2015/06/21

مسّ من الجن - الفصل الثاني: وفي أنفسكم أفلا تبصرون (3 )

الحلقات السابقة:  الفصل الأوّل   الفصل الثاني: الحلقة الأولى  الحلقة الثانية


(الحلقة الثالثة)
دماغ الإنسان... وما خفي كان أعظم
رحلة اليوم ستكون ربّما أكثر إثارة وربّما أكثر ترقّباً من قبل بإعتبار أنّها تهدف للدخول في أعماق سحيقة لذلك المحيط الكبير والعميق والملئ  بالأسرار والخفايا التي مازلنا نجهل أغلبها.
وقفت حائراً في البدء... من أين أبدأ رحلة الإستكشاف لهذا اليوم، وهل سوف أبدأ من السطح من جديد لأحاول الغوص في العمق 
وبطريقة مختلفة، أم أنّني ربّما أحاول مواصلة الرحلة من حيث إنتهيت في المرّة السابقة؟.
بعد تفكير وتدبّر وبعض الإعتبارات المنطقيّة، قرّرت البدء من الداخل... الإنطلاق من العمق نحو السطح (الخارج). بكل تأكيد بداية
 مثل هذه قد تكون صعبة وقد تكون خطيرة قد أجد نفسي أغوص عميقاً في القاع بدون أن أمتلك المقدرة على أو الطريق المؤدّي إلى 
الخروج سليماً من هذا اليمّ، لكنّني إخترت هذه المجازفة كونها ربّما تقصّر الوقت وتكشف البعض القليل عن المستور الكثير منذ 
البداية.

البدء من حيث الإنتهاء  

في الحلقة السابقة تتبعنا وقع وخزة الإبرة ومسيرتها حتى وصل بها الأمر إلى القرن الظهري (الخلفي) للنخاع الشوكي ومن هناك
 راقبنا بعض الإشارات وهي تعبر للجانب الآخر من الطريق وبعضها يواصل الصعود دون الحاجة لقطع الطريق عرضيّاً. لاحظنا
 أيضاً أن بعض الإشارات الحسّية في صعودها نحو مركز الإحساس الداخلي لتوصّل حمولتها من الأحاسيس إلى مقر"القيادة
 المركزيّة" Central Command بعد محاولتها الحثيثة الإكتفاء بنقل تلك المعلومات الخطيرة إلى مقر"القيادة 
الميدانيّة" Field Command حيث عجزت القيادة الميدانيّة عن التعامل مع الحدث نتيجة لنقص الخبرة والإمكانيات ونتيجة
 لخطورة الموقف وقوّة الجهة المغيرة.
القيادة الميدانية
سوف أحاول هذا اليوم وإيّاكم زيارة مقر "القيادة المركزيّة" بشقّيه الإستخباراتي(المسئول عن إستقبال المعلومة) والهجومي(المسئول
 عن تجهيز وإرسال قوّة الردع)، ولكن قبل ذلك رغبت في التوقّف قليلاً عند غرفة من غرف القيادة الميدانية كنت قد تجاوزتها في
 المرّة السابقة. هذه الغرفة تسمّى "البوّابة الإفتراضيّة" Gate Theory حيث بداخلها تحدث أشياء غاية في الأهميّة تستوجب التوقّف
 عندها.

البوّابة الإفتراضيّة

قبل الدخول في عمق وحدة "البوّابة الإفتراضيّة" دعوني أتعرّف على مكوّناتها(من يتعامل معها)، ولماذا هي تعتبر جزءاً مهمّاً من
 تركيبة "القيادة الميدانيّة"، وما هي وظيفتها بالتحديد.
 دعوني أبدأ من جديد بالأعصاب الطرفيّة، فمئات الملايين منها هي متوزّعة في كل مكان في جسم الإنسان، ليضمن وجودها مراقبة 
مستديمة وحسّاسة ومهنيّة لكل جزء - ولو كان صغيراً جداً - من جسم الإنسان وبشكل يصعب وصفه أو تقليده من عندنا نحن البشر
 نظراً لدقته وإبداع الخالق في تشكيله وتوظيبه وتكييفه بما يمكّنه من القيام بمهامه التي ما زلنا في بداية الطريق لمعرفة كنهها وطريقة
 عملها.
هناك ثلاثة مجموعات من الضبّاط وضبّاط الصف والجنود من يناط بهم مراقبة أمن وسلامة كل خليّة في جسم الإنسان، وفي داخل 
كل مجموعة توجد تقسيمات مهنية وتركيبيّة دقيقة جداً بحيث  تتوزّع المهام بناء على الرتبة والترتيب.
توجد ثلاثة مجموعات من الأعصاب الطرفية وهي:

  1. الأعصاب الحسّية.
  2. الأعصاب الحركيّة.
  3. الأعصاب الذاتيّة.
وكل من هذه المجموعات الثلاثة تتكوّن من ألياف عصبيّة تقوم كل منها بالمهام المناطة بها، وهذه الألياف العصبيّة هي بدورها تنقسم
 إلى ثلاثة مجموعات كما ذكرت أعلاه.
المجموعة أ: وهي ما يمكن تشبيهه بمجموعة الضبّاط في أية قوّة ميدانية تجمع بين الإستخبارات والردع في صفوفها. هذه
 المجموعة تعتبر من أكبر الأعصاب الطرفية حجماً وطولاً وفاعلية ومقدرة على التعامل مع الهجومات الكبيرة والخطيرة والتي تتطلّب الردع السريع، ذلك أنّها كلّها مدعومة بغشاء الأعصاب الشحمي المسمّى  Myelin ، وهذا الغشاء الشحمي يتميّز بوجود
 ألياف عصبيّة رفيعة جداً وحساسة جدّاً تربط بين أقسام الغشاء الكثيرة تتجمّع في هيئة عقد عصبيّة غاية في الحساسية تسمى "عقد 
رانفيير" Nodes of Ranvier. من هنا نلاحط بأن غشاء الأعصاب الشحمي يقدر على زيادة سرعة التواصل في العصب بما لا
 يقل عن 10 مرات، وقد يصل إلى 20 ضعف في بعض الأعصاب.
يبلغ نصف قطر هذا النوع من الألياف العصبيّة ما بين 3.5 – 20 ميكرومتر، وتبلغ سرعة التوصيل (نقل الإشارات الحسّية أو 
الحركيّة) بداخلها ما بين 15 – 120 متر في الثانية، أي ما يزيد عن 400 كيلومتر في الساعة في بعض هذه الألياف.
المجموعة "أ" هي بدورها تنقسم إلى أربعة رتب حسب الطول والحجم وسرعة التوصيل وهي: ألفا وبيتا وجاما ودلتا، أو ما يعني
 بالعربي: ألف وباء وجيم ودال.
المجموعة ب: وهي ما يمكن تشبيهه بمجموعة ضبّاط الصف في الجيش، وهذه المجموعة هي أيضاً محاطة بغشاء الموصّل الشحمي
 Myelin ، وبذلك فهي هي بدورها تعتبرجيدة التوصيل من ناحية وهي قادرة على التعامل مع الأحداث المتوسّطة. يبلغ نصف قطر
 العصب في هذه المجموعة ما بين 1.5 – 3.5 ميكرومتر، وسرعة توصيلها للمعلومات 3 – 15 متراً في الثانية.
المجموعة ج: هذه المجموعة من الألياف العصبيّة هي الأصغر والأقل توصيلاً، لكنّها بذلك تعتبر الألياف الأكثر لطافة وحسن تعامل
 مع الأحداث. هذه ربما يمكن إعتبارها بمثابة مجموعة الجنود حديثي التخرّج أو من هم مازالوا صغاراً في السن. كل أفراد هذه 
المجموعة من الألياف العصبيّة هي غير مغطّاة بالغشاء الشحمي Myelin ، ومن هنا فكمّية التوصيل بداخلها تعتبر صغيرة جداً 
ومقدار تحمّلها هو أيضاً بسيطاً ومتواضعاً. يبلغ نصف قطر هذا النوع من الألياف العصبيّة 0.3 – 2.5 ميكرومتر، وتبلغ سرعة 
التواصل بداخلها ما بين 0.5 – 3 متر في الثانية... أي أنّ السرعة بداخلها لا تتجاوز 10 كيلومتر في الساعة(سرعة درّاجة !). هذه
 المجموعة من الألياف عادة تبتدئ بتلك المستقبلات الناعمة وخاصّة طرفيات الأعصاب الحرة المتوزّعة في كل أنحاء وأطراف
 وجزئيات جسم الإنسان. أهمية أعصاب هذه المجموعة تكمن في الإكتشاف الجديد نسبيّاً وهو ما يعرف ب"نظريّة البوّابة" السابق
 التنويه إليها، وهذه لها الدور المهم والكبير في تخفيف الألام وإحساس الجسم بالإرتياح عند مداعبتها أو التعامل معها بحنّية كما 
يحدث في التدليك والمداعبة واللمس الناعم والدغدغة الهادئة اللطيفة. كما أنّها تستخدم في العلاج عن طريق الوخز بالإبر الصينيّة 
والماء Hydrotherapy، وبقيّة العلاجات الطبيعية.
هذا بكل تأكيد يعود بنا إلى الحديث عن "نظرية البوّابة" لما لها من أهمية قصوى في علاج الأمراض المتسبّبة بأعطاب في 
الأعصاب الطرفية على وجه الخصوص مثل حالات السكّري وتلك الناجمة عن إستخدام بعض الأدوية والأخرى المصاحبة لإلتهابات
 الأوعية الدموية الصغيرة(الطرفية)، وذلك بإستخدام الحث الكهربائي اللطيف عن طريق الحاثّات الكهربائية المستخدمة لهذا الغرض 
TENS Machines، وكذلك واخزات الحبل الشوكي الكهربائيّة لتقليل ألم الظهر.

نظريّة البوّابة أثناء التشغيل والتعطيل
فكرة هذه النظريّة تعتمد على الإعتقاد بأن حثّ أعصاب "المجموعة ج" يولّد شحنة كهربائيّة صغيرة تنتقل مباشرة إلى أعصاب
"المجموعة أ" فتمنع تلك الألياف من توليد المزيد من الشحنات الكهربائية لمحاولة دفعها عبر الأعصاب الطويلة والكبيرة، فتتجاوز
 بذلك القيادة الميدانية وتتسرّب بكل قوة ناحية القيادة المركزيّة، وهناك تحدث ردود أفعال أحياناً يكون مبالغاً فيها مما قد يسبّب أعطاباً
 في تلك الأعصاب الكبيرة، وتلك الأعطاب قد تصبح مزمنة ومن الصعب علاجها أو السيطرة على الشحنات المتولّدة بداخلها. هذا
 ربّما يعتبر أقرب تفسير لمفهوم "نظريّة البوّابة" مع أن المعلومات مازالت في بداياتها وسوف يأتينا المستقبل بالمزيد من الفهم
 والإستعمال لهذه النظريّة في العلاجات وكذلك في إضفاء السعادة والإرتياح على البشر.

جولة في عالم الدماغ
كما ذكرت أعلاه، فقد إخترت بأن أبدأ معكم هذه الجولة من الداخل.... من عمق الدماغ، ومن هناك سوف أصحبكم في رحلة إلى
 خارجه نزولاً بالحبل الشوكي والأعصاب الطرفيّة الحركية كي ننتهي في آخر المطاف بالعضلات ونتعرّف على بعض ملامحها 
ووظائفها وكيفية قيامها بتلك الوظائف. الكثير سوف يتبع في الحلقات القادمة بإذن الله.

العَصَبون (النيورون)

العَصَبون Neuron هو الوحدة العصبيّة (الوحدة المخّية) التي تقوم بمهمّة الجهاز العصبي ولكن على مستوى صغير وضيّق جدّاً.
 بإمكان أية خليّة أن تشتغل لوحدها(منفردة) لكن العمل الجماعي هنا له بالغ الأهمّية.
يبلغ عدد هذه العَصَبونات في المخ والمخيخ 100 بليون عَصَبونة، منها حوالي 20 عصبونة في قشرة المخ والباقي، أي 80 بليون عصبونة في قشرة المخيخ. تتواصل هذه العصبونات مع بعضها بشبكة من التوصيلات تسمّى "التشعّبات العصبيّة" Dendritis وتتواصل هذه التشعّبات مع بعضها بمشابك Synapses بطريقة منظّمة ومحكّمة ومبرمجة حسب التموضع من قشرة الدماغ، وحسب الوظيفة المناطة بها. يبلغ عدد هذه المشابك 100 تريليون مشبك، ولو حاول أحدنا عد التشابكات العصبيّة المختلفة بين مشابك العصبونات للزمه الأمر ما يقارب من 300 مليون سنة بأيامها ولياليها وهو يعدّها حتى يتمكّن من حصرها جميعاً.... سبحان من خلق فسوّى.
هكذا تتواصل العصبونات مع بعض
توجد ثلاثة أنواع من العَصَبونات من حيث الأساس، لكن كل واحدة منها قد تنقسم تالياً إلى أنواع فرعيّة حسب الموضع والوظيفة:
1-العَصَبون الحسّي:

وهي الخلية العصبيّة بملحقاتها التي تستقبل الوخزات أو المحفّزات الحسّية من جميع أنحاء الجسم وتحوّلها إلى طاقة كهربائيّة تدفع بها
 ناحية زميلاتها "العَصَبونات الحركيّة" والتي تقوم بعد ذلك بإرسال الإشارة الكهربائيّة بعد تضخيمها وتوضيبها وبرمجة سرعة 
وإتجاه وقوة تحرّكها نحو العدو المغير (الهدف) بقصد ردعه والقضاء عليه أوعلى الأقل تحييده إلى حين وصول المزيد من الدعم
 من الداخل أو من الخارج.
2-العَصَبون الحركي:

وهذا العَصَبون مهمّته الجوهريّة تكمن في إستقبال الإشارة من أجهزة الضبط والإستخبارات (العَصَبونات الحسّية) ومناقشهتا مع 
أجهزة أخرى في داخل الدماغ مثل منسّق الحركة والأفعال "المخيخ" Cerebellum ومنمّق الحركة والأفعال "العقد القاعديّة"
 Basal Ganglia، وكل هذه التركيبات المهمّة في دماغنا سوف تتم زيارتها والتعرّف عليها في الحلقات الموالية. المهم، أن 
العَصَبونات الحركيّة بعد أن تتشاور مع المستشارين الكبار في مركز القيادة العامة في داخل الرأس، تقوم - بعد إجراء كل
 الفحوصات النهائيّة بغرض التدقيق - بإرسل إشاراتها الكهربائيّة إلى الوحدة المرابطة في المنطقة التي تعرّضت لهجوم ما وتحثّها
 على القيام برد فعل متناسب مع طبيعة ونوعية الجهة المعتدية.
وهكذا تتواصل العَصَبونات الحسّية مع الحركيّة لتبادل المعلومات وتوزيع المهام:

3-العَصَبون التلقائي:
يوجد نوعين من هذه العَصَبونات: الودّية ونظيرات الودّية، وهي متوزّعة في الجسم وفق نظام رائع وقمّة في الإتقان والإبداع بحيث
 تقوم هذه العَصَبونات بمهامها المناطة بها وهي مهام حيويّة غاية في الخطورة والحساسيّة، وبذلك القدر الذي يجعلها مسئولة عن حياة
 الإنسان من خلال التحكّم في القلب وجهاز التنفّس كمثالين فقط. فقد تتوزّع هذه العَصَبونات في أماكن أخرى حسّاسة من الجسم منها 
بطبيعة الحال الغدد الصمّاء والأوعية الدموية وغدد العرق والدموع واللعاب وبقية إفرازات الجسم الصحيّة.
المهم في الأمر أن العَصَبونات الحسّية والعَصّبونات الحركيّة تلتقي مع بعضها في منطقة القشرة الرماديّة من المخّ، وهناك يتم
 التحادث وتبادل المعلومات. الأليّة التي يتم بها التواصل بين العَصَبونات وبعضها وماذا ينتج عن ذلك النوع من التواصل هو عميق
 ومعقّد لكنّني قد أحاول الخوض فيه مستقبلاً بأبسط ما أستطيع تبسيطه بهدف نشر المعرفة وتيسير الفهم على من لا يتخصّص في 
هذا المجال.
من خلال الطرح المذكور أعلاه أود أن أنبّه إلى أنّني حاولت كل جهدي لألخّص وأبسّط بشكل كبير جدّاً، فالمعلومات المتوفّرة عن
 المخ كثيرة جداً ومعمّقة بشكل ضخم، مع التنويه إلى أن مالا نعلمه هو أكثر بكثير مما نعلمه، وهذا من ناحيتي يدل على عظمة وإتقان
 الخالق في تركيبتنا وتشكيلنا بهدف تمكيننا من قضاء حوائجنا وتسيير حياتنا بما نطمح إليه وبما نحلم به وبما نتوق إليه.
أقول في هذا الشهر الكريم إن الإنسان كلّما إزداد علمه كلّما تكشّف على عجائب خلق الله وإبداعاته.... وكلّما إزداد بذلك إيمانه بوجود
 الله وإحساسة بقدرات الخالق الخارقة بالفعل.
سوف بإذن الله أواصل معكم الرحلة في دماغ الإنسان في الحلقات الموالية، وسوف أعمل جهدي لكي أكتب ما يستطيع كل شخص 
قراءته وفهمه، فهدفي الوحيد هو نشر المعرفة من خلال إيماني بأن الإنسان الذي يعرف هو أقوى وأكثر ثقة بنفسه من ذلك الذي لا
 يعرف أو يعرف القليل. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون}، ويقول أيضاً:{إِنَّمَا يَخْشَى 
اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، ويقول: {قلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ}..... تقبّل الله صيامكم.

ليست هناك تعليقات: