2012/03/07

لا مساومة على وحدة ليبيا

 ذهب القذّافي وذهبت معه خطوطه الحمراء، لكنّ الخط الأحمر الوحيد الذي بقى بعده والذي سوف يبقى إلى الأبد هو وحدة ليبيا وإستقلالها.

خرجت علينا مجموعة إنفصاليّة يوم الأمس ( الثلاثاء 6 مارس 2012) بقرار إنفرادي ينص على تشكيل مجلس برقة الإنفصالي الذي أعلن صراحة الخروج على الشرعيّة الوطنيّة، والشرعيّة الدستوريّة حيث يحكم ليبيا الآن المجلس الإنتقالي الوطني الليبي تحت مظلّة الدستور المؤقّت ووفق نصوصها.

المجلس الإنتقالي الليبي حظي بتوافق جميع الليبيّين بدون إستثناء بما فيهم هذه المجموعة الإنفصاليّة التي لم يحدث أن أعلنت صراحة وفي أي وقت مضى منذ تأسيس المجلس الإنتقالي وحتى يوم الأمس بأنّها لا توافق عليه أو لا تعترف به. حظي المجلس الإنتقالي أيضاً بإعتراف الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمنظّمات الدوليّة الأخرى بعد أن حظي بإعتراف علني لأكثر من 130 دولة في العالم.

من هنا فإنّ المجلس الإنتقالي الليبي يعتبر جهة قانونيّة بإعتراف الشعب الليبي، وبإعتراف دولي؛ ومن ثمّ فإنّ المجلس الإنتقالي الليبي يمثّل قانونيّاً الشرعيّة والسيادة الليبيّة.

الخروج على الشرعيّة الوطنيّة بقدر ما هو يعتبر غير قانوني؛ فإنّه أيضاً يعتبر خيانة للشعب الليبي ويجب تطبيق القوانين واللوائح الوطنيّة على من حاول تهديد الوحدة الوطنيّة، ويجب إعتبار ذلك خيانة للوطن.

حيثيات مجلس برقة الإنفصالي
منذ عام 1949 وحتى يومنا هذا كانت توجد في ليبيا أفكاراً إنفصاليّة، وكان أوّلها بكل تأكيد هو تكوين إمارة برقة تحت إمرة محمد إدريس السنوسي. ففي 1 يونيو 1949، أعلن أمير برقة السيد محمد إدريس السنوسي إستقلال برقة، ولذلك كان من الضروري تشكيل حكومة خاصة بها، وبعد أوّل حكومة إستمرت لفترة قصيرة برئاسة عمر باشا الكيخيا، تولّى محمد الساقزلي رئاسة حكومة ولاية برقة في مارس 1951.

في24 ديسمبر 1951، أعلن الملك محمد إدريس السنوسي إستقلال ليبيا تحت إسم المملكة الليبية المتحدة، وتغيّر لقب الساقزلي من "رئيس وزراء" برقة إلى "حاكم" برقة، وإستمر في هذا المنصب حتى مايو 1952.

إذاً... من هنا نرى بأن الملك محمد إدريس السنوسي رغم أنّه أعلن إستقلال ليبيا إلاّ أنّه أصرّ بعد الإستقلال على الإحتفاظ بليبيا مقسّمة بولايات ثلاث كشرط للتنازل عن إعلان برقة كدولة مستقلّة، وكان ذلك قد حدث نتيجة للضغوط الكبرى من الأمم المتحدة ومن زعماء الأحزاب والتنظيمات السياسية في المناطق الغربيّة بدئاً من مصراته وحتى منطقة الجبل الغربي. فقد أصرّ حزب المؤتمر الوطني بزعامة السيّد بشير السعداوي ومعه بقيّة التنظيمات الوطنية الأخرى على سيادة وإستقلال الدولة الليبيّة بحدودها الكاملة مقابل الرضاء بالسيد محمد إدريس السنوسي كملك على كل ليبيا. قبل إدريس السنوسي ذلك الشرط، وتنازل عن إعلان برقة دولة مستقلّة تحت ضغط الحلفاء وبالخصوص أمريكا وبريطانيا؛ لكن إدريس السنوسي بعد إعلانه ملكاً على كل ليبيا إحتفظ بمقرّه الدائم في البيضاء ولم يحوّل المقر الرئيسي للمملكة الليبيّة ولا الوزارة إلى مدينة طرابلس مع أن طرابلس تمّت تسميتها رسميّاً كعاصمة للمملكة الليبيّة. كذلك فإن الملك إدريس السنوسي وتحت ضغط سكان المناطق الشرقيّة سمّى بنغازي كعاصمة ثانية لليبيا وبشكل رسمي معترف به دوليّاً، وكانت تدرّس في كتب الجغرافيا بأن ليبيا لها عاصمتان (طرابلس وبنغازي). وفي عام 1963 أصدر الملك إدريس قراراً بإعتبار مدينة البيضاء عاصمة ثالثة لليبيا إرضاء لسكّان المناطق الشرقيّة أيضاً.

إحتفظ الملك إدريس بليبيا الفيدراليّة حتى عام 1963 حين أصرّ سكّان المناطق الغربيّة، وكذلك نوّاب البرلمان، والسيّد رئيس الوزراء حينها محيي الدين فكيني على توحيد ليبيا فلم يجد الملك الضعيف بدّاً من القبول بالتوقيع على قرار مجلس النوّاب القاضي بتوحيد البلاد وإلغاء الحكم الفيدرالي.

بعد ذلك ظلّت أحلام إنفصال برقة حيّة عبر السنين برغم إنحياز الملك إدريس للمناطق الشرقيّة وإهمال المناطق الغربيّة بالكامل، وبرغم أن ليبيا في عهد الملك إدريس تولّت فيها 10 شخصيّات ليبيّة رئاسة الوزراء لم يكن منهم سوى إثنين من طرابلس، وواحد من الزنتان.... أمّا السبعة البقيّة فكانوا جميعاً من المناطق الشرقيّة.

إزدهرت مدينة البيضاء ومدينة بنغازي في عهد الملك إدريس السنوسي بشكل كبير وكان ذلك على حساب بقيّة مناطق ليبيا بما فيها مدينة طرابلس عاصمة البلاد؛ لكن أهالي المناطق الغربيّة حافظوا على ولائهم لليبيا ولنظامها الملكي حفاظاً على إستقلال ووحدة البلد رغم أن أكثر من 90% من أهالي المناطق الغربية كانوا يكرهون النظام الملكي الذي جلب النفوذ الغربي إلى ليبيا، وفرض القواعد العسكرية لكل من أمريكا وبريطانيا على ليبيا بما فيها بالطبع قاعدة ويليس وقاعدة الوطية في المناطق الغربيّة.

لم يفكّر أهالي المناطق الغربيّة قط في الخروج على نظام حكم الملك إدريس رغم إنحيازه بالكامل للمناطق الشرقيّة، وحتى ذلك الإنقلاب العسكري الذي قاده العقيد معمر القذّافي في عام 1969 كان أغلب أعضائه من المناطق الشرقيّة، وكان القذّافي نفسه من سرت وهي أقرب إلى بنغازي منها إلى طرابلس.

في عهد الطاغية القذّافي حاول أهالي المناطق الشرقيّة مراراً الخروج عن نظام حكم القذّافي بهدف إستقلال برقة وإعادتها للنظام الملكي، لكن القذّافي كان صارماً في هذا الإطار؛ وعلينا الإعتراف بأنّه كان حاسماً في قضيّة وحدة ليبيا. القذّافي رغم كل مساوئه كان صاحب قرار، وكانت له شخصيّة قياديّة (كاريزميّة) قويّة لا تتردد في الحسم وهذا ما حافظ على ليبيا مستقلّة وموحّدة بكل قوّة طيلة سنين حكمه الطويلة.

محاولات الجماعة الليبيّة المقاتلة – أغلب أفرادها وقادتها كانوا من درنة وبنغازي وبقية المناطق الشرقيّة – في عام 1995 إحتلال مدينة بنغازي بهدف تسميتها عاصمة لمنطقة برقة بعد إعادتها للنظام الملكي وتحريرها من قبضة القذّافي باءت بالفشل نظراً لحرص القذّافي على وحدة ليبيا ومنع أية جهة من العبث بها. لو تمكّنت الجماعة الليبية المقاتلة من الإنتصار على قوات القذّافي حينها لأصبحت ليبيا اليوم مقسّمة إلى دولتين، ولما تم تحرير بلادنا من طغيان حكم القذافي.

الدكتور جاب الله حسن موسى يعتبر من أكبرالمنادين بتحرير برقة وأكثرهم حماسة لذلك بدأ يطالب بإستقلال برقة منذ عام 1989 أي منذ أكثر من 22 سنة قبيل ثورة 17 فبراير التي يلومها على المركزية وإهمال المناطق الشرقيّة، ويعتبر هو وجماعته الإنفصالية ذلك من أهم أسباب إعلان مجلس برقة الإنفصالي. قال الدكتور موسى في إحدى المقابلات قبل ثورة 17 فبراير بكثير: {سكان برقة من حقّهم إن يقرّروا مصيرهم و ينفصلوا عن ما كان يعرف بليبيا} . يقول أنذاك "بما كان يعرف بليبيا" أي أنّه لم يكن يعترف بليبيا كدولة قبل أن تحدث ثورة 17 فبراير. قال الدكتور جاب الله موسى حسن في 27 مارس 2010 {للرافضين لحق برقة في تقرير المصير: أقول.. ليس للأكذوبة أرجل.. ولكن للصبر حدود!!}.

في أغسطس عام 2007 كتب الدكتور جاب الله حسن في "ليبيا وطننا": {سبعة وثلاثون عاما ونيف من الزمن جعلت برقة تنكفى على نفسها حتى سقطت من حساب الزمن…سنوات أطاحت بكل ما كانت تملكه هذه الولاية الغنية بمواردها النفطية...وها هو اليوم يلقي بها طاغوت طرابلس في أتون الفقر والذل والهوان. أن طاغية طرابلس وشيطانها لا يكترث بخراب أصاب برقة في مقتل.. ولا يعنيه ان يتهددها هلاك}

من هنا نرى بأن ما حدث بالأمس في مدينة بنغازي من إعلان مجلس برقة الإنفصالي لم يكن وليد اللحظة، ولم يكن نتيجة لممارسات المجلس الإنتقالي كما أدّعى الموقّعون على البيان الكارثة؛ بل إن الرغبة في الإنفصال كانت مستوطنة في عقول وآحاسيس أولئك الذين إنتهزوا ضعف الدولة الليبية في الظروف الراهنة ليصرّحوا برغبتهم الأكيدة في تفتيت الدولة الليبية بغرض إشباع رغباتهم الأكيدة والشديدة في الإنفصال ببرقة وتمزيق الدولة الليبية ضد رغبات أهلها.

إن مشروع إعلان مجلس برقة الإنفصالي لم تكن له أهدافاً تنمويّة للمناطق الشرقية، ولم يكن دافعه الحرص على العدالة في توزيع الثروة على كل الليبيين، بل إن الهدف الحقيقي هو تقسيم ليبيا وإعلان دولة مستقلة في برقة عاصمتها بنغازي لتصبح هذه الدولة ندّاً لدولة أخرى تقام في طرابلس، وربما دولة ثالثة تقام في الجنوب، ودولة رابعة تقوم في منطقة الجبل الغربي، ودولة خامسة للتبو، ودولة للتوارق وهكذا.

قد يحدث ذلك في هدوء، وقد تقرّر تلك الدويلات فيما بعد الإندماج من جديد في وحدة فيدراليّة كما يتوهّم هؤلاء الإنفصاليّون؛ لكن الواقع يقول لنا غير ذلك تماماً.

فالسودان بالأمس القريب إنشطر إلى دولتين، وقال المتفائلون إن هاتين الدولتين بعد الإنفصال سوف تتقاربان من جديد في نموذج إتحادي فريد يحفظ حقوق سكان كل منهما.... ولكن هل تلوح في الإفق بوادر ذلك المنحى؟.

بالطبع سوف لن يتوحّد السودان من جديد، وبالطبع سوف لن تقوم فيدراليّة بين الشمال والجنوب وبالطبع إن ما حدث في السودان من إنشطار الجنوب عن الشمال هو مدبّر ومدروس ومخططاً له سلفاً ومنذ عشرات السنين فلما نحن نغالط أنفسنا؟.

إن السودان ما كان قد إنشطر ليتّحد من جديد، وإنّما العكس هو ما سوف يشهده السودان. المزيد من الخصام حول براميل النفط، والمزيد من الخصام حول قطع الأرض، والمزيد من الخصام حول المياه، وفي النهاية... المزيد من الحروب والقتل والدمار الذي سوف لن ينتعش من خلاله لا الشمال ولا الجنوب.

إن ذلك ما سوف يحدث تحديداً في ليبيا لو أن ما أعلن عنه بالأمس وجد طريقه إلى التنفيذ، وأن الذين يوهمون الشعب الليبي بالرخاء والقضاء على المركزيّة، وتحقيق العدالة والتقدّم إنّما هم يوهمون أنفسهم إن كان ما يقولونه هم بالفعل يؤمنون به؛ أما إذا كانت أهدافهم كما نعرفها... مطامح شخصيّة، وأحلام قصيرة النظر فإنّهم سوف لن يحققوا أيّاً من أهدافهم لأنّها لم تكن منطقيّة من حيث المبدأ، ولأنها كانت قد بنيت على الكذب والخداع مستغلّة أوضاع بلادنا الراهنة التي ما فتئت تلملم جراحها وتسترجع أنفاسها بعد كل ذلك التقتيل والتدمير والتهجير والخراب أثناء حرب تحرير ليبيا من حكم الطاغية معمر القذّافي.

هناك ملاحظة وددت الإشارة إليها وهي ما ورد على لسان السيّد محمود شمّام بالأمس، والدكتور قويدر اليوم من أن عدد السكّان لا يجب أن يكون مقياساً لتوزيع المناطق الإنتخابيّة. أنا إستغربت كيف فكّر كل من الأستاذ محمود شمّام والدكتور قويدر - الذين إحترمهما جداً - بتلك العقلية. لا أدري إن كان بتفكيرهما حينها العمل على إرضاء بعض من أهالي المناطق الشرقيّة حتى يعدلوا عن قرار الإنفصال أم أن هناك خطأ في التقدير والحسابات؟.

البلد في العرف الدولي والإنساني هي ثلاثة مكوّنات مجتمعة: الأرض، الناس، والحكومة. فأرض بلا شعب هي ليست دولة؛ أما الشعب على تراب الدولة فبوسعه أن ينشئ حكومة.

الشعب بدون دولة من الممكن أن ينشئ دولة كما فعل اليهود، أما الأرض بدون شعب فلا يمكنها أبداً أن تصبح دولة. من هنا نرى بأن الأساس في الدولة أي دولة هو الشعب. حاول الشيوعيّون سابقاً التركيز على التراب (عمران وبناء وميادين واسعة) على حساب الشعب فتبخّرت دول نتيجة لتلك الفرضية الخاطئة. إن أردت أن تبني دولة لها كيان فعليك أن تبني شعباً قبل كل شئ. بناء الشعب هو من سوف يبني الدولة وليس العكس.

لذلك فإنني إستغربت من الطريقة التي فكّر بها كل من السيد محمود شمّام والدكتور قويدر حين إعترض كل منهما وبشدّة على توزيع كراسي المجلس الوطني وفق التوزيع السكاني.

نحن نعرف بأن المجلس الإنتقالي كان قد قرر توزيع 2000 دينار ليبي على كل عائلة ليبية بهدف تخفيف المعاناة وإحساس الليبيين بأن ثروتهم كانت بالفعل قد عادت إليهم بعد أن إغتصبها الطاغية القذافي منهم وعبث بها وبعثرها في كل مكان. السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الفرق بين العدل والمساواة؟.أو بمعنى آخر: هل العدل يعني المساواة؟. الإجابة البسيطة هي: العدل لا يعني دوماً المساواة، والمساواة لا تعني دوماً العدل؛ فالمساواة قد تكون ظلماً، والعدل قد لا يعني المساواة.

نحن نعرف بأن عدد أفراد الأسر الليبية قد يكون إثنين (زوج وزوجة)، وقد يصل إلى عشرين (أب وأم و18 من الأبناء). عندما تقوم الدولة بتوزيع 2000 دينار على كل أسرة ليبية فإن ذلك من الناحية النظرية قد يبدو وللوهلة الأولى بأنّه قمة في العدل والإنصاف، لكننا لو قمنا بتقسيم الألفين دينار على الأسرة الأولى فإن كل فرد في تلك الأسرة سوف يتحصّل على 1000 دينار، وفي حالة الأسرة الثانية فإن كل فرد فيها سوف يتحصّل على 100 دينار فقط !. هل في هذا عدل مع أنّه حقق بند المساواة بين الأسر؟. كان من الأفضل على المجلس الإنتقالي ليكون عادلا أن يعطي لكل فرد في كل أسرة ليبية 200 دينار على أساس أن متوسّط عدد أفراد الأسر الليبية قد يكون 10 أشخاص. ذلك هو العدل، وتلك هي المساواة الحقيقية لأنّها كانت حينها قد إعتمدت على عدد الأفراد وليس عدد الأسر. المال قد يعطى للأسر وليس للأفراد ولكن على أساس عدد الأفراد في كل أسرة، وليس على أساس عدد لأسر في الدولة بغض النظر عن عدد الأفراد في كل أسرة.

إذا كان العدل قد توفّر بتلك الطريقة فلماذا لا يكون عدلاً بأن توزّع المقاعد الإنتخابية حسب عدد السكان .. ما العيب في ذلك؟. ألسنا نحن نحكم من أجل الناس، أم أننا نحكم من أجل الأرض؟. ماذا عن الصحاري الشاسعة التي لا يتواجد فيها بشر... هل تعطوها مقاعد إنتخابية؟.

علينا أيها الإخوة أن نعود إلى رشدنا، وأن نتعامل مع الأشياء بعقولنا، فكلما أنصفنا، وكلما صدقنا، وكلما عدلنا فإننا يجب أن لا نخاف لومة لائم.. ومن لا يروقه العدل فليشرب من ماء البحر.

عدد المقاعد الإنتخابية يجب أن يتحدد بعدد السكان وليس برقعة الأرض... وإذا تباعدت المسافات فإنّه حينها قد تعطى علاوات إضافيّة لذلك الغرض فقط.

هذا جدول بعدد المحافظات مع عدد سكان كل محافظة حسب تعداد عام 2006 (آخر تعداد رسمي)، وعدد المقاعد التي يجب أن تعطى لكل محافظة بغض النظر عن مساحتها وترامي أطرافها فالذي يهمّنا هو الإنسان في الأساس؛ أمّا الإنتشار على الأرض فذلك حين تعد ميزانيّات كل محافظة يجب أن يؤخذ في الإعتبار كعامل ثانوي وليس أوّلي.


ما هو الحل لمشكلة إنفصال برقة؟
من أجل التفكير في الحل المناسب لهذه القضيّة - وهي بكل المعايير قضيّة خطيرة ومصيرية – علينا أن نتصوّر هذا السيناريو:

سفينة في عرض المحيط تسير بسرعة بطيئة لكنّها واثقة ولها إتجاهات محدّدة ووجهة معروفة. توجد لها خريطة سير، وحدّدت لها آماكن توقّف وإستراحات حسب برنامج الرحلة المعد سلفاً.
كابتن السفينة (القبطان) يعتبر إنساناً مهذّباً، محترماً، صادقاً، ونزيهاً، وأغلب ركّاب السفينة يثقون فيه كشخص مع أنّه لايمتلك الخبرة الكافية؛ لكنه حذق وحذر في نفس الوقت، وهذا ربّما ما يطمئن الركّاب على سلامة الرحلة وضمان الوصول إلى بر الآمان.
القبطان لديه عدد من المساعدين، وبالسفينة طاقم من المهنيّين الحذّاق والأذكياء لكنّهم هم بدورهم لا يمتلكون خبرة كبيرة في شئون السفريات بالسفن، وشئون الإبحار خاصة في المحيطات والمياه العميقة.
يبلغ عدد ركّب السفينة 6000 راكب من مختلف الأعمار، وخليط بين ذكور وإناث.
السفينة بدأت تسير بهدوء وببطء لكنّها من المؤكّد بأنّها تسير إلى الأمام، وكانت قد تمكنت بالفعل من قطع بعض المسافات. كل ركّاب السفينة يعرفون بأن أوّل محطة يتم التوقّف عندها بهدف الإنتعاش والتزوّد بالوقود مع برنامج تغيير الطاقم بكامله بما فيه الكابتن سوف تكون على بعد 3 أشهر سفر فقط.
في خط سير السفينة توجد بعض المطبّات، وتحدث بين ركابها بعض المشاغبات لكنّ طاقم السفينة يحاول جاهداً الحفاظ على الهدوء داخل السفينة مع وجود بعض المخاوف من نشوب شجار بين ركّابها فبعصهم يحمل معه سلاحاً، وبعضهم توجد لديه أموالاً كثيرة بوسعه أن يستخدمها لخلق مشاكل بين الركاب لدوافع قد تكون شخصيّة ومصلحيّة.
في أحد الأيّام قرّر 3 من ركّاب السفينة الإستيلاء على منطقة صغيرة من السفينة وأعلنوها ملكاً لهم. إعترض الكثير من الركاب وإعترض معهم الكابتن وطاقم السفينة لكن الثلاثة كانوا مصرّين على الإستيلاء على المكان وتسمية ملكيّته إليهم. قالوا لبقيّة الركاب ال 5997 إن السفينة سوف تستمر في السير، ونحن كل ما نريده هو إعتبار هذا الركن الصغير من السفينة ملكاً لنا ومن حقّنا أن نفعل به ما نشاء. أصاب بعض ركّاب السفينة الرعب، وغضب الكثير منهم من مثل هذه التّصّرفات؛ لكن السفينة إستمرت في المضي قدماً رغم الكثير من المحاذير.
بعد فترة قصيرة من الزمن قرر المشاغبون الثلاثة تعيين كابتن خاص بهم وأعلنوا عدم إنصياعهم لكابتن السفينة الرسمي رغم إطاعتهم لطاقم السفينة. زادت هذه التصرّفات من خوف أغلب ركاب السفينة، وزداد حنقهم وغضبهم لكنّهم إستجابوا لطلب الكابتن منهم بإلتزام الهدوء والمحافظة على أمن السفينة.
قرّر المشاغبون الثلاثة أن يقودهم الكابتن الذي إختاروه لكنّهم لم يتمكّنوا من الإستيلاء على غرفة القيادة في السفينة فقرّروا القيام بفصل الركن من السفينة الذي يجلسون عليه بغرض تحويله إلى قارب مستقل يوكلون قيادته إلى كابتنهم. هناك أصاب الذعر والإرتعاب ركّاب السفينة الآخرين وأحسّوا بأنّه لو تم فصل جزء من السفينة فإنّها سوف تغرق لا محالة. قالوا في أنفسهم... هؤلاء المشاغبين الثلاثة لا تهمّهم إلاّ أنفسهم، ولا يحفلون بسلامتنا، ولا يهمّهم إن غرقت السفينة فهم فقط يفكّرون في فصل جزء من السفينة بغية تسليم قيادته لكابتنهم.
إجتمع ركّاب السفينة وفكّروا مليّاً فيما عساهم أن يفعلوا قبل أن يشرع المشاغبون في قطع جزء مهم منها. قرّر ركاب السفينة ال5997 أنّه لا مهرب لهم من الموت المحقق إن تم عمل حفرة في وسط السفينة، وأنّها سوف تغرق بمن عليها. قرّروا الهجوم على المشاغبين الثلاثة ومنعهم من تنفيذ مخططهم. قاوم المشاغبون قليلاً لكنّهم أمام إصرار وتوحّد بقية الركاب لم يتمكّنوا من المقاومة فمسك بهم الركاب وقرّروا قذفهم في مياه المحيط العميقة علّ قروش البحر تلتهمهم وتخلّص السفينة من شرورهم. طلب منهم الكابتن المحبوب بطيبته وحنانه بأن لا يؤذوا المشاغبين الثلاثة، وبأن لايقذفوا بهم في عرض المحيط. إستجاب المسافرون عن مضض نظراً لمكانة كابتنهم الطيّب في قلوبهم فقرّروا تقييد أيدي المشاغبين ووضعهم في ركن هادئ من السفينة بهدف تفادي شرورهم... وبالفعل تم كل شئ في آمان وسلام بدون حدوث أضرار تذكر. واصلت السفينة سيرها حتى رست على بر الأمان، وتمكّن الركاب من النزول والإستراحة قاموا بعدها بإختيار قيادة جديدة لسفينتهم، وشكروا كابتنهم على رجاحة عقله وحسن تفكيره وأخذت السفينة تمخر عباب المحيط من جديد ولكن بقيادة جديدة وطاقم جديد إختاره الركاب ورضوا عنه فبدأ الطاقم الجديد يتأقلم رويداً رويدا مع مشاق القيادة وملذّاتها أيضاً، وبدأت السفينة تتسارع أكثر فأكثر مما أسعد كل الركاب، وأحسّهم بالآمان، وبدأوا بالفعل يرون من بعيد معالم مدينتهم الفاضلة التي كانوا جميعاً يحلمون بالوصول إليها.

الحل أظنّه بدأ واضحاً من خلال تلك القصة القصيرة بأنّه لا مفر من القيام بهذه الإجراءات:
1. توجيه إنذار نهائي للإنفصاليين بالعدول عن قرارهم بالإنفصال ببرقة في فترة لا تتجاوز أسبوع واحد.
2. في حالة التلكؤ أو رفض الإنصياع، يقوم الجيش الوطني بالإستيلاء على مكاتبهم ومواقعهم وطردهم منها.
3. في حالة المقاومة أو رفض التسليم للجيش يقوم الجيش بالمسك بهم وتسليمهم للشرطة بغرض إيداعهم في السجون بهدف محاكمتهم أمام القضاء العادل.
4. الإهتمام بقضايا الناس في المناطق الشرقية والعمل على حل مشاكلهم بأسرع ما يمكن.
5. البدء في الإجراءات الفعلية للإستعداد لإنتخابات المجلس الوطني مع المزيد من الشفافيّة والتفاعل مع الشارع في جميع أنحاء ليبيا بدون التركيز على منطقة دون سواها.

وختاماً... إن القضاء على نظام حكم الطاغية القذّافي لا يقل أهميّة عن الحفاظ على وحدة بلادنا وإستقلالها. إذا كان القضاء على الديكتاتورية ثمنه تمزيق البلاد والعبث بوحدتها فمرحباً ببقاء الديكتاتورية؛ حيث أنّه بالإمكان القضاء على الديكتاتورية في أي يوم من الأيام كما تم القضاء على نظام الطاغية القذافي بعد أكثر من 42 سنة من الطغيان، لكن حين نخسر وحدة بلادنا فإننا حتماً سوف لن نتمكن من إعادتها مهما عملنا، ومهما طال بنا الزمان.

يجب أن تكون قاعدتنا دوماً: الحكّام يتغيّرون مهما طغوا، أما البلد فهي باقية ما بقى شعبها على قيد الحياة.... فالشعوب لا يمكن هزيمتها.


هناك 5 تعليقات:

غير معرف يقول...

السلام عليكم
اريد التعليق على اللهجة والتجريح لاهالي المنطقة الشرقية ومحاولة قلب الحقائق والتاريخ ومحاولة الطعن في وطنية اهالي المنطقة الشرقية وتخوينهم على الرغم من التاريخ الذي صنعه اجدادنا والتضحيات الجسام من اجل ليبيا وووحدتها وسيادتها هذا ليس كلام عاطفي بل هو واقع كتب بدماء الشهداء منذ الاحتلال الايطالي وحتى ثورة 17 فبراير المجيدة التي فجرها شباب بنغازي الاحرار ضد هذا الطاغية واعاونه وسقط المئات شهداء في سبيل تحرير ليبيا من الشرق وحتى الغرب شاركنا في كل معارك التحرير مع اخوتنا في مصراته والجبل الغربي والزاوية لتحرير ليبيا من الطغيان وأريد الرد عليك بنفس الخطاب وبنفس التحليل الجهوي غرابة شراقة يكفينا شرفا اننا لم نقف مع المردوم ولم نهاجم مدن كاملة بجيش ضخم كله او جله من المنطقة الغربية التي كانت تريد مسح بنغازي ومصراته والجبل الغربي التي ظهرت في مسيرات مليونية نعم مليونية فلم اشاهد الساحة الخضراء سابقا تتمتلىء بهذا العدد من الغوغائيين والعبيد يهتفون كالكلاب المسعورة لسيدهم لتحرض على تقسيم ليبيا وليس نحن من حرضنا على تقسيم ليبيا ولن نحرض عليها لقد عانت المناطق الشرقية من الاهمال المتعمد والممنهج لمعادتها النظام البائد وضحينا بالغالي والنفيس لمحاولة انهاء النظام وبل لم تسلم يداك من الحركات الاسلامية التي كان لها دور فعال وتاريخ في مقاومة النظام البائد وارتكب القذافي المجازر في حقهم واهالي مجزرة بوسليم هم من اشعل نار الغضب ليس مثل المعارضات الخارجية المدعومة من الاستخبارات دول لها اجندات ومطامع وليس تكنوقراط او قوميين او يساريين الذي فشلوا فشلا ذريعا بل هم سبب فشل الامة وانبطاحها وسبب التأخر الذي نعيشه وليس الحركات الاسلامية التي تعتبر اول تجربة لها بالحكم وفي موضوع الحركات الاسلامية اصدر بيان من الاخوان المسلمين ترفض فيه جميع اشكال الفدرالية او محاولة تقسيم ليبيا وبل هم من شارك في جميع الفاعليات المناهضة للفدرالية وفي المحصلة نحن اهالي المنطقة الشرقية وطنيتنا لا يمكن المساس بها او تضليل الرأى العام بتاريخ مزيف كتبته غضبا او حقدا واريدك ان تشاهد الذين لديهم نزعة انفصالية مثلما تقول في هذا الفيديو الذي يجسد قمة الرقي والوطنية http://www.youtube.com/watch?v=ydvl9CuKayU

غير معرف يقول...

السلام عليكم اشكرك اخي على المقالة الرائعة لا اعلم حقاً اصبحت كثير الشتائم من الأوضاع التي أرها في ليبيا من انعدام الأمن وانتشار السلاح وسيطرت المليشيات القبلية على مقرات حكومية وغلاء المعيشة والتوتر بين القبائل الذي يتطور احيانا الى اشتباكات مسلحة مثلما شاهدنها بين عدة مناطق كان آخرها في الكفرة وانتج عنها عشرات القتلة واخيرا من محاولات تفتيت الوحدة الوطنية وما حصل إبان الثورة من جرائم حرب وقتل واغتصاب للأسف من الطرفين وهذا بدليل من تقارير الامم المتحدة ومنظمات حقوقية للأسف فلقد أيقنت ان اللي حصل ماكان يجب ان يحصل بالرغم من أني اكره اللقذافي كرها شديدا فهو حاكم ظالم مستبد مجرم وعاصي الله فلقد استبدلنا الفاسد بمن هو افسد منه لقد دخل الليبين في حرب أهلية وقتل الآلاف من الشباب ودمرت مدن وهجرت الناس من مناطقها وتسلق الانتهازيون والمنافقين والمتسترين بالدين ولا تقول أني (طحلوب) فانا منذ بداية الثورة وقفت معاها ولكن بعد الذي شاهدته من تجاوزات وقتل ودمار بدأت افكر بطريقة مختلفة فتعريف الثورة هو الخروج عن الوضع الراهن وتغييره سواء للأفضل او للأسوأ لقد أيقنت ان المشكلة في الشعوب العربية فهيا لاتستحق الحرية بل لا ينفع معاها الا العصا فنحن لم نغير انفسنا فنحن ترتكب جميع المعاصي من ربى الى سرقة المال العام الى شرب الخمر والى آخره فنحن الذين صنعنا القذافي وأمثاله فهو انعكاس لنا لو اننا شعوب حضارية لما ولى الله علينا الظالمين فلقد اولى بينا تغيير انفسنا اولا وفي المحصلة ربي يهدي العباد ويصلح الحال ويحفظ ليبيا من الفتن والسلام عليكم

محمّــــد بالحـــــاج يقول...

الأخ المعلّق أعلاه
أنا أحترم رأيك، وأقدّر مشاركتك. تمنّيت لو أنّك إستخدمت إسمك فلم يعد بيننا من نخاف منه أو نحتاج إلى إتقاء شرّه.
أنا بكل صدق لم أقصد تجريح شخص واحد في ليبيا بعد تخلّصنا من الطاغية، كل الليبيّين هم إخوتي، وأنا أحبّهم جميعاً بدون إستثناء. كما أنّني لم أقصد الطعن في أي إنسان في ليبيانا الحبيبة فنحن في أمس الحاجة لإحترام بعضنا البعض بهدف العمل معاً كأسرة واحدة من أجل ليبيا.

أنا بطبيعتي وبصدق أعتبر نفسي ليبيّاً 100%، وأعتبر أن كل ليبي بغض النظر عن مكان إقامته في ليبيا أو خارجها هو أخي أو أختي وأنا أعتز بكل ليبي وبكل ليبيّة، ولا يهمّني مطلقاً إن كان من شرق البلاد أو من غربها وهذا بالطبع ينطبق على كل الأراضي الليبية بما فيها الجنوب الغالي.
لأ أظن بأنّني تحاملت على إخوتنا في الشرق، ولم يكن ذلك قصدي مطلقاً إن كان قد فهم كذلك وآمل ألاّ يكون كذلك. أنا ذكرت بعض الأمثلة على أن كل ليبيا كانت مهمّشة في عهد القذّافي، وبأن المناطق الغربيّة كانت مهمّشة في العهد الملكي ولم يتبرّم آهالي المناطق الغربية ولم يفكّروا مطلقا في تشطير ليبيا. لكن كل ذلك يظلّ تاريحاً (مضى وإنتهى) وأنا بطبعي لا أعيش في الماضي، ولا أحفل به كثيراً؛ فأنا إبن اليوم أعيش حاضري، وأفكّر في ماذا عساي أن أفعل غداً.
إنّ كل ما قصدتّه كان يعني فقط تلك المجموعة الصغيرة التي كانت وراء فكرة الإنفصال تحت مسمّى "النظام الفيدرالي" وهذا لا يعكس مشاعر أو آحاسيس إخوتنا في المناطق الشرقيّة؛ فأنا درست سنة من الجامعة في بنغازي وأكملت البقية في طرابلس، وكان لي أصدقاء كثيرون من بنغازي والبيضاء ودرنة وإجدابيا؛ ولم أشعر قط بأنّني كنت غريباً في بنغازي التي أحبّها.
تحيّاتي لك من جديد وأتمنّى بان تواصل تعليقاتك وإنتقاداتك فهي كلّها مرحّباً به لأنّني أؤمن بحرية الكلمة، وحق كل الناس في التعبير عن وجهات نظرهم مهما كانت مخالفة لوجهة نظري... فهذه هي الطريقة الوحيدة التي بها نتمكّن من تحسين أمورنا وإصلاح أحوالنا.

محمّــــد بالحـــــاج يقول...

الأخ\الأخت المعلّق الثاني... مرة أخرى أظن بأنّه قد حان لنا الوقت جميعاً بأن نبدأ في الكتابة بأسمائنا الحقيقيّة فلم يعد لدينا من أو ما نخاف منه. ليبيا تم وبحمد الله إبعاد إسمها من قائمة الدول التي تمنع حريّة التعامل من الإنترنت، ووضعت ليبيا الآن في مرتبة متقدّمة جدّاً بين دول العالم التي لا تتدخّل في شبكة المعلومت متقدّمة بذلك على فرنسا و "إسرائيل".
بالنسبة لمحتوى الرسالة الثانية... أعود وأكرّر بأنّني مع حرّية التعبير، لكنّني هنا - وليسمح لي صاحب أو صاحبة المقال - بأنّني أحسست وكأن كاتب الملاحظة الثانية يعبّر عن لسان المشكّكين من أزلام القذّافي... إن بعض الظن إثم؛ لكنّني أقول ما أحسّ به !.

Alaa يقول...

http://www.zum.de/whkmla/histatlas/northafrica/haxlibya.html

هده خرائط ليبيا و كيف كانت والى أين اصبحت و متى كان فيه بما يسمى ولايات و عمر بقاء هده الولايات موجودة و الشيء الايجابي من الاستعمار الايطالي على توسيع رقعت بعض الولايات و ميزة توحد ليبيا في الحصول على الاستقلال بموافقت الامم المتحدة