2021/03/06

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة السابعة)

كلّما تأمّل الإنسان في تركيبة ووظيفة جسمه كلّما أحسّ بأن كل ما يعرفه ليس أكثر من بعض البعض. حين التدبّر في أسرار جسمك تعرف بأن وراء الخلق خالق لم يخلقك هكذا بدون حسابات وبدون دقة في التقديرات. 
فكّرت في إختيار موضوع حلقة اليوم، وعبر بخيالي موضوعين صعب عليّ إختيار من سيأتي أوّلهما !!. فكّرت في مصانعنا الداخلية... مصانع أجسامنا... ما تنتجه لنا أجسامنا من كيميائيّات نحتاجها ونعيش بها. وفكّرت في نفس الوقت عن "الشخصيّة"... الكيان البشري... عالم الإنسان النفساني.... النفسيّة العميقة بداخلنا، ولماذا نحن نختلف.
بعد عمل حسابات في مخّي، توصّلت إلى قناعة مفادها أنّني يجب أن أتحدّث اليوم عن "مصانعنا الداخلية"... عن تلك الصيدليات التي بدواخلنا... عن الكم الهائل من الكيميائيّات التي تسيّرنا ولا نستطيع العيش بدونها.
كيميائيّاتنا التي تطوف بداخل أجسامنا هي مسيّراتنا، وهي التي أراها تدخل في نطاق "الحاثّات" أو لنقل "المحفّزات"، أو ربما من بين مصادر إنتاج الطاقة بدواخلنا. أنا هنا أتحدّث عن "الكهرباء" وأعني بها يقيناً "موّلداتنا الكهربائيّة"؛ وهي بكل تأكيد خلايا أجسامنا المنتجة للتيّار الكهربائي سواء كانت منها العصبية (الإيراديّة والغير إراديّة) أو الجسديّة بجميع أنواعها وأشكالها وقدراتها الإنتاجية للطاقة التي نحتاجها، والتي ننتجها في داخل مصانعنا من مصادر متجدّدة ومصادر متجمّدة.
موّلداتنا الكهربائيّة ومصادر وقودها
دعوني أوّلاً أتحدّث عن مصادر الطاقة بالنسبة للطبيعة المحاطة بنا، حتى تكون الصورة واضحة لنا جميعاً. الكثير يعرفون بأن مصادر الطاقة من الممكن بأن تكون متجدّدة مثل الطاقة الشمسيّة والطاقة الهوائيّة(الرياح)، الطاقة المائيّة (الهيدروليكية)، والطاقة الهيدروجينيّة المستخلصة من المياه، والزيوت النباتيّة. أما مصادر الطاقة المتجمّدة(الغير متجددة) فتشمل الفحم الحجري والفحم النباتي، المستخلصات الصخرية مثل الغاز ومشتقات البترول (نفط وديزل وبنزين ومازوت)، وما هو في مجالها.
أمّا مصادر الطاقة في دواخلنا نحن البشر والتي نستخدمها لشحن مولّداتنا الكهربائية التي في أجسامنا؛ فقد تكون هي أيضاً من مصادر منتهية الصلاحية، ومصادر متجددة. المصادر المنتهية الصلاحيّة سوف لن أتحدّث عنها؛ فهي إنتهت أو أنّها ستنتهي. أمّا المصادر المتجددة فهي إمّا أن تكون خارجية مثل الأكل والكثير من المشروبات الطبيعية، أو أنّها تكون داخلية من إنتاج أجسامنا مثل الهرمونات والمواد الكيميائيّة المختلفة والتي منها "المسيّرات" الجسدية والمسيّرات العصبيّة(المخيّة).
المهم في الأمر أن كل تلك المصادر لابد وأن تتحوّل إلى كهرباء في داخل أجسامنا كي نستخدمها، ومن يحوّلها إلى كهرباء هو خلايا أجسامنا والتي منها كما ذكرت الجسدية ومنها العصبيّة(مخ ونخاع وعقد عصبيّة، وخلايا عصبيّة متوزّعة في آماكن كثيرة من أجسامنا مثل تلك التي تنتشر في الغدة الكظريّة، والمبيضين والخصية).

المهم في الأمر هنا أنني سأعود لموضوع "الكهرباء" وطرح الأحمال من جديد !!. فكل خليّة في جسمك هي عبارة عن مولّد كهربائي صغير، وحينما تتجمّع مجموعة منها يكون بوسعها إنتاج طاقة كهربائية تقدر على تحريك عضلاتك، أو لسانك، أو جفن عينك، أو فتح وقفل مثانتك حينما تتبوّل. هناك صورة مرفقة في الأسفل تبيّن الكيفية التي تنتج بها خلايانا الكهرباء لأجسامنا.
مصانع الأدوية في أجسامنا
في داخل أجسامنا توجد مصانع لاحصر لها لإنتاج "العقاقير" التي تستخدمها أجسامنا لمقاومة الأمراض، لتخفيف الألام، لإنقباض وإنبساط العضلات، والأهم من كل ذلك... لتساعدنا على التفكير والحسابات والتخمينات وإصدار القرارات التي قد تكون مصيرية بالنسبة لكل شخص من بيننا.
العملية كبيرة ومتوسّعة ولا يمكنني حصرها هنا، وإلّا فإنّني قد إحتاج إلى مجلّدات... نعم، مجلّدات لكتابتها، أو إن شئتم أقراص مضغوطة، أو ذاكرات إليكترونية لتخزينها. أنا سوف أذكر بعض الكيميائيّات التي تدور في خلايانا العصبيّة، وهي ما يرسم معالم شخصياتنا ويتحكّم في إراداتنا ويساعدنا على حثّها وتجييرها وإستخدامها عن الحاجة إليها.

أنا هنا سوف أذكر أسماء بعض الكيميائيات التي تدور في أجهزتنا العصبيّة، وأذكر وظيفتها، لكنني سوف لن أتعمّق في هذا الموضوع أكثر من ذلك؛ وإلّا فقد أزيد من الشقّة عليكم عند قراءتكم لهذا الإدراج !!:-
  1. الأدرينالين: حث وتفرّس.
  2. النورادرينالين: كبح وتمهّل.
  3. الدوبامين: دفع وإرادة.
  4. الأسيتايل كولين: قوة ومتانة.
  5. الإندورفين: تكميم الألم، وتخديره.
  6. الإنكفالين: تسكين الألم، وتخفيفه.
  7. الدينورفين: ترويض الألم، وتحييده.
  8. السيروتونين: الريادة والثقة بالنفس.
  9. الأوكسيتوسين: الحب والغرام والملاطفة.
  10. الأوريكسين: النوم المريح والإسترخاء.
كيميائيّات الجسم التي حبانا الله بها لاتنتهي، ووظائفها تشمل كل شئ في حياتنا، وأنا مستعد للتحدّث عنها وكيفيّة تسخيرها أو تجييرها بهدف الإستفادة منها، ولكن في مستقبل الأيّام إن شاء الله. قد ربما وعسى أن أعود إليها حينما في نهاية هذه السلسلة، من خلال تقديمي بعض النصائح للقرّاء الأعزّاء كي يبنوا الثقة بأنفسهم، وكي يستطيعوا الصمود في وجه كل الخرافات والموروثات المتخلّفة التي ورثناها من تلك العصور المظلمة والتي وللأسف مازال بيننا من يصر على فرضها علينا وإجبارنا على قبولها مع أن الزمن كان قد تجاوزها منذ قرون من الزمان.
أنا سوف أكون صادقاً معكم في كل ما أحدّثكم به، وسوف لن أكتب لكم إلّا ما أعرف بأنّه حقيقي ومبرهن وخارج لتوّه من معامل الأبحاث العلمية والطبيّة بإذن الله. أتمنّى لكم لحظات سعيدة، ويوماً مليئاً بالمفاجآت السارة.

2021/03/05

السحر وتأثيره على العقل (الحلقة السادسة)

 إرادتك هي خاصّيتك، هي ملكك، هي هبة الله لك. عليك بالتعرّف عليها، البحث عن مصادرها في داخلك؛ من بعدها الإستفادة منها لتساعدك على إتخاذ المواقف. قوّة شخصيّتك تحدد ملامحها مقدرتك على إستخدام إرادتك، وفي هذا الإطار أنت من تملك الزر الذي تضغط عليه في النقلة القادمة..... وأنت من يملك الإرادة وحريّة الإختيار.

اليوم هو الجمعة كما نعرف، وفي هذا اليوم سوف أكون معكم ليّناً وهادئاً ورحيماً ومعتبراً. في هذا اليوم ليس لي إلّا وأن أتحدّث عن "العواطف"... وهل نستطيع أن نعيش بدونها ؟!.

الإرادة والخضوع.... الجهاز العصبي اللاإرادي

الجهاز العصبي اللاإرداي Autonomic Nervous System هو جهاز طرفي في واقعه يتم التحكّم فيه مركزيّاً عن طريق غدّة "المهاد" Hypothalamus في وسط الدماغ. الجهازاللاإرادي يتحكّم تحديداً في وظائف القلب والتنفّس والهضم والتبوّل والحب والغرام والتواصل الجنسي؛ وكذلك، التحكّم في بؤبؤ العين. الجهاز اللاإرادي يشمل أيضاً الكح والعطس والقئ والبلع، مع أن تلك الوظائف يمكن النظر إليها بأنّها في واقع الأمر هي خليط بين الإرادي واللاإرادي.
الجهاز العصبي اللاإرادي ربّما يمكن وصف مهمّته الجوهريّة بالمواجهة أو الهروب... مواجهة المخاطر بكل قوّة وشجاعة أو الإرتعاب وإختيار المهادنة بما يفتح الطريق نحو الهروب. بمعنى آخر، نحن هنا نتحّث عن فرض الإرادة ومقاومة التحدّيات مهما كان نوعها أو فرط الإرادة والخضوع للمؤثّرات بدافع الضعف وإختيار غرس العيون في الرمال... وهذا الجانب تحديداً قد يفيدنا حينما نبدأ في الحديث عن الجن والسحر والشيطان والإعتقاد.
الجهاز العصبي اللاإرادي يمكن تقسيمه إلى جهازين متناظرين أو متقابلين: الجهاز العاطفي Sympathetic Division، والجهاز نظير العاطفي Parasympathetic Division.

الفرع العاطفي يتكوّن من 12 عقدة عصبيّة عاطفيّة تقع على كل جانب من جانبي النخاع الشوكي في منطقة الصدر، وتتواصل كل عقدة عصبيّة من جهتها القريبة مع الجانب الحركي للنخاع الشوكي، وتتواصل من جهتها الأخرى مع العصب العاطفي الذي ينتهي في جهة تخصّصه في الغدد والأوعية والعضلات.

أمّا الجهاز نظير العاطفي فهو أيضاً يتواصل فيه كل عصب مع عقدة عصبيّة نظير لاإراديّة تنتهي عند الجهة المخصّصة له(مجال عمله)، بينما يتواصل الجزء القريب مع الجهة المرسلة والتي تنتهي في غدة المهاد.
توجد منطقتين يسيطر عليهما الجهاز نظير العاطفي، واحدة في قاع الجمجمة والجذع الدماغي، والأخرى في منطقة العجز Sacrum في أسفل العمود الفقري. الجهاز نظير العاطفي هو أكثر من يتحكّم في المخارج السفليّة من بول وبراز، وكذلك بعض الوظائف الأخرى مثل الملاطفة والمداعبة والجماع.
هناك مسمّيات أخرى قد تعكس الوظيفة لهذين الجهازين، فالجهاز العاطفي يمكن تلخيص مهمّته في العبارة: قاوم أو أرحل أو تحدّى أو إستسلم، والجهاز نظير العاطفي في العبارة: تغذّى وتكاثر أو كل وأشبع... يمكن القول أيضاً بأن الجهاز العاطفي قد يسمّى الجهاز الإستنفاري والجهاز نظير العاطفي قد يسمّى الجهاز التريّثي. التوازن بين هذين الجهازين هو في واقع الأمر ما يحدد الكثير من ملامح شخصيّتك، وهو ما يخيفك ويرعبك أو يطمأنك ويدعمك.
الجهازان قد يشتغلان مع بعض بشكل تكاملي بديع كما يحدث في التواصل الجنسي، حيث يقوم الجهاز العاطفي بوظيفة "الشحن والتسخين" ويقوم الجهاز نظير العاطفي بوظيفة "التفريغ والتبريد ثم الإرتخاء".... وأعتقد أنّكم فهمتموها.
هناك مادتين كيميائيتين ترتبطان دائماً بالجهاز العصبي اللاإرادي هما الآسيتايل كولينAcetylcholine والأدرينالين Adrenaline، لكن العلم الحديث عثر على عصبونات أليّة لا تتعامل بأي من هاتين المادتين الكيمائيّتين وبدل ذلك فإن هذه العصبونات تتعامل مع الجسم من خلال مادة اكسيد النيتريك Nitric Oxide والتي يكثر وجودها في الجهازين الهضمي والتنفّسي.
من أجل فهم الكيفيّة التي يشتغل بها الجهاز العصبي اللاإيرادي فلنأخذ هذا المثال التوضيحي فعساه أن ينقل الصورة البسيطة التي يمكن فهمها بسهولة. لنأخذ "البكاء" على سبيل المثال بما يمثّل ذلك من إستنفار للجهازين واحدٍ تلو الآخر.
في البدء وقبل الشروع في سكب الدموع، تبدأ العواطف تنهال بقوّة بما يؤدّي إلى التشنّج والزيادة في غزر العواطف، وهذا يدفع إلى ذرف الدموع؛ ومن ثمّ يبدأ البكاء الحقيقي الذي قد يطول زمنه كلّما تواصلت حاثّات العواطف بسبب تذكّر الماضي أو أحداث الواقعة التي أدّت إلى بعثرة العواطف أو ربّما لتذكّر أشياء أخرى كانت مدفونة ومسكوتاً عنها مثل الكآبة وكم "الهم" المكتوم. كذلك الشعور بالكبت والإضطهاد والحرمان والدونيّة.
المعروف أن دموع الفرح هي ليست مثل دموع الحزن، فدموع الحزن تحتوي على مواد كيميائيّة لا توجد في دموع الفرح بنفس الكمّيات من أمثال: البرولاكتين، الأدرينوكورتيكوتروبيك هرمون، ليوإنكفالين، البوتاسيوم والمنجنيز.
البروفيسور ويليام فراي، إستشاري في الكيمياء الحيوية في جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة يقول عن البكاء: الناس غالباً ما يحسّون بأن أحوالهم تحسّنت كثيراً بعد نوبة من البكاء سواء كانت قصيرة أو طويلة، وذلك بسبب التخلّص من كمية من هرمون الإحتقان(النرفزة) المسمّى كورتيكوتروفيك هرمون الذي عادة ما يخرج مع الدموع أو العرق في مثل هذه الحالات.
يقول علماء النفس، إن البكاء عادّة ما يصاحب حالة من الشعور بالعجز المطبق تجاه ما يحدث، وفي هذا تتساوى إلى حدّ ما حالات السعادة كسماع خبر مسرّ لم يكن حينها في الحسبان أو خبر طال إنتظاره بشوق، أو بالطبع في حالة سماع أخبار غير مسرّة أو الشعور بحالة إحباط كامل، أو التعرّض إلى إهانة شديدة يعجز الشخص عن الرد عليها لشدّتها فينفجر بالبكاء كرد فعل سلبي يؤدّيه الجسم نيابة عن الشخص.
ويقول إستشاريّون نفسانيّون آخرون بأن البكاء هو تعبير عن حالة العجز، ومن ثمّ فربّما يستخدم أليّاً كوسيلة لطلب العون والمساعدة لإنقاذ الشخص الذي يبكي وهو يحسّ بالعجز التام، وهذا من شأنّه أن يزرع المشاعر الإنسانية في نفوس الآخرين فنراهم يهرعون لتقديم يد المساعدة والعون للشخص المصاب، وربّما يتطوّعون للدفاع عن ذلك الشخص أو مساعدته عضويّاً بما يخفّف عليه، أو أنّهم في حالة تعرّضه للقسوة قد يتطوّعوا للتلطّف به ودعمه معنويّاً.
في حالات الإغتصاب أو التعدّي أو النصب والإحتيال، قد تفيد الدموع في إقناع المغتصب أو السارق أو المعتدي بالإحساس بالذنب فيقوم من تلقاء نفسه - بأثرالجهاز نظير العاطفي - بالإقلاع عمّا كان أيّ من أولئك المعتدين ينوي القيام به.
هناك ظاهرة كثيراً ما تعقب البكاء أو الحزن الشديد وهي الإحساس بغصّة (مثل خنق في البلعوم) وهذه الظاهرة تعرف ب غلوبس سنساشنس Globus SensationsK، وهي البلعة أو اللقمة التي يحسّ بها المحزون أو المغبون بعد البكاء؛ وهي ما يمكن توصيفها ب" إحتباس الدموع في الأحداق"، أو ربّما "البلعة في البلعوم". في مثل هذه الحالات، فإن الذي يحدث من الناحية الفسيولوجيّة هو الآتي:
في حالة الإحتقان أو الضجر أو الخوف أو التأثّر النفسي العميق، يتم حثّ الجهاز العاطفي اللاإرادي ومن ثمّ تفرز خلايا ذلك الجهاز مادّة الأدرينالين التي بدورها تدفع الإنسان إلى التحفّز بالإستعداد للهجوم المضاد أو الهروب الوقائي الذي يتم بمساعدة نظير العاطفي بكل تأكيد.... يمكن هنا تذكّر ردّة فعل الإنسان بخصوص التعامل مع وساوس الشيطان، تأثير الجن والسحر، تأثير "العين" والكتيبة و"النفّاثات في العقد" وما إليها من الخزعبلات على نفسيّة الشخص المتعرّض لها. يوجد في هذا المضمار نوعين من البشر: فمنهم من يمتلك القوّة والإرادة والثقة بالنفس فلا تؤثّر فيه تلك المؤثّرات على الإطلاق ولا يأبه بها، أو في المقابل نجد الأشخاص الضعفاء والذين لا يمتلكون إرادة أو مقدرة على قول "لا" لغياب عنصر "الثقة بالنفس" ... نجد مثل هؤلاء الناس يخافون من كلّ شئ، ويوسوسون، ويرون الشياطين أمامهم أينما ذهبوا... يعتقدون بوجود الشياطين في دورات المياه، وفي آماكن العبث، وفي صالات القمار، وفي المراقص، وفي الملاهي، وفي المسارح وأماكن عزف الموسيقى، وفي آماكن السباحة والريجيم وبقيّة صالات السعادة والترفيه على النفس. كذلك، فإنّ مثل هذا النوع من البشر كثيراً ما نجدهم يعتقدون بتأثير السحر عليهم، ويخافون من ما يعرف عندهم ب"مسّ الجن"، وهم من يرتعب في واقع الأمر من النفّاثات في العقد(الكتاتيب والأحجية)، ويؤمن هؤلاء أيضاً بالعين والفال والوشاية والتآمر وتجدهم يكرهون الغير من باب الشك والظن بأن الغير هو دائماً من يدسّ لهم ويتربّص بهم، ويكيد لهم المكائد. أمثال هذه الطوائف من الضعفاء من البشر تجدهم يرتعبون من الحشرات بشكل ملفت للنظر، ويتخيّلون كثيراً، ويوسوسون دائماً، ونادراً ما يشعرون بالآمان في أي مكان يحلّون فيه. هؤلاء البشر هم في واقع الأمر من أكثر الناس تعرّضاً للأمراض النفسيّة من أمثال جنون الإضطهاد، وإنفصام الشخصّيّة، والعصاب، والكآبة المزمنة.
إن كل ما يحدث لهؤلاء وأولئك هو في واقع الأمر عبارة عن علاقة بين الجهازين اللاإيراديّين(العاطفي ونظيره)، وكلّما تغلّب أحدهما على الآخر خرج هو الأوّل للمواجهة، وحينها ينعكس ذلك على الشخص من حيث "المواجهة" أو"الهروب". أنا هنا أتحدّث عن "التغطية" و"التعمية" و"التغليف" والخوف الغير مفسّر أو مبرّر من الوقوع في "فعل المكاره"، مثل الجلوس في بار لشرب عصير برتقال أو المرور بردهات وممرّات يباع فيها الخمر في المطارات والموانئ أو المحلّات التجارية الكبرى ك"المولات" والمغازات و"السوبر ماركتات" وما إليها بحجّة إحتماليّة "الإنغماس في فعل الرذيلة" وكأنّ الإنسان لا يمتلك المقدرة على قول "لا"، ولا يستطيع التمييز بين ما هو سليم وما هو غير سليم.
المواجهة التي أتحدّث عنها هنا ليس بالضرورة أنّها تعني مواجهة الأخطار المادّية، وإنّما مواجهة كل شئ (مادّي وحسّي ومدروك، أو خيالي لا يمكن إدراكه بالحواس)، وهذه بكل تأكيد لها إنعكاسات على شخصيّة الفرد وعقليّته وطريقة تفكيره، وبدون شك تعكس أيضاً مقدار تعلّمه وكم ثقافته، ومدى مرونته ووسع مداركه.
إستعدادات التحفّز والهجوم تبدأ بتعطيل بعض الوظائف في الجسم الغير لازمة في الهجوم بغرض الإستفادة من الطاقة المستخدمة فيها لأغراض أخرى، والمثال الرائع لذلك الفعل الإحترازي هو تعطيل الجهاز الهضمي والإستفادة من الطاقة المستخدمة هناك لدعم الجهاز الدوري (قلب وأوعية) فيساعد ذلك على ضخ كميات أكبر من الدم إلى العضلات والمخّ وتلك الكمّيات الزائدة من الدم تنقل معها الأكسجين والعذاء (السكّر) وكذلك تساهم في تعجيل سرعة دوران خلايا الدم المناعية (كريات بيضاء وليمفاوية) لحماية الجسم عند حدوث تعدّي جرثومي. مادّة الأدرينالين المنسكبة بغزارة تقوم أيضاً بفتح القصبة والقصيبات الهوائيّة للسماح لكميّة أكثر من الهواء المؤكسج للعبور ناحية الرئتين بهدف شحن الدم بأكبر كمية منه لإستخدامها في الدفاع والمقاومة. كما يشمل فعل كميات الأدرينالين المنسكبة توسيع عضلة البوّاب (لسان المزمار) في الحلق فتقفل البلع وتفتح الطريق بكاملها في وجه الهواء المنسكب إلى داخل الرئتين عن طريق الحلق.
بعد الإنتهاء من كل تلك الإستعدادات، وبمجرّد تناقص الخطر يتدخّل الجهاز نظير العاطفي ليخفّف من حدة الحث في الجهاز العاطفي مما يقلّل من كمية الأدرينالين المنسكبة، ويدفع الجهاز نظير العاطفي بكميات من مادة الأسيتايل كولين التي تؤدّي إلى فتح الطريق نحو الجهاز الهضمي ليبدأ في التشغيل من جديد بما يؤدّي إلى إستنفاذ كميّات كبيرة من الطاقة وهذا بدوره يؤدّي إلى تخفيف حالة الإحتقان والتمترس. نتيجة لتلك العمليات التنظيميّة ومساعي السلام التي يقوم بها الجهاز نظير العاطفي، يشعر المصاب بما يشبه قفل الحلق(خنق)، ويحسّ بالرغبة في التقيء، وربّما أيضاً تسريب كمّيات من الغازات إلى خارج الجسم عن طريق فتحة الشرج (التغوّط)، وربّما أيضاً تسريع حركة الأمعاء فيشعر المصاب بالرغبة في التبرّز وقد يصاب بإسهال مؤقّت وظرفي نتيجة للخوف.
كذلك فإنّه بعد إنتهاء الإستعدادات الكبيرة لمقارعة المخاطر، يتم تفعيل الجهاز الكلوي ممّا يحفّزه ويزيد من مهامه فيحس المصاب بالرغبة المتزايدة في التبوّل.. وهذه تعتبر أيضاً من بين العلامات التي تصاحب الشعور بالخوف أو الإنقباض أو الحزن الشديد. إنّها علاقة رائعة ومتناسقة بين الجهازين اللاإيراديّين (العاطفي ونظيره)، وهذا ربّما يعتبر مثالاً رائعاً لطريقة وكيفية عمل هذين الجهازين في جسم الإنسان.
ولا غرو، فإنّ كل هذه الأليّات والتفاعلات المتسارعة والمتناسقة والمبرمجة بكل إتقان إنّما هي تعكس بعض من معالم عظمة الخالق في أنفسنا.... فهل نتدبّر من خلال العلم والمعرفة واليقين بدل الإستناد إلى كلام نظري عقيم يتفنّن في حبكه شيوخ الدين الذين يعطون من معينهم المحدود والمتخلّف والمنتهية صلاحيّته؟.
وفي النهاية، أعتقد بأن حلقة اليوم ربّما تعتبر الأفضل فيما مضى لأنّها تثقيفية من ناحية ولأنّها أيضاً تعتبر تطمينيّة من نافذة "المعرفة". بكل تأكيد سوف أعود إلى هذا الموضوع مستقبلاً عندما أتحدّث عن السحر والمخاوف والإرتعابات. ولكن الأهم من كل ذلك أن هنك من طلب منّي أن طرح مواضيع تساعد في بناء الثقة بالنفس، وتشجّع على تحفيز الإرادة، وتساعد الإنسان على بناء شخصيّة قويّة تبني ثقته بنفسه وتفتح له نوافذ واسعة تطل على الحياة. أنا وعدت بأن أعود مستقبلاً في سلسلة أخرى تتعلّق ببناء الشخصيّة زكيفية الإعتماد على لنفس بدون الحاجة إلى إستخدام عقاقير طبيّة. تلك السلسلة سوف تكون أكثر إفادة لكم جميعاً، وسوف تكون أكثر رفقاً بكم وبأعضابكم من هذه السلسلة !!. يومكم سوف يكون هادئا ومطئنّاً ومليئاً بالتفاؤل بإذن الله.... تحيّاتي.