2013/10/05

كيف يمكننا الخروج من وضعنا المتأزّم في ليبيا ؟

 بعيد نجاح ثورة 17 فبراير والقضاء على الطاغية القذّافي إستبشر الليبيّون خيراً وبدأ الأمل والتفاؤل يدب في أوصالهم بعد عقود من الإحباط والتشاؤم.
بدأ الناس في ليبيا يحسّون بأن الحياة ربّما كانت قد بعثت من جديد في بلادهم بعد ذلك العناء الطويل، فكانت فرحتهم كبيرة وكانت بدون شك توقّعاتهم كبيرة وأحلامهم غزيرة.
بدأ أغلب الليبيّون - وخاصّة الجيل الجديد - يحلمون بليبيا بلداً عصريّاً ديموقراطيّاً متمدّناً يكون العلم والمعرفة والتقنية والإبداع هي الأسس المتداولة فيه. كان أغلب الليبيّون والليبيّات يرون مستقبل ليبيا وهي تقف في طابور دول العالم العصريّة التي تسعى للبناء والتعمير وتطمح في خلق الإنسان الواعي المتفتّح الملم بعلوم وتقنيات العصر الذي يعيشون فيه.
خرج الليبيّون والليبيات في مجاميعهم ليختاروا ممثّلين عنهم في المؤتمر الوطني ليكونوا قادة التغيير في البلد بمباركة وتأييد بقيّة فئات وطوائف الشعب الليبي بدون إستثناء وبدون إقصاء وبدون تهميش وبدون تغوّل فئة على الأخرى أو طرف على الثاني. كانت تلك أحلام، وكانت الآمال المعقودة عليها كبيرة لكنّها كانت واقعيّة... وكان بالإمكان تحقيقها.
تآلف الليبيّون والليبيّات وإنطلقت جموع الشباب تنشئ تنظيمات وأطر سمّيت بتنظيمات المجتمع المدني، وبدأت في ليبيا بالفعل بوادر لأفكار جديدة.. ليست غريبة وليست شاذّة كما قد يعتقد البعض، لكنّها كانت واقعيّة ومنطقيّة ويمكن تصنيفها جميعاً في "حدود المعقول" قياساً بمعطيات البلد وبمصادر الثروة فيه.
ليبيا قد يكون الطاغية القذّافي خرّب فيها الكثير، لكنّنا يجب بأن نكون منصفين ويجب بأن لا نكون من الجاحدين. الطاغية القذّافي منع الحريّات وإحتكر السلطة له ولأبنائه وعشيرته وقبيلته التي ينتمي إليها، وكان قد قتّر على الليبيّين ونغّص عليهم سبل الحياة والمعيشة.. لكنّ الطاغية القذّافي لم يترك ليبيا خرابة كما يريد البعض بأن يصوّر لنا ليبيا وكيف كانت في عهد الطاغية القذّافي.
ليبيا كانت بها أكثر من 13 جامعة، وكانت نسبة التعليم فيها تتجاوز 89% من عموم الشعب وهي من أحسن نسب التعليم في كل العالم العربي وفي أفريقيا التي تنتمي ليبيا جغرافيّاً إليها. كان عدد خريجي الجامعات يحتسب بمئات الآلاف، وكان عدد الحاصلين على مؤهّلات عالية يحتسب بعشرات الآلاف، وكانت تتواجد في ليبيا كوادر إداريّة ومهنيّة معتبرة.  الطاغية القذّافي ترك لنا بلداً به فنادق راقية وبه ملاعب رياضيّة وبه طرقاً الكثير منها كان عصريّاً، وترك لنا في ليبيا مشروعاً مائيّاً ضخماً علينا بأن نعترف بأنّه كان أهم معلم في ليبيا إستفاد منه كل الليبيّين ودليلنا هو معاناة الناس حين أقفلت أنابيب نقل المياه من المصدر إلى مدن الشمال... أي حينما عطّل ذلك المشروع بأيدي مخرّبين من بيننا.
القذّافي كان طاغية وكان ديكتاتوراً ولم يكن حاكماً عادلاً وبذلك فقد نال جزاءه، لكن علينا الإعتراف إيضاً بأنّه كان شخصيّة قياديّة فريدة في بلادنا ودليلنا أيضاً هو عجزنا عن إيجاد شخصيّة قياديّة في ليبيا منذ 17 فبراير 2011 وحتى يومنا هذا.

أنا أتحدّث عن نظام القذّافي وكنت أنا من بين أكبر المناوئين له ومواقفي منه لا أريد أن أذكّر بها أحداً فأنا لا أبحث عن مجد ولا أطمح في مناصب أو واجهات، لكنّني أريد أن أنصف كل إنسان إجتهد ففشل هنا ووفّق هناك لأنّنا جميعاً من البشر والبشر يخطئون ويصيبون.
أنا أتحدّث عن نظام القذّافي بهذه الطريقة ليقيني بأن ذلك النظام إنتهى وسوف لن يعود. نظام حكم الطاغية القذّافي إنتهى يا سادتي وسوف لن يعود على الإطلاق، وعلينا بأن نكون واقعيّين ومنطقيّين وعمليّين أيضاً. نظام حكم الطاغية القذّافي كان قائماً على شخص واحد أوحد، وهذا الشخص نعرف جميعاً بأنّه قتل ولم يعد موجوداً بيننا اليوم... فنظام القذّافي بذلك إنتهى... إنتهى.  

من هنا أود أن أقول لكل أهلي في ليبيا الحبيبة.... إنّ سبب مشاكلنا التي نعاني منها في ليبيا الآن ليس الطاغية القذّافي وليس أفراد عائلته وليس أبناء عمومته وليس مناصريه وليس أزلامه. إنّ سبب مشاكلنا في ليبيا يا سادتي ويا سيّداتي هو "أنفسنا"... نحن السبب الوحيد والأوحد في كل ما يعكّر صفو حياة كل منّا اليوم، فعلينا بأن لا نلوم غير أنفسنا إن كنّا بالفعل نطمح في بناء دولة عصريّة.

من يقف في وجه تأسيس الدولة؟
هذا سؤال جدّي وخطير ويجب علينا الإجابة عليه قبل التفكير في الإنتقال إلى الأمام. من ذاك الذي يقف في وجه بناء الدولة العصريّة في ليبيا؟. الإجابة البسيطة جدّاً هي أنّه: ليس هو أزلام الطاغية القذّافي، وعلينا بأن نتوقّف عن لوم الغير على مشاكلنا التي نصنعها بأيدينا. المشكلة يا سادتي ويا سيّداتي هي "فينا"... نحن من يقف في طريق بناء الدولة.
فليفكّر كلّ منّا في نفسه... ماذا فعل لليبيا، وماذا طلب من ليبيا، وماذا قدّم لبلده نظير طلباته ورغباته؟. أنا أستمع في كل يوم إلى الليبيّين والليبيّات (تعميم مقصود) وهم - من خلال وسائل الإعلام أو من خلال الواقع على الأرض - يتكالبون على إستلاب كل شئ من هذا البلد... نعم كل شئ. الشوارع إغتصبوها بهدف تملّك أجزاء منها، الميادين إغتصبوها وإستولوا على مواقع فيها، الحدائق العامّة حرقوها ثم إستحوذوا عليها وشرعوا يقسّمونها فيما بينهم بغرض تملّكها بدون أي وجه حق. جميع ممتلكات الدولة أصبحت نهباً منهوباً ومغانم مستباحة في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير.... لماذا يا سادتي يستحوذ علينا الجشع والطمع وتعشعش في عقولنا وتفكيرنا وتصرّفاتنا الآنانيّة المريضة؟. هل هي مخلّفات نظام حكم الطاغية القذّافي؟. يمكنكم قول ذلك، ويمكنكم توثيقها في كتب التاريخ ويمكنكم لوم الطاغية على كا ما يصيبكم، لكنّني أقولها لكم يا أيّها الليبيّون والليبيّات.... إن العيب فينا وليس في نظام الطاغية القذّافي. ذلك النظام إنتهى وكان بوسعنا ترتيب أمورنا، لكنّنا لم نعجز فقط... بل إنّنا أظهرنا من رذائل تصرّفاتنا ونقائض تفكيرنا أضعافاً مضاعفة مما كان يحدث في عهد الطاغية القذّافي..... العيب هو فينا يا إخوتي ويا أخواتي، وعلينا بأن نتوقّف عن إستخدام نظام الطاغية القذّافي كشمّاعة ننشر عليها غسيلنا العفن المتعفّن.
فلنراجع تصرّفاتنا ولنتدبّر أمورنا ولنكن صريحين مع أنفسنا ولنبدأ البحث الجدّي عن العلل في داخلنا. علينا بأن نبحث عن المفسدين بيننا ونشير إلى كل منهم بالبنان فعساه أن يبتعد عن طريقنا أو عسانا أن نقدر على التآزر ضدّه من أجل غدنا ومستقبل حياة أطفالنا وأجيالنا القادمة.

أنا أود أن أطرح عليكم هذه الفئات وأترككم  لتفكّروا في الأمر بكل عقلانيّة وبكل واقعيّة وبعيداً عن العواطف:
  1. أعضاء المؤتمر الوطني الذين إخترناهم ليمثّلونا: بدل أن يعملوا من أجل ليبيا ولمصلحة كل الليبيّين، إنحازوا لإنتماءاتهم القبليّة والمكانيّة.
  2. رئيس وأعضاء الحكومة: إنعزلوا عن الشعب، وبدل أن يفكّروا بطريقة إستباق الأحداث والإستعداد لها نجدهم ينتظرون حتى تقع الكارثة ثم بعد ذلك يبدأون في البحث عن حلّ لها.  رؤساء الحكومات في عهد 17 فبراير عجزوا عن أن يصبحوا قادة في عيون الليبيّين والليبيّات وذلك لإفتقارهم لصفات وسمات القائد الوطني.
  3. الميليشيات المسلّحة: بدل أن يلتزموا بخلق الثوّار الحقيقيّين الذين أوهمونا بأنّهم ينتمون إليهم، تحوّلوا إلى عصابات نهب وسلب وإعتداء على أعراض الناس.
  4. الجماعات الدينيّة: بدل أن يتقّوا الله في هذا الشعب تحوّلوا إلى منتهزين لفراغ السلطة فأصبح كل منهم لا يحفل إلّا بنشر أفكاره ومعتقداته والتي من بينها محاربة قيام الدولة العصريّة وذلك بالقضاء المباشر على مكوّنات الدولة من جيش وشرطة وأجهزة أمن.
  5. تنظيمات المجتمع المدني: بدل الوقوف في مقدّمة الركب نجدهم إمّا يتفرّجون عن بعد أو أنّهم يحاولون الإستفادة من الوضع المتأزّم وذلك بتحقيق مكاسب فرديّة وأسرية.
  6. الطبقات المتعلّمة: بدل أن تتقدّم الركب وتفرض وجودها في وسائل الإعلام، نجد أغلبهم وقد فضّل الوقوف في صف المتفرّجين أو أنّه ذهب يبحث له عن مصلحة ذاتيّة.
  7. الجيش والشرطة: لم نرى منهم ما كنا ننتظره منهم.
  8. الفيدراليّون: بدل الإندماج في المجتمع وطرح أفكارهم من خلال المشروع الديموقراطي، نجدهم يستغلّون الأوضاع الراهنة لفرض أفكارهم على الواقع.
  9. الآمازيغ: بدل أن نراهم يقدّمون أنفسهم من خلال مصلحة البلد ويستفيدون من التغيير لإقناع بقيّة الليبيّين بعدل مطالبهم، نجدهم ينتهزون الفوضى التي تعاني منها بلادنا وذلك لفرض أجندات من خلال التهديد بما يسئ إلى قضيّتهم ولايفيدها في شئ.
  10. خبرات ليبيا المهاجرة: بدل التلاقي والتشاور فيما بينهم، والتواصل مع الداخل من خلال المجاميع نجد الكثير منهم ينتهز الوضع الهش في البلاد والفوضى الإداريّة من أجل تحقيق مصالح آنيّة.
كل نقطة من تلك النقاط العشر التي ذكرتها هي مشاريع بحث وتحليل بالكثير من التوسّع وسوف أقوم بما تيسّر لي من الوقت بالعودة إليها ومناقشتها من خلال معطيات الواقع الملموس الآن طارحاً أفكاراً لها كي تغيّر من طريقة تعاملها مع وضع البلاد سعياً لتغيير الممارسات الغير مدروسة.

الحلّ الذي أراه
أنا أعتقد بأنّه من أجل تحقيق أهداف وطنيّة لصالح كل أبناء وبنات الشعب الليبي، ومن أجل تصحيح المسار الذي شذّ وإنحرف بشكل جوهري عن هدفه فإنّني أرى والمعطيات كما نشهدها الآن على أرضيّة الواقع... أرى بأنّنا في حاجة جدّية وملحّة إلى ثورة أخرى ولكن على النمط المصري. لا بدّ من إعادة سيناريوا التصحيح الذي قامت به القوّات المسلّحة في مصر بتفويض من الشعب حتى تمكّنت من إعادة الأمور إلى نصابها بعد أن شذّ بها من أراد الإستفادة منها لمصالحه الذاتيّة وأبجديّاته التنظيميّة (الفئويّة). نعم... نحن في حاجة إلى ثورة عارمة تعيد الأمور إلى نصابها في ال20 من أكتوبر 2011 ثم المسير في طريق تختلف عن تلك التي سرنا فيها منذ ذلك التاريخ بحيث نستفيد من أخطائنا حتى لا نكرّرها، والذي يعود من منتصف الطريق خيراً من ذلك الذي يصر على الإستمرار في طريق غير واضحة المعالم وغير جليّة المقاصد.
التغيير في ليبيا لا بدّ وأن يتم هذه المرّة عن طريق الجيش فنحن لا نستطيع أن نكرّر ثورة شعبيّة مثل تلك التي حدثت في 17 فبراير 2011. الجيش هو من يستطيع أن يعيد الأمور إلى نصابها، والجيش هو وحده من يستطيع القضاء على الفوضى وإنتشار السلاح. الجيش هو من يقدر على التغيير في ظروف مثل هذه التي نعاني منها في ليبيا.

كيف يتمكّن الجيش الليبي من السيطرة على الوضع؟
هذا السؤال هو بدوره يحتاج إلى نقاش جدّي يجب أن يبدأ من داخل ما تبقّى من المؤسّسة العسكريّة، وأنا على يقين بأنّه ما زال في ليبيا ما يكفي من قوّات الجيش بكوادرها التراكبيّة والتي يكون بوسعها تقدّم الصفوف والسيطرة على الوضع بأسلوب مدروس وخطّة محبوكة مع ربّما الإستفادة من نصائح وخبرات غيرنا ممّن يعرفون أكثر منّا على أن يكون التغيير ليبيّاً 100% ويكون الشعب (عموم الشعب) وراءه يباركه ويدعمه.
سوف أعود إلى هذا الملف لطرح بعض الأفكار، لكنّني أتمنّى بأن أرى قيادات عسكريّة ليبيّة تتبنّى هذه الفكرة وتشرع في التباحث والتخطيط حولها. هناك بعض الأفكار سبق لي طرحها في مقال سابق تجدونه في هذا الرابط:  

ليست هناك تعليقات: