2013/09/30

المطالبة بدسترة الأمازيغيّة هو كالمطالبة بدسترة الشريعة الإسلاميّة

الدين واللغة كلّ منهما يعتبر بحراً شاسعاً يكون الدستور والعقود الإجتماعيّة الأخرى عبارة عن جزئيّات صغيرة فيه، ومن يطالب بدسترة الإسلام كدين أو شريعة أو من يطالب بدسترة العربيّة أو الأمازيغيّة كلغة أو كثقافة فإنّه في واقع الأمر هو كمن يحرم طيراً من الحريّة فيضعه في قفص.

يا سادتي... ويا سيّداتي.... اللغة والدين هي ثقافات لكل منها كيانها المستقل الذي يفرض نفسه على البشر أو ينزوي بعيداً ويتجاهله الناس حسب إمكانيّاته الذاتيّة، ولا يمكن المحافظة على وجود أي من هذه الكيانات الثقافيّة بقوانين أو دساتير أو تحويلها إلى تماثيل ونصبها في كل مكان في العالم. اللغة والدين بقاء أو إنتهاء أيّ منهما يعتمد على مدى صلاحية كل منهما للزمان والمكان ولا يمكن فرض ذلك بقوّة القوانين. الدستور هو عرف يحدّد العلاقة بين الناس، من حق الناس تغييره وتطويره بما يتناسب مع الزمان وبما يتناسب مع المكان ولا يجب أن تكون اللغة أو الدين جزءاً فيه بأكثر من الإشارة إلى أن كل منهما هو السائد في هذا الزمان وفي هذا المكان وبذا فيتفق الناس على التوافق حول إستخدامه ليس أكثر.
نحن نقول في الدستور "اللغة العربيّة هي اللغة الرسميّة في الدولة" ونقول ذلك ليس بهدف المحافظة على اللغة العربيّة لأنّنا بذلك نحقّر هذه اللغة ونقزّمها، وإنّما نقول ذلك إعترافاً منّا بفرض هذه اللغة وجودها على الناس وبذلك فنحن نرضى بها لأنّها فرضت نفسها علينا وليس العكس. ينطبق نفس الكلام على الدين الإسلامي (الشريعة الإسلاميّة)، فالناس في ليبيا يؤمنون بهذه الديانة والإشارة إلى الدين في الدستور ليس لتثبيت الدين وليس للمحافظة عليه، وإنّما نحن نعترف بوجود هذا الدين وتمكّنه من قلوب ومعتقدات الناس في بلادنا ومن ثمّ أشرنا إليه في دستورنا.... بمعنى أن الدين هو من فرض نفسه علينا وليس العكس.

حينما يخرج بعض من إخوتنا الأمازيغ وهم يعتصمون هنا أو يقفلون حقول الغاز الطبيعي هناك بهدف فرض دسترة اللغة الأمازيغيّة فهم إنّما بذلك يقولون لنا وبكل صراحة بأنّ لغتهم تحتضر وهي تحتاج لإنقاذ لها من الإندثار وذلك بوضعها مادّة في الدستور(دسترتها). 
إن دسترة اللغة الأمازيغيّة يا سادتي... ياإخوتنا وآخواتنا أبناء أمازيغن - كما تريدون أن تشيروا إلى أنفسكم - سوف لن يحفظ اللغة أو الثقافة الآمازيغية وسوف لن يبقيها على قيد الحياة إن كانت هي لغة ميّتة. إن كانت الأمازيغية لغة حيّة ومتجدّدة فسوف تفرض وجودها بين الناس بدون الحاجة إلى دسترة من أي نوع، وإن كانت هذه اللغة ميّته فقسماً بالله سوف لن يحميها أكبر ديكتاتور متجبّر ولو إمتلك القنبلة الذريّة.
ألم يكتب الطاغية القذّافي جزئيّات من كتابه الأخضر على قطع من الرخام ثم طمرها في رمال الصحراء وفي كل مكان فكّر فيه بما في ذلك آماكن في أوروبا الشرقيّة بهدف المحافظة عليه؟... أين هو كتاب القذّافي الأخضر، وهل هو بذلك نجح في المحافظة عليه؟.

عودوا إخوتنا إلى التاريخ وأنظروا إلى لغات العالم التي إندثرت وتلك التي فرضت وجودها على الكون فأرغمت الناس - كل الناس - على إستخدامها بدون الحاجة إلى دسترة أو تقنين، ولنا في اللغة الإنجليزيّة مثالاّ حيث تستخدمها جميع دول العالم في المؤتمرات الدوليّة مع أن تلك الدول ينصّ دستور كلّ منها على إستخدام لغتها المحليّة كلغة رسميّة.

أترككم لتتمتّعوا بهذا الإبداع العربي وبلسان أعجمي ولكم أن تحكموا بعد ذلك على ما مصداقيّة وعقلانيّة ما ذكرته أعلاه...

ليست هناك تعليقات: