2015/07/05

مسّ من الجنّ - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون(5)

الفصل الأوّل:  الحلقات السابقة  . . . . الفصل الثانيالحلقة الأولى  الحلقة الثانية  الحلقة الثالثة  الحلقة الرابعة


(الحلقة الخامسة)
عودة إلى الأعماق... دماغ الإنسان 

شعرت لاحقاً بأنّني أسرعت الهروب من الأعماق في المرّة السابقة بهدف الفرار، ربما لأنّني كنت خائفاً من الغرق أو ربّما لأنّني لم أكن أقدر على تحمّل رؤية المزيد من المجاهيل والدهاليز والخوافي. بعد التفكير والتروّي وأنا أعبر مضيق جبل طارق في طريقي إلى المتوسّط تذكّرت الكثير من النفائس التي يتوجّب عليّ إطلاعكم عليها حتى أترك قاع المحيط وأنا مستريح الضمير، مع يقيني بأنّني مهما حدّثتكم ومهما أخبرتكم ومهما أمعنت النظر عميقاً وحدّقت فإنّه لا يمكنني إخباركم بكل شئ ولا إعلامكم عن كل شئ. نحن هنا نتعامل مع محيط شاسع المساحة واسع الأطراف فاغر العمق فالمشهد أكبر بكثير من التصوّر.
وأنا في طريق العبور نحو المتوسّط متّجهاً نحو ميناء اللاذقّية في سوريا ومنه نحو اليابسة قرّرت العودة المفاجئة للمحيط الهادر بهدف القيام بغطسة جديدة باحثاً عن معالم لم أتحدّث عنها في المرّة السابقة. قرّرت العودة لأعماق المحيط مع علمي بأن الغوص إلى هناك ليس مجرّداً من المخاطر ولا هو مؤمّناً من الأغوال، ومهما حاولت فلن يكون ذلك بكافياً لسبر كل تلك المجاهيل المترامية الأطراف؛ لكنّني برغم كل شئ شرعت في طريق العودة نحو عمق المحيط ولا شئ سوف يحيل بيني وبين البحث عن المعرفة وإكتشاف المزيد من عالم الإنسان.... حتّى أذكّر نفسي بقول الله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}.... صدق الله العظيم.

البرك المائيّة Ventricles
البرك المائيّة المتوزّعة في داخل الدماغ تسمّى البطينات المخيّة Cerebral Ventricles، وهي ثلاثة في العدد ومع أن أحد هذه الثلاثة ينقسم إلى بطين أيمن وبطين أيسر، وبذلك فإن بعض العلماء يحتسب بطينات المخّ
 على أنّها أربعة وليست ثلاثة.

دعونا نتجوّل حولها وبداخلها لمحاولة التعرّف عليها وفهم وظائفها، فلم يجعلها الله من مكوّنات الدماغ جزافاً. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً}.
البطينات المخيّة هي كما ترونها في الصورة:
  1. البطين الطرفي الأيمن والأيسر(الأوّل والثاني).
  2. البطين الثالث.
  3. البطين الرابع.
هذه البطينات الثلاثة تتواصل مع بعض ببرازخ هي:
  1. ثقوب مونرو: تربط البطينين الطرفيين مع البطين الثالث.
  2. ثقوب قناة المخ: بين البطين الثالث والبطين الرابع.
  3. ثقبي ماغندي: بين البطين الثالث وقناة النخاع الشوكي المركزيّة.
  4. ثقوب لوشكا: بين البطينات وخلجان الأم العنكبوتيّة في الدماغ والنخاع الشوكي. 
ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو: ما هي مهمّة هذه البطينات وما هو سبب وجودها؟.
الإجابة على هذا السؤال قد تكون سهلة أو صعبة حسبما نراها ونتناولها. قد تكون سهلة بأن نقول بأن مهمّتها تكمن في الإحتفاظ ب وتوزيع السائل المخّي حول الدماغ والنخاع الشوكي. وقد تكون معقّدة إن نحن نظرنا إلى حركة السائل الدماغي ووظائفه ودوره في الحفاظ على ضغط متزن في داخل الدماغ وفي محيطه، وكذلك الحال بالنسبة للنخاع الشوكي.

دعونا نحاول التعرّف على السائل المخّي والنخاعي:
يحيط بالمخ والحبل الشوكي سائلاً لزجاً يسمى السائل الدماغ - نخاعي Cerebro-spinal fluid، وهذا السائل في حد ذاته يعتبر علماً والخوض فيه قد يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد لسبر أغواره، لكنّني سألخّصه هنا لأهميته:
السائل الدماغ – نخاعي يتم إفرازه من الدم عن طريق الرشح (الفلترة)، وينتج الدماغ يوميّاً ما مقدره نصف لتر من هذا السائل الحيوي، وتدور هذه الكميّة حول الدماغ والنخاع الشوكي دورة كاملة 6 مرّات في كل يوم. يتسرّب هذا السائل بعد ترشيحه من الدم إلى البطينين الطرفيّين ماعدا مساحة القرنين الأمامي والخلفي لكل بطين حيث لا توجد فيهما ضفائر مشيميّة، ومن البطين الثالث والرابع ما عدا قناة المخّ عن طريق خلايا البطانة العصبيّة Ependymal Cells الموجودة في الضفائر المشيميّة المتوزّعة في تلك الآماكن المذكورة حول البطينات.
بعد أن يتجمّع السائل في البطينات ويدور حول الدماغ والنخاع الشوكي يأخذ طريقة للخروج بهدف السماح للتجديد عن طريق الجيب السهمي العلوي والجيب السهمي السفلي الأصغر قطراً وتحمّلاً، ومنهما إلى بقيّة الجيوب المخيّة، وهذا يحتّم عليّ التحدّث عن هذه الجيوب المخيّة بهدف التعرّف عليها. معرفة الأشياء تعتبر ذات قيمة كبرى في التعرّف على ما يصاحب تعطّلها من أمراض تصيب بالتحديد الدماغ  والنخاع الشوكي، وهي قد تكون أمراضاً خطيرة الكثير منها ربّما يؤدّي إلى الوفاة السريعة أن لم يتم تشخيصها وعلاجها في الوقت المناسب.

الجيوب المخيّة (لا تخلطوها مع الجيوب الأنفية !):
هي جيوب بمختلف الأحجام والأشكال تتوزّع حول الدماغ وتسير تحديداً في الحيّز بين الأم الجافية والأم العنكبوتيه، وبعضها بين الأم العنكبوتيّة والأم الحنون (نحن هنا نتحدّث عن السحايا، وهي عالم آخر لا يمكنني العبور بدون التنويه إليه).
يبلغ عدد الجيوب المخّية 12 جيباً منها 5 فرديّة، و7 مزدوجة(يمين ويسار) وهي:

الفرديّة:
  1. الجيب السهمي العلوي.
  2. الجيب السهمي السفلي.
  3. الجيب السيني.
  4. الجيب القفوي
  5. الجيب ما بين الكهفي. 
الزوجية(المزدوجة):
  1. الجيبان العرضيان.
  2. الجيبان السينيّان.
  3. الجيبان الصخريّان السفليان.
  4. الجيبان الصخريّان العلويان
  5. الجيبان الكهفيّان
  6. الجيبان الوتد-جداريّان
  7. ظفيرتا جيوب الوريد القاعدي على الجانبين. 
وبالإمكان تصوّر هذه الجيوب وهي تجيب الدماغ في كل أركانه من خلال هذ الصورة:

المهم، أنّه في نهاية الأمر يتسرّب السائل المخّي تاركاً عالم الدماغ ليعبر نحو الدورة الدموية من خلال ما يعرف بالنتوءات الوريديّة ناحية وريد غالن العظيم ومنه إلى الوريد الأجوف العلوي ومن هناك إلى القلب الحنيّن الذي يدفع به نحو الكليتين لتصفيته وإخراجه على هيئة بول (سوف أتحدث في القريب عن دورة القلب والكليتين وما إليها من أجزاء الجسم المختلفة).

السحايا

السحايا هي أغشية ناعمة تحيط بالدماغ والعصب الشوكي ولها بكل تأكيد مهامها ووظائفها. لها أيضاً مثالبها ومشاكلها إن هي أصابها مكروه مثل الجراثيم والإلتهابات والتمزّق الذي يؤدي إلى النزيف وما إليها من المضاعفات الخطيرة، لعلّ أهمّها وأكثرها شيوعاً بين الناس هو الإلتهاب السحائي Meningitis.
توجد بطبيعة الحال ثلاثة أنواع من هذه السحايا، وهي تنعت ب"الأم" لحنوّها على الدماغ والعصب الشوكي ودورها في حمايتهما وتزويدهما بالغذاء والمناعة من الأمراض. كما أنّها تحمي الدماغ والعصب الشوكي الرخويان من التشرذم في كل مكان. وأنواع السحايا هي:
  1. الأم الحنون Pia Matter: وهي السحايا المحيطة(الملتصقة) مباشرة بالدماغ والنخاع الشوكي.
  2. الأم العنكبوتيّة Arachnoid Matter (شكلها مثل بيت العنكبون): وهي الوسط بين الأخرتين، وهي تعتبر أكبر السحايا حجماً وأكثرها سمكاً، وتجري خلالها الكثير من الأوعية الدموية المغذية والملطّفة للضغط حول الدماغ.
  3. الأم الجافية Dura Matter: وسميت كذلك لأنّها الأبعد بالنسبة للدماغ والأكثر قسوة بين شقيقاتها.
ولنترك الآن هذا العالم الكبير والعميق والزاخر بالمهام والوظائف والحامل للكثير من الأهوال والمصائب إن هو تم العبث به، ولننتقل الآن إلى عالم الدورة الدموية المخية.

دورة المخ الدموية 
وهذا هو عالم آخر ويعتبر في غاية الأهمية، ممّا يجعل رغبة التعرّف على هذا العالم مغرية ومثيرة... فكل أنواع حوادث المخ (الجلطات والنزيف) تأتي من هنا، وكذلك إحتقانات أوردة المخ القاتلة Cerebral & Cortical Vein Thrombosis، كما أن إنسداد الأوعية الدموية الطرفي  Cerebro-vascular Small Vessel Disease وما له من أعباء على الإنسان مثل فقدان الذاكرة والوله والعته والخبل ورؤية الأشياء والتخيّل والضياع والهلوسة... أغلب هذه المؤثّرات يكون مصدرها دورة المخ الدمويّة بكل أشكالها وأطرافها. بالإمكان التجوّل خلال هذا الرابط، ففيه الكثير حول هذا الموضوع: الـجـلـطـة الـمـخــيّـة

مكوّنات دورة المخ الدموية هي:
  1. الشريان السباتي الداخلي وهو المهم، ورفيقه الخارجي الذي يعتبر أقل أهمية.
  2. الشرايين الفقارية الأيمن والأيسر.
  3. الشريان القاعدي.
  4. دائرة ويليس الشهيرة بشرايينها الثلاثة: الشريان الدماغي الأمامي، والشريان الدماغي الوسطي، والشريان الدماغي الخلفي.
  5.  شرايين الحبل الشوكي الثلاثة (واحد أمامي وإثنان خلفيان).
وبكل تأكيد فإن الشرايين الكبيرة تنتهي إلى شرايين صغيرة تنغرس في كل مكان في المخ، وتؤدّي في النهاية إلى شعيرات شريانية، وهذه بدورها تتواصل مع شعيرات وريدية تؤدّي إلى أوردة أكبر قليلاً تنتهي في نهاية الأمر إلي الوريد الأجوف العلوي والذي مع الوريد الأجوف السفلي يصبّان في البطين الأيمن من القلب.

ومن هنا فإنّني بدأت أحسّ بصعوبة في التنفّس نتيجة لكثرة الضغط في عمق المحيط، فليس لي الآن إلّا الخروج السريع لإستنشاق الهواء والتنفيس على نفسي قليلاً حتى أعود إليكم الأسبوع القادم بإذن الله ونحن مازلنا نغوص في أعماق المحيط لنتعرّف على كوامن أخرى هي نفسها غاية في الإبداع والتركيب والتشكيل والوظيفة.... فإلى اللقاء بإذن الله، وربنا يتقبّل صيامكم !.

ليست هناك تعليقات: