2018/02/18

وماذا بعيد الإحتفال بذكرى فبراير

 نحن الشعب ونحن من لا يمكن قهره. علينا الإيمان بهذه العقيدة. لا يمكن هزيمة الشعب مهما كانت قسوة الطغاة الذين يفرضون الهيمنة عليه. لا يمكن هزيمة الشعب، ومن يفكّر في ذلك فليعيد حساباته. أرض بلا شعب لا يمكنها أن تصبح دولة، وشعب بلا أرض يمكنه أن ينشئ دولة ولو على جزيرة مهجورة في وسط المحيط. 
                                  
نحن الآن نعيش في أجواء اليوم الموالي لذكرى ثورة فبراير السابعة وأعتقد بأن الوقت كان قد حان من زمان لأن نتحرّك إلى الأمام، وطالما أنّنا لم نتحرّك بعد... فهل نبدأ الآن؟.

يا سادتي ويا سيّداتي الليبيّين والليبيّات المحترمين....
لا يمكننا قطعاً البقاء في ثورة والعيش على أعتاب الثورة. الثورة تغيّر ومن ثمّ تنتهي لتفتح الباب نحو البناء.... نعم، البناء والتعمير والعبور بالبلد إلى الأمام.
الإنتقال من الثورة إلى الدولة لا يحتاج إلى وقت طويل ولا يجب أن ينتظر لأكثر من 6 أشهر على الأكثر بعيد إنتصار الثورة. كان الهدف الوحيد لثورة فبراير 2011 هو القضاء على نظام الديكتاتور معمّر القذّافي وتحرير الشعب الليبي من نظام حكمه الديكتاتوري. ذلك حدث بالفعل في عام 2011، وكان ربّما يوم إعلان التحرير بتاريخ 23 أكتوبر 2011 هو يوم الإنتقال من الثورة إلى الدولة؛ وكان يتوجّب من حينها تسليم مفاتيح السلطة في الدولة الليبيّة لمن يقدر على "إدارة الدولة" ومن ثمّ تسريح الثوّار بعد شكرهم وتكريمهم بالطبع كي يعودوا إلى أعمالهم ويلتهوا بشئون حيواتهم ليتسنّى للكادر الإداري(البيروقراطي، الأكاديمي، المهني) بأن يقوم بأداء واجباته كما يتوجّب في حماية الجيش والشرطة لتقوم من بعدها الأجهزة الرقابيّة في الدولة بمراقبة كل من تسلّم سلطة أو إدارة بهدف الإطمئنان على سلاسة العمل ونقائه وشفافيّته. جهاز الرقابة الإداريّة، وسائل الإعلام، ونوّاب الشعب هم من يكون بمقدورهم مراقبة العمل والتنبيه على أية إختلالات تحدث من قبل القائمين به لتحذيرهم في البدء ثم تسليمهم للقضاء العادل إن هم تمادوا في ممارسة الخطأ أو التهاون في القيام بالمهام المناطة بهم من أجل تقديم أحسن الخدمات للمواطن الذي من أجله قامت الثورة.
للأسف الشديد أن أيّاً من ذلك لم يحدث في ليبيا غداة إعلان "التحرير" وأيّاً منه لم يحدث في ليبيا حتى يومنا هذا ونحن مقدمين على بداية العام الثامن بعد ثورة فبراير. فأين يقع الخطأ، وهل بوسعنا كشعب أن نستدرك الأمر حتى ربما نقوم بالإصلاح؟.
بكل تأكيد أن الكثير من الليبيّين والليبيّات يعرفون ما حدث في ليبيا منذ إعلان التحرير في عام 2011 وحتى يومنا هذا في فبراير 2018، ولكن وللأسف - مرّة أخرى - لم نتمكّن نحن الليبيّون والليبيّات من محاكمة المخطئين مع أنّنا نعرفهم بالإسم، بل ونعرف كل من أخطأ وفيما أخطأ.
فشلنا كشعب في أن نحاكم المخطئين أو حتى إبعادهم عن كراسي الحكم وممارسة السلطة نيابة عنّا.... وغصباً عنّا. شعرنا بفشلنا فإستنجدنا بالأمم المتحدة، لكنّها - الأمم المتحدة - فشلت هي بدورها في مساعدتنا.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو الحل، وكيف يمكننا كشعب إعادة دولتنا لنا؟.
السؤال بكل تأكيد بسيط، وبإمكان أي منّا أن يسأله، لكن الإجابة عليه صعبة جداً وقد تبدو مستحيلة. ما هو الحل؟. كيف يمكننا إعادة دولتنا لنا، وكيف يمكننا عزل الفاشلين الذين حكمونا منذ 2012 وحتى اليوم؟.
يبدو أن كل الأبواب أصبحت موصدة، وبأن اليأس كان قد حلّ محل الأمل، وبأن الترهّل كان قد إستلم من الثورة... يبدو أنّنا كليبيين وليبيّات وصلنا إلى قناعة مفادها: {{ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}}.
وقبل أن أختم أريد أن أهمس في أذن كل ليبي وكل ليبيّة مازال يحسّ بالوطن ولم يتخلّ بعد عن الوطنيّة.... لا، وألف "لا" لليأس. نحن الشعب ونحن من لا يمكن قهره. علينا الإيمان بهذه العقيدة. لا يمكن هزيمة الشعب مهما كانت قسوة الطغاة الذين يفرضون الهيمنة عليه. لا يمكن هزيمة الشعب، ومن يفكّر في ذلك فليعيد حساباته. أرض بلا شعب لا يمكنها أن تصبح دولة، وشعب بلا أرض يمكنه أن ينشئ دولة ولو على جزيرة مهجورة في وسط المحيط. 

كيف يمكننا إستعادة دولتنا؟
السؤال بسيط أيضاً والإجابة عليه صعبة أيضاً.... لكنّها ليست مستحيلة. وطالما أنّها ليست مستحيلة، فيمكننا البحث عن إجابة والعمل على تحقيقها.
أنا توجد لديّ إجابة واحدة على هذا السؤال: لنعطّل مشروع "الهمّ" بالديموقراطيّة في الوقت الحاضر، ولنبحث عن حل بديل.... عن إجراء طارئ يمكننا به وعن طريقه إعادة دولتنا إلينا.
أنا سبق لي أن قلتها من قبل وفي أكثر من مناسبة، وهانذا أعود لأقولها اليوم وبكل ثقة: الخروج بليبيا من واقعها المؤسف الذي تعيشه الآن يحتاج إلى عمليّة جراحيّة مستعجلة لإستئصال الورم وتحمّل المضاعفات قبل أن يتمكّن من الإنتشار في كل مكان في جسم الدولة فيقضي عليها بعد فوات الآوان.
أنا أقترح "الجيش" من جديد..... الجيش هو وحده من بوسعه أن يقوم بتلك العملية المستعجلة لإنقاذ ليبيا من أورامها التي أصابتها منذ فبراير 2011. نعم.... إنّه "الجيش". ليس لنا أية بدائل عمليّة أو واقعيّة أوعقلانيّة غير هذا المنحى. وطالما أنّه هو الحل الوحيد، فلماذا لا نقف كلّنا وراءه وندفع به الآن وليس غداً؟.

كيف يمكننا الثقة بالجيش؟ 
بكل تأكيد فإنّ الكثيرين منّا كليبيين كانوا قد عانوا من سيطرة الجيش على البلاد ومن ثم مقاليد السلطة ومن ثمّ الطغيان. هناك من قد يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وهناك من سوف يقول: وما هي الضمانة لعودة الجيش إلى ثكناته وترك الشعب ليستلم حكم دولته من خلال كوادره المهنيّة القادرة؟.
أسئلة وجيهة ومخاوف في محلّها ولا أعتقد بأنّه من غير الجيش نفسه سوف لن يجيب عليها أحد.... كيف يمكننا الثقة بالجيش، ومن هو الجيش من حيث البدء؟.
الجيش أنا أراه يشتمل على كل عسكري مهني ومحترف ويحمل رقماً في الجيش الليبي بوسعه أن يكون عضواً في هذا الجيش الذي أتحدّث عنه. فهل بوسع كل عسكري ينتمي فعليّاً إلى الجيش الليبي وفي كل أنحاء البلاد أن يتواصل مع قيادته ويعلن عودته إلى الثكنات؟. هل بوسع القيادات العسكريّة أن تتواصل مع بعضها لتتفق على إعادة تشكيل الجيش الليبي من جديد من كل عسكري يحمل رقماً وليبقى كل برتبته الحاليّة لأنّنا هنا نتحدث عن "التضحية" من أجل الوطن. حينما نتحدّث عن الوطن يتوجّب علينا نسيان أنفسنا والتنازل عن طلباتنا أكثر من حقوقنا المشروعة من خلال الوظيفة. ليلتقي كل الجيش الليبي حول الوطن، ولنترك "ظرفيّاً" الشكليّات، والشخوص، والحساسيّات. لنترك الخصوصيّات مهما كان نوعها جانباً ولنركّز على "إنقاذ الوطن"... تلك هي مهمّة الجيش، ولا يمكن أن ينازعه عليها أحد.

أقترح الآتي على الجيش الليبي:
  1. على كل قيادات الجيش الليبي أينما وجدت أن تخرج على وسائل الإعلام ولتقولها صريحة وواضحة ويقينيّة بأنّ أيّا منها لا يرغب في حكم ليبيا أو تسيير شئون البلاد نيابة عن الشعب، وبأنّه سوف لن تكون هناك "ثورة للجيش" أو "إنقلاب عسكري" على السلطة... إطلاقاً. 
  2. تحديد فترة زمنيّة مقدارها 6 أشهر بالتحديد - من هذا اليوم وحتى ذلك اليوم - يتم خلالها:- 
  • إعادة رسم أسس الدولة.
  • تنظيف البلاد من المليشيات وكل حملة السلاح.
  • فرض عودة "السلطات الحالية" بدون إستثناء إلى أحجامها الحقيقيّة وإلزامها بممارسة مهامها المناطة بها بالقوّة.
  • إعادة كل المهجّرين الليبيّين والليبيّات إلى بيوتهم.
  • إرسال كل المهاجرين الآجانب إلى بلدانهم.
  • القضاء على كل السرّاق والمجرمين ووضعهم في الآماكن المناطة بهم.
  • إعلان ليبيا من جديد دولة يسودها القانون ويعمّها الآمان وتفعّل فيها الخدمات.
بعد تلك الإجراءات، يتم طرح نسخة الدستور الحاليّة بعيوبها والمآخذ التي عليها للنقاش ثم الإستفتاء الشعبي ولتكن صالحة - كحل وسط - لفترة زمنيّة مؤقّتة مدتها 5 سنوات، يتم خلالها تشكيل لجنة دستور جديدة تؤسّس لدستور دائم يقرّه الشعب... ثم بعد ذلك الدعوة لإنتخابات برلمانية ورئاسيّة وفق الدستور في كل ربوع ليبيا في حماية الشرطة ورعاية الجيش.
يقوم بعد ذلك الجيش وفي إحتفال شعبي كبير - ورمزي في تاريخ الوطن - بتسليم السلطة للسلطات المنتخبة بمجرّد إعلانها عن جهوزيّتها وبدون تأخير ولو ليوم واحد، يعود بعدها الجيش لثكناته وتمارس الشرطة مهامها، وتعطى الحريّة كل الحريّة للجهات الرقابية بأن تقوم بأدوارها بما في ذلك حريّة الصحافة، والسماح لأجهزة القضاء كي تمارس مهامها بكل حريّة وبكل إستقلاليّة.

هل مثل هكذا مشروع بالإمكان تحقيقه في ليبيا؟. نعم... وألف نعم، يمكن تنفيذه في ليبيا وفي أقل من سنة من الزمان.

2018/02/16

ثورة 17 فبراير بدأت بالبهج والأفراح وإنتهت بالبكاء والنواح

الناس تقوم بالثورة على واقعها لتغيّره، ومن أجل أن يكون التغيير مفيداً فلابّ وأن ينتقل بالناس من واقع أسفل إلى موضع أعلى. الثورة الناجحة هي من تفتح أبواباً كانت موصدة وتقفل سجوناً كانت مصيدة وتقشع سحباً كانت ملبّدة وتحرّك أجيالاً كانت مقعدة. الثورة جوهرها تعني التغيير.... والتغيير المنشود لابد وأن يكون إلى الأفضل.

لا أعتقد بأن هناك أي إثنين من الليبيّين أو الليبيات قد يختلفا على أن ما حدث في 15 - 17 فبراير من عام 2011 كان ثورة حقيقيّة قامت بها جموع الشعب الليبي من أجل الحريّة والإنعتاق وبهدف القضاء على الإضطهاد والطغيان ومساعي التوريث على حساب مصالح الشعب الليبي وعلى حساب آماله وأحلامه وطموحاته.

كان كل من شارك في تلك الثورة لايفكّر في أي شئ غير تحرير ليبيا وإعادتها لأهلها حى يعمّروها ويبنوها ويجعلوا منها حديقة غنّاء لأطفال وشباب ليبيا كي يشعروا بأن مستقبلهم هو في آمان وبأن كل أحلامهم وطموحاتهم سوف تحترم وتصان.

الذي حدث بعد إنتصار الثورة وتحقيق نقطة الإنتهاء الأولى First End Point والتي تكمن في إسقاط نظام حكم الطاغية القذّافي هو أنّه لم تكن هناك نقطة إنتهاء ثانية Second End Point لأن الثورة كانت بالفعل عفويّة وكانت شعبيّة ولم تكن لها قيادات ولم تكن لها برامج بعيدة المدى، ومن هنا فقد قفز الحقراء إلى الحلبة وبسرعة خارقة تمكّنوا خلالها من الإستحواذ على الساحة والتفرّد بالسلطة وكأنّي بهم كانوا ينتظرون تلك الفرصة السانحة كي ينتهزوها ويستثمروها لأنفسهم.

