2015/07/27

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(8)

 الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة . . . . الفصل الثاني: الحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة

  الحلقة السادسة الحلقة السابعة


(الحلقة الثامنة)
رحلة إلى خارج القاع .... من المخ إلى النخاع 
كما سبق لي وأن ذكرت في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة (أضغط أعلاه للمزيد) فإنّ أغلب الألياف الحركيّة تتجه ناحية قاعدة المخ المسمّاة جذع المخ Brain Stem والتي تقع في أسفله، ومن هناك وتحت منطقة البصلة مباشرة أو ما يعرف بالنخاع المستطيل Medulla Oblongata تتجمّع الألياف العصبيّة الحركيّة بملايينها في حزمتين كبيرتين تسمّى كل منهما بالحزمة الهرميّة Pyramidal Tract على كل جانب من جانبي النخاع المستطيل حيث تتقاطع هاتين الحزمتين الهرميتين كلّ إلى الجانب الآخر، ومن هناك تأخذان طريقهما إلى خارج المخّ فتعبرا من برزخ في قاعدة الجمجمة وفي أعلى الرقبة يسمّى الثقبة العظمى  Foramen Magnum.

هذا المشهد ربّما من السهل تصوّره إذا أتفقتم معي في أن أشبّهه بعمليّة الخروج من أعماق المحيط الأطلسي في إتجاه البحر الأبيض المتوسّط، ولابدّ أن يحدث ذلك من خلال العبورعن طريق مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا، وتحديداً بين طنجة وجبل طارق.
بعد العبور من مضيق جبل طارق سوف تبدأ رحلة الخروج إلى الشاطئ من خلال البحرالمتوسّط، وسوف نخرج معاً عن طريق ميناء اللاذقيّة في سوريا، وسوف يكون ذلك في الحلقة الموالية بإذن الله.
ولنعد إلى الواقع... إلى موضوع الخروج من المخّ بإتّجاه الحبل (النخاع) الشوكي في طريقنا نحو السطح من جديد، ولكن هذه المرّة صحبة الألياف العصبيّة الحركيّة والتي سوف تؤدّي بنا نحو الألياف العضليّة Muscular Fibers ليبدأ منها الجهاز العضلي Myology والذي سوف أفرد له حلقة تامّة لأهمّيته ولمجموعة من الأمراض تعتريه تكون سبباً في عجز الإنسان وتخلّفه عن مواكبة الحياة كما يجب وما لذلك من تأثيرات عمليّة(حياتية)، ونفسيّة .... وإجتماعية أيضاً على المصابين.
النخاع الشوكي هو الحبل الرابط بين الدماغ وبقيّة جسم الإنسان، ويبلغ طوله في الشخص البالغ ما بين 40 - 50 سنتيمتر، ويبلغ نصف قطره ما بين 1 - 1.5 سنتيمتر. النخاع الشوكي هو عبارة عن حزمة خطوط عصبيّة تشتمل على ألياف حسّية وحركيّة ولا إراديّة بنوعيها الودّي ونظيره، كما يشتمل النخاع الشوكي على خلايا عصبيّة أغلبها حركيّة تسمّى هي نفسها العصبونات.
يبدأ النخاع الشوكي من قاعدة الراس أو قاعدة الدماغ كإمتداد لجذع المخ، وينتهي بين الفقرة 1 و 2 من الفقرات القطنيّة (البطنيّة) عند البالغين، بينما ينتهي عند الفقرة 2 و 3 عند الأطفال حتى عمر 12 سنة.

النخاع بصفة عامّة هو مادّة رخويّة بيضاء تتكوّن أغلبها من الألياف العصبيّة وتكون في الأطراف الخارجيّة للنخاع على عكس المخ حيث تكون المادّة البيضاء من الداخل، وتتكوّن المادّة السمراء في وسط النخاع من ألياف حركيّة في الثلثين الأمامييّن الخارجيين من القرن الأمامي على كل جانب، بينما يتكون القرنين الخلفيين من أقسام حسّية يبلغ عددها 7 على كل جانب ويتخصّص كل قسم حسّي في نوع معيّن من الآحاسيس.
الحبل الشوكي يقوم بوظيفتين رئيسيّتين هما إستقبال وإرسال الإشارات الحركيّة للعضلات، وإستقبال الإشارات الحسّية من أطراف الجسم ودراستها وبرمجتها وتوجيهها ثم إرسال أغلبها إلى الدماغ للمزيد من التحليل والفهم والتصرّف.
يتغذّى الحبل الشوكي بثلاثة شرايين هم: الشريان الشوكي الأمامي، وهو الأكبر والأكثر فعاليّة. قفل هذا الشريان بالجلطة مثلاً يؤدّي إلى فقدان النخاع الشوكي لأغلب وظائفه وهو ما يؤدّي إلى شلل الأرجل المتصلّب، وهذا النوع من الشلل يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة لإزالة الجلطة أو أن المصاب يبقى معاق طول عمره بالشلل النصفي السفلي المتصلّب.
ونظراً لهشاشة ورخوية النخاع الشوكي وسهولة إعطابه، فإن الله قرّر حفظه ووقايته في داخل عمود فقري متماسك ومتراكب بشكل ليس من السهل محاكاته أو حتى فهم كل تصميماته رغم ما شهدته البشرية من تقدّم في مجال التشريح على وجه الخصوص.
وحيث أن أغلب ألام الظهر لا تأتي في واقع الأمر من عطب في النخاع الشوكي، وإنّما من مشاكل في العمود الفقري؛ فقط أعطي الكثير من الإهتمام لهذا العمود الفقري الذي يحمي النخاع الشوكي من ناحية ويحافظ على آمان ومتانة قامة الإنسان عندما يقف وعندما يمشي، وعندما يمارس أي من النشاطات العضليّة.
 يتكوّن العمود الفقري من 29 فقرة مختلفة الحجم والشكل والمتانة. الفقرتين الرقبتيتين الأولى والثانية تندمجان مع بعض على عكس بقية الحيوانات، والفقارات الخمسة الأخيرة (العجزيّة) هي بدورها مدموجة مع بعض على عكس الكثير من الحيوانات وليس كلّها. هناك أيضاً عظمة العصعص التي تمثّل عند الإنسان الذيل المندثر مقارنة بالحيوانات التي لها ذيل مثل الكلاب.
الفقرات هي بدورها كانت قد صمّمت بشكل هندسي غاية في الإبداع بما يخدم الوظيفة ويساعد على الحركة، ويسهّل مرور الأعصاب والأوعية الدموية بشكل لا يمكن أن يحاكيه أمهر إنسان على وجه الأرض.

وحينما تتراكب الفقرات على بعضها فإنّها تصنع قناتين مهمتين: قناة العصب الشوكي، والقناة الفقارية التي تعبر عن طريقها الأعصاب الطرفية من موضع تنشأتها إلى طريقها التي سوف تسلكها لتقوم بمهامها المناطة بها.

وعند إنتهاء الحبل الشوكي، تتوظّب الفقارات القطنية والعجزية بشكل إبداعي بصدق، حتى أنها تمكّن الأعصاب السفلية الطرفية من العبور نحو آماكنها بدون إلتواء أو إنثناء أو تعطيل أو إحتكاك.
 وحتاماً أقول - بعد سبحان الله الذي خلق كل شئ فأحسن خلقه وتقديره - إن أغلب مشاكل الظهر تأتي من الفقرات (القطنية على وجه الخصوص)، وكذلك من الغضاريف بين الفقرات، ومن زوائد الفقرات التي تتخشّن وتنمو عليها زوئد عظمية تضغط على الأعصاب الطرفيّة ممّا يجعلها تضغط على تلك الأعصاب وتتسبب في وخز وألم وتنميل أحياناً. إن أعطال العصب الشوكي من النادر أن تسبب ألاماً موضعية في مكان العطب إلّا أن يكون ذلك بسبب ضاغط ما مثل نزيف أو صديد متجمّع أو ضغط غضروفي كبير أو سرطان. أغلب مشاكل العصب نحسّ بها في الأطراف مثل اليدين والرجلين، وليس في الظهر. إن أغلب ألام الظهر تأتي من أعطاب في العمود الفقري ومرفقاته من أربطة وغضاريف وليس في الحبل الشوكي. إن أي ضغط على الحبل الشوكي من قبل إنزلاق غضروفي أو من خلال نتوء روماتيزمي يمكن معالجته جراحيّاً، وعمليات من هذا النوع تعتبر ناجحة بنسب كبيرة حسب المكان والخبير الذي يجري تلك الجراحات.

في الحلقة القادمة بإذن الله سوف أخرج بيكم ومعكم من النخاع الشوكي ومن الجهاز العصبي المركزي إلى الجهاز العصبي الطرفي، وهناك حيث سوف نتجوّل في عالم الأعصاب الطرفية ونحاول معاً التعرّف عليها عن قرب.... وفقكم الله.

2015/07/19

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(7)

 الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة . . . . الفصل الثاني: الحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة

   الحلقة الخامسة  الحلقة السادسة


(الحلقة السابعة)
أمراء الكوابح.... العقد القاعديّة 

وعودة أخيرة إلى عمق المحيط، ربّما في هذه المرّة إلى أعماق جديدة حتى نصل إلى ما يعرف بالعقد القاعديّة Basal Ganglia.
 وعودة أخيرة إلى عمق المحيط، ربّما في هذه المرّة إلى أعماق جديدة حتى نصل إلى ما يعرف بالعقد القاعديّة Basal Ganglia.
وقبل التعمّق والوصف دعوني أضع هذه الجواهر البشريّة في سياق قد تجدونه مفيداً ومعرفيّا وربّما سهل الهضم أيضاً. دعوني أبتدئ معكم بمفاهيم عامّة حتى لا يكون الكلام تخصّصيّاً أو مبهماً، فالهدف من كل هذه السلسلة هو توصيل المعلومة بما يفيد كل شخص بغض النظر عن نوع وكم تعلّمه.
هناك أشياء تسيّر حياتنا تنظّمها وتوظّبها خلايا في أدمغتنا بالنيابة عنّا بدون أن يكون لنا سيطرة عليها (آليّة) وهذه الخلايا تقوم بتنفيذ مهامها من وراء الكواليس وتشتغل بعيداً عن الأضواء وبعيداً عن الإرادة الإنسانيّة، فهي تستمدّ فعاليّتها بآوامر من خالقها كانت على شكل معلومات مشفّرة تفهمها وتتفاعل معها تلك الخلايا التي تتوزّع في قشرة الدماغ وهي تعرف يقيناً كيف توجّهها وإلى أين توجّهها ومتى توجّهها وتحدّد مقدارها وقيمتها كذلك.
الكثير من الأشياء تفعل لنا وتجهّز لنا من خلال "نظريّة المنع" أو ما قد يمكن تسميتّها ب"نظريّة الكوابح". بمعنى أن أشياءنا التي نفعلها في كل يوم وتصرّفاتنا التي نقوم بها ليست كلّها "أفعال" إيجابيّة، فقد نحتاج إلى نواهي، مثل "لا تكذب" ولا"تسرق" ولا "تضرب" ولا "تزنى" وغيرها من النواهي. تلك الأشياء نتعلم كيف نمنع أنفسنا من فعلها لأنّهما ممنوعة، والإيجاب فيها يعتبر سلبيّاً بكل تأكيد.
البشر يختلفون بين هذا وذاك في موضوع الإنتهاء أو الإمتناع، ومن السهل بأن تجد شخصين لهما قدرات مختلفة على تنفيذ النواهي، وتلك هي مهمّة أصعب من فعل الأشياء. الإرادة بكل تأكيد لها دورها الكبير والفعّال في هذا الإطار، وكلّما كانت إرادة الإنسان أقوى كلّما كان فعله أو إمتناعه عنها أقوى؛ غير أن هناك عوامل إضافية بالنسبة للنواهي أو المحظورات، يوجد منها ما نمتنع عن فعله(إرادة) ويوجد منها ما نٌمنع عن فعله(لا إرادة)، وهذا هو جوهر حلقة اليوم.
وددت أن أبيّن أيضاً بأن الأشياء التي نفعلها من السهل إدراكها من قبل أنفسنا ومن قبل المراقبين لنا، لكن الأشياء التي نمتنع عن فعلها أو تٌمنع عنّا، فهي ليست من السهل إدراكها بدون تفكير وتدبّر ومقارنة وإعتبار. أحياناً لا نحسّ بها أو نفتقدها إلّا عندما تتعطّل الأجهزة التي تشرف عليها أو تتحكّم فيها، ومن بين تلك الإختلالات ما يصيب "العقد القاعديّة" من أعطال نتيجة لعلل وأمراض تصيبها لعلّ أهمّها مرض الترهّل أو الإنحطاط Degeneration الذي يصيب العقد القاعديّة ويؤدّي إلى فقدان خاصيّة "الكبح"، وبذلك يقدم الإنسان المصاب على فعل أشياء لا يفعلها في الظروف العاديّة إلّا أن يكون تحت تأثير أدوية أو مهلوسات أو تحت تأثير فعل الكحوليّات المسكرة، ومن بين تلك الظواهر غياب سيطرة الإنسان على نوازعه ورغباته وملذّات نفسه مثل السرقة والكذب والقمار والشبق الجنسي. هناك ظواهر أخرى قد تبدو أكثر إندغاماً (إنغماساً على رأي الدواعش !) في وظائف العقد القاعديّة ولا يمكن الإحساس بها إلّا بفقدانها.
هناك ظواهر أخرى تعتبر "كابحيّة" وهي أيضاً لا نحسّ بها إلّا بفقدان الكابح لها نظراً لإنضغامها في حياتنا بشكل عميق ومستتر ومنها الخوف والإرتعاب والهوس والتخيّل ورؤية مخلوقات غريبة من بينها أناساً ميّتون وأناساً لم نرهم منذ زمن طويل، وكذلك ظواهر الشك والظن والتردّد والحيرة وغيرها.
الغريب في الأمر أن الجاهلين بمثل هذه المعلومات نظراً لجهلم وغياب المعلومة عنهم تجدهم من روعهم ووهلهم وشدّة خوفهم ينسبون هذه الظواهر إلى أفعال الجنون والشياطين والأغوال والأهوال وتأثيرات السحر، وما إليها من الأشياء التي يرسمها الإنسان من خياله نتيجة لجهله بطبيعة الأشياء وقصور علمه في نواحي حياتيّة كانت وإلى زمن قريب من المجاهيل على كل البشر.

دعونا يا أيّها الإخوة والأخوات ندخل معاً في عمق المحيط الشاسع (الدماغ) للمرّة الأخيرة في هذه السلسلة لنتعرّف على تلك العقد المعقّدة والفريدة من نوعها، فلعل تعرّفنا عليها يطلعنا على معالم أخرى في حياتنا كنّا نجهلها لعدم عرضها علينا أو لعدم إحساسنا بأهميتها.

العقد القاعديّة Basal Ganglia   
 هي مجموعة من العقد العصبيّة تتكوّن من عصبونات Neurons تتوزّع في جزر رماديّة في المادّة البيضاء في عمق الدماغ. هذه التكتّلات الرماديّة تعرف ب"العقد القاعديّة" وسمّيت كذلك لأنّها تتوزّع في قاع أو قاعدة الدماغ. تتوزّع هذه العقد في مساحة صغيرة من عمق الدماغ تسمّى "جهاز خارج التركيب الهرمي" أو ما يعرف ب Extra-pyramidal System.
في هذه الحلقة سوف لن أتحدّث عن المخيخ وإنّما عن جهاز منظّم آخر كثيراً ما يتجاوزه الإنسان حينما يعمد للقيام بأية حركة أو عمل أو نقلة من أي نوع. هذا الجهاز هو الرابع في الأهميّة بعد الجهاز الحسّي والحركي والتنسيقي، وهذا الجهاز هو بدوره غاية في الإبداع من حيث التركيب والوظيفة والأليّة التي بها يؤدّي عمله.
تتكوّن العقد العصبيّة القاعديّة من الكثير من التكتّلات العصبيّة مع تواصل منتشر مع التركيبات المجاورة والبعيدة في الدماغ بشكل تكاملي وتناسقي عجيب يعكس عظمة الخلق في أنفسنا ودقّة الخالق في وضع الأشياء في مواقعها المختلفة حسب الحاجة إليها والوظيفة التي تؤدّيها.
مكوّنات العقد العصبيّة القاعدية
 1-الكرة الشاحبة Globus Pallidus
2-البطامة Putamen
3-النواة الذنبيّة Caudate Nucleus
4-المادّة السوداء Substantia Nigra
5-النواة تحت المهاد Hypothalamic Nucleus
6-النواة الزيتونيّة Olivary Nucleus

7-التشكّل الشبكي لجذع المخ Brain Stem Reticular Formation
العقد القاعديّة من أجل أن تقوم بمهامها يتوجّب عليها أن تتواصل مع تركيبات مختلفة في الدماغ بشكل تبادلي وتكاملي وقد يكون معقّداً أيضاً.
وهذه أمثلة لبعض التواصلات الفاعلة والمؤثّرة في وظائف جسم الإنسان وكذلك مشاعره وآحاسيسه وتعامله مع عالمه المحيط. وتتواصل العقد القاعديّة مع الخلايا والأجسام الآتية لتتمكّن من القيام بمهامها كما يجب، وتحتسب كجزء مهم في دماغ الإنسان لا يمكن الإستغناء عنه:
  1. النواة الشبكيّة Reticular Nucleus، لتحافظ على التوازم بالتعاون مع المخيخ.
  2. النواة الدهليزيّة Vestibular Nulei، تستقبل رسائل للتوازن من المخيخ والأذن الداخليّة. 
  3. السبل الدهليزيّة النخاعيّة Vestibulo-spinal Tracts، تتحكّم في كيفيّة ونوعيّة وإنسجام فن الوقوف الممشوق.
  4. النواة الحمراء Red Nucleus، تتحكّم في العضلات الجاذبة والتي تقوم بعملية ثني الأعضاء حول المفاصل.
  5. الأٌكيمة العلويّة Superior Colliculi، توظّب الكيفيّة والنوعيّة وفن الحفاظ على الرأس مرفوعاً بكل مهنيّة وثبات وثقة بالنفس.
  6. سبل السقف النخاعي Tecto-spinal Tracts، وهي تقوم بالمحافظة على الوقفة الواثقة والأنيقة مثل وقفات جنود الحراسة والمراسم، وكذلك راقصات الجمباز ولاعبات السيرك. 

ويمكن القول بهدف التلخيص وتخفيف الضغط عليكم من كثرة المعلومات المطروحة، فإنّني قد ألخّص مهام العقد القاعديّة بالقول بأنّها هي المسئولة عن وظائف كثيرة يمكن تصنيفها تحت مهمّة وضع اللمسات الأخيرة لعمليّات الحركة بجميع أنواعها، علّ أهمها المشي والدوران وإستخدام الحواس في المستعملات اليوميّة مثل اليدين في الأكل والكتابة والممارسات الحركيّة الرفيعة والدقيقة مثل والرسم والتأزير والجمباز والرقص وألعاب السيرك والموسيقى وبقيّة الفنون الرفيعة التي تتطلّب دقّة متناهية في التوازن والثبات خاصّة على مرتفاعت شاهقة.
ويمكن القول في هذا السياق بأنّ الجهاز العصبي يقوم بكل أعماله مهما كانت ومن أي مصدر جاءت عن طريق توليد الشحنات الكهربائيّة من مصادر كيميائيّة وفيزيائية وحراريّة وكهرومغناطيسيّة يتعرّض لها الجسم في كل يوم وفي كل لحظة، وهذه الشحنات الكهربائيّة يتم تشكيلها وتوظيبها وتوقيتها بحيث تنتقل إلى الجزء الفاعل في الجسم حسب الحاجة وحسب الزمن بما يمكّنه من أداء الوظيفة المطلوبة منه بكل إتقان وبكل آمان وبكل أناقة. ومن هنا فإنّه يتوجّب القول من باب الإنصاف ونقل المعلومة الصحيحة بأنّ المادّة الكيميائيّة المهمّة التي تفرزها خلايا العقد القاعديّة والتي تعرف ب"الدوبامين" هي التي تتحوّل في عملية طويلة ومعقّدة في نهاية المطاف إلى مادة الأدرينالين والنورأدرينالين والتي بدورها تنعدم بعد أن تتحوّل إلى طاقة وثاني أكسيد الكربون وماء يخرج على هيئة عرق !.

وختاماً دعوني أترككم بعد هذه الوجبة الثقيلة من الملومات التي أراها غاية في الأهميّة... دعوني أترككم مع هذه السيمفونيّة: سيمفونيّه بيتهوفن الشهيرة رقم 5، وهي بالنسبة لي تريكم كيف يشتغل المخيخ في توظيب وتنظيم وإدارة كل أفعال الدماغ وتسييرها بكل دقّة وإتقان.
أمّا هذه القطعة الفنية الرائعة فهي حسب تصوّري ترسم كل أعمال "العقد القاعديّة" ومقدرتها  على تأدية أعمال تشابه الكمال من الدقة والرصانة والإبداع، وكذلك الرونق واللطافة. هذه القطعة الفنيّة الرائعة عنوانها سنتقابل ثانية للفنّانة المبدعة "هيلي ويسترنا".....
 فتمنّياتي لكم بإستماع ممتع، وعيدكم مبارك. 

2015/07/12

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(6)

الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة  . . . . الفصل الثاني: الحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة


(الحلقة السادسة)
الموظّب.... الأخ الأكبر 

وإستكمالاً لرحلة الإستكشاف السابقة أجدني أعشق البقاء في مياه المحيط لمدّة أطول، فقد آلفت البقاء هناء وبدأت أحسّ بأن العالم المحيط بي يعطيني المزيد من فرص التفكير والتدبّر والغوص في أعماق المجهول أو يمكن إستلطافاً منّي أن أسمّيها "أعماق اللامعلوم".
إن فضاء المحيط الشاسع وسمائه العالية وهدوء مياه سطحه تفتح أفق تفكيري وتدفعني لأستزيد الغوص في الأعماق وهناك حيث أجد غايتي لرؤية أشياء ليس من السهل في زحمة الحياة وكثرة المشاغل علينا كبشر رؤيتها لعدم إصطفافها في طابور أولوياتنا.
نظرت إلى سطح المحيط فخلت الأفق وقد بدأ يقترب منّي رويداً رويداً، وما هي إلّا لحظات حتى وجدت نفسي أطفو فوق سطحة الناعم، ووجدت أمواجه الهادئة تدفع بي بكل رفق وحنان نحو الأعماق فأحسسني ذلك بالمزيد من الإرتياح Tranquility  وذلك بكل تأكيد أفسح المجال أمام قلبي لينبض بالكثير من التأنّي والمزيد من الهدوء، tكلّما إستراح قلب الإنسان، كلّما تمكّن من ملء حجراته بناقل معينات الحياة (الأكسجين والسكّر) وهو الدم الذي يضخّ بعد ذلك بكل قوّة نحو الأطراف البعيدة من جسمه ونحو الأركان المهجورة من مخّه فتقوم خلاياه بإفراز كل المهدئات والتي منها الإنكفالين والهيبوكريتين، وكذلك مسكّنات الألم والإحتقان المعروفة ب"الإندورفين" وكذلك "الدينورفين"، وكل هذه الكيميائيّات تقع على عواتقها مهمّة إسعاد الإنسان وإحساسه بالسكينة والهدوء ممّا يدفع بدوره إلى المزيد من الإرتياح والمزيد من إنتعاش الدورة الدموية (سوف أتحدّث عن القلب والدورة الدموية مستقبلاً)، وهذا بدوره يؤدّي إلى المزيد من الإفراز لتلك "الناقلات العصبيّة" Neurotransmitters التي تضفي المزيد من الإرتياح على نفسيّة الشخص وتدفع في كيانه طاقة كبيرة وقوة رهيبة تساعده على الإندفاع نحو المزيد من المغامرة، حيث ينجلي عنصر الخوف والتردّد وتزداد ثقة الإنسان بنفسه فيتقدّم ويبتكر وتنفتح عنده أفق الخلق والإبداع.
وحتّى لا أتوه في عالم الأحلام والتصوّرات دعوني أعود إلى الواقع، وأعود من خلاله نحو فتح صفحة جديدة نتطلع من خلالها على المزيد من قدرات الخالق من خلال التحديق والتأمّل في داخل أنفسنا. دعوني أنتقل من المحيط الكبير (الدماغ) إلى المحيط الأصغر منه في الحجم والمهمّة، وهو المخيخ.


المخيخ Cerebellum
يقع المخيخ في الجزء الخلفي- السفلي من الدماغ ويتواصل معه بحزمة من الألياف العصبيّة الناقلة الجيّدة جدّاً وهي ألياف مغلّفة بمادة النسيج الشحمي  Myelin وهذه الألياف تمتاز بخاصيّة التوصيل في كلا الإتجاهين مثلها في ذلك مثل الأسلاك الكهربائيّة التي نعرفها.
يبلغ وزن المخيخ عند الرجال البالغين 150 جرام، وعند النساء في نفس العمر 135 جرام. وتبلغ أبعاده كالآتي: الطول ( رجال= 66 سم، نساء= 64 سم)، العرض (رجال=117سم، نساء= 109سم). ويتناقص المخيخ تدريجيّاً بدءاً من 40 سنة حتى يصل إلى بحوالي ثلاثة أرباع وزنه في عمر 75 سنة.
المخيخ هو بدوره يتكوّن من مادّة رماديّة على السطح ومادّة بيضاء تحت السطح، ويتميّز المخيخ أيضاً بتلك الخاصية التي يتمتّع بها 
المخ من حيث ثني المادة الرماديّة إلى خلجان وآخاديد Gyri & Sulci.

كما ذكرت سابقاً فإنّ عدد العصبونات في المخ بما فيه المخيخ يبلغ 100 بليون عصبونة، منها 20 بليون عصبونة في قشرة 
المخّ، والباقي وهو 80 بليون عصبونة في المخيخ، وتسمّى خلايا بيركنج Purkinje Fibers ,i وهو من كان قد وصفها للمرّة الأولى .
وأبان الكثير من وظائفها ( أنظروا كم يحظى المخيخ بإهتمام من قبل العصبونات المنتجة للكهرباء !).


يتركّب المخيخ من أربعة أجزاء رئيسيّة وهي كالآتي:

  1. نصفي المخيخ الكرويّان Cerebellar Hemispheres.
  2. الدودة المخيخيّة Vermis.
  3. اللوزة Tonsils
  4. الجريب المخيخي Formis.
وربّما الأهم من كل هذه الأجزاء الأربعة من حيث الخطورة هو "اللوزة" المخيخيّة، وهي التي تضغط على المراكز الحيويّة في جذع الدماغ عند تسلّل(هبوط) المخيخ مع جذع المخ عبر الثقبة العظمى في قاع الجمجمة، ويؤدّي ذلك إلى الوفاة العاجلة ما لم يتم تشخيصة وإنقاذه بسرعة فائقة بالتدخّل الجراحي.

للمخيخ دورته الدمويّة التي تأتيه من الدورة الدموية المخيّة الخلفيّة عن طريق الشريان القاعدي الذي يتكوّن من الشريانين 
الفقاريين.

وظائف المخيخ
برغم أن المخيخ لا يتجاوز حجمه ثلث حجم الدماغ، إلّا أنّه يحتوي على ما يقارب من 4 أضعاف من العصبونات في الدماغ، وهذا بكل تأكيد يعطي المخيخ أهمّية قصوى، ومن ثمّ فأنا ألقّب المخيخ بالأخ الأكبر للمخ الذي يراقبه في كل فعلة يفعلها، ويصدر إليه الأموامر لتساعده على أداء أغلب وظائفه.
كلّما أتناول المخيخ بالشرح خاصّة أثناء تدريسي لطلبة الطب والخريجين من الأطباء أتذكّر تلك الأغنية المشهورة "كل ما تعملينه أراقبه" لأننّها بصدق تعبّر في الكثير من النواحي عمّا يقوم به المخيخ من وظائف. فأهديكم إيّاها من كل قلبي:

من هنا يمكن تلخيص وظائف المخيخ في التنظيم والمتابعة والحساب والتقدير مع عدم نسيان عامل الزمن. أي بمعنى آخر أن المخيخ يتخصّص في تنظيم وتوظيب كل الحركات ثلاثية الأبعاد ويضيف إليها البعد الرابع وهو الزمن(الوقت)، فينتج لنا المخيخ حركات وأفعال غاية في الإبداع والدقّة، ومن منكم يريد بصدق تقدير خلق الله فينا فلتدبّر وظائف المخيخ بالكثير من الإهتمام والتركيز لأنّها من وجهة نظري تعكس ذلك الجانب.
من أجل قيام المخيخ بتلك الوظائف الحيويّة الهامة جدّاً والمعقّدة جداً، عليه بأن يحافظ على تواصل متين مع المخ وأغلب أجزائه  الفاعلة. فالمخيخ يستلم الكثير من معلوماته التي يتصرّف على ضوئها من الجهاز العصبي الحسّي (راجع الحلقة الثانية من هذه السلسلة)، فأغلب الرسائل الحسّية تقوم بزيارة عمل للمخيخ في طريقها إلى مقر القيادة المركزيّة بحيث تحضر معها إحداثيات وأرقام 
وتوقيتات وإتجاهات ومعها كوابح غاية في الأهميّة.
ومن هنا فليس من السهل الإلمام بكل وظائف المخيخ، لكنّني أضع لكم ملخّصاً لها هنا:
1-تغذية معلومات تقادميّة.
2-التبعيد والتقريب.
3-التوظيب والتقنين.
4-التهذيب والترطيب.
 والخلاصة أن المخيخ يستلم معلومات عن طريق كل الأجهزة الحسيّة في الدماغ بما فيها الشم واللمس والسمع والذوق والنظر والصغط الجوي والتغييرات والحرارية، ثم يحلّلها ويرفعها إلى أجهزة التحقيق والتحقّق في القيادة المركزيّة للمخ الواقعة في التلفيف المركزي الخلفي، ثمّ بمجرّد إرسال تلك المعلومات إلى قسم الحسم ورد الفعل التابع للقيادة المركزيّة للمخ والذي تتخذ قيادته من التلفيف المركزي الأمامي في المخ مقرّاً دائماً لها، ومن هناك يتم عرض تلك المعلومات والأفعال المعتبرة على المخيخ ليبدئ رأيه فيها ثم يقوم بتعديلها وتوظيبها وتنقيحها وربطها بعامل الزمن(توقيتها) وبعد ذلك يعيدها إلى الجهاز الحركي الذي يقوم بتنفيذها على الفور وكما يجب.
من هنا يمكن القول بأن المخيخ يتحكّم في كل شئ نعمله مثل الكلام والبلع والتنفّس والحركة والتوازن والكتابة والرسم وإستخدام العٌدد المختلفة من شوكات وسكاكين وملاعق في الأكل، وكذلك الحلاقة والماكياج وتنظيف العيون والأنف، ولا تنتهي تلك الوظائف التي يشرف عليها المخيخ.
إنّه يستحق منّا كل تقدير وإحترام، فلولاه لما إستعطنا فعل أي شئ في حياتنا، وبتعطّله نفقد التوازن ونتلعثم ونسقط على الأرض، ونرى الأشياء مرتجّة ونضرب وجوهنا حينما نريد أن نلمسها بلطف أو نداعبها!.
هنا وأنا أتحدّث عن المخيخ أتذكّر كلام الله إلينا: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}..... طاب صيامكم، وبقرب العيد أقول لكم جميعاً: كل عام وأنتم بألف خير.

2015/07/11

هلال العيد

الفرق بين الرؤية والحساب هـو كالفرق بين النـظــريّـة والتطبـيـق. الحياة تسير إلى الأمام وعلينا بأن نسير معها وإلّا فإنّنا سوف نتخلّف عـن ركـب الآخـريـن. عندما نتخلّف عـن قطـار الحياة يفوتنا القطار ونضيع نحن في عالم النسيان، وحينها سوف لن يحفل بنا أحداً.

يشهد العالم الإسلامي في كل سنة إختلافاً كبيراً في تحديد أوّل أيام الأشهر القمريّة وخاصّة رمضان وشوّال وذو الحجّة بإعتبار أنّ هذه الأشهر تتطلّب البرهنة على رؤية الهلال فيها، لأنّها مرتبطة بطقوس وعبادات تتعلّق بالزمن مثل صيام رمضان ونهاية الصيام والحجّ؛ وسبق أن تجاوز الإختلاف ثلاثة أيّام في السابق .
الغريب في الأمر أن المسلمين لا يهتمّون كثيراً ببداية السنة القمريّة (الهجريّة) الجديدة، ولايحفلون بالتخطيط المستقبلي والبرمجة ولا يحفلون بمفكّرات لتبويب أعمالهم المستقبليّة نظراً لغياب الأسلوب العلمي في حياتنا وتغلّب العشوائيّة في أغلب أعمالنا وممارساتنا. فنحن وللأسف مازلنا نتصرّف مثل رعاة الغنم رغم تغيّر كل معالم الحياة من حولنا.

تعتمد معظم البلاد الإسلاميّة والعربية في تحديد موعد بداية الشهر على "الرؤية" بالعين المجرّدة، مع عدم وجود نصّ واحد في القرآن يدع إلى ذلك. الآية الوحيدة التي ذكرت في هذا الإطار هي:{مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وكانت بكل وضوح تقصد شهر الصيام لوحده، ولم تذكر الرؤية في مجال بداية ونهاية الأشهر القمريّة. الذين يؤمنون بالرؤية يعتمدون في ذلك على حديث ينسبونه للرسول عليه السلام مفاده ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً)) وحتّى هذا الحديث توجد منه عدّة روايات، لكن المقصود فيها يبقى واحدً. 
هذا وتعتمد بعض الدول العربيّة "الحساب الفلكي" بإعتباره أكثر أماناً وأكثر يقيناً ومن الممكن الإستفادة منه في تحديد المناسبات الدينيّة لعشرات ومئات وآلاف السنين. تحديد المناسبات في عالم اليوم يعتبر غاية في الأهمّية نظراً لإنشغال الناس بمهام ووظائف تتطلّب منهم معرفة المناسبات المستقبلية لبرمجة نشاطاتهم وبرمجة عطلاتهم، وهذه المعطيات لم تكن موجودة في العصور السابقة. هناك أيضاً تقدّماً علميّاً كبيراً في مجال رصد الهلال بالدقيقة والثانية ومعرفة اللحظة التي يولد فيها الهلال الجديد ولو كان ذلك بعد ملايين السنين.
إذا نحن رجعنا إلى القرأن الكريم بإعتباره دليل المسلم وبإعتباره وثيقتنا الكبرى التي نستطيع تقديمها لغيرنا بكل ثقة ولا نتخلف فيها أو حولها؛ فالقرآن كما أسلفت لم يذكر الرؤية إطلاقاً، بل إنّه ذكر الحسبان بكل وضوح: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، وكذلك قوله تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وفي هذا الكثير من الحسابات الكونيّة، وكذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} والتقدير هو الحساب المستقبلي.
من هنا نرى بأن الله إستخدم الحساب كثيراً في القرآن ومنه بالطبع حسابات يوم القيامة وحسابات أعمال الإنسان، ومحاسبة الله للبشر على تخلّفهم في أداء العبادات. الحساب موجود في القرآن في الكثير من المواضع، لكن الذين ينادون بالرؤية يتجاهلون القرآن ويعتمدون على حديث ينسبونه للنبي عليه السلام، وإن كان النبي عليه السلام قد قاله بالفعل فإنّ ذلك يقيناً لا ينبئ بالمستقبل ولا يهم إلّا أولئك الناس الذين كانوا يعيشون معه في ذلك الزمان، بإعتبار أن النبي هو من البشر ولا يعلم الغيب، وإنّما كان رسول الله عليه السلام يتصرّف من خلال معطيات زمانه الذي كان يعيش فيه، وفي ذلك الزمان البشر لا يعرفون الكثير في علم الكواكب والمجرّات، ولا يفهمون كثيراً في الحساب، وأغلب البشر حينها كانوا من الأمّيين.
الحياة تغيّرت وعلينا أن نتغيّر معها بدل التشبّث بأشياء قيلت في ذلك الزمان لتخدم مطالب الناس حينها ويجب أن تحتكر على ذلك الزمان، فالغيب لا يعلمه إلّا الله وعلينا بأن نكون واضحين في هذا المجال حتى لا نسئ إلى أنفسنا ولا نسئ إلى نبيّنا عليه السلام.

عيد الفطر لعام 2015م
 عند القيام بمراجعة المعلومات الفلكيّة المتوفّرة لدينا والتي تظهر كل شئ بوضوح وبدون أدنى شك، نجد بأنّ عيد الفطر سوف يكون يوم السبت 18 يوليو 2015، وذلك من خلال هذه المعلومات:
  من هذا الجدول الزمني نلاحظ بأنّ الهلال يظهر يوم 16 يوليو 2015، ولكن لو إحتسبنا حركة الشمس وموعد الغروب، وكذلك كميّة الإضاءة للهلال الجديد نتوصّل إلى قناعة بأنّه من شبه المستحيل بأن يوم يوم الجمعة سوف يكون هو اليوم الأوّل من شوّال(عيد الفطر). وأقول هنا من شبه المستحيل ولم أقل من المستحيل، ذلك لأنّ الهلال سوف يبقى بعد غروب الشمس في السعويّة لمدّة 12 دقيقة تكون فيها الإنارة الكونيّة(الغسق) مازالت كبيرة ويكون فيها الهلال الجديد خافتاً جدّاً بنسبة إضاءة لا تتجاوز 0.3% ولا أعتقد بأن أي إنسان يتمكّن من رؤية ذلك الهلال في ذلك الوقت ووفق تلك المعطيات ولو إستخدم أكبر المناظير المتوفّرة في عصرنا الحاضر، مع أن ذلك قد يتعارض مع طريقة تفكير أولئك الذين يستندون إلى حديث الرسول عليه السلام المذكور أعلاه بخصوص الرؤية، إذ لا توجد مناظير في عهد الرسول ولو كانت بدائيّة. ومن هنا يمكن الإستخلاص بأن ما كان يقصده الرسول بكل تأكيد هو الرؤية بالعين المجرّدة.
في المقابل، نجد بأن يوم الجمعة 17 يوليو سوف يكون من السهل فيه رؤية الهلال في شرق وغرب الكرة الأضية، وفي شمالها وجنوبها على حد سواء. وبذلك من السهل إعتبار أن يوم السبت 18 يلوليو 2015 هو اليوم الأوّل من شهر شوّال أعاده الله على المسلمين بالخير واليمن والبركات.

هناك ملاحظة هي غاية في الأهمّية يمكننا إستخلاصها من الجدولين السابقين وهي أن رؤية الهلال تكون موحّدة وثابتة في كل أنحاء العالم وفي نفس التوقيت، وهذا يدحض المفهوم القديم والذي يقول بأن المسلمين لابد وأن يختلفوا في رؤية الهلال بسبب إتّساع رقعة الأرض التي يعيش عليها المسلمون وتمدّدها من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.
الجدولين المبيّنين أعلاه يفنّدان مثل ذلك المفهوم ويؤكّدان بأن المسلم في باكستان في أقاصي الشرق سوف يرى الهلال في نفس الوقت الذي يراه فيه المسلم الأميركي كل حسب توقيت بلاده، لكن كل المسلمين سوف يعيّدون يوم السبت أينما كانت مواقعهم.

2015/07/05

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(5)

الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة  . . . . الفصل الثانيالحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة


(الحلقة الخامسة)
عودة إلى الأعماق... دماغ الإنسان 

شعرت لاحقاً بأنّني أسرعت الهروب من الأعماق في المرّة السابقة بهدف الفرار، ربما لأنّني كنت خائفاً من الغرق أو ربّما لأنّني لم أكن أقدر على تحمّل رؤية المزيد من المجاهيل والدهاليز والخوافي. بعد التفكير والتروّي وأنا أعبر مضيق جبل طارق في طريقي إلى المتوسّط تذكّرت الكثير من النفائس التي يتوجّب عليّ إطلاعكم عليها حتى أترك قاع المحيط وأنا مستريح الضمير، مع يقيني بأنّني مهما حدّثتكم ومهما أخبرتكم ومهما أمعنت النظر عميقاً وحدّقت فإنّه لا يمكنني إخباركم بكل شئ ولا إعلامكم عن كل شئ. نحن هنا نتعامل مع محيط شاسع المساحة واسع الأطراف فاغر العمق فالمشهد أكبر بكثير من التصوّر.
وأنا في طريق العبور نحو المتوسّط متّجهاً نحو ميناء اللاذقّية في سوريا ومنه نحو اليابسة قرّرت العودة المفاجئة للمحيط الهادر بهدف القيام بغطسة جديدة باحثاً عن معالم لم أتحدّث عنها في المرّة السابقة. قرّرت العودة لأعماق المحيط مع علمي بأن الغوص إلى هناك ليس مجرّداً من المخاطر ولا هو مؤمّناً من الأغوال، ومهما حاولت فلن يكون ذلك بكافياً لسبر كل تلك المجاهيل المترامية الأطراف؛ لكنّني برغم كل شئ شرعت في طريق العودة نحو عمق المحيط ولا شئ سوف يحيل بيني وبين البحث عن المعرفة وإكتشاف المزيد من عالم الإنسان.... حتّى أذكّر نفسي بقول الله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}.... صدق الله العظيم.

البرك المائيّة Ventricles
البرك المائيّة المتوزّعة في داخل الدماغ تسمّى البطينات المخيّة Cerebral Ventricles، وهي ثلاثة في العدد ومع أن أحد هذه الثلاثة ينقسم إلى بطين أيمن وبطين أيسر، وبذلك فإن بعض العلماء يحتسب بطينات المخّ
 على أنّها أربعة وليست ثلاثة.

دعونا نتجوّل حولها وبداخلها لمحاولة التعرّف عليها وفهم وظائفها، فلم يجعلها الله من مكوّنات الدماغ جزافاً. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}.
البطينات المخيّة هي كما ترونها في الصورة:
  1. البطين الطرفي الأيمن والأيسر(الأوّل والثاني).
  2. البطين الثالث.
  3. البطين الرابع.
هذه البطينات الثلاثة تتواصل مع بعض ببرازخ هي:
  1. ثقوب مونرو: تربط البطينين الطرفيين مع البطين الثالث.
  2. ثقوب قناة المخ: بين البطين الثالث والبطين الرابع.
  3. ثقبي ماغندي: بين البطين الثالث وقناة النخاع الشوكي المركزيّة.
  4. ثقوب لوشكا: بين البطينات وخلجان الأم العنكبوتيّة في الدماغ والنخاع الشوكي. 
ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: ما هي مهمّة هذه البطينات وما هو سبب وجودها؟.
الإجابة على هذا السؤال قد تكون سهلة أو صعبة حسبما نراها ونتناولها. قد تكون سهلة بأن نقول بأن مهمّتها تكمن في الإحتفاظ ب وتوزيع السائل المخّي حول الدماغ والنخاع الشوكي. وقد تكون معقّدة إن نحن نظرنا إلى حركة السائل الدماغي ووظائفه ودوره في الحفاظ على ضغط متزن في داخل الدماغ وفي محيطه، وكذلك الحال بالنسبة للنخاع الشوكي.

دعونا نحاول التعرّف على السائل المخّي والنخاعي:
يحيط بالمخ والحبل الشوكي سائلاً لزجاً يسمى السائل الدماغ - نخاعي Cerebro-spinal fluid، وهذا السائل في حد ذاته يعتبر علماً والخوض فيه قد يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد لسبر أغواره، لكنّني سألخّصه هنا لأهميته:
السائل الدماغ – نخاعي يتم إفرازه من الدم عن طريق الرشح (الفلترة)، وينتج الدماغ يوميّاً ما مقدره نصف لتر من هذا السائل الحيوي، وتدور هذه الكميّة حول الدماغ والنخاع الشوكي دورة كاملة 6 مرّات في كل يوم. يتسرّب هذا السائل بعد ترشيحه من الدم إلى البطينين الطرفيّين ماعدا مساحة القرنين الأمامي والخلفي لكل بطين حيث لا توجد فيهما ضفائر مشيميّة، ومن البطين الثالث والرابع ما عدا قناة المخّ عن طريق خلايا البطانة العصبيّة Ependymal Cells الموجودة في الضفائر المشيميّة المتوزّعة في تلك الآماكن المذكورة حول البطينات.
بعد أن يتجمّع السائل في البطينات ويدور حول الدماغ والنخاع الشوكي يأخذ طريقة للخروج بهدف السماح للتجديد عن طريق الجيب السهمي العلوي والجيب السهمي السفلي الأصغر قطراً وتحمّلاً، ومنهما إلى بقيّة الجيوب المخيّة، وهذا يحتّم عليّ التحدّث عن هذه الجيوب المخيّة بهدف التعرّف عليها. معرفة الأشياء تعتبر ذات قيمة كبرى في التعرّف على ما يصاحب تعطّلها من أمراض تصيب بالتحديد الدماغ  والنخاع الشوكي، وهي قد تكون أمراضاً خطيرة الكثير منها ربّما يؤدّي إلى الوفاة السريعة أن لم يتم تشخيصها وعلاجها في الوقت المناسب.

الجيوب المخيّة (لا تخلطوها مع الجيوب الأنفية !):
هي جيوب بمختلف الأحجام والأشكال تتوزّع حول الدماغ وتسير تحديداً في الحيّز بين الأم الجافية والأم العنكبوتيه، وبعضها بين الأم العنكبوتيّة والأم الحنون (نحن هنا نتحدّث عن السحايا، وهي عالم آخر لا يمكنني العبور بدون التنويه إليه).
يبلغ عدد الجيوب المخّية 12 جيباً منها 5 فرديّة، و7 مزدوجة(يمين ويسار) وهي:

الفرديّة:
  1. الجيب السهمي العلوي.
  2. الجيب السهمي السفلي.
  3. الجيب السيني.
  4. الجيب القفوي
  5. الجيب ما بين الكهفي. 
الزوجية(المزدوجة):
  1. الجيبان العرضيان.
  2. الجيبان السينيّان.
  3. الجيبان الصخريّان السفليان.
  4. الجيبان الصخريّان العلويان
  5. الجيبان الكهفيّان
  6. الجيبان الوتد-جداريّان
  7. ظفيرتا جيوب الوريد القاعدي على الجانبين. 
وبالإمكان تصوّر هذه الجيوب وهي تجيب الدماغ في كل أركانه من خلال هذ الصورة:

المهم، أنّه في نهاية الأمر يتسرّب السائل المخّي تاركاً عالم الدماغ ليعبر نحو الدورة الدموية من خلال ما يعرف بالنتوءات الوريديّة ناحية وريد غالن العظيم ومنه إلى الوريد الأجوف العلوي ومن هناك إلى القلب الحنيّن الذي يدفع به نحو الكليتين لتصفيته وإخراجه على هيئة بول (سوف أتحدث في القريب عن دورة القلب والكليتين وما إليها من أجزاء الجسم المختلفة).

السحايا

السحايا هي أغشية ناعمة تحيط بالدماغ والعصب الشوكي ولها بكل تأكيد مهامها ووظائفها. لها أيضاً مثالبها ومشاكلها إن هي أصابها مكروه مثل الجراثيم والإلتهابات والتمزّق الذي يؤدي إلى النزيف وما إليها من المضاعفات الخطيرة، لعلّ أهمّها وأكثرها شيوعاً بين الناس هو الإلتهاب السحائي Meningitis.
توجد بطبيعة الحال ثلاثة أنواع من هذه السحايا، وهي تنعت ب"الأم" لحنوّها على الدماغ والعصب الشوكي ودورها في حمايتهما وتزويدهما بالغذاء والمناعة من الأمراض. كما أنّها تحمي الدماغ والعصب الشوكي الرخويان من التشرذم في كل مكان. وأنواع السحايا هي:
  1. الأم الحنون Pia Matter: وهي السحايا المحيطة(الملتصقة) مباشرة بالدماغ والنخاع الشوكي.
  2. الأم العنكبوتيّة Arachnoid Matter (شكلها مثل بيت العنكبون): وهي الوسط بين الأخرتين، وهي تعتبر أكبر السحايا حجماً وأكثرها سمكاً، وتجري خلالها الكثير من الأوعية الدموية المغذية والملطّفة للضغط حول الدماغ.
  3. الأم الجافية Dura Matter: وسميت كذلك لأنّها الأبعد بالنسبة للدماغ والأكثر قسوة بين شقيقاتها.
ولنترك الآن هذا العالم الكبير والعميق والزاخر بالمهام والوظائف والحامل للكثير من الأهوال والمصائب إن هو تم العبث به، ولننتقل الآن إلى عالم الدورة الدموية المخية.

دورة المخ الدموية 
وهذا هو عالم آخر ويعتبر في غاية الأهمية، ممّا يجعل رغبة التعرّف على هذا العالم مغرية ومثيرة... فكل أنواع حوادث المخ (الجلطات والنزيف) تأتي من هنا، وكذلك إحتقانات أوردة المخ القاتلة Cerebral & Cortical Vein Thrombosis، كما أن إنسداد الأوعية الدموية الطرفي  Cerebro-vascular Small Vessel Disease وما له من أعباء على الإنسان مثل فقدان الذاكرة والوله والعته والخبل ورؤية الأشياء والتخيّل والضياع والهلوسة... أغلب هذه المؤثّرات يكون مصدرها دورة المخ الدمويّة بكل أشكالها وأطرافها. بالإمكان التجوّل خلال هذا الرابط، ففيه الكثير حول هذا الموضوع: الـجـلـطـة الـمـخــيّـة

مكوّنات دورة المخ الدموية هي:
  1. الشريان السباتي الداخلي وهو المهم، ورفيقه الخارجي الذي يعتبر أقل أهمية.
  2. الشرايين الفقارية الأيمن والأيسر.
  3. الشريان القاعدي.
  4. دائرة ويليس الشهيرة بشرايينها الثلاثة: الشريان الدماغي الأمامي، والشريان الدماغي الوسطي، والشريان الدماغي الخلفي.
  5.  شرايين الحبل الشوكي الثلاثة (واحد أمامي وإثنان خلفيان).
وبكل تأكيد فإن الشرايين الكبيرة تنتهي إلى شرايين صغيرة تنغرس في كل مكان في المخ، وتؤدّي في النهاية إلى شعيرات شريانية، وهذه بدورها تتواصل مع شعيرات وريدية تؤدّي إلى أوردة أكبر قليلاً تنتهي في نهاية الأمر إلي الوريد الأجوف العلوي والذي مع الوريد الأجوف السفلي يصبّان في البطين الأيمن من القلب.

ومن هنا فإنّني بدأت أحسّ بصعوبة في التنفّس نتيجة لكثرة الضغط في عمق المحيط، فليس لي الآن إلّا الخروج السريع لإستنشاق الهواء والتنفيس على نفسي قليلاً حتى أعود إليكم الأسبوع القادم بإذن الله ونحن مازلنا نغوص في أعماق المحيط لنتعرّف على كوامن أخرى هي نفسها غاية في الإبداع والتركيب والتشكيل والوظيفة.... فإلى اللقاء بإذن الله، وربنا يتقبّل صيامكم !.