2020/10/14

ليبيّان يلتقيان حول إنجلشمان!

 حينما تعامل الناس على أنّهم بشر متساوون في الأسس البشريّة فإنّك بذلك تفتح الطريق نحو قلوبهم وتمتلك ثقتهم بك وتحوز على رضاهم عنك. عليك بأن تعامل الناس وفق القيم والأسس الإنسانيّة بعيداً عن أجناسهم أو أعراقهم أو لغاتهم أو دياناتهم وإعتقاداتهم. الناس يولودون بلا لغة وبلا دين، ولا يتحمّل أي منهم المسئوليّة عن لونه أو عرقه أو ملامحه... أو حتى إسمه الذي أعطي له بعيد ولادته. 

يوم الخميس الماضي إستلمت رسالة إليكترونيّة من "جسّيكا" إبنة كولن تطلب منّي بكل لطف وإحترام إن كان بإمكاني أن أمرّ على والدها الذي أدخل للمستشفى بسبب تسمّم دموي لم يعرف مصدره حينها.
أنا أعرف "كولن" منذ ما يقارب الخمسة سنوات، وهو إنسان طيّب ومؤدّب ولطيف بشكل يجعلك تحنّ عليه وتساعده بكل ما تستطيع. كان كولن حينها يعاني من إزدواجيّة الرؤية وعدم وضوحها، مع بعض التعب والإرهاق. وبعد الفحص عليه وإجراء بعض التحاليل المناسبة توصّلت معه إلى تشخيص حالته في فترة كانت وجيزة وبدون الكثير من الصعوبات. كان كولن يعاني من حالة مرضيّة تسمّى "الوهن العضلي الوخيم" Myasthenia Gravis. بدأت من حينها الشروع في علاجه حسب التشخيص، وعانيت معه في البداية الكثير الصعوبات للسيطرة على الحالة ممّا تطلّب الإستعانة بالكثير من الكورتيزون بالإضافة إلى البيريدوستجمين. بعد فترة من الزمن توصّلت إلى قناعة بأن الإستمرار في إستخدام الكورتيزون سوف لن يكون إختياراً جيّداً على المدى البعيد، وبذلك طرحت عليه الإستعانة بواحد من كابتات المناعة Immunosupressive Therapy، وكان الإختيار على Azathioprine بإعتباره يعد نسبيّاً من أسلمها جميعاً. بدأ من بعدها "كولن" في التحسّن التدريجي، وعبر المراجعات المتكرّرة تحوّل كولن إلى صديق محترم عندي بشكل كبير، وبدأ هو نفسه يحسّ بالإرتياح والإطمئنان، وكان أن حدّث أسرته بأن طبيباً ليبيّاً يشرف على علاجه، وبأنّه يعتبر هذا الطبيب الليبي من أحسن الأطباء الذين عرفهم في حياته... هكذا ذكرت لي إبنته في رسالتها الإليكترونيّة الأولى في مراسلة سابقة حينما أصيب أبوها بتسمّم دموي في شتاء السنة الماضية وخرج منها سليماً ومعافى.
المهم في الأمر أنّني حينما إستلمت الخبر من إبنته وعدتها بأن أقوم بزيارة له في عنبره الذي يقيم حاليّاً فيه تحت إشراف أخصائيي الباطنيّة، وسوف أقوم بما يستلزم مع أنّني سوف لن أتدخّل في علاجه إلّا وأن تكون حالته العصبيّة قد تأثّرت بالتسمّم الدموي أو أن أيّ من علاجاته المستديمة قد يكون سبباً فيما أصابه حديثاً.
قمت في البدء بمراجعة نتائج تحاليله عبر الحاسوب الذي أمامي في مكتبي، وإطمأنّيت بأنّ العلاجات التي يستخدمها للسيطرة على مرضه المزمن "الوهن العضلي الوخيم" لم يكن لها أي تأثير على نخاع العظام أو الكبد أو الجهاز المناعي، فإطمأنت وقرّرت زيارته في اليوم التالي... وبالفعل وفّيت بوعدي رغم كثرة الإلتزامات.
وفي ظهر اليوم التالي، ما إن دخلت عنبر 34 حيث يرقد كولن كما أخبرتني إبنته حتى أبصرت صديقي العزيز الذي أعتز به كثيراً الدكتور "منصور سميو"، وبطبيعة الحال جمعتنا فرصة ليبيّة أخوية تناقشنا فيها أوضاع بلادنا كالعادة وتحسّرنا على أحوال أهلنا في ليبيا، ومن بعدها قلت له بأنني أتيت لزيارة إنسان إنجليزي طيّب إسمه كولن. ضحك منصور بعفويّته المعهودة وقال لي: هو مريضي وأنا أشرف على علاجه !!. علّقت بسرعة وبدون تردّد: إذاً نحن ليبيّان ونتأمر على إنجلشمان !!.... فضحك كثيراً، وأضاف: أنا أفتخر بيك دكتور محمّد فأنت من النادرين الذين يهتمّون بمرضاهم بهذا الشكل وتتواصل معك أسرته لتقديم المساعدة بشكل إجتماعي مما يدل على ثقتهم بك وإحترامهم لك.
المهم أنّنا ذهبنا معاً لزيارة كولن في سريره ووقف الرجل إحتراماً وتقديراً لزيارتي له، وما لبث أن أعرب عن مفاجأته لزيارتي الكريمة التي يقدّرها بشكل كبير. قلت له بأن إبنته كانت قد أبلغتني بدخوله المستشفى وطلبت مني لو بالإمكان زيارته والإطمئنان على علاجه.
المهم وبينما نحن نحكي ونتسامر، قلت له بأن الدكتور سميو هو أيضاً ليبي وهو صديق عزيز أثق في كفاءته بشكل كبير، وبأنّني أحسّ بالإطمئنان على صحّته بمجرّد معرفتي بأنّه تحت إشراف الدكتور سميو. فرح هو كثيراً وبالفعل أحسّ بالكثير من الإطمئنان، لكنّني ما لبثت أن علّقت: أنت الآن يا كولن بين فكّي طبيبين ليبيين وربّما تعرف جيّداً ماذا يفعل الليبيّون ببلدهم الآن. ضحكنا جميعاً بشكل يشعرك بأننا نحن الثلاثة وكأنّنا أصدقاء عمر، لكن كولن لم يترك الفرصة تضيع سائلاً الدكتور سميو: وهل أنت من طرابلس أيضاً؟. أجبت أنا بسرعة: لا الدكتور سميو هو من بنغازي، وأنت تعرف كيف أن الغرب الليبي يتخاصم مع الشرق الليبي، ومن هنا فأنا بدأت أخاف عليك. ضحكنا مرّة أخرى، وعلّق كولن قائلاً: أنا أراكما الآن أصدقاء مقرّبين بشكل كبير، وأحسّ بسعادة لا مثيل لها بأن طبيبيّ هما من ليبيا، وأحسّ الآن بأنّني بصدق بدأت أحب ليبيا فيكما!!.
كان كولن في صحّة رائعة رغم التسمم الدموي الذي عثر الدكتور سميو على مصدره الآن وأخذ بمعالجته كما يجب. ومن حسن الحظ أن حالة كولن المزمنة لم تتأثّر بمرضه الحالي، وكان بالفعل في حالة رائعة ولم يظهر عليه التعب أو أي من أعراض "الوهن العضلي" بما في ذلك نظره الذي لم يتأثّر بمرضه الحالي بما يدل على أنّ علاجه المستدام كان ناجعاً وفعّالاً بما قاوم الإرهاق الحالي وتلك تعتبر إلى حدّ ما حالة فريدة عند مرضى "الوهن العضلي الوخيم" وأحيناً تستخدم "الوبيل" بدل "الوخيم" لمن تهمّه الترجمة !!.
بعد جلسة سريعة مع كولن لتطمينه عدت إلى صديقي منصور وجلسنا في مكتبه لنشغل أنفسنا بما يجري في بلادنا، وأذكر بأن منصور قال لي: بعد ما حدث في صبراته بدأت أحسّ وكأنّ هناك ما يشبه إتفاق بين المشير خليفة حفتر والمهندس فائز السرّاج. قلت له: إقرأ موضوعي: (( هل يوجد خلف الرواق توافق وإتفاق؟)) لتعرف بأنّّنا نفكّر بنفس الطريقة ممّا يدل على أنّ معاناة الوطن تشغلنا بنفس القدر.
هناك كلاماً أخر قيل عن المهندس فائز السرّاج من خلال تجربة شخصيّة معه من قبل منصور، وأقولها بصدق أعجبني كثيراً ما قاله صديقي منصور عن المهندس السرّاج وأحسست حينها بأنّنا ربّما بدأنا نتنفّس الصعداء بخصوص مآل الأحداث في ليبيا.... فلنبقى على الأمل، ولنفتح باب الأحلام والأماني من جديد فالغد قد يكون أحسن بكثير من الأمس. طابت ليلتكم.