نعم.... لقد قام الشرفاء بالثورة ثم إستولى عليها الحقراء، ومن حينها لم تبصر ليبيا النور ولم تر أي إنفراج. لقد تم وأد الأمل وهو في مهده، وتم قتل الحرية حتى قبل أن تتنفّس وقهرت إرادة الشعب قبل أن تخرج إلى الوجود، وبالفعل تحوّلت ليبيا منذ تلك الأثناء إلى ساحة للأطماع وحلم لكل الطّامعين والمنافقين والدجّالين وتجّار الثورية وسماسرة الدين وكل من بخست عنده القيم ورخصت في حساباته المبادئ. لقد خسرنا كل شئ في لمحة بصر وكأنّنا لم نثر ولم نحاول تذوّق طعم الحريّة.

لقد خسرنا الثورة التي ظننا بأنّها سوف تنتقل بنا إلى عالم جديد وتدخلنا في فضاء السعادة ورحاب التقدّم. لقد خسرنا الثورة التي حلمنا بها لعقود من الزمان بمجرّد أننا قمنا بها ولم نكن حينها نعتقد بأن هناك ذئاب وثعالب كانت تنتظر من وراء كثبان الرمال لتنقضّ على الوليد الجديد بمجرّد خروجه يحبو وقبل أن يقدر على الفرار أو حتى الإحتماء. لقد كشّرت الذئاب عن أنيابها والثعالب عن خفاياها وآخافت كل من حولها لتجد أنفسها طليقة كي تسرح وتمرح وتعربد وتجندل وتفترس وتشرّد وتبعثر بدون أن يخرج لها من يوقفها أو يردعها أو حتى يخيفها.

لقد مرّت على بلادنا 7 سنوات عجاف أكلت كل الأخضر، وسرقت كل المتوفّر وعبثت بكل ما وجدت ولم تكتف بعد، فقد تجاوز نهمها ما كان في حلمها وإشتد جبروتها فوسّع ظلمها وإستشاطت حمي قيضها فحرقت كل ما علق في طريقها.

والآن... وبعد ما يزيد عن نصف عقد من الزمان نجد أنفسنا وقد تجاوزنا ما كنّا نخافه وآصابنا أضعاف ما كنا نخشى منه، فهل ترك لنا ما قد نبتهج به أو نتوق لإحياء ذكراه؟.

لا.... وألف لا، فلم يبق لنا ما قد نحتفي به... ولم يبق في آحاسيسنا ما قد نحلم به. لقد قتلوا الآمل في داخلنا والسعادة في مشاعرنا والحب في قلوبنا وتركونا هكذا كواهل بلا حياة.... وبأدنى معانى الحياة.

ولكن... هل نرفع أيدينا ونعلن إستسلامنا ونعترف بهزيمتنا ونركن لقدرنا؟. لا.... وألف لا، فسوف لن يموت الأمل في نفوسنا وسوف لن يقهر عشق الحياة في قلوبنا..... سوف حتماً ننتصر لكرامتنا، وسوف نبصق على وجوه جلّادينا حتى وإن تمادوا في إيذائنا وإذلالنا، فالحر إمّا أن ينتصر أو أنّه يموت قبل أن يحتقر أو يحقّر.

إحتساباً لما يجري الآن في ليبيا، ونتيجة لكل ذلك النهب والسلب والتخريب والتدمير والسرقة والفوضى.... فأنا بكل صدق وبكل صراحة لا أرى لليبيا حلّاً غير سيطرة الجيش الكاملة على كل ربوع ليبيا بهدف فرض الأحكام العرفية، القضاء على المليشيات ونزع كل ما عندها من سلاح، فرض القانون والنظام، محاكمة كل الفاسدين والمفدسين، ثم تجهيز البلاد لجولة أخرى من إنتخابات حرّة وبرلمان جديد تنبثق عنه حكومة وطنية تكون في حماية الجيش وأمن الشرطة ولا وجود "مطلق" حينها للمليشيات ولا لتجّار الدين أو أصحاب الأجندات. هذا هو الحل الوحيد في ليبيا الآن.

بوسعنا أن نحتفل بثورة فبراير ولكن وفق تصوراتنا لها وليس وفق تصوّرات الإنتهازيين وتجّار السلطة الجدد من مرتزقة الثوريّة وتجّار الدين ومن يقف معهم أو ورائهم.... ذلك هو الحل الوحيد المتبقي لنا في ليبيا إن كنا بالفعل نريد دولة تحتضننا وبيتاً يأوينا وملاذاّ لنا يحمي كرامتنا ويصون أعراضنا ويوفّر لنا إنتماء نعتز ونفتخر
به.