2013/02/26

التداوي بالأعشاب

من أجل نشر ثقافة صحيّة سليمة لدى المواطنة والمواطن الليبي 

الأعشاب الطبية يكاد لا يخلو أي بيت من وجودها، بل إن كثيراً من الناس يتناول خلطات الأعشاب كعلاج لكل داء وأصبح العلاج بالأعشاب لدي بعض الناس الملاذ الآمن والبديل المناسب للطب الحديث.
الأعشاب الطبية انتشرت في كل مكان فنجدها في الشارع تباع علي الأرصفة، ونجد بعض الناس حينما يعاني من بعض الأمراض فيتّجه للعطّار يشكو من عرض معيّن ويعطيه العطّارمجموعة من الأعشاب قد تصادف أنها تعالج ولكنها دائماً غير سليمة لأنه يجب أن يفرّق المريض بين الطبيب والعطّار والصيدلاني. الطبيب هو من يعالج المريض وليس المرض، أما العطّار والصيدلاني فإنّ كلّ منهما يعالج المرض أو الشكوى المرضيّة بدون البحث أو حتّى التفكير في أسبابها. فعلى سبيل المثال، إذا إشتكي أحد من صداع بالرأس فإنّ الدواء الموصوف من العطار أوالصيدلاني سوف يكون عبارة عن مسكّن للصداع ليس إلاّ، أمّا الطبيب فإنّه قبل أن يكتب أية وصفة دواء فإنّه يقوم بعمل الأتي:
1- يسأل عن التاريخ المرضي للمريض بكلّ دقّة، وقد يبدأ ذلك التاريخ المرضي من بداية ولادته وحتّى فترة شكواه.
2- يقوم الطبيب بعد ذلك بعمل فحص شامل بداية من شعر رأسه إلي نهاية أصبع قدمه.
3- يقوم بعد ذلك الطبيب بدمج التاريخ المرضي مع الدلائل الحسيّة فيتوصّل إلى عمل قائمة صغيرة بالإحتمالات المتوقّعة لأسباب الشكوى.
4- بعد ذلك قد يحاول الطبيب التوصّل إلي التشخيص عن طريق عمل بعض الفحوصات الطبية المناسبة.
5- بعد التوصّل إلى التشخيص يقوم الطبيب الحاذق بوصف العلاج المناسب.
6- يشرح الطبيب للمريض الكثير عن مرضه، عن العلاجات المتاحة، عن المضاعفات الجانبيّة المحتملة، وعن البدائل في حالة حدوث مضاعفات أو حين يفشل العلاج في تخفيف الألم أو إبعاد سببه.
 وهذا هو الفرق الهائل بين الطبيب والعطّار والصيدلاني..... كما تجب الإشارة هنا بأنّ الاتّجاه الطبّي السائد في العلاج أغلبه يعتمد على العلاج الكيميائي، لكن بعض المدارس الطبيّة أصبحت تميل إلى إستعمال الأدوية المصنّعة من مستخلصات الأعشاب الطبيعية، وهناك مصانع أدوية كاملة تكون الأدوية فيها مصنّعة من الأعشاب الطبية فقط، وهناك شركات أدوية مصنّعة تعتمد على الأعشاب الطبيّة في تصنيع عقاقيرها مثل شركة فايتوفارما.
كما تجب الإشارة إلى أنّ هناك فرقاً كبيراً بين هذه الأدوية وتلك الأعشاب التي تباع عند العطّار أو علي الرصيف، حيث إن هذه المصانع تصنع الأدوية من الأعشاب بعد التخلّص من الأضرار الجانبية لها حتي تكون كلّها ذات فائدة مع التقليل بقدر المستطاع من أي مكوّنات ضارّة، كما أنّ الأدوية المصنّعة كيميائيا أو نباتيّاً تمر بمراحل تمحيص وبحث ومراقبة دقيقة جدّاً قبل أن تعطى رخصة للإستعمال البشري من قبل جهات إعتباريّة مهمّتها الوحيدة مراقبة كل دواء جديد على وجه الخصوص.ومن هنا فإنّنا كأطبّاء ندعو الناس عند وجود أي شكوي مرضيّة التوجّه إلي الطبيب وليس الصيدلاني أو بائع الأعشاب والخلطات النباتيّة، حتي يجنّبوا أنفسهم التكاليف الباهظة لبضاعة قد تضرّهم قبل أن تفيدهم، إن أفادتهم على الإطلاق.

وعن سلبيات الأعشاب يقول الدكتور عز الدين الدنشاري أستاذ الأدوية والسموم بكلية الصيدلة جامعة القاهرة: إن الدراسات التي أجريت على الكثير من الأعشاب غير كافية كما أن المعلومات التي نشرت عن معظمها غير مستندة إلى الأسس العلمية، حيث أنّه من المعروف أن معظم بحوث الأعشاب تنشر في مجلات غير علمية، وهذا يثير الشكوك في مدى فاعليتها، كما أن الأدوية المصنّعة تجرى عليها دراسات قد تصل إلى 15 عاماً لمعرفة مدى فاعليتها، كما أنها تخضع لإجراءات كثيرة من البحث والمتابعة والرقابة وخاصة رقابة جودة المنتج الدوائي، بحيث تتحقق فاعلية الدواء في علاج المرض بأقل أضرار ممكنة ، ولكن الغالبية العظمى للمنتجات العشبية لا تخضع لمثل هذه الإجراءات نظراً لأن الأعشاب لا تخضع لإجراءات الرقابة والجودة .
وعن الأعشاب ومخاطرها يتحدث سالم عبد الله ( وهو مواطن سعودي) عن تجربة عايشها وعانى بسببها كثيراً، ويحكي هذه المعاناة قائلا: أصيبت زوجتي بفشل كلوي وعانت من الغسيل الكلوي كثيرا، فأشار عليَّ بعض المعارف أن أذهب إلى طبيب أعشاب معروف في جدة، وتوجّهت إليه وهناك أحضر لي خلطة خاصة تتكون - حسب قوله -  من عسل وإضافات أخرى، وفوجئت بأن ثمنها يبلغ 600 ريال وبعد إلحاح أخذت منه عينة للتجربة ثمنها 150 ريالاً، وتمنّيت أن يكون مفعولها جيداً، لكن بعد تناولها بيومين دخلت زوجتي في غيبوبة فهرعنا بها إلى المستشفى، وهناك تم إنقاذها بأعجوبة، حيث أجروا لها الإسعافات اللازمة وأفاقت من غيبوبتها وأستقرت حالتها ولله الحمد، وأخبرنا الأطباء أن سبب هذه الغيبوبة هو ارتفاع "البوتاسيوم" في الدم بسبب أخذها أعشاباً غير معروف محتواها، ولم يشرف على إعدادها متخصّص.
وقال أحد الصحفيّين: سألت أحد باعة الأعشاب عن أفضل نوع لأعشاب التخسيس، فأحضر لي كيساً بداخله مسحوق وأخبرني بأن هذا الدواء "مُميزٌ" و"مُجربٌ"، فسألته عن مكوّناته فتلعثم، ونادى زميله وطلب منه إخباري عن مكوّنات هذا المسحوق وقال: هذه الخلطة عبارة عن عسل وإضافات عُشبية، ومصنوعة خصّيصا بواسطة طبيبنا في لبنان، وتأخذ معها زجاجة خل طبيعي. وعن طريقة إستعماله بادرني بقوله: يُعتبر هذا الدواء سحراً في العلاج، ولكن للأمانة لن تحسَّ بمفعوله إلا بعد أسبوعين من إستعماله، وسينقص وزنك من كيلو إلى كيلوين في الأسبوع، وعن طريقة تناوله قال: يؤخذ المخلوط مرتين قبل الأكل الدسم بساعة، ثم بعد الأكل تشرب ملء غطاء من زجاجة خلّ التفاح، وستجد الفرق، وللعلم هذه الكمية تكفي لشهرين، ثم مدَّ يده وتناول زجاجة صغيرة بها حوالي 50 ملل من الشراب لونه بني، وقال هذه خلطة سريّة "مقوية للجنس"، وتؤخّر عملية القذف وهذا علاج مُجرَّب ويطلبه كثيرون لمفعوله الأكيد، وقال: لا تخف فمكوّناتها من الأعشاب الطبيعيّة، وبسؤاله عن مكوّناتها وأضرارها قال: هذا سر المهنة، وأكد بثقة الخبير عدم وجود أضرار لهذا الدواء إطلاقًا !.
في دراسة جديدة أجريت في جامعة أيوى الأمريكيّة تم نشرها في عدد يونيو2011 من "مداولات عيادة مايو" الشهيرة أبانت كم هو منتشراً التعالج بالنباتات الطبيّة في أمريكا، حيث يستعمل ما يقارب 27% من الأمريكيّين النباتات الطبيّة كعلاج عوضاً عن الأدوية والعقاقير الكيميائيّة.  
أصدرت "إدارة الدواء والطعام الأمريكيّة" في عام 2002 تحذيراً بخصوص الخطر المحدق بخلايا الكبد جرّاء إستعمال "جذور الكافا" التي تعتبر من بين الأعشاب الطبيّة ال 10 الأكثر إستعمالاً في أمريكا. وفي عام 2004 منعت نفس الإدارة إستعمال النبات الصيني الشهير المسمّى "إيفيدرا" الذي يستخدم بكثرة في أمريكا لإنقاص الوزن بعد أن كان سبباً في وفاة أكثر من 100 حالة من المستخدمين له. ومنعت كذلك خلطة علاج نباتي هنديّة وجنوب أسيويّة حيث وجد بعد التحليل أنّها تحتوي على معادن ثقيلة خطرة على الصحّة منها الرصاص والزئبق.    
البروفيسّور روجر بيارد نشر ورقة طبيّة في "جريدة العلوم الشرعيّة" الأمريكيّة في عام 2010 لخّص فيها الطبيعة عالية التسمّميّة للكثير من المواد العشبيّة التي تستخدم في العلاج في أنحاء واسعة من العالم على إعتقاد سائد بأنّها صالحة للإستعمال الإنساني وهي سليمة 100%.
قال البروفيسّور بيارد " يوجد إنطباع خاطئ لدى عموم الناس بأنّ التداوي بالأعشاب الطبيّة يعتبر أكثر أماناً من الأدوية المصنّعة (الكيميائيّة) ولكن في الحقيقة إنّ هذه الأعشاب والخلائط العشبيّة المستخدمة في التداوي تحتوي على تركيزات عالية من المواد الخطيرة على الصحّة مثل الخارصين والزئبق والرصاص، وهي كلّها عناصر سامّة". هذه العناصر – كما يقول البروفيسّور بيارد – من الممكن أن تسبّب أمراضاً خطيرة، أن تحفّز حالات مرضيّة معاشة، أو من الممكن أنّها تؤدّي إلى الوفاة، خاصّة إذا أخذت بكميّات كبيرة أو تم حقنها بدل تناولها بالفم.
البرفيسّور بيادر نبّه أيضاً إلى مضاعفات أخرى قليلاً ما ينتبه إليها المهتمّين بسلامة التداوي بالأعشاب وهي عمليّة التفاعل بين مكوّنات هذه الأعشاب وأدوية أخرى قد يكون الشخص يتناولها لعلاج أمراض أخرى وخاصّة حبوب الورفارين، والديجوكسين، وعلاجات الكآبة.... كذلك حبوب منع الحمل.

وختاماً.... في تحليل علمي ل251 مستحضر عشبي أسيوي مجهّز للإستعمال كعلاج نباتي أو علاج بديل في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وجد أن 36 خلطة تحتوي على مادة الخارصين القاتلة، و35 منها تحتوي على عنصر الزئبق السام، و24 منها إحتوت على عنصر الرصاص الذي يؤدّي إلى التخلّف العقلي مع مضاعفات أخرى تؤثّر على تركيبة العظام والأسنان. إحدى هذه الحالات وصفت لطفل عمره 5 سنوات تناول 63 جراماً من خلطة فيتامينات مجلوبة من منطقة التبت خلال فترة زمنيّة مدتها 4 سنوات. هذا الطفل تم تشخيصه بعد التحاليل الكيميائيّة بأنّه يعاني من تسمّم رصاصي خطير. 

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك