2015/03/28

مسّ من الجن (5)

    
(الحلقة الخامسة)
ماذا يقول شيوخ الدين والمشعوذون عن السحر؟
بقدر شغف الناس بالسحر يزيد إهتمام السحرة وشيوخ الدين به، والعملية متكرّرة ومتطوّرة ومدعومة ومبرّرة حتى دخل السحر من جميع نواحيه في حيّز الدائرة المفرغة أو المغلقة، وأخذت هذه الدائرة تدور حول نفسها طيلة العصور الماضية ومنذ نزول آدم على الأرض، وأعتقد بأنّها سوف تبقى مقفلة على نفسها(مفرغة) إلى يوم قيام الساعة.

هناك بكل تأكيد من أستفاد وسوف يستفيد من هذه الإستمراريّة لما تدرّه من أموال وجاه وسلطان على السحرة أو من يعتقدون بأنّهم من السحرة، وكذلك على شيوخ الدين الذين يرون السحر من أهم أسباب وجودهم وبقائهم وإهتمام الناس بهم. رجل الدين بدأ مع الوقت تقل أهميّته وإهتمام الناس به لكثرة وسائط المعرفة، لكن رجل الدين سوف يعمل المستحيل من أجل البقاء، وفي هذا قد لا يخجل رجل الدين من بيع صكوك الغفران والأحجبة والتمائم وعقد الأعشاب والجاوي والفاصوخ والحلتيته لأولئك الغلابة الذين سوف يتواجدون في كل عصر وفي كل زمان.

السحر له نبرة خاصّة وله تأثيرات أقل ما يقال عنها بأنّها سحريّة عند الكثير من الناس وخاصّة الغلابة وذوي المستويات التعليميّة المتواضعة وكذلك المنغلقون على أنفسهم لأنّهم عادة ما يعيشون في عوالمهم المغلقة عليهم ولا يحاولون الخروج منها إلى العوالم الرحبة، فهم ربّما يجدون فيها الكثير من الإرتياح والإطمئنان وسبب ذلك هو خوفهم من المجاهيل وما قد تحمله لهم الأقدار.
كلّما حاولت البحث في عالم السحر والجن تواجهني مشكلة الكم المطروح وكيف يمكن الإلمام به لكثرته وغزارته وتنوّعه وكثرة الإختلاف عنه، ومن هنا فليس من السهل علي الإتيان بخلاصة ما نشر وما كتب وما حكي وما تم التصريح به في هذا الإطار، لكنّني إكتفيت بنكهة من هنا أو من هناك فعسى ذلك يعطيكم بعض مما وجدت.

كان إهتمامي بموضوع السحر والجن منذ أن كنت طفلاً صغيراً حيث أنّني كنت أقرأ كتب والدي رحمه الله بكل شغف وبكل نهم لما كنت أجد فيها من مثيرات، ولم يكن والدي من السحرة أو من المتعاملين بالسحر، وكان رحمه لله يكره "التعزيم" وبقيّة أنواع التعامل مع السحر بهدف إنقاذ المسحورين من مس الجن وأثار السحر، لكنّه كان يستجيب لإلحاح البعض بأن يقرأ عليهم القرآن أو يقوم برشّهم برذاذ من لعابه (كما يفعل كل الذين يدّعون بأنّهم يحلّوا العقد ويبطلوا السحر ويبعدون الجن)، وذلك كان أكثر ما كنت أتعيّفه ولا أرتضيه أو أحتمل رؤية الناس يخضعون أنفسهم له. وفي هذا السياق، يجب التنويه إلى أنّه لا يوجد شيخ دين أو متفقّه فيه إلآّ ويكون له أخذ وعطاء في موضوع السحر والجن وما كان في بابهما، وبذلك فقد كان لي الكثير من الجولات بين أوراق تلك الكتب التي تتحدّث عن السحر والجن والشيطان، وتلك الكتب كانت من ضمن محتويات مكتبة والدي الدينيّة، فعرفت من خلالها بعض الأسرار التي تدفع بالناس إلى الإعتقاد بالجن والسحر ورضاهم بالخضوع لسلطان السحرة.

لم تتوقّف رغبة الفضول وحب الإستطلاع عند ذلك العمر المبكّر، بل إنّها كبرت معي من خلال الثانوي ثم الجامعة وما بعد الجامعة في ليبيا وخارجها.... وإلى يومنا هذا. أصبحت أكثر شغفاً بالتعرّف على خبايا عالم الجن والسحر حديثاً حيث تولّدت في مخيلتي رغبة التعرّف على حقيقة الأشياء بدل الرضاء بما يقوله الناس عنها.
ومع كل ذلك، فأنا لا أريد أن أطرح رأيي في هذا الشأن في هذا الوقت، وإنّما أحاول نقل ما يقوله الغير عن السحر، وسوف بكل تأكيد أطرح رأيي بكل وضوح وبكل توسّع وبالكثير من الأدلّة التي أراها داعمة لما أقول. سوف يكون ذلك مستقبلاً ومن خلال هذه السلسة التي أرى الآن بأنها قد تكون طويلة ومتواصلة وربّما تصبح مثيرة للجدل والنقاش... وذلك هو من بين ما أطمح إليه من طرح هذه المواضيع للنقاش والحوار.

2015/03/22

مسّ من الجن (4)

(الحلقة الرابعة)
السحر عبر العصور
السحر في اللغة المجازيّة يقصد به كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه إقتران السحر بالجمال، ومنه المناظر الخلاّبة الساحرة، ومنه العيون الجميلة الساحرة، ومنه الطبيعة السحريّة. أما المعني اللغوي الحقيقي للسحر فهو "الخداع والتمويه". 
السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء أو يقول كلاماً غير مفهوم او بحس موسيقي أو بوتيرة معيّنة يفقهها الساحر من كثرة التكرار والتعلّم من الخبرات السابقة. كما يقوم الساحر ببعض الحركات البهلوانيّة أحياناً والغريبة الشاذة في آحايين أخرى بهدف التأثير النفسي على المسحور مما يدفع بالمسحور بالخضوع لوقع التخيّل وربما الهلوسة أحياناً وقد يبدأ المسحور الذي عادة ما يعاني من كآبة والكثير من العصاب نتيجة لمعاناته النفسيّة خلال الفترة التي يظن فيها بأنّه مسحور ولا يستطيع أن يتحكّم في تصرّفاته فيدفعه الساحر الذكي أو من يسمّي نفسه بالراقي ( وهو من يقرأ ما يعرف ب"الرقية" على أسماع من يظن بأنّه مسحور) فيصبح عصبيّاً بشكل كبير جداً ويبدأ في التنفّس السريع المتواصل ممّا يقلّل من كميّة ثاني أكسيد الكربون في الدم الأمر الذي يؤدّي إلى قلوية كبيرة في الدم ونقص في كميّة الكالسيوم في الدم نتيجة لنقص الكالسيوم المؤيّن (الأيّوني) فيقلّل ذلك من مقدرة الكرات الدمويّة الحمراء على تحميل الأكسجين الأمر الذي يؤدّي غلى شح أكسجيني في خلايا الدماغ فتختل الوظائف ويبدأ المصاب في الهذيان والعصبيّة وقد يتشنّج ذلك الشحص وأحياناً يرتجّ الجسم وقد يصاب بالخضّة الجسديّة أو الطرفيّة نتيجة لقلّة الأكسجين ولنقس الكالسيوم المؤيّن ويستغلّ طارد السحر أو قارئ الرقية تلك الحالة لجهله بالطبع ليخبر المصاب بأنّه بالفعل ممسوس بالسحر، مما يرسّخ الفكره في عقله وفي تفكيره ويتحوّل إلى مخبول يظن بأنّه بالفعل مسحور( المزيد في هذا الإطار سوف يأتي تحت بند الجانب الطبّي للسحر).
  السحر أصله الإستمالة، وكلّ مَن إستمالك فقد سحرك، وهو يعني التمويه أيضاً إستناداً لقوله تعالى:{سحروا أعين الناس}، بما  يعني موّهوا عليهم حتى ظنّوا أن حبالهم وعصيّهم تسعى.

السحر عبر التاريخ
يعود التعامل بالسحر إلى ما قبل التاريخ، فقد مارس إنسان العصر الحجري الطقوس والتعاويذ السحريّة فالرسوم والرموز التي نقشت على جدران الكهوف والمغارات والكتب والأساطير القديمة تدل على ذلك، فقبائل "النياندرتال" و"الكرومانيين" الذين عاشوا على هذه الأرض منذ ما يزيد عن 80 ألف سنة أحسّوا أنهم يواجهون شراسة الطبيعة وجهاً لوجه، إضافة إلى الحيوانات الضارية والأفاعي الشرسة والوحوش الكاسرة؛ فاستعانوا على ذلك كله بالسحر حيث كان لكل قبيلة ساحر تستعين به على مواجهة تلك الصعاب، فيرسم للناس صورة دب مثلا على الأرض، ثم يقوم بالدوران حولها عدة مرات وهو يترنّم ببعض الكلمات التي لها مدلول سحري مع تأدية بعض الرقصات البهلوانيّة، ثم يغرس بعصاه الحجرية في عنق الدب المرسوم، وبعدها ينطلق الصيادون يتعقبون آثار الدببة ليعودوا بها صريعة.
وتعاملت كل شعوب الأرض وعبر العصور بالسحر، وكلّما تعمّق الإنسان في التاريخ القديم كلما ان شعفه بالسحر كبيراً وفي المقابل كلّما دخل الإنسان العصر الحديث بعلومه وإكشافاته وخدماته المتطوّرة كلّما قل إهتمامه بالسحر وقد يقتصر التعامل بالسحر في المجتمعات المتقدّمة كدول إسكندينافيا على التندّر أو من باب "الفنتازيا".
 فعلى ضفاف نهر الفرات نهضت أركان مدينة بابل، حيث كانت تزخر بشتى العلوم والفنون وعلى رأسها السحر، وكان الناس هناك يعبدون الكواكب ويعتقدون بتأثيرها على حياة البشر.
وفي عهد الفراعنة في مصر فقد دفنت أسراراً وألغازاً، وتليت طلاسم وتعاويذ عند أقدام الأهرامات، وكان النيل ينقل أصداءها، وترانيمها، بل كان إحدى المرايا التي تنعكس على صفحته بعض من هذه الأسرار والطلاسم المعقدة فارتبط الهرم بالنيل، وإرتبط الاثنان بالإنسان المصري القديم. وشكّل الجميع معتقدا غاية في الغموض، وكان أساس ذلك كله السحر، والسحر وحده. فهل حقا ما يشاع من أن كل من سولت له نفسه الاقتراب من مقابر الآلهة عند الأهرامات تحل به اللعنة الماحقة، لعنة الفراعنة؟! وهل هذه اللعنة أساسها السحر أم هو لغز آخر مجهول؟!.  
أمّا في بلاد الهند، بلاد الغرائب والعجائب، وأغرب ما فيها السحر، الذي امتزج بالطقوس الدينية، ويتجلّى ذلك في الديانة البوذية التي إحتضنت السحر وأصبح مقدسا عند الهندوس، ووضعوا له كتابا وهو "الفدا". ولم تتغير حالة الهند اليوم على ما كانت عليه سابقا، فالسحرة والكهان والعرّافون، ومروّضوا الثعابين يبلغ تعدادهم بالملايين.... وهي تجارة رابحة جدّاً !.
أمّا في بلاد الإغريق، فقد كان للسحر مكانة عالية عند اليونانيّين، حيث كانوا على أثر الأمم السابقة في أمر الاعتقاد بالرقم والعزائم والطلاسم، وتأثير الأرواح الشريرة وإلى غير ذلك من الاعتقادات السحرية. معبودات اليونان أهمّهم كان زويوس وهيرا مازالت تدخل في عذائم وأقسام ضد الجن والشياطين في السحر العربي حتى يومنا هذا.
وفي ديانة زرادشت الفارسيّة، كان رجال الدين وقتها يهتمّون كثيراً بالسحر، ويعتقد بأنّ كلمة السحر بالإنجليزية Magic كانت قد أتت من أفراد قبيلة ماجاي الميدية الذين كانوا رجال الدين الرئيسيين في الديانة الزرادشتية. في العصور الوسطى قام ألبرت الكبير (1206 - 1280) Albertus Magnus بجمع عدد كبير من التعويذات السحرية ومن الجدير بالذكر إن ألبرت لم يكن ساحرا بل كان رجل دين مسيحي مهتم بعلم الخيمياء وكان غرضه الرئيسي هو البحث العلمي[23].
ومع بداية عصر النهضة والثورة الصناعية، حل التفسير العلمي محل الخرافات والأساطير. فقد قام الكيميائي البروسي كارل رايخنباخ في عام 1850 بتجربة على البرافين والفينول لغرض معرفة ما أسماه بالقوة الغريبة أو القوة الغامضة لبعض المواد التي أستعملت في السابق من قبل السحرة في طقوسهم وتوصّل إلى خلاصة مفادها أن هناك "تدفق" إيجابي وسلبي في المادتين وقدم نظريته بان هناك إستعمالات أخرى غير معلومة للمواد بجانب الاستعمالات المعلومة ولكن نظريته لم تلق قبولا من قبل علماء عصره.
وفي القرن التاسع عشر ومع موجة الاستعمار الأوروبي للشرق تعرّف العالم الغربي عن كثب على أساطير الشرق الغامضة وخاصة في الهند ومصر وبدأ حينها وكأنّ ولعاً جديداً بالسحر وطقوسه قد أخذ يستحوذ على عقول البعض، وتشكّلت بالفعل جماعات منظمة تحاول دراسة السحر. 

وخلاصة القول فإنّ هناك نقاط تشابه كثيرة حول الكتابات القديمة حول السحر والتي مازال بعضها مستخدماً حتى يومنا هذا، ومنها على سبيل المثال:
1- إستعمال ما يسمى بالكلمات السحرية وهي كلمات يعتقد البعض إنها قادرة على تطويع وتوجيه الأرواح.
2- إستعمال آلات موسيقية بدائية مصنوعة من الخشب وإحداث أصوات متناغمة نوعا ما أثناء الطقوس.
3- إستعمال رموز وكتابات وشيفرات غامضة لغرض إستحضار الأرواح.
4- إستعمال وسيط بين القوى الخفيّة والسحرة وكان الوسيط في العادة عبارة عن أشخاص يزعمون القدرة على إستقبال رسائل من القوى الغير مرئية(الأرواح أو الجن).
وتعتبر المغرب ربما من أكبر البلاد العربيّة تعاملاً مع السحر بكل مراحله، حيث يكثر السحرة وينتشرون في كل ركن من أنحاء المغرب. إذ عرف المغاربة منذ العصور الغابرة معتقدات تعبّدية وسحرية ما زالت بقاياها صامدة ومتداولة بيننا حتى الان، فقد عبد البربر وهم المغاربة الأقدمون عيون الماء والاشجار والكبش ملك القطيع والكواكب وجن المغارات والعيون والهواء، وأعتقدوا في السحر، أي في إمكانية خلق هيئة أو حيوان أو بشر أما برسمه أو من خلال النطق بإسمه، وإعتقدوا أنهم بذلك يستطيعون التحكّم فيه والإمساك به وتدميره أو معاقبته، ومارسوا أيضا عبادة الموتى، وكانوا يوجّهون قبورهم جهة مشرق الشمس ويدفنون مع موتاهم المجوهرات والجرار والقصاع الطينية لإعتقادهم في خلود الروح.
واذا كانت تلك هي معتقدات أسلاف البربر، فإن الكثير من المعتقدات والممارسات السحرية التي لا تزال رائجة حتى اللحظة الراهنة في المغرب، هي عبارة عن إستمرار لتلك المعتقدات القديمة التي سادت منذ ما قبل التاريخ، وأضيفت إليها خلال المراحل التاريخية اللاحقة بعض المعتقدات والطقوس الرومانية، خلال فترة الوجود الروماني بالمغرب، أي قبل الفتح الاسلامي للمغرب. كما إنضافت اليها في العصور الوسطى تأثيرات أفريقية حملها معهم الى المغرب التجّار الذين كانوا يجلبون العبيد من غرب أفريقيا، بالإضافة الى التأثيرات القادمة من الشرق الإسلامي.
ويشهد التاريخ أن ملوك أكثر السلالات الحاكمة في المغرب أصولية وتشبّثا بأحكام الشريعة الإسلامية، وهم المرابطون والموحّدون، كانوا يشجّعون أو يغضون الطرف عن إنتشار السحر والسحرة، وكانت في عصورهم للسحر أسواقاً عامرة يؤمها عامة الناس على مرأى ومسمع من السلطات، بل إن الملوك المرابطين حسب روايات تاريخية كانوا يستشيرون المنجّمين، قبل عبورهم مضيق جبل طارق نحو الأندلس!!.
ويحكي المؤرخ إبن عذاري المراكشي في هذا الصدد، أن الأمير أبا القاسم الذي كان يرافق يوسف بن تاشفين المرابطي، خلال غزوته للضفة الأندلسية من مضيق جبل طارق، لم يعط الأمر لجنوده بمهاجمة الجيوش المعادية الا بعد ما حصل على موافقة منجّمه... حيث يقول المرّاكشي "فأمر الأمير أبوالقاسم منجّمه بأخذ طالع الوقت والنظر فيه فوجده أوفق طالع وأسعد وأدلها على أن الظفر للمسلمين والدايرة للمشركين، حسب ما جرى الأمر عليه.

والمعروف في علم الاجتماع أنّه في زمن التحوّلات العميقة تتنامى مشاعر عدم الإستقرار ويزداد إنتشار الخرافات كلّما زادت ظروف الحياة صعوبة، أي أن الخرافات تكثر وتنتشر بإنتشار حالات القلق والإضطراب والشعور بالضعف والعجز عن مواجهة مشكلات الحياة ومخاطرها"، ولذلك فإن السحر كما هي الخرافة في المجتمعات البدائيّة، إنما يقوم بتهدئة المخاوف الناشئة عن الإضطرابات التي تسود زمن التحّلات الراهن.

وختاماً في هذا السياق، يمكن القول بأن التعويذة والتي كانت عبارة عن كلمات أو كتابات مخلوطة بمواد خاصّة يقوم بها رجل الدين في طقوس خاصّة كانت تستخدم كتعويذة تهدف إلى تغيير المستقبل، وغالبا ما كانت التعويذة تتم على مراحل تحت مزاعم إستحظار قوى إلهية من خلال إحتواءها على "قوى خارقة" ويضاف إلى رهبانية المشهد إستعمال روائح خاصّة أو طقوس معيّنة عادّةما تتبّع بكل قدسيّة وكأنّها منزّلة من السماء !.

في الحلقات الموالية سوف تقرأون:
5- ماذا يقول شيوخ الدين والمشعوذون عن السحر.
6- الشيطان في المفاهيم القديمة.
7- ماذا يقول شيوخ الدين عن الشيطان.
 
8- الرقية عبر التاريخ.
9- ما يقوله شيوخ الدين عن الرقية.
 10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.
14- أجزاء الدماغ المتربطة بالإعتقاد.
15- إختلالات في وظائف الدماغ وعلاقتها بالإعتقاد والتخيّل.
16- حالات مرضيّة ودوائيّة وإرتباطها بالتخيّل وسماع الأصوات الغريبة.
17- مقدّمة للمحرّرعن الفرق بين عالمنا وعالمهم.
18- رأي المحرّر في موضوع الجن.
19- رأي المحرّر في موضوع السحر.
20- رأي المحرّر في موضوع الشيطان.
21- رأي المحرّر في ما يسمّى ب"الرقية الشرعيّة".
22- مقال ختامي وردود على إستفسارات.

2015/03/20

متى نخرج من عالمنا الإفتراضي؟

 الإنسان الذي يفكّر ويتدبّر هو وحده من يرى أشياء قد لا يراها غيره، وهو من يقدر على لوم الذات عند حدوث النواقص ومن ثمّ نجده يضطر للبحث عن الحلول... ويقينا سوف يعثر عليها. إن الذي لا ينظر إلى عيوبه هو من لا يقدر على رؤيتها أو الإحساس بها، ومن لا يرى عيوبه لا يقدر على إصلاحها ومن ثم نجده يلوم الغير على كل مصائبه تعويضاً عن ذلك العجز العضوي والإدراكي والإعتباري.
اليوم هو العشرون من مارس 2015، وفي هذا اليوم حدثت أشياء مهمّة أتوقّف عند واحدة منها لأعبّر عن بعض ردّات الفعل لما يدور حولنا. ففي هذا اليوم كما نعرف يتساوى الليل والنهار وهذا الحدث قد لا يحتاج إلى توقّف أو تعليق، فهو يحدث مرّتين في كل سنة وسوف يستمر كذلك إلى أن تنتهي هذه الحياة. المرّة القادمة التي يتساوى فيها الليل والنهار سوف تكون يوم 20 سبتمبر 2015.
الحدث الثاني في هذا اليوم كان عالميّاً بإمتياز مع الإختلاف فقط في الكم بين دولة وأخرى وهو كسوف الشمس، والذي كان شبه كلّي في بريطانيا. لقد سبق لي التعليق على هذا الحدث في يوم الأمس واليوم الذي سبقه.
الحدث الثالث المهم لهذا اليوم كان "اليوم العالمي للسعادة" وسبق لي أيضاً التعليق على هذا الحدث منذ يومين.
الحدث الرابع لهذا اليوم قد لا يكون بنفس الأهميّة لكنّه بالنسبة لي كان مهمّاً، فقد ذهبت صباح هذا اليوم إلى لندن لحضور مؤتمراً طبّياً عن "الإضطرابات الحركيّة" Movement Disorders وكان يوماً ممتعاً ومليئاً بالكثير من آخر بدائع العقل البشري في هذا المجال..
أنا سوف لن أعلّق عن الأحداث الطبيّة فهي خصوصيّة إلى حد كبير، وبذلك فهي قد لا تهم الجميع، أنا إخترت أن أعلّق على رحلة القطار من كوفنتري إلى لندن !.

2015/03/19

الكسوف والخسوف

عندما لا يستطيع الإنسان فهم شئ ما فإنّه إمّا أن يخاف شروره فيتعوّذ منه، أو أنّه يتشاءم منه فيحتسبه من الجن والشياطين الأغوال أو أنّه يعتبره علامة من علامات قيام الساعة فيخشع إلى ربّه قبل أن يفوته القطار ، أو أنّه يعبده ويطمأن نفسه بذلك. العلم معرفة والفهم إدراك... والشئ الذي تعرفة لا تخاف من مجاهيله أو مفاجآته.

تشهد بريطانيا صباح الغد كسوفاً شبه كليّاً للشمس من الساعة الثامنة والنصف صباحاً وحتى العاشرة والنصف، أي لمدّة ساعتين، وسوف يصل مقدار الكسوف إلى 98% في جزر شتلاند في أسكتلنده. يحدث كسوف الشمس عندما تقع القمر بين الأرض والشمس، والثلاثة يصطفّون في خط مستقيم .

2015/03/16

عندما تنتصر الواقعيّة على الإيديولوجيا

لكي تحدث التغيير لابدّ وأن تكون لك رؤية وبعد نظر وأفق واسع... لابدّ وأن تتحرّّر من المعيقات وأن تنظر إلى الأمام ولا تهتم
كثيراً بالماضي.
مقهى أرماني بدبي.. هدية من الدكتور مفتاح التومي الذي أخذ هذه الصورة بهاتفه النقّال

2015/03/13

مس من الجن (3)

الحلقات السابقة: الحلقة الأولى   الحلقة الثانية
(الحلقة الثالثة)
ماذا يقول شيوخ الدين والمشعوذون عن الجن؟
منذ أن نشأ الإنسان وهو يبحث دائماً عن شئ مخيف يشير إليه أو يخاف منه أو يخيف الآخرين به. تحدّثت البشر عبر العصور عن الغولة والهائشة والعبّاثة والعفريت والخارقة والبعيّة وهذه إستخدمت كثيراً لتخويف الآخرين، بينما تحدّثوا عن الجن والشيطان كمخلوقات مخيفة وخارقة ولا يستطيع الإنسان مقاومتها أو الوقوف في وجهها.

كلّما إنتشر الفقر والجهل والتخلّف كلّما كثر الحديث عن الجن وكثر الإحساس بمسّ منه أو الشعور بأن كل هموم ومشاكل وأمراض البشر هي من "الجن"، وكلّما ذكر الجن في هذه المناطق وبين هؤلاء الأقوام كلّما كان السحر هو القرين. لا يمكن التحدّث عن الجن في المجتمعات المتخلّفة إلّا وكان السحر والسحرة هم من يسخّر الجن ويرسلونه للضحيّة كي يعبث بكل شئ في حياتها. 
كلّما أحس الإنسان بالضياع وبالوحدانية وبقلة الحيلة كلّما تسرّبت إليه وساوس ضعفه لتدفعه للتصديق بوجود الجن والسحرة وبقيّة القصّة. الإنسان المتخلّف فكريّاً وتعليميّاً والضعيف نفسانيّاً والمنغلق على نفسه وقليل الحجّة والذي يرى الدنيا ضيّقة حوله ولا يعرف من دوّامته طريقاً للخروح، مثل هذا النوع من البشر هو من يحفل كثيراً بالجن وبالشيطان وبالسحرة وبالكتاتيب والحجاجيب والنفثّات  في العقد وما إليها من الخرافات التي تتوارثها الأجيال وبكل تأكيد سوف يقضي عليها العلم والتفتّح وإرتفاع مستوى المعيشة والرفاهيّة.... وربّما مستوى التحضّر أيضاً.

2015/03/10

خبرات نفيسة بأسعار رخيصة

 الإنسان المتفاؤل هو ذلك الذي يرى إيجابيّاته تتقدّم على سلبياته مع إحتفاظه بالإدراك والمعرفة بأنّه أيضاً له سلبيّات ونواقص لكنّه يمتلك القدرة على قهرها أو تطويعها أو تحويلها إلى إيجابيّات بما يمتلك من إرادة داخليّة ورغبة في الإبداع والتطوير.
يتميّز الليبي (والليبيّة !) بالجد والمثابرة والمبادرة والإبداع، وذلك بحكم وجوده في منطقة البحر المتوسّط التي يتميّز سكّانها بالحركة والنشاط والنباهة والذكاء ربّما من خلال عوامل جغرافية أو تاريحية أو ربّما تركيبيّة ووراثيّة.
بكل تأكيد فإن سكّان شمال أفريقيا يختلفون عن بقيّة سكّان القارة على إعتبار أنّهم قادمون إليها من أصول أخرى، ومن هنا لا يمكن مقارنة الحس الإبداعي عند الليبي بنظيره الأفريقي وخاصّة أولئك المقيمون في وسط القارة وعمقها. ومن باب الإنصاف لا يمكن تعميم هذه القاعدة على الجميع؛ ففي كل مجتمع توجد إختلافات، وفي كل ظلام توجد ضياء.
المقصود من كلامي هذا هو أبعد  من مجرّد الحديث عن إبداعات الليبيّين والليبيّات أو كم تمايزهم عن الآخرين الذين يعيشون في محيطهم. ما قصدته هو أنّه بسبب شطارة الليبيّين وذكائهم وحرصهم على تحسين مستويات حيواتهم، أفرزت ليبيا الكثير من العقول المبدعة والمتميّرة، وكذلك الكثير من الخبرات النفيسة التي يشهد لها العالم بالمقدرة على إحداث التغيير.
يتخرّج من الجامعات الليبيّة والمعاهد المتخصّصة في مختلف علوم الحياة الألاف في كل سنة، وهؤلاء بحكم الكثير من الظروف لا تستوعبهم آماكن التشغيل في ليبيا ومن ثمّ يهاجر الأقدر والأفضل والأشجع إلى خارج البلاد بحثاً عن الرزق من ناحية ولكن في الحالة الليبية تحديداً الأغلب هو البحث عن المزيد من التحصيل وإشباع ملكة التطوير والإبداع التي يتميّز بها الإنسان الليبي.
الظروف السياسية التي مرّت بها بلادنا منذ عام 1969 وإلى الآن ساهمت وبشكل كبير في دفع الليبيّين والليبيّات إلى الهجرة بحثاً عن الآمان والطمأنينة بالإضافة إلى تلك العناصر المذكورة عاليه.

2015/03/07

مسّ من الجن - الفصل الأوّل: الموروث والمتداول (2)

الحلقات السابقة: الحلقة الأولى

(الحلقة الثانية)
الجن عبر العصور
عندما يولد الطفل الصغير فإن أوّل شيئاً يفعله بعد البكاء هو التجوّل بعينيه حول العالم المحيط به وهو ربّما يحاول التعرّف عليه أو تفهّمه أو التعوّد عليه بهدف تقبّله والإنسجام معه. 

تستمر ملكة حب التعرّف على المجهول عند الطفل الصغير بدون توقّف، فكل ما يحيط بالطفل هو عالم غريب عليه. غريب في الشكل وفي الحجم وفي الحركة وفي ما يصدر عنه من أصوات. أعتقد بأن الطفل الصغير يرى العالم الكبير المحيط به من خلال عالمه الصغير، وبذلك فإن كل شئ يحيط به يعتبرعالماً غريباً فيه الكثير من المجاهيل؛ والجهل بالأشياء هو ما يجعل ذلك العالم بالنسبة للطفل الصغيرمخيفاً ومرعباً وربّما مقلقاً أيضاً.

الطفل بكل تأكيد يرى أمّه كأقرب مخلوق إليه، والأم هي ربّما من يطمئن الطفل إليها ويأمنها، وبذلك نجده يستنجد بها كلّما بلغته نوبة من الخوف أو الشعور بالخوف. يبكي الطفل دائماً موجّهاً نظره وإهتمامه ناحية أمّه وكأنّه يقول لها "أنجديني" من هذا العالم الغريب الذي أحضرتيني إليه.
يولد الإنسان ومعه حب الإستطلاع وحب التعرّف على المجاهيل وهي كثيرة وكثيرة جداً، وكلّما عجز الإنسان عن معرفة سر أو كنه شيئاً ما فإنّه إمّا أن يهرب منه خوفاً وجزعاً أو أنّه قد يعبده بهدف التقرب إليه وتأمين جانبه.

حينما خلق الله الإنسان على الأرض في هيئة آدم عليه السلام، كان آدم غريباً في عالمه المحيط به مع أن الله علّمه الأسماء وأنزل السكينة على قلبه، لكن آدم كمخلوق بشري لابد له من إستكشاف عالمه المحيط به بهدف التعرّف عليه وتلك أراها غريزة تولد مع الإنسان وتنمو معه ربّما إلى أن يغادرهذه الحياة إلى العالم الآخر(يموت).
إتّجه الإنسان القديم منذ ملايين السنين الى السماء باحثاً فيها عن إلاه يعبده، فكما يتجه الطفل الصغير إلى فضاء الغرفة وهو يحاول إستكشاف عالمه المحيط به، إتّجه الإنسان القديم منذ ملايين السنين إلى السماء ( وهي بمثابة سقف البيت) باحثاً فيها عن إلاه يعبده، أو قوّة خارقة يستنجد بها أو يشكو ضعفه إليها بهدف إستعطافها ومن ثمّ طلبها لنجدته من مخاوفه.

عبد الإنسان عبر العصور كل ما هو غريب وكبير ومخيف ومزعج. عبد الشمس وعبد القمر وعبد الجبال وعبد الحيوانات الضخمة وصنع لنفسه أصناماً كبيرة الحجم أوى إليها طالباً الآمان عندها وباحثاً عن حماية ظنّ بأنّها تأتيه عن طريقها.

كان علم الإنسان البدائي محدوداً ومداركه ضيّقة جدّاً ومعلوماته عن الكون المحيط به تكاد لا تتجاوز التخيّل والتصوّر، وكلّما أحسّ الإنسان بأنّه لا يعرف كثيراً عمّا يحيط به كلّما دخل الخوف والتوجّس في عقله وفي تفكيره. خاف الإنسان من عالمه المحيط به لأنّه كان يجهل كل شئ فيه، وحاول تبرير مخاوفه بإعطاء صفات ومسمّيات لتلك الأشياء المجهولة التي كان يظن بوجودها ويقنع نفسه بقوّتها الخارقة، ومن ثمّ فقد رسمها له خياله على صور كائنات شاذّة وغريبة ومرعبة ومخيفة فأطلق عليها أسماء كثيرة من بينها الجن والعفريت والغول والشيطان والشبح، ومن بين القصص المثيرة التي نسجها خيال الإنسان عبر العصور مدفوعاً بعوامل الخوف والترقّب ومحاولة لمعرفة المجاهيل.. من بين تلك القصص الخرافية طائر العنقاء وطائر البطريرق وطائر فينيكس. 

طائر الفينيكس  Phoenix

طائر الفينيكس هو كائن أسطوري كان له صدى واسع في التراث الشعبي القديم لدى الكثير من الشعوب الممتدة جغرافياً حول العالم كالمصريين والفينيقيين والإغريق والفرس والرومان والصينيين ، فتعددت الأسماء لكنها كانت تكاد أن تتفق على ما تشير إليه، ولحد يومنا هذا ما زال له تأثير في الأدب والثقافات المعاصرة كرمز للتجدد والخلود رغم أنه لم يعد في صلب معتقدات الشعوب أو ثاني المستحيلات كما كان في الماضي. 
وبحسب الأسطورة فإن الفينيكس هو طائر عملاق طويل الرقبة ومتعدد الألوان وإن كان يغلب عليه لون التراب الاحمر ، فريد لا مثيل له ويعيش الواحد منه مدد تترواح بين 500 إلى 1000 عام، وفي نهاية "حياته" يجثم على عشه في إستكانة وغموض ويغرّد لآخر مرة في حياته الراهنة بصوت خفيض وحزين إلى أن تنير الشمس الأفق وهو عاجزا عن الحركة فيحترق ويتحول إلى رماد وهو يصدر أصواتاً تبدو أقرب إلى الأصداء. وعندما يكون الجسد الضخم قد إحترق بالكامل، تخرج يرقة صغيرة من بين بقاياه وتزحف في دأب نحو أقرب بقعة ظليلة وسرعان ما تتحول إلى طائر الفينيكس التالي..وهكذا.

ومن يوجد لديه إهتماماً بمعرفة المزيد من المخيفات التي تخيّلها الإنسان أو نسج حولها قصصاً وخرافات، عليه بأن يمر من خلال هذا الرابط لقراءة المزيد: العشر المرعبات 
ذكر الجن والشيطان في الكتب القديمة ومن بينها التوراة والإنجيل. وذكر الإنجيل في الكثير من الإصحاحات كيف أن الشيطان كان يعيش مرفّهاً وسعيداً وفي طاعة الله، لكنّه قرّرعصيان الله فقام بأعمال شرّيرة من بينها إغواء آدم وحواء، فغضب منه الرب وأنزله من عليائه في كوكب أخرى يظن بأنّه فينوس (الزهرة) إلى الأرض وظل ملعوناً من يومها.
هناك الكثير مما قيل عن الشيطان في الكتب المقدّسة القديمة، لكن كل ما قيل كان يتحدّث عن شرور الشياطين وأوصافها وكيف أنّها من الممكن أن تعبث بالناس وتفسد تصرّفاتهم، وتؤكّد إصحاحات الإنجيل على أن الإنسان السليم والقوي لا توثّر فيه الشياطين.
خلق الله الجن من النار، وكان الجن أول من عبد الله على الأرض، كما ذكر ذلك إبن كثير في كتابه "البداية والنهاية". 
يقال بأن أمة من الجن، بدلاً من أن يداوموا الشكر للرب على ما أنعم عليهم من النعم، فسدوا في الأرض وذلك بسفكهم للدماء فيما بينهم، فأمر الله جنوده من الملائكة بغزو الأرض لإجتثاث الشرّ الذي عمّها وذلك بمعاقبة بني الجن من الشياطين على إفسادهم في الأرض.
غزت الملائكة الأرض فقتلت من قتلت وشرّدت من شرّدت من الجن. فرّ من الجن نفر قليل، فإختباءوا بالجزر وأعالي الجبال. وأسّر الملائكة من الجن (إبليس) الذي كان حينذاك صغيراً، وأخذوه معهم للسماء. والذي أصبح عبدا شاكراً لله كما ذكر عبد الله بن مسعود في كتاباته.
وقد يرد تساؤل هل الشيطان هو أصل الجن أم هو واحد منهم؟. الرأي الأرجح هوالأخير بالطبع لوروده في الآية: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ}، ولكن هنالك رأي "لإبن تيميّة" يقول فيه بأن الشيطان هو أصل الجن كما أن آدم هو أصل الإنس.

وحكى "الشهرستاني" في أول كتابهِ عن "الملل والنحل" حكاية عن ماري شارح الأناجيل الأربعة، وهي مذكورة في "التوراة" متفرقة على شكل مناظرة بين الشيطان وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود لآدم، في ختامها قال شارح الآناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الجلال والكبرياء، يا إبليس إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنني لا أسأل عما أفعل. وبذلك سقطت شبهات الشيطان. 
من هنا نرى الكثير من التباين والكثير من التفسيرات والمعتقدات حول الجن، وهناك الكثير مما سوف أسرده في الحلقة القادمة والتي سوف تعني برأي شيوخ الدين في الجن وقدراتهم الكبيرة على "إختراق" جسم الإنسان وتلبّسه ومن بعدها التحكّم في وظائفه وممارساته وتسيّر قراره بعد أن تستولي على إرادته !!.

 في الحلقات الموالية من الفصل الأوّل سوف تقرأون:
3- ماذا يقول شيوخ الدين والشعوذون عن الجن.
4- السحر عبر العصور.
5- ماذا يقول شيوخ الدين والمشعوذون عن السحر.
6- الشيطان في المفاهيم القديمة.
7- ماذا يقول شيوخ الدين عن الشيطان.
8- الرقية عبر التاريخ.
9- ما يقوله شيوخ الدين عن الرقية.
 
10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.

2015/03/02

مسّ من الجن - الفصل الأوّل: الموروث والمتداول (1)

  (الحلقة الأولى)

المخفيّات الثلاث: (الملائكة، الجن، والشيطان)
مقدّمة
أود في البدء ولمعلوميّة كل من ربّما يعترض على طرح هذه المواضيع للنقاش بإعتبار أنّها تصنّف من "المسلّمات" التي لا تخضع للنقاش ويتوجّب القبول بها كما ذكرت في القرآن وكا تم تفسيرها لنا من قبل "شيوخ الدين" عبر العصور.... أود أن أنبّه إلى أن هذا الطرح هو ثقافي وعلمي وفلسفي ولا علاقة له بمناقشة قضايا الدين ولا يدخل إطلاقاً في مجال الإفتاء أو التشكيك في إيمان ومعتقد الغير.
أنا أطرح هذه المواضيع للنقاش من باب التحاور حولها من ناحية، حيث أنّني أؤمن بأن الحوار هو الوسيلة المثلى لبلوغ الأفضل وتوضيح المبهم وترسيخ القناعة من خلال الفهم. أنا أؤمن بأنّه في هذه الدنيا يتوجّب علينا بأن نجادل في كل شئ موجود حولنا أو يحيط بنا أو يؤثّر في حياتنا أو يتدخّل في شئوننا، فكل شئ نناقشه لابد وأن نخرج منه بخلاصات سوف تكون مفيدة لنا ولغيرنا... وتلك هي من بين مزايا النقاش الكثيرة.
من ناحيتي، فأنا طبيب إختصاصي في المخ والأعصاب وبخبرة تتجاوز15 سنة متواصلة، وهذا التخصّص بكم المعرفة الكامن وراءه والمحرّك له يحتّم عليّ أن أطرح كل المواضيع التي أراها تؤثّر في حياة الإنسان بهذا الشكل أو بذلك للنقاش والتوضيح والتنوير والتوعية وبأن لا أسكت عن أشياء أراها من الممارسات الخطأ. أنا مهنتي هي تشخيصيّة وعلاجيّة في الأساس، لكنّها أيضاً توعويّة تهدف إلى مساعدة البشر على التخلّص من أمراضهم العضوية والنفسيّة، حيث أن الإرتباط بين الإثنتين هو عضوي ومتلاصق في أغلب الأحيان.
أنا كطبيب إختصاصي أعتبر نفسي ملزماً مهنيّاً وأخلاقيّاً وإنسانيّاً بأن لا أسكت عن شئ أراه من الممارسات أو الإعتقادات الخاطئة التي تضر بصحّة وحياة الإنسان بسبب جهله بها أو تعنّته وإصراره على ممارستها، ومن واجبي بأن أساعد ذلك الإنسان من خلال معارفي وخبرتي ومقدرتي على الإقناع. فشلي في تحقيق ذلك يعني إهمالاً في إمتهاني للوظيفة يتوجّب عليّ محاسبة نفسي عليه قبل أن يحاسبني الآخرون.
أنا أطرح هذه المواضيع من حيث الجوهر على أنّها قضايا طبيّة ومواد معرفيّة ولا أحفل كثيراً بجوانبها الدينيّة أو العقائديّة أو الروحانيّة، فتلك ليست من مهامي كطبيب ولا هي من إختصاصاتي كمهني.    
المخفيّات الثلاث 
هذه مخلوقات مثلنا من حيث أن الله خلقها، فنحن خلقنا من تراب، وخلقهم الله جميعاً من نار. الشياطين والجِنّة والملائكة خلقوا قبل البشر بكثير، وهم معروفون عند البشر منذ الخلقة الأولى، وتحدّثت كل المخطوطات والمنقولات عن معرفة الناس بوجودهم حولهم.

هذه المخلوقات الثلاث لا نراها ولا نسمعها لا ونتواصل معها ولا نحس بها، وكل من يظن بأنّه يتواصل معها بأ0ي شكل من الأشكال هو واهم ومهووس، ويجب تقديم النصح له. بكل تأكيد يستثنى من ذلك الأنبياء ومنهم سيّدنا محمّد عليه السلام، فما وجد في عهد الأنبياء يدخل في باب "المعجزات" التي شاءها الله كبرهان مدروك ومحسوس للناس بهدف تثبيت الإيمان في قلوبهم.

هذه المخلوقات تعيش في عالمها الخاص بها والذي لا نعرف عنه كثيراً، وبكل تأكيد فهي موجودة حولنا وقد تحيط بنا أو تحاول الإقتراب منّا أو أنّها ربّما تسبح في الفضاء الفسيح. أنا شخصيّاً لا أهتم ولا أحفل بها، فهي لها عالمها ونحن لنا عالمنا.
حسب علمي فإنّ هذه المخلوقات لا تأكل ولا تشرب ولا تتنفّس، لكنّني لا أستطيع الجزم بذلك، فلم يسبق لي الشرف بالإلتقاء بأي منها.

المـلائـكــة
بكل تأكيد لم يرأحدنا الملائكة على هيئتها الصحيحة وبذلك فهذه الصورة هي من نسج الخيال
الملائكة في الإسلام هم خلق من مخلوقات الله، خلقهم الله من نور، وهم مربوبون مسخّرون، عباد مكرّمون، لا يعصون الله ما أمرهم به ويفعلون ما يؤمرون. هم لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملّون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله.
التصديق بوجود الملائكة هو ركن من أركان الإيمان، فمن أنكرهم ولم يؤمن بهم فقد خالف أمر الله حسبما ذكر في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا}.
الملائة لها أعمال ومهمّات معينة وكّلهم بها الله وهم ينفّذونها ومنها: تبليغ الوحي والنفخ في الصور، ونزع أرواح العباد.
لا نعرف أعداد الملائكة لكنّهم كثر، وهم يقيمون في السموات العليا غير أنّهم يمتلكون المقدرة على النزول وبسرعة قسوة إلى الأرض إذا أمرهم الله بذلك.
الملائكة هم بررة ويطيعون الله في كل شئ. لا يستطيع الملاك عمل إي شئ إلاّ بأمر من الله، وهم معصومون عن الخطأ.

الـجِـــن
لم ير أحدنا الجن وبذلك فهذه الصورة هي من صنع الخيال
الجِن والجِنّة (جمع جان) وهم مخلوقات الله خلقهم من نار، وأوّل جنّي في العالم هو الجان "سوميا" الذي يعتقد بأنّه وجد على الأرض حوالي 2000 سنة قبل وجود آدم عليه السلام.
كلمة جِن تعني الإستتارة، فهم يرون ولا يراهم أحداً(مستترون)، وهم يعيشون معنا على الأرض، ولكن لهم عالمهم الخاص بهم ولا علاقة لنا بهم إلاّ أن يكون ذلك من خيال البشر من حيث "التسليط" من قبل السحرة والمشعوذين، أو "الإعتقاد" من قبل السذّج من البشر وهم عادة من قليلي العلم والمعرفة والمنغلقين على أنفسهم. السحر لا يؤثّر في الإنسان إلّا أن يكون ذلك بأثر نفسي محض لقوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ (((يُخَيَّلُ))) إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}، وفي هذا دلالة أكيدة على أنّ من يدّعون بأنّ لهم القدرة على تسليط الجن على الإنسان إنّما هم من الدجّالين، وكل من يصدّقهم هو من يشاركهم في الدجل ومخالفة أمر الله.
الجن كما نعرف منهم الصالحون و منهم الكافرون، و الجن الكافر يسمي شيطان. الجِنّة يتزوجون و لهم ذريّة، ويقال بأن لهم أعماراً محددة، فعندما تنتهي أعمارهم يموتون. أمّا إبليس (إبن الجن الشرّير) فهو كما نعرف من القرآن سيعيش إلي يوم القيامة.
الإعتقاد بوجود الجن قديم جدًا، وهو في الميثولوجيا العالمية معروف بصورة الأرواح المحتجبة عن عيون البشر. ويسمى هذا العلم (Demonology)، ويعني علم الشياطين (باللغة اليونانية)، وكلّما كثر الجهل كلّما زاد الإعتقاد برؤية الجن وهناك من يتوهّم معاشرته أيضاً !.
لا يؤثّر الجن في الإنسان، وكل ما يقال عن لبس الجن للإنسان هو وهم وخيال. الإنسان الخائف والمرتعب وقليل الثقة بالنفس والمكتئب والمرتعش هو من يؤمن بتلبّس الجن له، وأولئك هم من يعتقدون بقدرة السحرة والمشعوذين على تسخير الجن للإيذاء بهم.
تأذّى الإنسان بالسحر وبوقع الجن (المس) هو تأثير نفسي محض كما أسلفت، والإنسان المتعلّم والمتفتّح والواثق والمستريح نفسيّاً لا يتأثّر بالسحر ولا بمس بالجن.

الـشـيـطـان
                                                                   لم ير أحدنا الشيطان وبذلك فهذه الصورة هي من صنع الخيال
كلمة شيطان هي عبريّة، وكلمة إبليس هي يونانيّة.
الشيطان ذكرت ووصفت بتوسّع في إصحاحات الإنجيل وفي التوراة، وهو تم وصفه بالكائن الخارق للعادة، وأعتبر تجسيدا للشر في كثير من الثقافات والأديان باختلاف المسمّيات وفي أحيان كثيرة وصف بأنّه عدّواً ونقيضاً للإله، فهو ممثّل للشر وكل ماينطوي تحته من أفعال وأفكار في حرب مقدسة أو كونية مع قوى الخير.
في الإسلام يعتبر الشيطان هو الشرّير من الجن، وهو يغوي الضعاف من البشر فيندفعون لإرتكاب الذنوب والمعاصي بحق الإله.
كثر الكلام عن مقدرة الشيطان على إغواء البشر وإخراجهم عن إيمانهم، ولكن يجب التنبيه على أن الشيطان لا يمسك يد إنسان أو يخرجه عن إيمانه، والشيطان لا يمكنه أن يغوي إنساناً قط إلّا أن يكون ذلك الإنسان ضعيفاً وقابلاً للغواية، والشيطان "يحاول" إغواء الإنسان ولا يغويه.
البشر يقتلون بعضهم البعض، ولكن الشيطان لا يفعل ذلك. البشر يضربون بعضهم البعض، ويسرقون بعضهم البعض، ويحسدون بعضهم البعض، ويبطشون ببعضهم لكن الشيطان لا يفعل ذلك. الشيطان يغوي الإنسان المستعد للغواية ويفسد ومن هنا فهو من وجهة نظري يدخل إلى الإنسان من باب نفسه الأمّارة بالسوء، ومن نافذة ضعفه.
الإنسان الواثق من نفسه لا يخاف الشياطين، والإنسان السوي لا يمكن أن تغويه الشياطين وهو بذلك لا يحفل بها ولا يحس بوجودها ولا يخاف منها. الإنسان الذي يخاف الله بصدق لا يخاف الشيطان، وكلّ من يكثر الحديث عن وساوس الشيطان هو فقط ذلك الإنسان الغير واثق من إيمانه والغير واثق من أفعاله والغير واثق من قدراته.

في الحلقات الموالية من الفصل الأوّل سوف تقرأون:
2- الجن عبر العصور.
3- ماذا يقول شيوخ الدين والشعوذون عن الجن.
4- السحر عبر العصور.
5- ماذا يقول شيوخ الدين والمشعوذون عن السحر.
6- الشيطان في المفاهيم القديمة.
7- ماذا يقول شيوخ الدين عن الشيطان.
8- الرقية عبر التاريخ.
9- ما يقوله شيوخ الدين عن الرقية.
 
10- ما ورد في القرآن عن الجن.
11- ما ورد في القرآن عن السحر.
12- ما ورد في القرآن عن الشيطان.
13- ما ورد في القرآن عن الرقية.