2018/12/16

لماذا نحن متخلّفون(5)

الإعتراف بوجود الخطأ هو الخطوة الأولى نحو تغييره، ومن يعترف بخطأه سوف يجد الشجاعة ويمتلك القدرة على إصلاحه ومن ثمّ رسم معالم جديدة للغد تكون معاول تنفيذها بأيدي وقدرات من يعترف بأخطائه ويؤمن بوجوب إصلاحها.
 (الحلقة الخامسة)
شيوخ المسلمين: تفتيت وتشتيت الدين
في الحلقة السابقة تحدّثت عن شيوخ اليهود وشيوخ النصارى وكيف أنّهم إنحرفوا عن دينهم وأضافوا إليه بذلك القدرمن "الإجتهادات" والفتاوي حتّى حوّلوا الدين الإلهي إلى دين بشري بعيد كل البعد عمّا أراده الله.
المؤسف والمقرف بصدق أن شيوخ الدين في كل الإعتقادات يعرفون يقيناً بأن ما يتحدّثون عنه هو دين البشر لكنّهم مع كل ذلك يريدون أن يقنعونا بأنّه يتوجّب علينا الإيمان بما يعتقدون وحينما نناقش أو نعترض فإن أوّل ردّة فعل منهم تكون "التكفير" أو على الأقل "التشكيك" في إيماننا.
في هذه الحلقة سوف أتحدّث عن شيوخ ديننا.. عن شيوخ الإسلام ومفاتيهم وعلّاماتهم وبحور العلوم بينهم وكيف أنّهم تدخّلوا في دين الله وحّولوا أكثره إلى دين بشر مستند على آكاذيب الأوّلين وتخيّلاتهم وقصصهم التي ألّفوها بكل صفاقة وإحتسبوها من دين الله....
ولأبدأ معكم برسالة الله إلى البشر.... تلك الرسالة التي أوحى بها الله إلى رسوله محمّد عليه السلام وأمره بنقلها بكل آمانة وبكل صدق إلى البشر... كل البشر كي يتبّعوها كما أنزلها الله وليس ليضيفوا إليها أو يعدّلوها أو يحرّفوها.
فقد أرسل الله الإسلام إلى كل البشر وإختار لنقل تلك الرسالة منه إلى البشر شخصاً أميناً وصادقاً ومخلصاً كي ينقلها إلى البشر كما أرادها الله. نحن نعرف بأن النبي محمّد عليه السلام كان قد ولد يتيم الأب ونشأ صغيراً يتيم الأم كذلك، فتعلّم من ذلك اليتم الشفقة وتعلّم معنى الحنان وتعلّم قوّة وتأثير الإشتياق إلى الحنوّ والرفق فشبّ إنساناً عطوفاً وحنوناً ورحيماً بكل من حوله. تلك الصفات الحميدة أهّلته لأن يختاره الله دون غيره لنقل رسالته بكل آمانة للبشر، ذلك لأن الله لم يرد من الناس أن تضيف إليها أو تعدّلها أو تحرّفها. رسالة إلهيّة مثل القرآن تحتاج إلى فهم وإدراك وتدبّر وتصوّر، وتلك هي المهمّة التي آكالها الله إلى كل مؤمن بهذا الدين حتّى يكون دين الله عند البشر صالحاً لكل زمان وصالحاً لك مكان. صالحاً لكل البشر أينما وجدوا وأينما حلّوا وفي أي زمان عاشوا، وبذلك وحده فقط يكون كتاب الله صالحاً لكل زمان وصالحاً لكل مكان. لو أنّنا قدرنا على فهم كلام الله بكامله لأنتهت صلاحيّته بمجرّد عبور الزمان حوله، فالحياة تنتقل إلى الأمام والإنسان خلقه الله متأمّلاً ومفكّراً ومبدعاً ومطوّراً. لو أن البشر في عهد الرسول فهموا كل القرآن لبقى كلام الله حبيس ذلك الزمان الذي عاشه الرسول عليه السلام وعاصره تابعيه، ولمضت وضاعت رسالة الإسلام كلّما عبرت الأزمنة والعصور. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ}}... أي أنّنا نجتهد في تفسيره، لكنّ المعنى الحقيقي ومآل ذلك في الواقع هو خصوصيّة لله وحده. من هنا فإنّنا نجتهد ونحاول فهم كلام الله حسب المعرفة التي تتوفّر لنا في زماننا الذي نعيش فيه، وحيث أن الزمان يتغيّر والمعرفة بناء على ذلك تتغيّر فإن فهمنا للقرآن ومن ثم الدين يتغيّر وعلينا تفبّل ذلك بكل رحابة صدر وبدون حساسيّات. إن تطوّر فهمنا للقرآن وفق الزمان والمكان هو ما يدفعنا لأن نعيد قرأتنا وفهمنا لكتاب الله كل فترة من الزمن تحدث فيها تغييرات كبيرة في كم وكيف الفهم الإنساني، وبذلك يكون القرآن صالحاً لكل زمان وصالحاً لكل مكان كما أراده الله.
كما ذكرت أعلاه، فقد كان الرسول عليه السلام رحيماً ومحبّاً ومتسامحاً مع قومه بما فيهم أولئك الذين حاربوه ونكلوا به، بل وحتى أولئك الذين هجّروه من دياره وفرضوا عليه الخروج من بيته. وبالرغم كل تلك المعاملة القاسية من أهله بما فيهم أعمامه وأبناء عمومته، إلّا أنّه عليه السلام تحمّل وصبر حتى نصره الله عليهم، لكنّه حين غلبهم وإنتصر عليهم لم ينتقم منهم ولم يقل لهم"لقد أتيتكم بالذبح". حينما دخل رسول الله مكّة منتصراً على من عادوه ونكلوا به وهجّروه من بيته لم ينتقم منهم ولم يثأر ولم يشأ أن يعلّمهم درساً في الخضوع، بل إنّه قال قولته المشهورة لقومه ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن)).
نحن نعرف بأن الرسول عليه السلام كان على عداء مع يهود مكّة لأنّهم هم من ناصبه العداء، ولأنّهم هم من توافق معه ونكث، ولأنّهم هم من خدعه؛ لكنّ رسول الله حينما عاد إلى مكّة منتصرأ قال لليهود (( إذهبوا فأنتم الطلقاء)).. إذهبوا فأنتم الطلقاء. فليفهمها من يرغب في فهمها وليقتدي بها من هو صادق في دينه ومخلصاً لربّه.
ذلك هو الإسلام الذي أراده الله وتلك هي رحمة الله للبشر وذلك هو دين الله الحقيقي، أما ما عداه فهو دين البشر.. ونحن لسنا ملزمين بإتباع دين البشر مهمّا قدّسه وألّهه من ينادي به ويدعو إليه.
من هنا نرى بأن الله كان قد إختار إنساناً أميناً وصادقا لنقل رسالته إلى البشر، ذلك لأنّ ربّنا لم يرد ولم يرغب في أن يحرّف كلامه، أو يضاف إليه، أو يعطى للناس بغير مشيئته سبحانه.
لقد نقل الله رسالته للناس عن طريق نبيّه المختار وكلّف كبير ملائكته(جبريل) بنقل تلك الرسالة من لدنه إلى نبيّه، فالملائكة يفعلون فقط ما يؤمرون به... فقط ما يأمرهم به الله ولا يحق لأي ملاك أن يفعل أي شئ إلّا بأمر مباشر من الله. من هنا يمكن القول بأن جبريل كان يأتي إلى النبي عليه السلام بسور القرآن ولم يأته بأي شئ آخر على الإطلاق، ويمكن القول أيضاً بأنّه بمجرّد إنتهاء الوحي إنتهى تواصل الملاك جبريل مع النبي محمّد عليه السلام. حينما إنتهى التواصل الغير مباشر بين محمّد وربّه كان الله قد أكمل الرسالة التي أراد أن يبعثها للبشر والتي كانت بمثابة "القرآن الكريم". حينما أكمل الله القرآن إلى النبي قال له في آخر إيعاز منه إليه  ... الآن من حق البشر أن يؤمنوا ومن حقّهم أن يكفروا فقد أتممت عليهم الرسالة. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ}}... أنظروا "أكملت".. إنّها تعني فقط بأن الدين كان قد أكتمل ولم يعد يتقبّل أية إضافة من أي مصدر كان. حينما أكمل الله رسالته إلى البشر أعطاهم كامل الحريّة بأن يختاروا ما يشاءون لأنفسهم مع أنّه لم يخف عنهم بأن من يختار غير طريق الله فسوف يلحق به عذاباً كبيراً: {{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ}}.
نحن نعرف بأن القرآن لم ينزل مكتوباً كالتوراة، ونحن نعرف بأن الرسول عليه السلام كان يأتي بالموحى إليه ويتلوه على أصحابه والمؤمنين به، وهم بدورهم يحفظونه في قلوبهم. وحيث أن بعضهم كان يكتب ما يسمعه من الرسول، فقد منعهم الرسول أن يكتبوا أي شئ غير القرآن ((لا تكتبوا عنّي غير القرآن)) حتى لا يختلط الأمر على الناس.
نحن نعرف بأن الرسول وحده هو من كان يفسّر القرأن للناس، فلم يتواجد في عهد الرسول شيوخ دين ولم يكن هناك مفاتئ أو "علماء دين". كان الدين نظيفاً وسليماً وهو دين الله كما أنزله الله على الرسول عليه السلام. حينما إنتقل الرسول إلى جوار ربّه لم يترك عليه السلام غير القرآن، ولم يترك من بعده مذاهب أو شيع أو فرق أو جماعات دينيّة من أيّ نوع. حينما إنتقل الرسول إلى جوار ربّه ترك - وفقط - القرآن للبشر، وقال لهم إفعلوا ما كنت أفعل... تلك كانت هي سنّة الرسول التي أمرنا الله بإتّباعها، أمّا غير ذلك فهو من تأليف البشر.
بعد الرسول أتى الخلفاء الراشدين الذين إقتدوا بالرسول في كل شئ إلّا آساليب الحكم ومتابعة أحوال الرعيّة، فتلك بكل تأكيد كانت تخضع للظروف المحيطة. ولكن هنا يجب الإنتباه إلى أن من خلف الرسول لم يكن بوصيّة منه ولم يكن بأمر الله ولم يكونوا هم أنفسهم من الأنبياء أو المصطفين. كان تعيين الخلفاء مسألة حكم ليس أكثر، ونظام الحكم حينها حدث بأن يطلق عليه "خلافة" لكنّه يبقى في نهاية الأمر أمر دنيوي إختاره البشر لتمرير شئون الحياة وهي ظاهرة طبيعيّة كان من الممكن أن يعملها أيّ مجتمع وفي أيّ مكان في العالم.
يختلف البشر في إختيار الحاكم بإختلاف الثقافة وبإختلاف وسيلة الحكم. ذلك لم يكن مختلفاً في المدينة المنوّرة، حيث تنادى زعماء المهاجرين والأنصار نحو السقيفة للإسراع بإختيار من يخلف الرسول في "الحكم" وليس في النبوّة. الخلفاء كانوا حكّاماً مثل غيرهم وكان يتوجّب عليهم الإهتمام بشئون البشر التابعين لهم... تلك كانت مسألة حكم، فلا داعي لتغليفها بلباس الدين. كان الخلفاء مرافقين للرسول عليه السلام أثناء حياته، وكانوا ربّما أقرب الناس إلتصاقاً به ومن ثمّ فهم ربما كانوا الأكثر نقلاً لممارساته والأكثر فهماً للدين الذي جاء به.
إختلف المهاجرون والأنصار في إختيار خليفة للرسول، وإحتدم الصراع بينهم في السقيفة حتى كاد أن يشهر السيف بينهم لولا تدخّل عمر بن الخطّاب بصرامته المعهودة وبشجاعته التي قرأنا عنها فأوقف الصراع على "السلطة" بأن فرض خلافة أبوبكر على الجميع، وكان لهم أن أذعنوا ومنها كان لزاماً عليهم مبايعة أبوبكر الصديق على خلافة الرسول لتسيير شئون المسلمين. بايع الحاضرون أبوبكر الصدّيق على تولّي أمر الأمة الإسلاميّة وأسموه خليفة لأنّه في هذا الشان(الحكم) كان قد خلف رسول الله عليه السلام. الذي نقل إلينا في المثير من المصادر هو أنّ إبن عم الرسول عليه السلام وزوج إبنته فاطمة عليّ بن أبي طالب لم يكن معهم حينها حيث كان منشغلاً بمراسم دفن الرسول عليه السلام، ومن ثمّ فلم يبايع علي أبوبكر حينها. هناك الكثير مما قيل عن غضب علي من نقل الخلافة منه بإعتباره أحق بها إلى أبوبكر، وهناك الكثير ممّا قيل بتشيّع مجموعة من أصحاب علي ومناصريه إليه وهم بكل تأكيد من أوعز إليه بأنّه هو من يستحق نقل الخلافة إليه ومن ثمّ فقد سمّيوا بالمناصرين لعلي أي شيعته أو حزبه المناصر. كانت تلك بكل تأكيد أوّل بشائر الإنقسام بين المسلمين، وكانت تلك أوّل حركة لتقسيم الإسلام الذي تركه النبي موحّداً. كانت تلك هي بداية الشيعة في الإسلام، ومن حينها أخذ مناصروها بالتكاثر وبدأوا يسنّون لأنفسهم طقوساً تختلف تدريجيّاً عن الطرف الآخر والذين سمّيوا فيما بعد ب"السنّة". كان ذلك أوّل إنقسام بين المسلمين، وكان عليّاً بكل تأكيد هو أوّل من سمح بحدوثه لأنّه بكل بساطة كان بيده وبقوّته وبسلطانه أن يمنع حدوثه. كان بوسع علي أن يقول لشيعته: إلتحقوا بالجماعة ولا داعي للتفريق بين المسلمين. لو أن علي فعلها حينها لما رأينا اليوم أي شئ إسمه السنّة والشيعة... وعلينا هنا بأن نكون واقعيين ومنصفين وصادقين في أحكامنا.
وبرغم كل الإختلافات بين الخلفاء الأربعة، وبرغم كل ما حدث في زمانهم، برغم كل تلك المشاكل وحدوث أوّل عمليّة إغتيال في الإسلام بعد وفاة الرسول وذلك بقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب والذي بكل تأكيد أحدث شرخاً بين المسلمين وفتح الطريق للتشيّع والتحزّب والتكتّلات وما تبعها. برغم كل ذلك بقى الإسلام كما تركه الرسول عليه السلام، وقام كل من أبوبكر الصديق وعمر بن الخطّاب بتجميع القرآن والشروع في كتابة ما لم يكن مكتوباً حينها خوفاً من ضياعه ونسيان الناس له. لم تتكوّن حتى حينها أية مذاهب ولا إجتهادات ولم يكن حينها هناك رجال دين ولا مفاتئ ولا مدارس دينيّة. كان الإسلام مازال موحّداً، وكان مصدر الدين الوحيد للمسلمين هو كتاب الله "القرآن"... وفقط. توضأ الناس كما كان النبي يتوضأ وصلّوا كما كان يصلّي، وحاول الخلفاء المحافظة على ما كان يفعله الرسول من حسن معاملة وصدق وعدل بين المحكومين. يعتقد بأنّ أوّل من أطلق على نفسه لقب "عالم دين" هو عبد الله بن سبأ وهو كان من يهود سبأ قبل أن يدخل الإسلام، ويعتقد في الأساس بأن هذا اليهودي الأصل كان سبب بداية القلاقل والسخط على حكم عثمان لإتهامه بالإنفاق من بيت مال المسلمين على أقربائه وآل بيته وكان قد أتهم عثمان بالفساد المالي وبدأ في إثارة الناس عليه.  
بعد إغتيال عمر تم الإتفاق على عثمان بن عفّان لخلافته وبايعه من بايعه لكنّ عثمان كما نعرف كان أوّل خليفة من غير بني العبّاس. كان عثمان أمويّاً، فأحدث إختياره الكثير من الحساسيّات بين العبّاسيين والأمويين وبدأ الإحتقان يتكاثر بين المسلمين تدريجياً وتركت عمليّة إغتيال عمر في تفكير عثمان الكثير من المخاوف من تكرار نفس المصير فإحتمى عثمان بن عفّان بالكثير من أنصاره وهم من بني أميّة والكثير منهم كانوا من أسرته بالطبع لثقته المطلقة فيهم. يقال بأن عثمان أحاط نفسه ببطانة من بني جلدته من الأمويين وذلك أثار الكثير من الغضاضة بين العباسيين فزادت حدة الإحتقان بين المسلمين حتى تم الهجوم على مقر قيادة عثمان في المدينة وحدث ما حدث لعثمان من تعذيب جسدي وإهانات إخلاقية حتى تم قتله، ويتهم 6 من المسلمين بقتله وهم:  الغافقي بن حرب المصري، كنانة بن بشر التجيبي الذي يعتبر من أكبر المتهمّين الستة نصيباً في قتل عثمان، كذلك كان منهم سودان بن حمران وعبد الله بن بديل بن ورقاء الغزاعي والأشتر النخعي.  
بعد تلك الأحداث الدامية والتي لم تكن مسبوقة بين المسلمين في عهدهم القصير جداً بعد وفاة النبي عليه السلام(22 سنة) بدأت الشقّة تتسع بين المسلمين، وبدأ بالفعل أول شقاق علني بينهم في موقعة الجمل، ثم ظهر شقاق آخر أكبر من الأوّل بعد إغتيال علي بن أبي طالب بما عرف ب"الفتنة الكبرى" والتي كانت بمثابة أوّل حرب أهليّة مفتوحة بين المسلمين(عبّاسيّون وأمويّون).
بدأت الإنقسامات الحقيقيّة بين المسلمين مع بداية حكم عثمان ووصلت ذروتها بإغتيال علي ومن بعدها ولديه، حيث أحتدم الصراع القبلي والجهوي بين الأمويّين والعباسّيين ومن حينها بدأ النفاق ومداهنة شيوخ الدين للحكّام وإستغل الحكّام ذلك بتشجيع رجال الدين على سن الفتاوي والإختلاف العلني من شيوخ السلاطين الآخرين.
من الجدير ذكره فإن الإسلام برغم كل المشاكل التي حدثت بين أتباعه، وبرغم الحروب والإقتتالات وتبادل الولاءات.. برغم كل ذلك ظل الإسلام متكاملاً وموّحداً ويستند إلى مصدر واحد وهو القرآن حتّى قرب إنتهاء القرن الأوّل الهجري حيث كان المذهب الأباضي أوّل مذهب في الإسلام على الإطلاق. فقد ظهر المذهب الأباضي في القرن الأوّل الهجري في البصرة، وبذلك فهو يعتبر أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق وقد نشره عبد السلام الدولان - والتسمية كما هو مشهور عند أتباع المذهب - جاءت من طرف الأمويين ونسبوه إلى عبد الله بن أباض وهو تابعيّ عاصر معاوية وتوفّي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان، وعلّة التسمية تعود إلى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي أشتهر بها عبد الله بن أباض في تلك الفترة، غير أنّ أتباع الأباضيّة خرجوا بعد ذلك على الدولة الأموية نفسها وكذلك على الدولة العباسيّة خروجاً سياسيّاً وخروجاً دينياً. ولم يكونوا راضين عن سياسة الأمويين حينها ممّا يبيّن بوضوح أنّ أوّل مذهبيّة في الإسلام كانت سياسيّة بالدرجة الأولى لكنّها إلتحفت بأسمال الدين حتى تنال قبول الناس. بعيد ذلك بدأت المذاهب تخرج من حين لآخر، وأطلق عليها تخفّياً ب"المذاهب الفكريّة" لكنّها كلّها كان دوافعها سياسيّة وهي جانب "عميق" ومتخفّ من جوانب الصراع على السلطة في وسط كان يمنع فيه التحدّث عن الخليفة أو الوالي بأي نقد لممارساته في الحكم وكان يمنع فيه إنتقاد الأوضاع المعيشيّة أو التحالفات العرقيّة في تلك الفترة. يمكننا القول بأن المذاهب الدينيّة في تلك الفترة كانت ربّما تعادل الأحزاب السياسيّة في عالم اليوم.     
ونظراً لإنتشار الإسلام في آماكن كثيرة ومتفرّقة، ونظراً لكثرة الولاة "المعيّنين" الذين كانوا يحكمون تلك المناطق، ونظراً لخروج بعض الولاة عن سلطة الحاكم( الخليفة أو السلطان) في مركز الدولة الإسلامية في المدينة أو بغداد أو دمشق حسب الزمن وحسب الفئة الغالبة، فقد نَشَأت العشرات من المذاهب الفقهيّة خلال القرن الثّاني والثّالث الهجري للإستجابة للطلب المتكرّر من أجل تميّز هذه المجموعة الإسلاميّة على تلك بالإجتهاد في تفسير الدين وتحويله إلى شرائع واضحة للناس يسهل التعامل معها حيث كان فهم القرآن يحتاج إلى إلمام كبير باللغة العربيّة مع خلفيّة دينية معتبرة. ويقال بأنّه في البدء لم تكن هناك ضوابط ، فكل من تعلّم بعض أصول الدين ألّف كتاباً أسماه مشجّعوه بالمذهب أو التوجّه الفقهي حتى قيل بأنّ المَذاهب في تلك الفترات الأولى من الإسلام كانت قد بلغت خمسين مذهباً إنقَرَضَ أغلبها، مثل مذهب اللّيث بن سعد، وعبد الرّحمن الأوزاعيّ، ولم يَبْقَ منها إلا أربعةٌ سُنِّيّة، وأُخرى غير سُنية كالمذهب الجعفريّ، والزيديّ، والإماميّ، والأباضيّ.
بالإضافة إلى المذاهب، بدأت أيضاً مع الزمن تظهر الطوائف والجماعات الإسلاميّة والتي منها: أهل الحديث، السلفيّة، الآشاعرة، الماتريديّة، المرجنة، المعتزلة، الجهميّة، الصوفيّة، الطرق الصوفيّة، الأباضيّة، الشيعة بطوائفها المختلفة والتي منها الإثنى عشريّة، الزيديّة، الأصوليّة، الإخباريّة، الشيخيّة، الإسماعيلية، النزارية، المستعلية، الخوارج والذين من بينهم الأزارقة، النجدات، الأحمدية القاديانية، القرأنيّون، البهرة... وغيرهم كثير وكثير جداً.
الملفت للإنتباه والتذكير هو كون تلك المذاهب والطوائف والجماعات ذات منشأ سياسي مبطّن بغلاف الدين جعلها كلّها متنافسة ومتصارعة وفي الكثير من الأحيان متعادية ومتقاتلة. كل ذلك التنافس بين الجماعات والطوائف الدينيّة أزّم العلاقة بين المسلمين وحوّلهم إلى قوى متناحرة دفعها تناحرها إلى التقوّي بغير المسلمين فنشأت التحالفات مع أعداء الإسلام بهدف الإنتصار على إخوة الإسلام بمجرّد أن تفسيرهم للدين يختلف عن تفسير المجموعة أو أصحاب المذهب الآخر.
إن كل تلك الإختلافات والصراعات الدينيّة دفعت المتصارعين إلى الإستناد إلى مصادر غير قرآنيّة لتعزيز مواقف تلك الجماعة أو تلك الطائفة، ومن ثمّ أضيفت مئات الألاف من الأحاديث التي قيل بأنّها نبويّة وكانت صادرة عن النبي محمّد عليه السلام، مع أن النبي كان في حياته قد نهى أتباعه عن كتابة الأحاديث عنه، ومع أن إهتمام المسلمين بعد وفاة الرسول كان منحصراً وبكل عمق حول تجميع وكتابة القرآن خوفاً عليه من الضياع وفي تلك الأثناء حدثت حروباً أهليّة كثيرة بين المسلمين بعضها كان بالفعل طاحناً ومدمّراً ممّا قضى إجمالاً على كل حفظة أقوال الرسول وتغييبهم بالكامل عن الساحة بسبب تلك الحروب المدمّرة التي شهدتها الدولة الإسلاميّة منذ مقتل عثمان وحتى يومنا هذا. بدأ الكثير من شيوخ المسلمين يستشهدون بأحاديث يعلم الله مدى صحّتها ويعلم الله صدق مرجعيّتها بإعتبار أن من جمّعها لم يعش في زمن الرسول ولم يسمعها منه ولم يسمعها من أيّ طرف ثالث عاش في زمن الرسول أو حتى كان قريباً منه. إن أوّل تجميع لما سمّي بأحاديث الرسول كان على يد البخاري وعلى يد مسلم من بعده وكان كل منهما قد ولد بعد ما يقارب 200 سنة من وفاة الرسول، فكات كل الأحاديث ملفّقة وألّفها البشر ثم نسبوها إلى الرسول وتلك في حد ذاتها كانت قد زادت من تفرّق المسلمين وزادت من حدّة منازعاتهم خاصّة إذا عرفنا بأن للسنة أحاديثهم الصحيحة وللشيعة أحاديثهم الصحيحة دعك من الجماعات الأخرى مثل أتباع الأحمديّة والأباضيّة والوهابيّة وتوابعهم التي نراها الآن ونعرف عنها من أمثال الطالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وما إليها من تلك الشراذم التي شرذمت الإسلام وحوّلته في نظر الغير إلى دين قتل وإضطهاد وتخلّف وإنحطاط بدل أن يكون دين رحمة ومحبّة وتآخي بين شعوب الأرض كما أراده الله وكما أبلغ به النبي محمّد عليه السلام إلى أصحابه وأتباعه ومن عاش في زمانه.
في الحلقة القادمة سوف أتعرّض إلى إشعال الحروب بإسم الدين من قبل حماة الدين

ليست هناك تعليقات: