كل حركة تنطلق من سكون.... فالسكون هو أصل الحياة. لا يجب أن نلوم أنفسنا على سنة من الدوران حول المكان، ولكن يجب أن نلوم أنفسنا إن لم نتمكّن من كسر طوق الجمود بهدف مد الخطى نحو الغد.
التغيير يحتاج إلى الكثير من التخطيط والتفكير، ويحتاج إلى الصبر والحنكة، ويحتاج إلى التعاون والتآلف. من السهل على المرء قبول المألوف والإستمرار فيه أو به؛ لكن ذلك حتماً سوف لن يفتح الأبواب الموصدة، ولن يكشف عن الأسرار الكامنة وراءها.
إن الإنسان الذي لا ينظر إلى الأمام هو ذلك الذي يقاوم التغيير، لأنّه يخاف من المجهول ولا يثق في المستقبل. إن من يخاف من المجهول لا يمكنه أبداً صنع المستقبل، فنجده يرضى بالعيش في الماضي متغنّياً بتراثه وأمجاده السابقة ليس حبّاً في ذلك وإنّما بسبب الشحّ في الإختيارات.
كل من يقف في وجه التغيير أو يرفضه إنّما هو في واقع الأمر يعتبر رافضاً لثوابت الكينونة، ومتنكّراً لمقدرة سيّد الكون.... والسبب ليس هو الإنكار في حد ذاته، وإنّما يكون ذلك نتيجة لضيق قي الأفق وإنحسار في رقعة التفكير والتصوّر.
لقد خلق الله الإنسان بقدرات ذهنيّة كبيرة من الصعب حصرها أو الإلمام بكل أبعادها، وكلّما حاول المرء التعرّف على بعض من قدراته الكامنة بداخله وجد نفسه يكتشف المزيد. كلّما حاول المرء أن يستغلّ قدراته بغرض الإستفادة منها في تطوير نفسه كلّما إكتشف قدرات جديدة لم تكن واردة في حسبانه؛ ذلك لأن الله خلق هذا الإنسان وزوّده بأكثر مما يحتاج إليه في وقته الذي يعيش فيه. هذا الإنسان الذي خلقه ربّه فسوّاه فعدّله هو مدعوّ دوما من لدن الخالق نفسه بأن يبحث عن القدرات الكامنه في داخله بهدف تطويرها.... ذلك لأن الحياة خلقها الله متطوّرة ومتجدّدة ومتنوّعة، وجعل فيها التحدّي والإختبار ومن هنا كان الخير والشر، وكان الجوع والعطش، وكان المرض والصحّة، وكان الحب والكراهيّة، وكان الذكاء والغباء، وكان السلم والحرب، وكان التوافق والإنقسام، وكان الهدوء والسكينة، ثم كانت الكوارث الطبيعية والمصائب الكونيّة.... إنّها دعوة لهذا المخلوق بأن يفكّر ويتدبّر ويتصوّر ويتخيّل حتى يستطيع أن يبدع وأن يبتكر من أجل إكتشاف المجهول. إنّها لو تعلمون دعوة أكيدة للإستفادة من ملكات العقل وأفق التفكير.
إن من يقف في وجه الخلق والإبداع إنّما هو كمن ينكر على الله فضائله على البشر، وفي هذا الكثير من التحجيم للقدرة الخلقيّة التي زوّد بها الخالق هذا الإنسان بهدف إستثمارها والإستفادة منها في خلق السعادة، وفي تحقيق الرخاء، وفي صنع التقدّم.
لقد خلق الله الإنسان بقدرات ذهنيّة وجسديّة ونفسيّة قويّة تمكّنه بكل جدارة وإقتدارمن قبول التحدّيات الحياتيّة مهما كانت قويّة ومهما كانت قاسية. بوسع كل إنسان على هذه الأرض أن يتحمّل الصعاب مهما كبرت، وأن يتعايش إيجابيّاً معها.... وفكرة التعايش الإيجابي هذه تعرف بنظريّة "التكيّف" أو "التطوّر" من أجل البقاء.
يزن دماغ الإنسان حوالي 1400 جرام أي ما يعادل 3% من وزنه، لكن هذا الدماغ يستنفذ مالا يقل عن 20% من كل الطاقة التي يولّدها الجسم.
يزن دماغ الإنسان حوالي 1400 جرام أي ما يعادل 3% من وزنه، لكن هذا الدماغ يستنفذ مالا يقل عن 20% من كل الطاقة التي يولّدها الجسم.
يحتوي دماغ الإنسان على خلايا عصبيّة ( دمييّغ) التي بإمكان كل واحدة منها أن تشتغل منفردة وبكل كفاءة... يحتوي هذا الدماغ على 100,000 مليون (100 مليار) خليّة عصبيّة تتواصل مع بعضها بشكل غاية في الدقة والتعقيد بوصلات عصبيّة يصل عددها إلى 100,000,000 مليون (100 تريليون) وصلة لو حاول الإنسان عدّها بالواحدة فإنّه يحتاج إلى 300 مليون سنة بليلها ونهارها وهو يعد عساه أن يحصيها.
لا يعرف بالتحديد كم من هذه الخلايا والوصلات نستخدم، ولكن يقال في أغلب التصوّرات العلميّة بأن الإنسان العادي في وضع الإسترخاء قد يستخدم 10% فقط من قدراته الذهنيّة، وفي ذروة النشاط الذهني والعضلي قد يستخدم الإنسان ما بين 15 – 16% فقط من قدراته الذهنيّة الكامنة، وبأن أذكى إنسان على الأرض يستخدم حوال 17% من قدراته الذاتيّة. هذه النسب هي محل جدل بكل تأكيد، لكن أغلب الأراء تقول بأنّنا لا نستخدم أكثر من 20% من قدراتنا الذهنيّة؛ وبإمكان كل واحد منّا تصوّر قدراته الكامنة حين يتعرّض لتحدّي خطير كأن يهرب أمام أسد يحاول إلتهامه.
قطار الحياة في ليبيا
بعد ما يزيد على السنة من فقدان الإتجاه ... ما يزيد على السنة من الخوف والترقّب، وبعد الكثير من التسمّر بين الليبيين وبعضهم، وبعد الكثير من المحاولات المستميتة من أزلام القذافي في إعادة فرض أنفسهم على الليبيين... بعد كل هذا وغيره الكثير، نستطيع القول الآن بأن قطار الحياة في ليبيا كان بالفعل قد وضع على سكّته، وبأنه تم بعون الله تشغيل محرّكه ولم يبقى أمامنا إلاّ التأكّد بأن كل الركاب هم في آمان وسلام وبأنّه لم يتخلّف أحد من الليبيين عن ركب قطار التغيير، وبأنه يوجد لدينا ما يكفي من الوقود، وبأنّه توجد لدينا خريطة سفر وتوجد لدينا وجهة واضحة... وبعدها نشرع في رحلة بناء الدولة... دولتنا الليبيّة التي هي بيتنا، والتي هي شخصيّتنا وكرامتنا.
شهدت بلادنا أخيراً الكثير من الحراك، والكثير من التفاعلات الإجتماعيّة القيّمة التي عكست مدى الحب الحقيقي الذي يكنّه الليبي لوطنه. لايمكنني حصر تلك الأنشطة والفعاليات لكنّني ربما أذكر هنا بعض الأمثلة التي تحضرني الآن:
أولاً- المجلس الإنتقالي:
رغم كل الصعاب، ورغم كل المنغّصات، ورغم التشويش من كل مكان، ورغم نكران الكثير من الليبيّين لمجهودات المجلس الإنتقالي... رغم كل ذلك واصل أعضاء المجلس الإنتقالي القيام بمهامهم في صمت وبعيداً عن الأضواء وتمكّن المجلس أخيراً من نشر قائمة بالدوائر الإنتخابية معلناً بأن موعد الإنتخابات سوف يظل كما كان مقرراً له أي يوم 23 يونيو 2012.
ثانياً – المنابر الثقافيّة:
شهدت ليبيا حراكاً ثقافيّا وتوعويّاً لم تعرف مثله منذ عهد الإستقلال. وقام الكثير من المثقفين الليبيين بالتجوال في محتلف المدن الليبيّة كمحاضرين، وكمشاركين في مناقشات مفتوحة كان هدفها الأساسي توعية المواطن وتبصيره بشئون الديموقراطية وثقافة الإنتخابات.
ثالثاً – لجان المصالحة:
شهدت بلادنا كذلك الكثير من اللقاءات والمؤتمرات والندوات في مجال المصالحة الوطنية ودعم اللحمة بين أبناء الشعب الواحد. قام الكثير من حكماء ليبيا بالتباحث والتشاور بروح إيجابيّة غلب عليها طابع المسئوليّة والإحساس بهموم الوطن. تشكّلت الكثير من المنتديات التي تعني بالمصالحة الوطنيّة في مختلف مناطق بلادنا الحبيبة وقد لمست من خلال الإستماع إلى الكثير من المشاركات حرص عقلاء بلادنا على وحدة ليبيا وتكامل ترابها مستهجنين تلك الأصوات التي دعت إلى الفيدرالية وتقسيم البلد.













