2015/07/11

هلال العيد

الفرق بين الرؤية والحساب هـو كالفرق بين النـظــريّـة والتطبـيـق. الحياة تسير إلى الأمام وعلينا بأن نسير معها وإلّا فإنّنا سوف نتخلّف عـن ركـب الآخـريـن. عندما نتخلّف عـن قطـار الحياة يفوتنا القطار ونضيع نحن في عالم النسيان، وحينها سوف لن يحفل بنا أحداً.

يشهد العالم الإسلامي في كل سنة إختلافاً كبيراً في تحديد أوّل أيام الأشهر القمريّة وخاصّة رمضان وشوّال وذو الحجّة بإعتبار أنّ هذه الأشهر تتطلّب البرهنة على رؤية الهلال فيها، لأنّها مرتبطة بطقوس وعبادات تتعلّق بالزمن مثل صيام رمضان ونهاية الصيام والحجّ؛ وسبق أن تجاوز الإختلاف ثلاثة أيّام في السابق .
الغريب في الأمر أن المسلمين لا يهتمّون كثيراً ببداية السنة القمريّة (الهجريّة) الجديدة، ولايحفلون بالتخطيط المستقبلي والبرمجة ولا يحفلون بمفكّرات لتبويب أعمالهم المستقبليّة نظراً لغياب الأسلوب العلمي في حياتنا وتغلّب العشوائيّة في أغلب أعمالنا وممارساتنا. فنحن وللأسف مازلنا نتصرّف مثل رعاة الغنم رغم تغيّر كل معالم الحياة من حولنا.

تعتمد معظم البلاد الإسلاميّة والعربية في تحديد موعد بداية الشهر على "الرؤية" بالعين المجرّدة، مع عدم وجود نصّ واحد في القرآن يدع إلى ذلك. الآية الوحيدة التي ذكرت في هذا الإطار هي:{مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وكانت بكل وضوح تقصد شهر الصيام لوحده، ولم تذكر الرؤية في مجال بداية ونهاية الأشهر القمريّة. الذين يؤمنون بالرؤية يعتمدون في ذلك على حديث ينسبونه للرسول عليه السلام مفاده ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً)) وحتّى هذا الحديث توجد منه عدّة روايات، لكن المقصود فيها يبقى واحدً. 
هذا وتعتمد بعض الدول العربيّة "الحساب الفلكي" بإعتباره أكثر أماناً وأكثر يقيناً ومن الممكن الإستفادة منه في تحديد المناسبات الدينيّة لعشرات ومئات وآلاف السنين. تحديد المناسبات في عالم اليوم يعتبر غاية في الأهمّية نظراً لإنشغال الناس بمهام ووظائف تتطلّب منهم معرفة المناسبات المستقبلية لبرمجة نشاطاتهم وبرمجة عطلاتهم، وهذه المعطيات لم تكن موجودة في العصور السابقة. هناك أيضاً تقدّماً علميّاً كبيراً في مجال رصد الهلال بالدقيقة والثانية ومعرفة اللحظة التي يولد فيها الهلال الجديد ولو كان ذلك بعد ملايين السنين.
إذا نحن رجعنا إلى القرأن الكريم بإعتباره دليل المسلم وبإعتباره وثيقتنا الكبرى التي نستطيع تقديمها لغيرنا بكل ثقة ولا نتخلف فيها أو حولها؛ فالقرآن كما أسلفت لم يذكر الرؤية إطلاقاً، بل إنّه ذكر الحسبان بكل وضوح: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، وكذلك قوله تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وفي هذا الكثير من الحسابات الكونيّة، وكذلك قوله تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} والتقدير هو الحساب المستقبلي.
من هنا نرى بأن الله إستخدم الحساب كثيراً في القرآن ومنه بالطبع حسابات يوم القيامة وحسابات أعمال الإنسان، ومحاسبة الله للبشر على تخلّفهم في أداء العبادات. الحساب موجود في القرآن في الكثير من المواضع، لكن الذين ينادون بالرؤية يتجاهلون القرآن ويعتمدون على حديث ينسبونه للنبي عليه السلام، وإن كان النبي عليه السلام قد قاله بالفعل فإنّ ذلك يقيناً لا ينبئ بالمستقبل ولا يهم إلّا أولئك الناس الذين كانوا يعيشون معه في ذلك الزمان، بإعتبار أن النبي هو من البشر ولا يعلم الغيب، وإنّما كان رسول الله عليه السلام يتصرّف من خلال معطيات زمانه الذي كان يعيش فيه، وفي ذلك الزمان البشر لا يعرفون الكثير في علم الكواكب والمجرّات، ولا يفهمون كثيراً في الحساب، وأغلب البشر حينها كانوا من الأمّيين.
الحياة تغيّرت وعلينا أن نتغيّر معها بدل التشبّث بأشياء قيلت في ذلك الزمان لتخدم مطالب الناس حينها ويجب أن تحتكر على ذلك الزمان، فالغيب لا يعلمه إلّا الله وعلينا بأن نكون واضحين في هذا المجال حتى لا نسئ إلى أنفسنا ولا نسئ إلى نبيّنا عليه السلام.

عيد الفطر لعام 2015م
 عند القيام بمراجعة المعلومات الفلكيّة المتوفّرة لدينا والتي تظهر كل شئ بوضوح وبدون أدنى شك، نجد بأنّ عيد الفطر سوف يكون يوم السبت 18 يوليو 2015، وذلك من خلال هذه المعلومات:
  من هذا الجدول الزمني نلاحظ بأنّ الهلال يظهر يوم 16 يوليو 2015، ولكن لو إحتسبنا حركة الشمس وموعد الغروب، وكذلك كميّة الإضاءة للهلال الجديد نتوصّل إلى قناعة بأنّه من شبه المستحيل بأن يوم يوم الجمعة سوف يكون هو اليوم الأوّل من شوّال(عيد الفطر). وأقول هنا من شبه المستحيل ولم أقل من المستحيل، ذلك لأنّ الهلال سوف يبقى بعد غروب الشمس في السعويّة لمدّة 12 دقيقة تكون فيها الإنارة الكونيّة(الغسق) مازالت كبيرة ويكون فيها الهلال الجديد خافتاً جدّاً بنسبة إضاءة لا تتجاوز 0.3% ولا أعتقد بأن أي إنسان يتمكّن من رؤية ذلك الهلال في ذلك الوقت ووفق تلك المعطيات ولو إستخدم أكبر المناظير المتوفّرة في عصرنا الحاضر، مع أن ذلك قد يتعارض مع طريقة تفكير أولئك الذين يستندون إلى حديث الرسول عليه السلام المذكور أعلاه بخصوص الرؤية، إذ لا توجد مناظير في عهد الرسول ولو كانت بدائيّة. ومن هنا يمكن الإستخلاص بأن ما كان يقصده الرسول بكل تأكيد هو الرؤية بالعين المجرّدة.
في المقابل، نجد بأن يوم الجمعة 17 يوليو سوف يكون من السهل فيه رؤية الهلال في شرق وغرب الكرة الأضية، وفي شمالها وجنوبها على حد سواء. وبذلك من السهل إعتبار أن يوم السبت 18 يلوليو 2015 هو اليوم الأوّل من شهر شوّال أعاده الله على المسلمين بالخير واليمن والبركات.

هناك ملاحظة هي غاية في الأهمّية يمكننا إستخلاصها من الجدولين السابقين وهي أن رؤية الهلال تكون موحّدة وثابتة في كل أنحاء العالم وفي نفس التوقيت، وهذا يدحض المفهوم القديم والذي يقول بأن المسلمين لابد وأن يختلفوا في رؤية الهلال بسبب إتّساع رقعة الأرض التي يعيش عليها المسلمون وتمدّدها من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.
الجدولين المبيّنين أعلاه يفنّدان مثل ذلك المفهوم ويؤكّدان بأن المسلم في باكستان في أقاصي الشرق سوف يرى الهلال في نفس الوقت الذي يراه فيه المسلم الأميركي كل حسب توقيت بلاده، لكن كل المسلمين سوف يعيّدون يوم السبت أينما كانت مواقعهم.

ليست هناك تعليقات: