماضي وتستبدلها بحقائق يبرهن على مصداقيّتها العلم وترسم ملامحها المعرفة. علينا بأن نسعى إلى الأحسن، وذلك لا يمكن تحقيقه إن كنا نحن مازال بيننا من لا يستطيع الخروج من الماضي.
قمت صباح هذا اليوم بإعطاء طلبة وطالبات السنة النهائيّة بكليّة طب جامعة وورك حصّة إضافية من التعليم السريري في أمراض الأعصاب مدتها كانت ساعتين. هذه الحصة كانت بمثابة تعويض لهم عن عطلات الإثنين، حيث في شهر مايو من كل سنة يحتفل الإنجليز بعطلتين كل واحدة منهما تكون في يوم الإثنين.
الحصة التعليمية كانت رائعة والحالتين كانتا في صلب مستوى الطلبة والطالبات والمريضتين كانتا متعاونتين جداً... فكانت الحصيلة سعادة للجميع.
طريقة التعليم التي إنتهجها تعتمد على فكرة "التفاعليّة في التعلّم" بمعنى أن المعلّم يعطي كل شئ للطلاّب ويتركهم يفكّرون مع بعض في محاولة للتوصّل إلى تشخيص الحالة من خلال السيرة المرضيّة لكل مريض، ثم التفكير في الإحتمالات التشخيصيّة (التشخيص التفاضلي) ثم بعد ذلك أقوم معهم بوضع خارطة كشف سريري متكاملة تحتوي على العلامات السريرية التي نتوقّع إيجادها حينما نقوم بالكشف عن المريض المعني.
بعد الخريطة السريرية التي يرسم معالمها الطلبة والطالبات في صالة التدريس بإشرافي أنا ومراقبتي لهم وهم يفكّرون علانية وبتعاون مثير للإعجاب، يتم إحضار إحدى المريضتين لحجرة الكشف وهي صالة كبيرة مجهّزة بسرير كشف ومعدّات كشف سريري.
أقوم في كل مرّة بإختيار أحد الطلبة عشوائيّاً وأطلب منه أو منها (بالتناوب بين الأولاد والبنات) بالقيام بالكشف عن جزء محدّد من الجسم تكون له علاقة بالمرض المقترح (محل النقاش). وهكذا يتناوب الطلبة والطالبات عشوائيّاً على المريض ( في العادة ثلاثة طلبة لكل مريض) حتى يتم إستخراج كل العلامات المرضيّة، وبعدها نقوم بالعودة إلى صالة المحاضرات وهناك أقوم بعرض شرائح تعليمية عن طريقة التوصّل إلى التشخيص من خلال سيرة المرض والعلامات السريريّة المستخرجة والتحاليل الخصوصية. بعد التوصّل إلى التشخيص تتم مناقشة العلاج، ثم المضاعفات، ثم المآل، ثم الختام بفتح المجال للطلبة والطالبات لطرح أية أسئلة أو وجهات نظر مختلفة أو إقتراحات، وبعدها أقوم بتوزيع ملازم تحمل بين طيّاتها خلاصة عن المرض والأمراض المشابهة للطلبة كي يرجعوا إليها قبل الإمتحانات.

المهم.. ليس هذا هو الموضوع الذي وددت التحدّث عنه، وإنّما إستخدمت هذا العرض كمقدّمة لأن الأمور لها صلة ببعضها وأنا هنا أعني فقط مقدرتنا على إستخدام ملكة التفكير التي حبانا الله بها وأنعم بها علينا حتى نتمكّن من خلق حياة فيها كرامة وفيها قناعة وفيها رضاء عن النفس.
الطلبة والطالبات الذين أمضيت معهم ساعتين متكاملتين أعطوني صورة رائعة للكيفية التي يفكّرون بها وطرقهم في دمج المتوفّر من معلومات للتوصّل إلى الهدف المبتغى وهو تشخيص المرض.
هؤلاء الطلبة والطالبات طريقة تعليمهم منذ سنوات الروضة وحتى الجامعة (بالمناسبة جامعة وورك تعتبر واحدة من جامعتين إثنتين فقط في كل بريطانيا التي لا تقبل طلبة في كلية الطب إلاّ أن يكونوا يحملون معهم شهادة تخرّج جامعية من كلية أخرى تكون لها علاقة بالطب من هنا أو هناك ككلية العلوم أو الهندسة البيولوجيّة أو كلية التربية قسم الكيمياء أو الرياضيّات، ومع أن الدرجة التي يتحصّلون عليها بعد التخرّج هي عبارة عن بكالوريوس في الجراحة والأمراض الباطنية، إلاّ أن قيمة الشهادة من هذه الجامعة يتم التعامل معها بمستوى درجة الماجستير، ومدة الدراسة هنا في كلية الطب هي ثلاثة سنوات فقط) طريقة التعليم في بريطانيا وأغلب بلاد العالم المتقدّم تقوم على مبدأ "التفاعليّة في النقاش والتوصّل إلى المعلومة بدون تقيدها سهلة مستصاغة من قبل المعلّم.

خرجت من تلك الحصة التعليميّة متّجهاً نحو مسجد المستشفى لحضور صلاة الجمعة، وما إن دخلت المسجد حتى وجدت نفسي في عالم آخر. كان الخطيب يلقي درس الجمعة الذي وأقسم بأنّه لم يخرج فيه عن عام 700 أو 800 ميلادي، ولم يلامس الرجل حياتنا المعاصرة بشئ وكأنّنا نعيش في تلك الحقبة من الزمن. أنهى الرجل الدرس وبدأ بعد الأذان في إلقاء الخطبة الأولى والتي ذكر فيها عبارة كان يقرأها من كتيب صغير من الكتب الصفراء مفادها كما قرأها: ((إن الله خلق لكم الدنيا، وخلقكم للأخرة)). لم أتمكّن من هضم هذه العبارة، ففيها التناقض كان يبدو واضحاً بالنسبة لي.... كيف يخلق الله لنا الدنيا ويخلقنا نحن للآخرة... لماذا هو إذاً يخلق لنا الدنيا إن كنا نحن مخلوقين فقط للآخرة؟!!.
بقية تلك الخطبة لا أريد أن أساهم في تقزّزكم منها، ولكن في خطبته الثانية وهي نفس الخطبة التي بقيت أسمعها حرفيّاً في كل جمعة لمدة 8 سنوات متواصلة!. يبدو أن العالم بالنسبة لهذا الشيخ لا ينتقل إلى الأمام إطلاقاً.

في الخطبة الثانية تسمع الكثير من الكلام المتناقض مع بعضه، ولعل أقل ذلك التناقض تسمعه حينما يقرأ الشيخ حديثاً يقول لك إنه للنبي عليه السلام مرويّاً عن فولان وفولان عن فولان وذلك عن فولان أنّه سمع فولانة أنها روت حديثاً للنبي عليه السلام يذكر فيه الخلفاء الرشدين بنفس الترتيبة التي نعرفها وهي أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. المنطق يقول بأن النبي لو أنّه كان قد قال هذا الحديث حقّاً فإنّه لامحالة كان قد قاله قبل وفاته عليه السلام، وهنا ينتابني تناقض آخر بين ما أسمعه من هذا الشيخ وبين المنطق الذي أؤمن به وأتصرّف بهداه، فالرسول رحمه الله كما نعلم لم يعيّن خليفة في عهده ولم يترك وصيّة من بعده، كما أن الرسول لا يعلم الغيب بناء على قوله تعالى في القرآن:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}، فكيف برسول الله يقول حديثاً "يرتّب" فيه الخلفاء الراشدين بالكيفية التي تولّوا بها الخلافة؟. بكل تأكيد مثل هذا الإلتباس وتلك اللخبطة فيما يتلى على مسامعنا في المسجد تحتاج إلى أناس يتدبّرون ويفكّرون ويحلّلون مثل أولئك الطلبة الذين ذكرتهم لكم حتى ينتبهوا إلى أن ما يقوله لهم هذا الشيخ ينتابه الكثير من ال"بهتان" والأشياء البعيدة عن المنطق، ولكن وللأسف فإنّ أغلب الجالسين إمّا أنّهم لا يحفلون بما يقوله الشيخ فكل ينتظر إنتهاء الصلاة ليعود إلى عمله أو أنّهم يأخذون ما يقوله لهم الشيخ على أنّه من "المسلّمات" ولا يحتاجون للتفكير فيه أو محاججته بالعقل والمنطق فمثل تلك الأمور تعتبر غير مرغوبة في ثاقفتنا التي تجبرك على تقبّل ما يقال لك من قبل شيوخ الدين ولا يحق للك محاججتهم فهم "أعلم منك" وهم من سوف يرد عليك بكل سرعة " وما هو علمك حتى تتفلسف في الدين؟!".

ولمجرّد التنويه، فإنّ هذا الشيخ كانت له لحية معتبرة منذ زمان لكنّه كان يوضّبها ويهتم بها ويدهنها ابلكريمات والزيوت المعطّرة وربما كان يصبغها أيضاً فكانت تبدو لامعة وأنيقة ومتناسقة. كان هذا الكلام صحيحاً إلى أن قامت ثورات الربيع العربي وبدأ الإسلاميّون يحلمون بعودة "الخلافة الإسلاميّة" من جديد فكثر عندنا في الجامع أصحاب اللحي الطويلة الشاعثة بشكل ملفت للنظر، وبكل تأكيد بدأت لحية شيخنا تكبر وتتشعّب وتشعث وتنطلق في كل إتجاه. بالطبع ... فمن متطلّبات المهمّة ولكي يضيف الشيخ "المبجّل" إلى المشهد المزيد من القدسيّة فإنّه يحلق شاربه (حفّفوا الشوارب وأعفوا اللحي)، ويقوم بضرب جبهة رأسه بماذا لا أدري، لكنّه يأتينا براس مدموغ في جبهته {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}. ولكي أكمل لكم الصورة ينهي الشيخ خطبته الثانية بالإبتهال إلى الرب بأن ينصر المسلمين ويحرر لنا القدس وفلسطين والصومال وأفغانستان وينصر المسلمين في الفيليبين وأحياناً يضيف العراق إلى القائمة ويذكّرنا بحطّين، وبعدها يطلب من الرب بأن (يرزقنا بالإمام العادل ذو القوّة القاهرة على الكفرة الباغية) ويطلب منا بأن نقول "آمــــــــين".
أخرج بعدها من المسجد وأنا أحس بالإنقباض والحسرة والحزن على واقعنا المريض وحالنا الغير واعد... بل والميؤوس منه، خاصّة حينما أتذكّر أولئك الطلبة وهم يحلّلون كل شئ ويتدبّرون في كل جزئيّة بهدف الوصول إلى تشخيص حالة مرضيّة حتى يتمكّنوا من وصف العلاج المناسب.
بعد ذلك وأنا في طريقي إلى العيادة الخارجية أسمح لزفرة أسى عميقة وطويلة كي تخرج من صدري فتخفّف عني عناء الإحتقان والضيق، وأقلّل من الضغط المتزايد بداخلي فأختمها بالقول: إن أهل العقول في راحة.

2019/05/22

يا حضرات... إن الرفق بالبشر يأتي قبل الصيام والصلوات

 الإسلام هو دين الرحمة والتعاطف ونشر رسالة الحب بين البشر قبل أن يكون مجرّد ركوع وسجود ومظاهر وسعي حثيث نحو الجنّة. الجنة يعمل لها ولا تكتسب بالسعي الحثيث إليها. إن الله سوف يعاملك من خلال أعمالك وليس من خلال سجودك وركوعك، فهو ليس في حاجة إلى هبادتك لكن أخوك الإنسان المعدم هو في اجة إلى عطفك ورحمتك وعنايتك. فأرفقوا بالبشر وأتركوا الرب ليقرّر بشأن يوم الحشر.
في شهر رمضان المبارك نرى الناس وهي تتدافع من أجل نيل القدر الأكبر من الأجر من خلال التشدّد في العبادات، ومن خلال الصلوات الإضافيّة(الغير مفروضة أصلاً)، حتى تتحوّل العبادات إلى مناسك جامدة لا حياة فيها ولا تفكير فيها ولا غاية ترجى منها غير السباق نحو الجنّة والبحث عن "الثواب" الذي يظل أمنيّة يتضرّع العبد من أجل تحقيقها صاغراً إلى خالقه علّه يسعفه بها، ويبقى الخالق هناك لوحده فهو من يقرّر القبول وهو من يقرّر منح الثواب.
أنا لا مانع لديّ في أن يتعبّد الإنسان وأن يصدق في عبادته وأن تكون عبادته مخلصة لوجه الله وأن يبتعد بها عن الرياء والتظاهر. أنا شخصيّاً لا أتدخّل في العلاقة التي بين الإنسان وربّه طالما أنّه يصدق ويخلص ويتجرّد في هذه العبادة. الذي يحزنني ويزعجني أحياناً هو أن الإنسان حينما يعبد الله فإنّه لا يرى أمامه غير الجنّة ولا يفكّر إلّا في الآخرة، وفي سبيل تحقيق ذلك نجده ينسى الدنيا ويعتبرها فانية لا قيمة لها. هناك من البشر من ينتظر الموت"المنيّة" حتى ينتقل بسرعة إلى الحياة الأخرى حيث هناك يحلم بدخول الجنّة، وهناك يحلم بالعذارى والحوريات والغلمان وأنهار الخمر. أنا أرى بأن مثل ذلك الإنسان هو في واقعه يعيش عالم يصنعه من خياله... عالم بكل تأكيد هو عالم إفتراضي.
أنا أتمنّى بأن تتحوّل العبادات والمناسك والطقوس إلى أشياء عمليّة في حياتنا تكون هي أسس التعامل فيما بيننا. فالصدق في العبادة لابد وأن يعني الصدق في التعامل، والإخلاص في العبادة لابد وأن يصبح إخلاصاً في كل ما نقوم به في حياتنا اليوميّة. حبّنا للدين وحبّنا للرسول لابدّ وأن يتحوّل إلى حبّ بيننا كبشر، وكرمنا في وجودنا مع الله لابد وأن يتحوّل إلى كرم وجود بيننا. لابدّ أن تصبح الرحمة التي نطلبها من الله رحمة نقوم نحن بإصباغها على غيرنا من أهلنا وجيراننا وأصدقائنا ومعارفنا. لابدّ وأن يتحوّل العفو الذي نطلبه من الله إلى خصلة عفو تتولّد في داخلنا وتغمر أنفسنا وتتبلور في تصرّفاتنا. إنّك حينما تقول وتكرّر ((اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي))، فإنّك حينها تخاطب الرب وتنسى نفسك. إنّك عفوّ... لا جدال فيها وهي واضحة. تحب العفو... علينا التوقّف عندها. إن كان الله الذي تتضرّعون إليه وتسألونه العفو، هو بجلاله وعلاه يحب العفو... فهل إمتثلنا نحن له؟. هل عفونا عمّن أساء إلينا؟.