2018/12/09

لماذا نحن متخلّفون(4)؟

الإعتراف بوجود الخطأ هو الخطوة الأولى نحو تغييره، ومن يعترف بخطأه سوف يجد الشجاعة ويمتلك القدرة على إصلاحه ومن ثمّ رسم معالم جديدة للغد تكون معاول تنفيذها بأيدي وقدرات من يعترف بأخطائه ويؤمن بوجوب إصلاحها.

 (الحلقة الرابعة)
شيوخ الدين والتفتين بين المؤمنين

تعتبر اليهوديّة من أقدم الديانات التوحيديّة(الإلهيّة) إذ يرجّح بأن عمر اليهودية يبلغ 3000 سنة. اليهوديّة هي دين الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام، وكانت تعاليم اليهوديّة قد نزلت في كتاب مكتوب إلى موسى إسمه التوراة وهي تعني "الشريعة". تعتبر اليهوديّة هي الدين الألهي الوحيد الذي نزل في كتاب مكتوب من عند الله على موسى، ومن ثمّ يمكن الجزم بأنّه في الواقع إن كان هناك ديناً إلهيّاً واحداً يتوجّب أن يبقى موحّداً(نظراً لوجود مرجع مكتوب) فهو بكل تأكيد اليهوديّة. الله في اليهوديّة واحد أحد، ومفهوم الإله عند اليهود هو ذلك المستمد من الأسفار الأولى في التوراة. فالله هو فرد صمد قادر رحيم عادل خلق الناس لتعدل وترحم بعضها بعضاً، وجميع الناس على إثر ذلك تستحق أن تعامل بكل إحترام وكرامة. والديانة اليهودية هي ديانة غير تبشيرية، أي أن تعاليم اليهود اليوم لا تسمح للآخرين بالانتماء إليها، حيث يعتقد الشعب اليهودي أنه يخدم ربّه بالصلاة كما يعتقد أنه هو الشعب الحامل للرسالة، وليس لغيرهم الحق في ذلك. تؤمن اليهودية بالافتداء والخلاص والنجاة لكنّها تختلف عن العديد من الديانات الأخرى في "أنّ السبيل إلى الخلاص والنجاة في الحياة الأخرى لا يكون بالعقيدة وإنما بالأفعال"... لاحظ ب"الأفعال"، ومن ثمّ ربّما نرى بأنّ يهود اليوم هم من أنجح وأعقل شعوب الأرض على الإطلاق. أو بمعنى آخر، فإنّ "الأفعال الصالحة" هي التي تمكّن البشر من النجاة وليس "العقيدة" التي يتبعونها، ويدخل في موضوع شعب الرسالة أو الشعب المختار بعض الاعتقادات الحلولية لمشاكل الحياة من خلال "إستخدام العقل" واللجوء إلى "المنطق" حينما يتعارض الحدث مع النصّ الديني.
ومن خلال تلك التوطئة يمكننا طرح سؤال وقد نعتبره وجيهاً: هل بقيت اليهوديّة موحّدة كما أنزلها الله إلى بني إسرائيل أم أنّه تمّ تحريفها والإضافة إليها من قبل أتباعها من رجال الدين الذين وحدهم يحق لهم الإضافة أو التعديل أو الحذف حسب مقتضى الحال؟.
حينما نعبر خلال المتوفّر من معلومات نجد بأن الدين اليهودي لم يعد يقتصر على التوراة الأصليّة(كتاب الله) وإنّما تمّت الإضافة إليها وتحريف الكثير منها لغاية في نفس من فعل ذلك وهم بكل تأكيد رجال الدين... ورجال الدين وحدهم، حيث تنص التعاليم اليهوديّة على أنّه لا يحق لغير رجال الدين تفسير الكتاب المقدّس ولا يحق لغير رجال الدين إصدار الفتاوي. فالسلطة في المسائل اللاهوتية والقانونية هي غير مخّولة لأي شخص أو لأية جهة مدنيّة مهما كانت إعتباريّة في الدولة أو المجتمع، ولكن في النصوص المقدّسة يقوم الحاخامات والدارسين في "علم اللاهوت" وحدهم ودون سواهم بعمليات التفسير والتأويل ومن ثم إصدار الفتاوي للناس كي يعرفوا دينهم.
الدين عند اليهود يحتويه "الكتاب المقدّس العبري" وهو يشمل التوراة والتلمود والمدراش وأحكام وشرائع التوراة التي تشرحها الشريعة أو ما يعرف ب"التناخ" وهذا الجزء بالخصوص يشمل ما أضافه رجال الدين إلى التوراة بحجة شرحها وتوضيحها للناس مع أن الشروح ألحقت بالتوراة وأعتبرت مع التوراة جزءً من الكتاب المقدّس عندهم.
ومع كل ذلك، لم يكتف رجال الدين اليهود بتلك الإضافات بل إن إختلافهم فيما بينهم وفي الطريقة التي شرحوا بها التوراة، بل إنّهم إختلفوا فيما بينهم وأدّى إختلافهم إلى تحوّلهم إلى شيع وجماعات ومذاهب وديانات منها: اليهوديّة السلفيّة(التوراتيّة)، واليهوديّة الأورثوذكسيّة، واليهوديّة الإصلاحيّة. كذلك الجماعات الأخرى والتي ربّما يغلب جانبها السياسي على خلفيّتها الدينيّة مثل: الصهيونية، القبالة(الصوفيّة)، وكذلك الغنوصيّة التي تؤمن بوجود إلهين(الخير والشر). 

 أما في المسيحيّة، فلم يكن الوضع يختلف كثيراً، فقد بدأت المسيحيّة كجماعة يهوديّة صغيرة في قرية الناصرة الفلسطينيّة حينما أخذ عيسى عليه السلام وحوارييه الإثنى عشر ينشرون الدين الجديد بين الناس المحيطين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والإمبراطوريّة الرومانيّة ومستوطناتها بشمال أفريقيا وحتى قرطاج. كانت أوّل دولة في العالم تتحوّل إلى مسيحية هي أرمينيا وتبعتها بعد ذلك جورجيا ثم أثيوبيا ثم بقية أجزاء الإمبراطوريّة الرومانية في شرق أوروبا.
المعروف أن عيسى عليه السلام كان قد ولد من أم عذراء هي السيّده مريم طيّب الله ثراها في بيت لحم وكان ينتمي إلى أحد أسباط اليهود الإثنى عشر والمسمّى سبط يهوذا. لم يبق عيسى طويلاً في بيت لحم، إذ سرعان ما أضطر للهجرة إلى الناصرة ومن هناك بدأ تعميده من قبل يوحنّا المعمدان وكان عمره حوالي 30 سنة. 
من الناصرة، بدأ ينشر المسيحية علانيّة مما أغاظ اليهود أتباع موسى فبدأوا في ملاحقته بهدف قتله لكنه تخفّى عنهم ممّا أوقعهم في شبيه له فصلبوه ثم قتلوه وظنّوا بأنّهم كانوا قد قضوا عليه، وشاركهم أتباعه في ذلك فصدّقوا الرواية بأن عيسى كان قد صلب وقتل على أيدي اليهود، غير أن عيسى ظهر بعد ذلك حيّاً يرزق فظن أتباعه بأنّه بعث من جديد بعد الممات وأعتبروا تلك من بين معجزات النبي عيسى عليه السلام. الحقيقة هي كما وردت في القرآن: {{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}}. وهناك دلائل تاريخيّة وأثريّة تبرهن على أن عيسى لم يصلب ولم يقتل وإنّما الذي قتل بديلاً عنه هو أحد حوارييه(تلاميذه) المسمّى يهوذا والذي كان يشبهه إلى حد كبير، وإختلفت الروايات عمّا إذا كان عيسى هو من قدّم يهوذا إلى اليهود ليقتلوه عوضاً عنه، وهناك من يقول بأن يهوذا من شدّة إخلاصه لعيسى هو من قام بالتطوّع(التضحية) نيابة عن عيسى حتى يموت هو فداء لعيسى.
المهم أن المسيحيّة كانت قد إنتشرت في الكثير من بلاد العالم بعيداً عن مكان نشأتها، وتم فيما بعد التزاوج بين الملوك وبابوات الكنيسة كما سبق لي ذكره في الحلقة السابقة من هذه السلسلة.
يقال بأن تعاليم المسيح كانت قد ركّزت بشكل أساسي على الإهتمام بأمور الروح وترك أمور الجسد للآخرين، وكان قد شجب كل مظاهر الكبرياء والتفاخر البشري. كذلك فإنّه يقال بأن عيسى كان قد حرّم بعض ما حلّله موسى، وأحلّ بعض ما حرّمه... وهنا يحق لي أن أتساءل: إن كان الإسلام هو دين الله، وإن كانت التوراة هي الفصل الأوّل في هذا الدين، وإن كان الإنجيل هو عبارة عن الفصل الثاني فكيف يحرّم الله ما كان قد أحلّه وكيف به يحلّل ما كان قد حرّمه؟. أعتقد بأن الإجابة على مثل هكذا تساؤل سوف تبقى مبهمة إلى يوم قيام الساعة. 
كذلك فأنا لم أعثر على الطريقة التي أوحى الله بها الإنجيل لعيسى وكيف نقل عيسى ما أسرّه الله إليه لأتباعه وكيف فعلوا به بعد ذلك... هل حفظوه ونسوه، أم أنّهم كتبوه على ورق البردي كا تقول بعض الأبحاث؟. كم من الإنجيل الأصلي وصل إلى أيدينا ومعارفنا، وهل نحن نتعامل مع كتاب تم تأليفه من البشر كما حدث لأحاديث الرسول محمد عليه السلام عندنا؟.

وحيث أنّنا حينما نتحدّث عن الأديان، فنحن بكل تأكيد نتناقل ما كان قد نقل إلينا وهو في أغلبه حديث الغير بدون دليل ولا برهان: فمثلاً تقول "الآناجيل".. لاحظوا هنا الآناجيل، فأين هو كتاب الله"الإنجيل" إذا كانت هناك عدّة آناجيل، وأين أخفيت الحقائق وكيف أخفيت ولماذا؟... ألم تكن مثل هذه الأسئلة جديرة بالطرح والبحث والمناقشة؟. 
هناك بكل تأكيد الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى المزيد من البحث والتمحيص بهدف إجلاء الحقيقة وإيضاحها للناس حتى لا نعتقد في أشياء تناقلتها أفواه بدون دلائل ولا براهين. المهم تقول الآناجيل بأن عيسى حينما شرع في الدعوة إلى تعاليم الدين الجديد من تساوٍ بين البشر ونشر المحبّة بين الناس كان قد أغاظ السلطات الرومانيّة الحاكمة في أورشليم(القدس) وبدأت تخشى من حركته المسالمة من أن تتحوّل إلى عصيان مدني قد يهدّد السلطات الحاكمة ولذلك فقد قرّر مجلس اليهود التابع للإمبراطورية الرومانية محاكمة عيسى أمام مجلس قضائي بتهمة إثارة الشغب، وكان أن حكمت المحكمة بصلبه ومن ثم قتله. ويقولون أنّه بالفعل تم المسك به وصلبه إلى أن مات، وقد ترافق موته بحوادث غير إعتيادية في الطبيعة !!. وتقول الآناجيل أيضاً بأن جسد عيسى كان قد دفن على عجل، غير أنّ بعض النساء من أتباعه قمن بزيارة القبر فوجدنه فارغًا، بيد أن ""ملاكًا من السماء"" أخبرهنّ بأنّ اليسوع كان قد قام من بين الأموات وهو الآن حيّ يرزق!!.
وكما هو الحال في اليهوديّة، فقد تفرّق المسيحيّون إلى شيع وجماعات متصارعة ومتنافسة ومتقاتلة أيضاً بسبب الأنانيّة وحب التسلّط بين رجال الدين والبابوات والقساوسة وبسبب التآزر مع الحكّام والسلاطين وتبادل المنافع الدنيويّة. ففي القرن الخامس الميلادي حدث الإنشقاق الكبير بين الكنيستين الشرقية والغربية بسبب مجمع خلقيدونيا في عام 451م، فأصبحت كنائس الشرق تحت قيادة كنيسة الإسكندريّة وتُعرَف بالكنائس "الأرثوذوكسية"، أمّا كنائس الغرب فكانت فكانت تعرف بالكنائس الكاثوليكيّة، وبعد ذلك إنفصلت كنائس القسطنطينية واليونانية وشقيقاتها عن الكنيسة اللاتينية وأصبحت هي الأخرى تعرف بالكنيسة الأرثوذوكسية. ولم يتوقّف تناحر رجال الدين وتسابقهم من أجل الجاه والسلطان حتى بلغ ما يعرف منها الآن المئات من الشيع والأحزاب والطوائف والبابويات المختلفة. كذلك كان الإنقسام الكبير بين أتباع المسيحيّة في القرن الرابع عشر حيث حدثت إحدى الإنشقاقات الكبرى في العالم المسيحي حينما ظهرت إلى حيّز الوجود حركة مارتن لوثركنج الإصلاحيّة في عام 1517 والتي نجم عنها كما نعرف ولود الديانة البروتستانيّة. وفي عام 1534 شهدت بريطانيا بدورها ولود الكنيسة الأنجليكانية والتي تعتمد النظام الأسقفي بدل النظام البابوي.
الكنيسة البروتستانتية هي بدورها شهدت بعد ذلك إنقسامات كبيرة أدّت إلى تشرذمها إلى عدد من الديانات الأخرى والتي من بينها: الإسترجاعيّة، تجديديّة العماد، الكالفينيّة، الأنجليكيّة، واللوثريّة. أما الديانة الكاثوليكيّة فهي بدورها كانت قد إنقسمت إلى الكنيسة الكاثوليكيّة الشرقيّة، والكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة وكل منهما إنقسمت إلى العشرات من الشيع والطوائف التي لا تنسجم مع نظيراتها في المنطقة الأخرى. الكاثوليكية الشرقية أصبح أغلبها يعرف بالأرثوذوكسيّة، وتلك بدورها إنقسمت إلى إعتقادات أخرى وإتجاهات أخرى أصبح من الصعب تحديد عددها ومسمّياتها. الغريب في الأمر أن التنافس والتناحر يبلغ أشدّه بين هذه الطوائف والإعتقادات مع أنّها في واقع الأمر كلّها تنبع من إعتقاد واحد ومن كتاب مقدّس واحد ومن نبي واحد أرسله الرب إلى تلك الفئة من البشر في ذاك الزمان.

ذلك في العالم اليهودي والعالم المسيحي، أما في العالم الإسلامي فحدّث ولا حرج. سوف أفرد حلقة كاملة عن الإنقسامات الدينيّة والإعتقاديّة في العالم الإسلامي، وسوف تسبق تلك الحلقة موضوع الحروب التي نشبت بين الديانات وبعضها وبين كل ديانة وأتباعها بسبب تخاصم وتنافس وحقد وكراهيّة رجال الدين لبعضهم ... وبإسم الله.

الحلقة القادمة سوف تكون عن الطائفيّة والإختلافات العقائديّة في المجتمعات الإسلاميّة.

ليست هناك تعليقات: