2015/03/16

عندما تنتصر الواقعيّة على الإيديولوجيا

لكي تحدث التغيير لابدّ وأن تكون لك رؤية وبعد نظر وأفق واسع... لابدّ وأن تتحرّّر من المعيقات وأن تنظر إلى الأمام ولا تهتم
كثيراً بالماضي.
مقهى أرماني بدبي.. هدية من الدكتور مفتاح التومي الذي أخذ هذه الصورة بهاتفه النقّال

كثيراً ما ننبهر بما تشهده دولة الإمارات من تقدّم وإزدهار يكاد يسابق الزمن، وكثيراً ما نمنّي أنفسنا بأن تكون لنا دولة مثل الإمارات العربيّة المتحدة؛ لكنّنا نادراً ما نتساءل... لماذا وكيف؟.
مطعم وجبات سريعة في دبي في منتصف السبعينات
كيف تمكّنت الإمارات العربيّة المتحدة من تحقيق كل هذه الإنجازات وهذا التقدّم الحقيقي وفي ظرف زمني يعتبر قياسيّاً بكل المعايير والحسابات ولو أخذنا في ذلك العامل الدولي؟.
 الإمارات في الستّينات (دبي في عام 1960)
 علينا أن نعترف بأن دولة الإمارات العربيّة المتحدة تحكمها أسرة تتوارث السلطة فيها وتحتكر الحكم لمن ينتمي إليها فقط، بحيث أن السلطة في دولة الإمارات لا يمكنها بأن تنتقل لأي من بقيّة أبناء الشعب..... فهل هذا يعني بأن الحكم الوراثي هو أفضل من الحكم التناوبي؟.
من وجهة نظري، فإن الحكم الوراثي مهما كان صادقاً ومخلصاً فإنّه يبقى في نهاية الأمر عبارة عن نظام حكم إحتكاري وأناني وإنتقائي. الإنتقائيّة في مثل هذه الأمور لا تحدّدها الأفضليّة ولا الإمكانيّة ولا التميّز، وإنّما "الجينات الوراثيّة".. أو الإنتماء الأسري بمعنى آخر.
كيف تمكّنت دولة الإمارات من تصدّر المقدّمة في كل بلاد العالم الوراثيّة والتفاضليّة؟. هذا سؤال تحتاج الإجابة عليه إلى دراسة حقيقيّة وجدّية ومعمّقة. إن الذي شهدته دولة الإمارات يعتبر طفرة إن لم نقل معجزة، وعلينا من وجهة نظري التعامل معه وفق هذا المدخل أو المفهوم.
برج دبي - أعلى معلم في العالم أجمع
لننظر إلى البلاد المحيطة بدولة الإمارات... الكويت، البحرين، عمان، السعوديّة، وقطر. هذه البلاد كلّها تحكم بالوراثة وتحتكر الحكم فيها أسر معيّنة لا تسمح بإنتقال الحكم منها إلى غيرها.
في المقابل نجد العراق، واليمن بلدان محيطان تحكمان بفكرة التناوب على السلطة بغض النظر عن الآليّة والطريقة والكيفيّة التي يتم بها التناوب على الحكم.
كل تلك البلاد المذكورة لا يمكن مقارنتها بدولة الإمارات من ناحية البناء والتعمير والتطوّر الحضاري بما في ذلك قطر التي تحاول منافسة دولة الإمارات.

من هنا يمكن القول بأن الذي دفع بدولة الإمارات للمضي قدماً مسابقة كل جاراتها مع الإنتصار الساحق عليهن جميعاً هو ليس نظام الحكم وليست الإيديولوجيا، وإنّما هو التحرّر من المعوّقات والتي من أهمّها الإيديولوجيا والتخبّط بين هذه أو تلك.
دولة الإمارات إختار لها المرحوم زايد بن سلطان منهج التحرّريّة والإنعتاق من ربقة الإيديولوجيا وأفكار أصحاب العمائم والهرك وعشّاق المظهريّة، فإختارت الإمارات بذلك النهج العلماني التحرّري الذي يسمح بحرية التفكير وحرية الإختيار وحرية الإعتقاد مع عدم التدخّل في حرية الآخرين وعدم الإخلال بالأسس الجوهريّة للدين الإسلامي الذي يؤمن به كل أهالي دولة الإمارات، وهذا النهج هو يقيناً ما مكّن هذه الإمارات مجتمعة من الإنعتاق من ربقة مفرزات أفكار رجال الدين وتغوّلهم كما يحدث في الدول المجاورة كالسعوديّة والكويت من باب أولى.


إختار المرحوم زايد بن سلطان آل نهيان للإمارات الخط العلماني التحرّري(الليبرالي) وسار على ذلك النهج كل من أتى بعد المرحوم زايد، وبذلك تمكّنت دولة الإمارات من إحداث طفرة فريدة وغير مكرّرة في أية دولة من دول العالم بما حوّل هذه الإمارات من دويلات قزميّة بدويّة ومتخلّفة إلى دولة موحّدة تقود كل بلاد العالم وبجدارة في جميع مجالات البناء والتعمير والإستثمار والتجارة والسياحة أيضاً.
مطار دبي
تحية كبيرة لدولة الإمارات العربية وإلى آل نهيان الذين برهنوا على أنّهم بعقولهم تمكّنوا من قهر الإيديولوجيا وكوابح تجّار الدين وباعة صكوك الغفران، فساروا على هدى مفرزات العقول المتحرّرة والتي بذك التحرّر وحده إستطاعت الإبداع وتمكّنت من النفاذ من أقطار التخلّف والتردّد وغياب الثقة بالنفس إلى عالم اليقين والتمكّن والترسّخ.


هناك تعليقان (2):

Unknown يقول...

كل ذلك رائع وجميل مقارنة موفقة ومنطقية ولكن دبي أيضا من ناحية أخرى تحولت إلى جنة للأجانب وتكاد تفقد هويتها العربية والإسلامية عندما يتحول الولاء من الهوية إلى الولاء للمال والإقتصاد صحيح تحولت دبي إلى أكبر حاضنة لإستثمارات العالم بنقلة هي سابقة الأولى من نوعها على مستوى العالم لكن دبي تدفع ثمن هذا التحول السريع من البداوة إلى التحضر حرقت خلالها دبي مراحل ستدفع ثمنه غاليا جدا مستقبلا نعم تحولت أنظار العالم إلى دبي ..ليت ليبيا مثل دبي لكن نريد دبي يسكنها الليبيين لا الوافدين والمستوطنين من جميع أصقاع العالم من مريدي المال والتجارة والسياحة والترفيه والفن والتسوق والإستثمار وسائر المتعون أن تعرف لها حدا أو ضابط

Unknown يقول...

بعد زيادة تأمل أقول بل انتصرت الأيديولوجية انتصرت قيم الليبرالية قيم السوق وثقافة الإستهلاك التي تجعل من الإنسان لا يساوي إلا قيمته المادية وتراجع القيم الثقافية والفكرية وإن وجدت فهي آلية من آليات الهيمنة ذلك لأن قيم السوق والمال أكثر جذبا للناس وأسرع اختراقا لعقول البشرفي الوقت الذي عجزت فيه القيم الإنسانية المعنوية على لعب هذا الدور انتصرت أيديولوجية الغرب الوافدة على أجنحة العولمة التي تقزم الإقليمية والقومية وتحد من دورها وأهميتها وفي المقابل تمنح كل الصلاحيات للشركات والتكتلات الإقتصادية كيف يمكن لدولة كالإمارات صدرت الإرهاب والحرب وجيشت طائراتها وأموالها ونفطها إلى دولة أخرى شقيقة أن تكون نصيرا للواقعية