2015/06/10

مسّ من الجن - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون (2)

الحلقات السابقة:  الفصل الأوّل  . الفصل الثاني: الحلقة الأولى

(الحلقة الثانية)
الدماغ... ومكمن صنع القرار - الجهاز الحسّي

  وأجدني أعود لأتحدّث عن صنع القرار من جديد. يا إلهي، أنا أصبحت أكثر من الحديث عن صنع القرار والإقرار، لكنّني لست نادماً على ذلك. فأنا أعتقد بأن المقدرة على صناعة القرار هي آليّة فعّالة لأجندات التغيير، والتغيير هو أمر منشود من كل إنسان يبحث عن الأحسن.
المعرفة هي أساس صنع القرار، فكل قرار أتخذ على غير معرفة يعتبر قراراً عشوائيّاً وإعتباطيّاً تكون نتائجه في أغلب الأحيان سلبيّة وقد تكون مدمّرة.
أنا هنا لا أتحدّث عن صناعة القرار في المحافل الدوليّة، ولا في الدولة نفسها؛ وإنّما أنا أتحدّث عن مقدرتنا نحن البشر - كل على مستواه – على صنع قرارات لأنفسنا نسيّر بها شئون حياتنا ونحدّد بها مستوى تعاملنا مع وسطنا المحيط.
دماغك هو بكل تأكيد مكان صنع قرارك، وبتعرّفك على دماغك والطريقة التي يشتغل بها تستطيع أن تحدّد ماذا تريد أن تقرّر ومتى تقرّر ذلك.
من أجل أن أساعدك على التعرّف على دماغك الذي هو جزء من جهازك العصبي المتكامل، فإنّني أدعوك معي لتشاركني في هذه الرحلة التدبّرية والإستكشافيّة، فلعلّنا معاً نتعرف على أشياء كنّا نجهلها أو نكتشف أشياء كانت عنّا غائبة.... أو ربّما نتذكّر أشياء كنا قد تناسيناها في زحمة الحياة.
دعونا نتصوّر بأنّنا الآن نقف معاً على شاطئ مدينة طنجة المغربيّة الذي يطل من ناحية على المحيط الأطلسي ومن ناحية أخرى على البحر الأبيض المتوسّط. نحن نعرف بأن المحيط الأطلسي هو بالفعل عالم ملئ بالأسرار وبالخفايا بعضها يطفو على السطح وأغلبها يغوص عميقاً في القاع، وقد لا نتمكّن من الوصول إلى كشف كلّ أسراره أو حتى معرفة بعض مكامنه.
في المقابل نجد بأن البحر الأبيض المتوسّط هو محيط صغير من المياه النقيّة والرمال الذهبيّة وبين هذه وتلك توجد الكثير من الكائنات الحيوانيّة والصدفيّة والصخريّة. التجديف في مياه المتوسّط الضحلة نسبيّاً مقارنة بمياه المحيط قد يمكّننا من التجوال في كل ربوعه والتعرف على أغلب أسراره والتمتّع بالكثير من جمائله ومقابلة بعض من ساكنيه والتعرّف عليهم عن قرب.
دعونا نتحوّل من الطبيعة إلى أنفسنا، ولنعتبر أنّ المحيط بضخامته وكثرة أسراره هو عبارة عن دماغ الإنسان، والبحر المتوسّط بوضوحه وضحالة مياهه وإرتسام حدوده هو بمثابة الحبل الشوكي أو ما قد يعرف أيضاً بالنخاع الشوكي.
إذا أردنا أن ندخل المحيط بدون الخوف من الغرق والضياع في أغواره فعلينا التعرّف على طريق آمنة تؤدّي بنا إلى هناك، وهذه الطريق الواضحة والآمنة سوف تكون عبر شواطئ المتوسّط أو بمعنى آخر.... أحد أطراف النخاع الشوكي النائية.
لنتصوّر بأنّنا نقف الآن على شاطئ مدينة زوارة الليبيّة، ونحن نتمشّى على الشاطئ الرملي رويداً عسانا أن نعثر على مدخل سهل وآمن إلى البحر. دعونا نتصوّر بأن ليبيا وإيطاليا تمثّلان الأطراف العليا للجسم(الذراعين)، ولنتصوّر بأن سوريا وتركيا هما بمثابة الأطراف السفليّة للجسم(الرجلين)، والبحر المتوسّط هو النخاع الشوكي كما أسلفت، فيكون بذلك مضيق جبل طارق هو بمثابة الرقبة والمحيط الأطلسي هو بمثابة الرأس.
نعود إلى ليبيا، وشاطئ زوارة الرملي نبحث فيه عن مدخل للبحر، ولنتصوّر بأن هذا الشاطئ الرملي هو بمثابة الجلد الذي يغطي اليدين، فلنكتشف ماذا بداخله.

نحن نعرف بأن جلد الإنسان هو أكبر عضو في الإنسان من حيث المساحة، وعلينا الآن أن نبحث عن النقاط المهمّة في هذا البساط الكبير حتى ربّما عن طريقها نتمكّن من التسرّب إلى داخل النخاع الشوكي بدون أن نثير أحداً أو نتسبّب في تحفيز حفيظة الحرّاس، فقد يغضبوا علينا ويقوموا بردّة فعل ربّما تؤذينا.
لنبدأ بالتعرّف على ما يخفيه الجلد تحت أدمته من مستقبلات ومجسّات حسيّة، لما لتلك المعرفة من أهميّة في التكشّف على بعض من إتقان الخالق وحسن تدبّره.

نحن نعرف بأن جلد الإنسان هو أكبر عضو في الإنسان من حيث المساحة، وعلينا الآن أن نبحث عن النقاط المهمّة في هذا البساط الكبير حتى ربّما عن طريقها نتمكّن من التسرّب إلى داخل النخاع الشوكي بدون أن نثير أحداً أو نتسبّب في تحفيز حفيظة الحرّاس، فقد يغضبوا علينا ويقوموا بردّة فعل ربّما تؤذينا.
لنبدأ بالتعرّف على ما يخفيه الجلد تحت أدمته من مستقبلات ومجسّات حسيّة، لما لتلك المعرفة من أهميّة في التكشّف على بعض من إتقان الخالق وحسن تدبّره.
     وإذا نحن حاولنا البحث عن المستقبلات الحسيّة تحت الجلد فإنّنا نجدها متوزّعة في كل مكان وتغطّي كل جزئيّة من تحت الجلد مهما كانت متناهية في الصغر. هذه المستقبلات الحسيّة يمكن حصرها في سبعة مجسّات كلّ منها تتخصّص في نوع معيّن من الآحاسيس ترسل إشاراتها إلى منطقة التحرّي للتعرّف عليها وتسميتها... بل وتذكّرها في المستقبل حتى بدون النظر إليها.
وإذا تتبعنا هذه المجسّات تحت الجلد فسوف نجد بأنّها تتوزّع في آماكن مختلفة حسب الحاجة إليها وحسب نوعيّتها. فمثلاً جسيمات مايسّنر Meissner's Corpuscles تتخصّص في الآحاسيس الرقيقة واللطيفة والحنونة، ومن ثمّ نجدها تكثر على سطح اليد وفي شحمة الأذن، وكذلك تتركّز بكثافة في آماكن المداعبة مثل الشفتين ومقدّمة اللسان وعلى جانب الرقبة وفي حلمة الثدي، وبين الفخذين وحول أعضاء التناسل.
في المقابل نجد أنّ جسيمات باتشيني Pacinian Corpuscles تتجمّع في مناطق إستقبال الآحاسيس القاسية (المقزّزة والمؤلمة) فنجدها تكثر في راحة اليد، وفي بطن الرجل، وفي جلد الركبة والقدمين، وغيرها.

القصة سوف تطول هنا لو أنّنا تتبعّنا مجريات الأحداث وبحثنا عن كل التفاصيل المعروفة وما خفي كان أعظم بكثير ممّا تم إكتشافة والتعرّف عليه. المهم أنّني هنا قرّرت الخروج من الجلد للتوغّل في أعماق جسم الإنسان، فكل مستقبلة حسيّة بما فيها الشعيرات العصبيّة الطرفية التي يتجاوز عددها المليارات وهي موزّعة في كل جزئية صغيرة من الجلد والكثير من أعضاء الجسم الداخلية... كل مستقبلة حسيّة تعتبر كلواقط للآحاسيس القادمة من محيطها الداخلي أو الخارجي تعتبر بمثابة خليّة عصبيّة حسّية بإمكانها تحويل ما يصل إليها من وخزات حسب تخصّصها إلى شحنات كهربائيّة تدفع بها في إتجاه النخاع الشوكي عن طريق شعيرات عصبيّة رقيقة جدّاً وموصّلة من النوع الرائع جداً (مثل الألياف البصريّة المستخدمة في الإتصالات الرقمية الحديثة Fiber-optic Communications) وهذه الشعيرات الحسيّة العصبية سرعان ما تتجمّع على هيئة ألياف عصبيّة تعبر نحو القرن الخلفي للحبل العصبي في ركنيه الأيمن والأيسر من خلال العُقد العصبية الجذرية الظهرية.
وتدخل الأعصاب الحسيّة إلى النخاع الشوكي من القرن الظهري(الخفي)، وهذا القرن من النخاع الشوكي يتميّز بشدّة حساسيّته وتخصصيّة أجزائه السبعة، كل في نوع معيّن من الآحاسيس التي منها الرنين وتحديد الموضع في الفضاء والمقدرة على التمييز بين وخزتين قريبتين من بعض لمسافة لا تقل عن 4 سنتيمترات في الشخص الطبيعي.

هناك أقسام أخرى من قرن النخاع الشوكي الظهري تتخصّص في بقيّة الأنواع من الأحاسيس. وبعد دخول تلك الألياف العصبيّة الحسيّة إلى النخاع الشوكي بعضها يتجه مباشرة إلى أعلى في داخل النخاع الشوكي، وبعضها يقطع النخاع الشوكي عرضيّاً للجهة المقابلة منها ما يكون قريباً جداً لوسط النخاع الشوكي ومنها ما يكون طرفيّاً، وكل هذه الألياف تعتبر تخصّصيّة جدّاً منها في الألم والحرارة، ومنها في الآحاسيس الودّية(الرقيقة)، ومنها ما يتخصّص في الوخزات والإشارات الحادّة والمؤلمة.
تصعد الأعصاب الحسيّة إلى أعلى في النخاع الشوكي فيمر أكثر من ثلثيها بغدّة "المهاد" في وسط الدماغ، بينما يصعد الثلث الآخر إلى أعلى بدون الحاجة للعبور بالمهاد، ولله في خلقه شئون..... سبحان الله.
بعض الألياف العصبيّة الحسيّة تقوم بزيارة وديّة للمخيخ وبعضها يزور العقد القاعديّة أيضاً بهدف التشاور والإتفاق على إتخاذ القرارات الحاسمة للردع كلّما إقتضت الحاجة ذلك !. بعد عبور بعض الألياف بالمخيخ أو بالعقد القاعديّة أو بكليهما، تواصل هذه الألياف رحلة الصعود إلى مقرّ القيادة المركزيّة وهناك تسلّم كل ما لديها من رسائل ومعلومات للقيادة المركزيّة وتتركها لتتشار فيما بينها بهدف إتخاذ القرارات الحاسمة من حيث التوقيت والإتجاه والقوة بالتعاون الوثيق مع المخيخ(المراقب، أو الأخ الأكبر !).

بعدها تدخل كل الألياف الحسّيّة في رحاب التلفيف الخلف مركزي في وسط الدماغ من كل جهة، وهناك يتم التواصل الحميم بين التلفيف الخلف مركزي الحسّي مع التلفيف الأمام مركزي الحركي ويتم تبادل المعلومات والإشارت. هناك حيث مقر القيادة المركزيّة للجهاز العصبي بحيث تقوم السلطات التشريعيّة بتسليم الأمر والمواصفات للسلطات التنفيذيّة والتي تقوم بعد ذلك بإصدار الأوامر إلى الجنود على الأرض كل في موضعه للقيام بهجوم مضاد يتم من خلاله مقارعة المهاجم والقضاء عليه أو على الأقل الإبتعاد عنه وإتّقاء شرّه.
وبذلك ينتهي الجهاز العصبي الحسّي، وبإنتهائه أصل بكم إلى نهاية حلقة اليوم على أمل أن نلتقي في الحقة القادمة لنتعرّف معاً على الجهاز العصبي الحركي من بدايته إلى نهايته، وسوف أمكث قليلاً في الدماغ بهدف التعرّف على مكوّناته ومن ثمّ نعبر سويّاً في طريقنا للخروج من ذلك المحيط الكبير تجاه الشط الذي سوف لن يكون رمليّاً هذه المرّة وسوف تكون محتوياته مختلفة عن الشاطئ الذي عبرنا عن ريقه إلى داخل النخاع الشوكي وأكملنا رحلة التوغّل حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه !!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك