2015/07/12

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(6)

الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة  . . . . الفصل الثاني: الحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة


(الحلقة السادسة)
الموظّب.... الأخ الأكبر 

وإستكمالاً لرحلة الإستكشاف السابقة أجدني أعشق البقاء في مياه المحيط لمدّة أطول، فقد آلفت البقاء هناء وبدأت أحسّ بأن العالم المحيط بي يعطيني المزيد من فرص التفكير والتدبّر والغوص في أعماق المجهول أو يمكن إستلطافاً منّي أن أسمّيها "أعماق اللامعلوم".
إن فضاء المحيط الشاسع وسمائه العالية وهدوء مياه سطحه تفتح أفق تفكيري وتدفعني لأستزيد الغوص في الأعماق وهناك حيث أجد غايتي لرؤية أشياء ليس من السهل في زحمة الحياة وكثرة المشاغل علينا كبشر رؤيتها لعدم إصطفافها في طابور أولوياتنا.
نظرت إلى سطح المحيط فخلت الأفق وقد بدأ يقترب منّي رويداً رويداً، وما هي إلّا لحظات حتى وجدت نفسي أطفو فوق سطحة الناعم، ووجدت أمواجه الهادئة تدفع بي بكل رفق وحنان نحو الأعماق فأحسسني ذلك بالمزيد من الإرتياح Tranquility  وذلك بكل تأكيد أفسح المجال أمام قلبي لينبض بالكثير من التأنّي والمزيد من الهدوء، tكلّما إستراح قلب الإنسان، كلّما تمكّن من ملء حجراته بناقل معينات الحياة (الأكسجين والسكّر) وهو الدم الذي يضخّ بعد ذلك بكل قوّة نحو الأطراف البعيدة من جسمه ونحو الأركان المهجورة من مخّه فتقوم خلاياه بإفراز كل المهدئات والتي منها الإنكفالين والهيبوكريتين، وكذلك مسكّنات الألم والإحتقان المعروفة ب"الإندورفين" وكذلك "الدينورفين"، وكل هذه الكيميائيّات تقع على عواتقها مهمّة إسعاد الإنسان وإحساسه بالسكينة والهدوء ممّا يدفع بدوره إلى المزيد من الإرتياح والمزيد من إنتعاش الدورة الدموية (سوف أتحدّث عن القلب والدورة الدموية مستقبلاً)، وهذا بدوره يؤدّي إلى المزيد من الإفراز لتلك "الناقلات العصبيّة" Neurotransmitters التي تضفي المزيد من الإرتياح على نفسيّة الشخص وتدفع في كيانه طاقة كبيرة وقوة رهيبة تساعده على الإندفاع نحو المزيد من المغامرة، حيث ينجلي عنصر الخوف والتردّد وتزداد ثقة الإنسان بنفسه فيتقدّم ويبتكر وتنفتح عنده أفق الخلق والإبداع.
وحتّى لا أتوه في عالم الأحلام والتصوّرات دعوني أعود إلى الواقع، وأعود من خلاله نحو فتح صفحة جديدة نتطلع من خلالها على المزيد من قدرات الخالق من خلال التحديق والتأمّل في داخل أنفسنا. دعوني أنتقل من المحيط الكبير (الدماغ) إلى المحيط الأصغر منه في الحجم والمهمّة، وهو المخيخ.


المخيخ Cerebellum
يقع المخيخ في الجزء الخلفي- السفلي من الدماغ ويتواصل معه بحزمة من الألياف العصبيّة الناقلة الجيّدة جدّاً وهي ألياف مغلّفة بمادة النسيج الشحمي  Myelin وهذه الألياف تمتاز بخاصيّة التوصيل في كلا الإتجاهين مثلها في ذلك مثل الأسلاك الكهربائيّة التي نعرفها.
يبلغ وزن المخيخ عند الرجال البالغين 150 جرام، وعند النساء في نفس العمر 135 جرام. وتبلغ أبعاده كالآتي: الطول ( رجال= 66 سم، نساء= 64 سم)، العرض (رجال=117سم، نساء= 109سم). ويتناقص المخيخ تدريجيّاً بدءاً من 40 سنة حتى يصل إلى بحوالي ثلاثة أرباع وزنه في عمر 75 سنة.
المخيخ هو بدوره يتكوّن من مادّة رماديّة على السطح ومادّة بيضاء تحت السطح، ويتميّز المخيخ أيضاً بتلك الخاصية التي يتمتّع بها 
المخ من حيث ثني المادة الرماديّة إلى خلجان وآخاديد Gyri & Sulci.

كما ذكرت سابقاً فإنّ عدد العصبونات في المخ بما فيه المخيخ يبلغ 100 بليون عصبونة، منها 20 بليون عصبونة في قشرة 
المخّ، والباقي وهو 80 بليون عصبونة في المخيخ، وتسمّى خلايا بيركنج Purkinje Fibers ,i وهو من كان قد وصفها للمرّة الأولى .
وأبان الكثير من وظائفها ( أنظروا كم يحظى المخيخ بإهتمام من قبل العصبونات المنتجة للكهرباء !).


يتركّب المخيخ من أربعة أجزاء رئيسيّة وهي كالآتي:

  1. نصفي المخيخ الكرويّان Cerebellar Hemispheres.
  2. الدودة المخيخيّة Vermis.
  3. اللوزة Tonsils
  4. الجريب المخيخي Formis.
وربّما الأهم من كل هذه الأجزاء الأربعة من حيث الخطورة هو "اللوزة" المخيخيّة، وهي التي تضغط على المراكز الحيويّة في جذع الدماغ عند تسلّل(هبوط) المخيخ مع جذع المخ عبر الثقبة العظمى في قاع الجمجمة، ويؤدّي ذلك إلى الوفاة العاجلة ما لم يتم تشخيصة وإنقاذه بسرعة فائقة بالتدخّل الجراحي.

للمخيخ دورته الدمويّة التي تأتيه من الدورة الدموية المخيّة الخلفيّة عن طريق الشريان القاعدي الذي يتكوّن من الشريانين 
الفقاريين.

وظائف المخيخ
برغم أن المخيخ لا يتجاوز حجمه ثلث حجم الدماغ، إلّا أنّه يحتوي على ما يقارب من 4 أضعاف من العصبونات في الدماغ، وهذا بكل تأكيد يعطي المخيخ أهمّية قصوى، ومن ثمّ فأنا ألقّب المخيخ بالأخ الأكبر للمخ الذي يراقبه في كل فعلة يفعلها، ويصدر إليه الأموامر لتساعده على أداء أغلب وظائفه.
كلّما أتناول المخيخ بالشرح خاصّة أثناء تدريسي لطلبة الطب والخريجين من الأطباء أتذكّر تلك الأغنية المشهورة "كل ما تعملينه أراقبه" لأننّها بصدق تعبّر في الكثير من النواحي عمّا يقوم به المخيخ من وظائف. فأهديكم إيّاها من كل قلبي:

من هنا يمكن تلخيص وظائف المخيخ في التنظيم والمتابعة والحساب والتقدير مع عدم نسيان عامل الزمن. أي بمعنى آخر أن المخيخ يتخصّص في تنظيم وتوظيب كل الحركات ثلاثية الأبعاد ويضيف إليها البعد الرابع وهو الزمن(الوقت)، فينتج لنا المخيخ حركات وأفعال غاية في الإبداع والدقّة، ومن منكم يريد بصدق تقدير خلق الله فينا فلتدبّر وظائف المخيخ بالكثير من الإهتمام والتركيز لأنّها من وجهة نظري تعكس ذلك الجانب.
من أجل قيام المخيخ بتلك الوظائف الحيويّة الهامة جدّاً والمعقّدة جداً، عليه بأن يحافظ على تواصل متين مع المخ وأغلب أجزائه  الفاعلة. فالمخيخ يستلم الكثير من معلوماته التي يتصرّف على ضوئها من الجهاز العصبي الحسّي (راجع الحلقة الثانية من هذه السلسلة)، فأغلب الرسائل الحسّية تقوم بزيارة عمل للمخيخ في طريقها إلى مقر القيادة المركزيّة بحيث تحضر معها إحداثيات وأرقام 
وتوقيتات وإتجاهات ومعها كوابح غاية في الأهميّة.
ومن هنا فليس من السهل الإلمام بكل وظائف المخيخ، لكنّني أضع لكم ملخّصاً لها هنا:
1-تغذية معلومات تقادميّة.
2-التبعيد والتقريب.
3-التوظيب والتقنين.
4-التهذيب والترطيب.
 والخلاصة أن المخيخ يستلم معلومات عن طريق كل الأجهزة الحسيّة في الدماغ بما فيها الشم واللمس والسمع والذوق والنظر والصغط الجوي والتغييرات والحرارية، ثم يحلّلها ويرفعها إلى أجهزة التحقيق والتحقّق في القيادة المركزيّة للمخ الواقعة في التلفيف المركزي الخلفي، ثمّ بمجرّد إرسال تلك المعلومات إلى قسم الحسم ورد الفعل التابع للقيادة المركزيّة للمخ والذي تتخذ قيادته من التلفيف المركزي الأمامي في المخ مقرّاً دائماً لها، ومن هناك يتم عرض تلك المعلومات والأفعال المعتبرة على المخيخ ليبدئ رأيه فيها ثم يقوم بتعديلها وتوظيبها وتنقيحها وربطها بعامل الزمن(توقيتها) وبعد ذلك يعيدها إلى الجهاز الحركي الذي يقوم بتنفيذها على الفور وكما يجب.
من هنا يمكن القول بأن المخيخ يتحكّم في كل شئ نعمله مثل الكلام والبلع والتنفّس والحركة والتوازن والكتابة والرسم وإستخدام العٌدد المختلفة من شوكات وسكاكين وملاعق في الأكل، وكذلك الحلاقة والماكياج وتنظيف العيون والأنف، ولا تنتهي تلك الوظائف التي يشرف عليها المخيخ.
إنّه يستحق منّا كل تقدير وإحترام، فلولاه لما إستعطنا فعل أي شئ في حياتنا، وبتعطّله نفقد التوازن ونتلعثم ونسقط على الأرض، ونرى الأشياء مرتجّة ونضرب وجوهنا حينما نريد أن نلمسها بلطف أو نداعبها!.
هنا وأنا أتحدّث عن المخيخ أتذكّر كلام الله إلينا: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}..... طاب صيامكم، وبقرب العيد أقول لكم جميعاً: كل عام وأنتم بألف خير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك