2013/01/19

الخدمات الصحية في ليبيا ومحاولات التغيير

تمهـيد
تعتبر خدمات الصحة وما يتعلّق بها ربّما من أهم الأهداف الحيويّة لأيّ دولة تهتم بمواطنيها وتعمل على إسعادهم وتيسير سبل الحياة لهم.
هناك جدال مستمر بين الطبقات المثقّفة والكوادر الوظيفيّة وصنّاع القرار بخصوص ترتيب الأولويّات حين يبدأ التخطيط لأية مشاريع بناء أوتطوير في أي بلد، ونقاط الإختلاف عادّة تكون حول سلّم الأولويّات: ما الذي يأتي على رأس هذا السلّم الذي تعتبر كل درجة فيه بنفس القدر من الأهميّة مع الأخرى، خاصّة عندما يتعلّق الأمر ببلد مثل ليبيا التي خرجت لتوّها من أتون حكم شمولي متخلّف فوجدت نفسها تعاني من تبعات ممارسات خاطئة وفوضويّة تعوّد الناس على مشاهدتها وممارستها وحصد نتائجها لأكثر من أربعة عقود من الزمان بما يعني ذلك من إنتاج أجيال تتلمذت على نفس الثقافة وتعوّدت على النمط من الفساد المتعمّد والتحرّر من أية عمليات محاسبة أو مراجعة أو متابعة أو أية نوايا للتغيير نحو الأحسن؟. سلّم التغييرات كما ذكرت تتنافس عليه الكثير من الأولويّات مثل الأمن والتعليم والصحّة والأمن الغذائي وغيرها كثير... وفي هذا الخضم قد نختلف على تحديد أولويّاتنا، لكنّني إعتقدت بأن الصحّة – بعد الأمن – تأتي في أعلى درجات هذا السلّم للكثير من الأسباب الوجيهة والمنطقيّة.
على المدى القصير( عدّة أشهر) قد أتفق مع القائلين بأن الأمن لا بدّ وأن يصعد إلى أعلى درجات سلّم الأولويّات، فأمن المواطن هو من أمن البلد، وأمن البلد يحقّقه رجال الجيش والشرطة والمخابرات وليس رجال الصحة. قد يقول قائل إن الأمن يأتي قبل توفير أية خدمات ذلك لأن توفير تلك الخدمات والحفاظ على إستمراريتها يعتمد في الأساس على توفير الأمن والأمان وبذلك فإن أمن البلد وأمن المواطن لا يمكنهما الإنتظار، ولكن قد يكون  بإمكان الخدمات الصحيّة أن تقف في طابور الأولويّات بعد ذلك مباشرة؛ وتلك هي وجهة نظر مقبولة ومنطقيّة وواقعيّة على الأقل في الأمد القريب.
هناك أيضاً من ربّما سوف يقول بأن التعليم يعتبر أولويّة قصوى وقد يسبق الصحة على أساس أنّه لا تعليم صحّي ولا خبرات صحيّة بدون تعليم عام. كذلك فإن التعليم هو بدوره يتعلّق بحياة وراحة كل إنسان على أرضنا الحبيبة، لكنّني قد أرد على مثل هذا الرأي بأن الإنسان المريض إذا ترك بدون علاج فإنّه لا محالة سوف يموت إلا النادر المحظوظ، أمّا إذا ترك إنساناً بدون تعليم فإنّه بكل تأكيد لن يموت بسبب ذلك بل إنّه ربّما يبحث عن وسائط أخرى يتعلّم من خلالها ما يفيده في حياته إلى أن تتوفّر له المدرسة والمعهد والجامعة.
من هنا فإنّني أرى بأن صحّة المواطن وعافيته تعتبر أولويّة قصوى ويمكن إعتبارها أوّل الأولويّات بعد الأمن مباشرة.

البنية التحتيّة للخدمات الصحيّة في ليبيا
حاولت البحث في سجلاّت ووثائق ما كان يسمّى ب"اللجنة الشعبيّة العامة للصحة والبيئة" عن طريق الإنترنت لكنّني لم أجد شيئاً يمكنني الإعتداد به أكثر من القول بأن عدد المرافق الصحيّة الأوليّة مثل العيادات المجمّعة والمستوصفات ومستشفيات المناطق العموميّة لم يتعدّى 1500 مرفق في بلد واسع الأطراف شاسع المسافات بين الكثير من مدنه وقراه. كما أن الحالة التي كانت ولازالت عليها هذه المرافق يرثى لها، فالكثير منها عاطل عن العمل والكثير الآخر مازال تحت الصيانة ولعدة سنوات بدون إحداث أيّ تقدم يذكر.
هناك أيضاً عامل إنعدام الصيانة لهذه المباني والمنشآت، عدم تهيئتها من حيث البدء لتكون صالحة للظروف الجويّة سواء في ذلك حرارة الصيف الشديدة أو برد الشتاء القارص. كما أن هذه المنشآت لم تبنى بطريقة تحمي محتوياتها من السرقة والنهب، والكثير منها لم يكن مخطّطاً لها بأن تأوي الحالات الطارئة أو أن تستطيع تقديم خدمات علاجيّة سريعة تكفي لإعداد المريض للنقل لمرافق صحيّة أكبر. هناك أيضاً غياب واضح للإهتمام بالمستوصفات نظراً لأن التخطيط المبدأي كان بأن تقوم هذه المستوصفات بتقديم خدمات علاجيّة محدودة جدّا كالعناية بالجروح والإصابات البسيطة أو ربّما قياس سكر الدم وبعضها يمكن من خلاله تقديم خدمات الأمومة والطفولة المتواضعة جدّاً. الكثير من هذه المستوصفات لا توجد بها خدمات أشعة أو تخطيط القلب أو صيدليّة، ولا يوجد بها طبيباً مقيماً أو حتى بدوام منتظم حلال الفترة الصباحيّة.
مستشفيات المدن لا تختلف كثيراً عن المستشفيات القرويّة، وهي كلّها بدون إستثناء في حاجة إلى صيانة وإعادة تأهيل بما يتماشى مع التطورات الحديثة في التطبيب والعلاج. الخدمات الأخرى المكمّلة لمهمّة الطبيب مثل العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل وعلوم التغذية هي كلّها غير متوفّرة نظراً لإعتبارها في ذلك الوقت غير ذات قيمة علاجيّة في تفكير من كان يخطّط للخدمات الصحيّة في بلادنا.
مستشفيات المدن الكبرى هي بدورها تفتقر إلى أساسيّات المرفق الصحّي في بلد يعتبر طقسه ساخناً معظم أشهر السنة مع غياب شبه كلّي لعمليّات الصيانة الطارئة والروتينيّة. هناك مشكلة أخرى تخص البنية التحتيّة في ليبيا وهي الإختيار العشوائي لهذه المراكز الصحيّة "الكبرى" وغياب التخصّص في خدماتها.

الجانب البشري للخدمات الصحيّة في ليبيا  
حاولت أيضاً من خلال الإنترنت إيجاد إحصائيّات أو أرقام عن أعداد ومؤهّلات العاملين في القطاع الصحّي لكنّني وجدت بعض المعلومات الجزئيّة جلّها من السهل التشكيك في مصداقيّته.
بلغ عدد العاملين في قطاع الصحّة حسب تقارير عام 2008 حوالي 100,000 منهم ما يقارب من 30,000 موظّف تحت بند "عناصر التمريض".
كذلك حين بحثت عن عدد الأطباء العاملين في قطاع الصحّة لم أتمكّن من العثور على أرقام يعتد بها، أمّا أن تعرف التخصّصات أو المؤهّلات فتلك ربّما تحتاج إلى مشروع بحثي متكامل يشمل مقابلات شخصيّة لكل الأطباء العاملين في القطاع الصحّي في ليبيا نظراً لغياب سجلاّت توثّق هذه المعلومات أو لأن التعيين كان يتم بعلاقات شخصيّة وليس من خلال التقدّم لشغر وظائف معلنة من خلال السيرالذاتيّة ومقابلات التعيين للوظيفة من قبل لجنة متخصّصة لذلك الغرض.
المعلومات التي عثرت عليها تقول بأن عدد الأطباء العاملين في ليبيا حسب عام 2009 كان قد بلغ 10,230 طبيباً وطبيبة، منهم 8,612 من الليبيّين والبقيّة أجانب. هذا يجعل لكل 17 طبيب 10,000 مواطن ومواطنة وهي نسبة من الناحية النظرية عالية جدّاً وقد تقاس بسمتويات الكثير من الدول المتقدّمة.
بلغ عدد المستشفيات العاملة في ليبيا حسب عام 2009 ما مجمله 96 مستشفى بها 20,289 سريراً، منها 18 مستشفى مركزي، 21 مستشفى عمومي، 32 مستشفى قروي، والبقيّة مستشفيات خصوصيّة أو تابعة لجهات أخرى.كما توزّعت بقيّة البنى التحتيّة لمرافق الصحّة على الوجه الآتي: 37 مصحّة، 15 عيادة مجمّعة، 1355 مستوصف ومركز صحّي.

الإنفاق على الخدمات الصحّية
أرقام الإنفاق على الخدمات الصحيّة في ليبيا يمكن العثور عليها ببعض الصعوبات، لكن المشكلة هنا تكمن في الفرق والتناقض في معظم الأحيان بين المسجّل على الورق وبين ما يصل فعليّا للمرافق الصحيّة التي تقدّم خدمات للناس. هناك عوامل أخرى منها الإحتيال والغش والتلاعب بالأرقام ومنها العمولات والرشاوي وأموال تنفق تحت بنود مائعة وأموال أخرى تذهب من هنا وهناك لا يتم توثيقها في سجلاّت.
إنفاق ليبيا على الخدمات الصحيّة بلميارات الدولارات خلال العقد الماضي (البنك الدولي)

متوسّط إنفاق ليبيا على قطاع الصحة خلال العقود الأربعة الماضية (ملايين الدولارات)

ويجب التذكير بميزانيّة الصحّة لعام 2012 والتي بلغت بلغت 4 مليار دينار ليبي، ولكن لم نرى أي مردودات ذات قيمة لهذه الميزانيّة الضخمة التي يجب تتبّع كل بنود وسجلاّت إنفاقها إن وجدت.

التعليم الصحّي والتدريب السريري
أنشئت أوّل كليّة للطب في بنغازي عام 1970 وأخرى في طرابلس عام 1973. كان عدد دفعات كل كليّة للسنة يتراوح بين 70 – 100 طالب وطالبة، وظلّ هذا الأمر كذلك حتى 7 أبريل 1976 حيث قرّر "القائد" بعد ذلك بأنّه في ظل "سلطة الشعب" فإنّه لم يعد من حق أية كليّة جامعيّة أن تضع ضوابطاً أو شروطاً لقبول الطلبة بها. أمر الطاغية القذّافي كلّيات الجامعة بأن تسمح بقبول كل راغب في دراسة الطب بدون شروط أو ضوابط أو تمايز.
على إثر ذلك بدأت كليّات الطب في كل من طرابلس وبنغازي تستقبل من 500 – 1000 طالب وطالبة في السنة، وبلغ عدد المسجّلين في كليّة طب بنغازي عام 2009 أكثر من 6000 طالب وطالبة.
كما تم التوسّع في إنشاء كلّيات الطب في مختلف مناطق البلاد حتى بلغ عددها 9 كلّيات وكليّة عاشرة تتبع "الجامعة الدوليّة للعلوم"، حتى بلغ عدد المسجّلين في جميع كليات الطب الليبيّة في عام 2009  إلى ما يزيد عن 26,000 طالب وطالبة.  بلغ عدد الأطباء الليبيّين المتخرجين من كليات الطب الليبيّة ما مجموعه 20,000 طبيب وطبيبة.
بكل تأكيد كان الإهتمام بالكم وليس بالكيف، ومن هنا فإنّنا من السهل أن نتصوّر الكيفيّة التي تعلّم بها كل هؤلاء في ظل نواقص حادّة في كل مستلزمات التعليم والتدريب. هذه الأعداد المأهولة من الأطباء والطبيبات تحصّل أصحابها على رخص لممارسة مهنة الطب ولكن لم يتحصّلوا على التدريب الكافي ولا على الأهليّة السريريّة لممارسة المهنة، فساهم ذلك في تدنّي مستوى الخدمات الطبيّة في بلادنا وخلق بوناً كبيراً بين من يقدّم الخدمات ومن يستقبلها.. أي بين الطبيب من ناحية والمريض من ناحية أخرى، مما أدّى إلى فقدان ثقة الليبي والليبيّة في طبيب البلد نتيجة لكثرة الأخطاء التي حصلت ونتيجة للإخفاقات الكبيرة  من قبل الأطباء الليبيّين للبرهنة على أنهم بقدر المهمّة الموكولة إليهم. بدأت زرافات الليبيّين والليبيّات على أثر ذلك تذهب إلى تونس ومصر والأردن وغيرها من دول العالم باحثة عن علاج ناجع من أطباء غير ليبيّين لأن ثقة الليبي في إبن بلده وصلت إلى الحضيض. هناك عامل آخر ربما كان قد ساهم في زيادة نقمة المواطن على الطبيب الليبي وهو جري الكثير من الأخصائيّين الليبيّين وراء عمليات الإثراء السريع والكسب الحرام بجميع أشكاله وروافده.
غياب عامل الثقة هذا قد يحتاج إلى أكثر من عقد من الزمان لإعادته وقد يحتاج إلى جيل بأكمله. 

الأطباء الليبيّون في الخارج
لا توجد إحصائيّات دقيقة عن عدد الأطباء والطبيبات الليبيّين الذين يقيمون ويعملون خارج الوطن في الوقت الحالي ولا عن نوعية تخصّصاتهم. سمعت بأن هناك العديد من المحاولات لعمل قاعدة بيانات تشمل كل أطباء ليبيا في الداخل وفي الخارج، وقاعدة بيانات عن أطباء الخارج فقط لكنّني لم أتمكّن من إيجاد أي شئ ذي قيمة في هذا الخصوص بعد بحث مضني وطويل في شعاب ووديان الإنترنت. فرجائي إن كان هناك من يقوم بمثل هذه المهمّة أن يحاول التواصل معنا فعسانا أن نتعاون في هذا المجال الحيوي الهام بالنسبة لليبيا وخاصة في الوقت الراهن.
يقال بأن عدد الأطباء والطبيبات الليبيّون المقيمون في الخارج كان قد بلغ أكثر من 5000 متوّزعين في بريطانيا، أمريكا، كندا، ألمانيا، أستراليا، دول أسكندينافيا، دول الخليج العربيّة، وبعض دول العالم الأخرى. بكل تأكيد نحن في أمسّ الحاجة لمعرفة المزيد عن هذه العقول الليبيّة صاحبة التخصّصات الرفيعة والخبرات الكبيرة بهدف الإستفادة من خبراتها لبناء قطاع الصحّة في بلادنا.
عقول ليبيا في الخارج هم ذخر ليبيا وثروتها الثمينة جدّاً والتي لا يمكن قياسها بثروة النفط والغاز وبقيّة ثروات بلادنا الماليّة. بالعقل يمكنك صناعة المال والثروة، ولكن لا يمكنك أبداً بالمال شراء عقول أو إنتاجها في صفقة تجاريّة أو إتفاقيّة ثنائيّة مع أية دولة من دول العالم أو منظمة عالميّة مرموقة.
عقول ليبيا في الخارج هم جسر عبورها نحو المستقبل، وهم جسر تواصلها مع بلاد العالم المتقدّمة التي نحن في أمسّ الحاجة إليها في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور إن كنّا بالفعل جادّين في محاولاتنا للقضاء على التخلّف وبناء دولة عصريّة متحضّرة تهتم بمواطنيها وتغار على كرامتهم ونظرة العالم من حولهم نحوها.
أطباء ليبيا في الخارج يمتلكون من الخبرة والقدرة على دفع عجلة التغيير أكثر بكثير مما يمكن أن يتصوّره أي موظّف أو مسئول في ليبيا. هذا الكلام الذي أكتبه أنا هنا هو كلام واقعي وحقيقي وليس مجرّد خيالات وتصوّرات لأنّني أنا منهم وأعرف يقيناً مقدرة أبناء وبنات بلدنا على الفعل والتأثير وديناميّة كل منهم من حيث تملّكهم للثقة بالنفس، وإمتلاكهم لخبرات مهنيّة وإداريّة كبيرة جدّاً ممّا يمكّنهم من أخذ زمام المبادرة والشروع في التفكير الإستباقي لغد أبعد مما قد يتصوّره من لا يعرف كثيراً عنهم. أطباء ليبيا في الخارج أيضاً يمتلكون خبرات أكاديميّة من حيث التعليم الجامعي وما بعد الجامعي (دراسات عليا) وذلك في مجالات البحث من حيث الإشراف والتوجيه والتخطيط لمشاريع بحثيّة عمليّة بما يخدم التعليم الجامعي وما بعده في بلادنا. هناك أيضاً الكثير من العقول الليبيّة المهاجرة من يمتلك خبرات إداريّة كبيرة في مجال الخدمات الصحيّة والتعليم الصحّي.
وخلاصة القول وبدون أية مبالغة إن ثروة ليبيا الحقيقية تكمن في عقولها المهاجرة، وهذه الثروة يجب جذبها للعودة لداخل الوطن مهما كان الثمن المنظور لأنّ هذه العقول تعتبر مشروعاً إستثماريّاً مربحاً لبلدنا في المدى القصير والطويل، وهذا المشروع مضمون المردود من جميع النواحي وسوف لن يكون مكلّفاً كثيراً مهما أنفقنا عليه لو فكّرنا بعقليّة إستراتيجيّة تنظر إلى الأمام لعشرات السنين.
المهاجرون الليبيّون والليبيّات في الخارج كانوا خليطاً بين من تم إيفادهم في عهد الطاغية لإكمال دراساتهم في الخارج وكنتيجة لتفوّقهم وحصولهم على فرص جيّدة ومستدامة للعمل قرّروا البقاء خارج الوطن لأسباب تتعدّى الحصول على فرص للعمل والتمتّع بمستوى معيشي ومعنوي راقٍ، وقد تمتد أطرافها لتتشابك مع أسباب قيام ثورة 17 فبراير من جبروت وطغيان عهد المقبور القذّافي وأزلامه الذين كانوا من أهم الأسباب لإختيار هؤلاء البقاء خارج الوطن.
الطبقة الثانية من المهاجرين والمهاجرات تتكوّن من أولئك الذين صبروا وعانوا في داخل البلد ولم يحفل بمستقبلهم أحد فبلغ بهم اليأس مبلغه حتى قرّروا المجازفة بالخروج على حساباتهم الخاصّة. هؤلاء يجب إنصافهم بالقول إنّهم ربما يعتبرون من أكثر المهاجرين جديّة ومثابرة وإصرار على بلوغ الغاية. إن جدّية هؤلاء الأطباء والطبيبات وقوّة المثابرة عندهم مكّنتهم من التقدّم  كل في مجاله\مجالها المهني بسرعة كبيرة بعيد حصولهم على مؤهلات تمكنهم من ذلك. هذه الفئة من العقول الليبيّة المهاجرة قد نجدها أكثر إصراراً للبقاء خارج البلد نتيجة لشدّة المعاناة قبل وبعد الحصول على مؤهّلات عالية، ولذلك فهم ربما يعتبرون من أكثر المرتابين من العودة السريعة لأرض الوطن مهما كانت الدوافع الوطنيّة والإجتماعيّة.
هناك عوامل تجمع بين المبعوثين على حساب الدولة والخارجين على حساباتهم الخاصّة منها على سبيل المثال عوامل إجتماعيّة (سكن، مواصلات، تواصل، تعليم أطفال)، وكذلك عوامل مهنيّة منها رداءة الخدمات في ليبيا وإنعكاس ذلك على أداء هؤلاء الذين تدرّبوا وإشتغلوا في ظروف مختلفة عمّا هو متوفّر في ليبيا من حيث الإدارة والخدمات التكميليّة في مهنهم التخصّصيّة، وهناك أيضاً عوامل أخرى منها بعض الحساسيّات من زملائهم العاملين بالداخل وتلك قد تخلق لهم الكثير من المتاعب المهنيّة وربما الإجتماعيّة أيضاً لو لم يتم ترطيب الأجواء مسبّقاً وبناء ثقة متبادلة بين الطرفين على أن العلاقة المستقبلية سوف تكون مهنيّة صرفة بعيداً عن التنافس على الوظائف أو المراكز القياديّة في إطار الخدمات الصحيّة في الدولة.

ما هي الحلول المقترحة؟
بالنظر إلى الطرح السريع المشار إليه عاليه، وبإعتبار أن قطاع الخدمات الصحيّة يعتبر من أكبر قطاعات الدولة على الإطلاق وربّما أعقدها لذلك فإن التحدّث عن الحلول يعتبر مخاطرة كبيرة من المؤكّد بأن شخصاً واحداً مهما حاول أن يتعبقر سوف لن يتمكّن من الإلمام بمشاكل ومتطلّبات هذا القطاع فما بالك بالمقدرة على لمّ أطرافه المبعثرة. مجموعة صغيرة مهما كانت حاذقة ومهنيّة هي بدورها سوف لن تكون بقادرة على طرح الحلول الناجعة لهذا المرفق الحيوي.
قطاع الخدمات الصحيّة هو شأن يهم كل الليبيّين والليبيّات وبذلك فإن الحلول لمشاكل الصحة في بلادنا والتخطيط المستقبلي يجلب أن تأتي من مقدّم الخدمات (المهنيوّن) ومستقبلها (المواطنون) من خلال برنامج تكاملي بين الطرفين يعتمد على أسس التحاور والتواصل من خلال الندوات واللقاءات ووسائل الإعلام ومن خلال صفحات التواصل والجامعات. كما يجب ألاّ نتجاهل أبناء وبنات ليبيا المتخصّصين في مجالات الإدارة الصحيّة وعلينا البحث عنهم أينما وجودوا والتواصل معهم، بل وإعطائهم السبق والقيادة في هذا المجال حتى نستفيد من خبراتهم وأرائهم القيّمة.
هناك أيضاً جهات أخرى لم أتعرّض إليها في عرضي السريع هذا من بينها خدمات الأدوية، وخدمات التحاليل، والخدمات المكمّلة كالعلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي والتأهيلي، والخدمات الإجتماعيّة والنفسيّة.... كل هذه الأطراف يجب التواصل معها للإستفادة من خبراتها والإستماع إلى نصائحها وأرائها فرادى أو مجتمعه من خلال مؤتمرات أو لقاءات أو مناظرات.  
من أجل أن تكون إقتراحاتي مركّزة وموجّهة إرتأيت بأن الإختيارالأمثل بالنسبة لي هو أن أتعامل مع المحاور الخمسة المذكورة أعلاه وهي البنية التحتية، القوى العاملة، الإنفاق، التعليم الصحّي، وأطباء ليبيا المهاجرين.

أوّلاً- البنية التحتيّة:
1-      الحصر الدقيق.
2-      الفحوص الفنيّة من قبل جهات متخصّصة.
3-      مجالات الصيانة والترميم.
4-      العمليّات التكميليّة والتي منها التدفئة والتكييف.
5-      دراسة الإحتياجات السكّانية والمكانيّة وتلبيتها.
6-      تقرير عن الإحتياجات المختبريّة والدوائيّة، وتوفير المعدّات اللازمة للأعمال الجراحيّة والتأهيليّة.
7-      دراسة الإحتياجات المكمّلة للخدمات الطبيّة والتخصّصيّة مثل العلاج الطبيعي وغيره، والعمل على التوسّع في هذا المجال بما يوفّر إحتياجات كل منطقة مع مراعاة عدم تركيز مثل هذه الخدمات على المدن الكبرى أو المستشفيات المركزيّة.
8-      العمل على إنشاء المستشفيات والمراكز التخصّصية الكبيرة في كل أنحاء البلاد حسب الحاجة مع عدم التركيز على المدن الكبرى فقط.
9-      تعزيز الرعاية الصحيّة الأوليّة مع التشجيع على وظيفة "طبيب الأسرة" بحيث تغطّي كل أنحاء البلاد بدون إستثناء.
10-  التركيز على خدمات الإسعاف الطائر وتوفير اللازم منها بمتطلباتها.
11-  تحسين خدمات الطوارئ بكل مستلزماتها وبرامج عملها الواضحة والتي يجب أن تكون متشابهة في كل أنحاء البلد.
12-  تقوية الخدمات المختبريّة بإحتياجاتها، وكذلك خدمات الأشعة وأجهزة الفحص الحديثة كالرنين المغناطيسي مع توفير معدّاتها وكوادرها الفنيّة المدرّبة.     

 ثانياً: القوى العاملة:
1-      الحصر
2-      التصنيف
3-      الغربلة
4-      إعادة التأهيل
5-      التركيز على العنصر الوطني، ومن لم نجده نقوم بتدريبه وتأهيله.
6-      التدريب الراقي المبدئي والتأهيلي والتنشيطي الدوري.
7-      خلق وسط تعاوني مهني وأخوي بين العاملين مع التشجيع على عمليّات التحاور والتعامل والتكامل.
8-      الإهتمام بالجانب المالي والترويحي لكل القوى العاملة وفي كل المناطق.
9-      التركيز على توزيع المؤهلين على كل مناطق الدولة بدون السماح للتكدّس في المدن والمراكز الكبرى
10-  التشجيع على توزيع الخدمات التخصّصيّة على المناطق المجاورة للمركز التخصّصي بحيث تقدّم الخدمات العلاجيّة والتشخيصيّة والإستشارات العالية في أماكن تواجد المرضى بدون الإتيان بهم إلى المراكز التخصّصيّة.
11-  توزيع الخبرات الراقية على كل مناطق البلد بهدف توزيع الخبرة والمقدرة.
12-  عمليات الفرز الدقيق للمستعان بهم من غير الليبيّين من حيث المؤهّلات والخبرة السريرية والأكاديميّة، الحالة المرضية للأجنبي، وشرط تعلّم وإتقان اللغة العربيّة قبل البدء في العمل بدون الحاجة للإعتماد على المترجمين.

 ثالثاً- الإنفاق:
1-      توزيع الإنفاق على كل مناطق ليبيا بالعدل.
2-      تحديد واضح وصريح لميزانيّة الصحّة في ليبيا  التي تقتطع منها ميزانيّات مديريات الصحة في المناطق.
3-      تعيين مختصّين في شئون المال والميزانيّة الصحيّة لكل مديريات الصحة في البلد.
4-      مركزيّة الإنفاق في كل مديريّة للصحة بما يسهّل عمليات المحاسبة والمراجعة والتخطيط المستقبلي.
5-      محاسبة دوريّة ورقابة إداريّة صارمة في جميع مديريات الصحة في ليبيا بدءاً بالتأكيد بوزارة الصحة.
6-      التشجيع على عمليّات المراجعة الدوريّة (ِAudits) ومتابعة جميع المقرّرات المتفق عليها بهدف تنفيذها كما أوصى بها.
7-      إنشاء هيئة الإمدادات الدوائيّة تكون تابعة لوزارة الصحّة وتقتطع مستحقاتها المالية من ميزانيات مديريات الصحة الملحقة بها.
8-      تحجيم الإنفاق بما لا يتجاوز ميزانية الصحة بأي شكل من الأشكال.
9-      القضاء على جميع أوجه الإنفاق الغير ضروري بهدف محاربة البيروقراطيّة والتخلّص من العمالة الغير ضروريّة.
10-  التقليل من العادم بقدر المستطاع، ومحاسبة الإدارة عن أية فضلات يتم طرحها في المكبّات مهما كانت صغيرة.
11-  التقليل من عمليات إرسال المرضي للعلاج في خارج الوطن وإستبدال ذلك بجلب الخبرات من الخارج عند الضرورة.
12-  تشجيع المواطن للمساهمة المالية في خدمات الصحة عن طريق التبرّع وتقام مسابقات دوريّة يتم فيها تكريم الأكثر عطاء.  

رابعاً- التعليم الطبّي:
1-      إعادة النظر في التعليم الطبي كلّه في ليبيا من قبل لجان مختصّة يفضّل بأن تكون وطنيّة.
2-      توفير كل متطلبات التعليم الطبّي من بنية تحتية ومعامل ومعدّات ولوزام إيضاحيّة.
3-      إعادة النظر في الطواقم التعليميّة في كل المستويات من الجامعة وحتى المستشفى.
4-      إقامة دورات تنشيطية لكل المعنيّين بالتعليم الطبّي مع إقامة فحوصات دوريّة للتأكّد من مواكبة المعلّم الصحّي مع التطوّر الحاصل.
5-      التركيز على الكيفيّة والتخلّص نهائيّاً من التركيز على الكميّة.
6-      التنسيق بين التعليم الجامعي والتعليم العالي في مجال الصحة.
7-      توزيع التعليم العالي على كل التخصّصات المطلوبة مع منع التزاحم على تخصّصات معينة.
8-      تحديد عدد الكوادر المطلوبة من خلال خطة خماسيّة يتم على أساسها تخطيط التعليم العالي.
9-      إستحداث الزيارات التبادليّة بين طلبة الطب في ليبيا وطلبة الطب في بلدان متقدّمة.
10-  التعاون الوثيق بين الجامعة والمستشفى، وبين الجامعة والجامعة في داخل ليبيا.
11-  التركيز على التدريب والتأهيل المكمّل لكل العاملين في مجال الصحة وخاصّة طاقم التمريض.
12-  إنشاء مراكز للبحوث الطبيّة يشرف عليها أخصائيين ليبيّين وليبيّات تؤدّى إلى الحصول على مؤهلات تخصّصية عالية معترفاً بها خارج ليبيا.

خامساً- الخبرات الليبيّة المهاجرة:
1-      القيام بحصر كامل وشامل لكل الخبرات الليبيّة المهاجرة من خلال قاعدة معلومات يعتد بها.
2-      العمل على خلق جسر تواصل بين الخبرات الليبيّة في داخل وخارج الوطن.
3-      التمكين التدريجي للعقول الليبية المهاجرة وذلك من خلال فرص للعمل الجزئي لفترات تتراوح بين إسبوع وحتى 4 أسابيع من شأنها أن تسهّل عودة المغترب بدون الشعور بالغربة في بلده.
4-      دعوة المهاجرين للمساهمة في التعليم الطبّي والمشاركة في النشاطات الأكاديمية والسريرية في داخل ليبيا.
5-      إرسال أخصائيين من داخل الوطن للعمل مع المهاجر الليبي بصورة إرتباط سريري مؤقّت بهدف التقارب بين الإثنين من ناحية، وتضييق الهوة بين الطرفين من نواحي مهارات يدوية وما إليها.
6-      تسهيل عودة المهاجر الليبي من خلال توفير السكن الملائم، وتسهيل دمج أطفال المهاجروذلك بتوفيرأحتياجاتهم من التعليم بدون التأثير على تحصيلهم التعليمي وباللغة التي تناسب أطفال المهاجر على حساب الدولة.
7-      تشجيع المهاجر على المشاركة في عيادات خصوصيّة يتعرّف من خلالها المهاجر على طرق العمل في داخل ليبيا مما يسهّل ويشجع على عودته السريعة.
8-      تسهيل إجراءات التعيين عند العودة إلى الوطن على أن تكون لجنة التعيين معدة سلفاً للتعامل مع العائد بدون إحداث أية حساسيّات.
9-      تسهيل المهاجر على فتح حساب مصرفي في ليبيا والقيام بتحويل الزائد من مدخّراته لحسابه المصرفي هذا حتى يعينه عند العودة.
10-  تشجيع طلبة كليات الطب الليبية لعمل إرتباطات سريرية مع المهاجر الليبي في مكان عمله لإحداث نوع من الترابط الإجتماعي بين أبناء الوطن في الداخل والخارج.
11-  تسهيل تعيين زوجة المهاجر أو زوج المهاجرة في حالة بحث الطرف الثاني عن عمل يتناسب مع مؤهلاته\ مؤهلاتها.
12-  تسهيل الحصول على قروض ميسّرة لمن يرغب في ذلك من المهاجرين ربّما حتى قبل الشروع في العودة بسنة أو سنتين بهدف قضاء الحاجة مثل السكن والعقار.

وختاماً.. أنا حاولت المساهمة بما إستطعت في هذا المجال ورجائي بأن يتواصل هذا النقاش حتى تصل الخدمات الطبية في بلادنا إلى المستوى الذي ننشده من أجل إعادة الثقة بالطبيب الليبي وبالعلاج داخل الوطن.

هناك 4 تعليقات:

  1. غير معرف6/10/13

    وين نقطة تحسين دخول الاطباء

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. غير معرف2/2/15

    كيف يمكننا التواصل مع كاتب البحث نرغب معرفة المزيد في هذا القطاع الذي يهم كل المواطنيين

    ردحذف
  4. غير معرف21/7/15

    بصراحه في غاية الاهمية ويجب النظر فيه

    ردحذف

الرجاء وضع تعليقك