2013/03/06

الحداثة في التفكير والتجديد في الفهم (الحلقة الثالثة)

((مهداة إلى الدكتور الشيخ عبد اللطيف المهلهل))

تحدثنا في الحلقة الثانية عن العلاقة بين عالم الدين وعالم الحياة، وكيف أن كلّ منهما ينبذ الثاني بدون ذكر من كان السبب في هذه الكراهيّة. 

قبل أن أعبر بكم إلى مادّة حلقة اليوم فإنني أدعوكم للمرور بهذا الرابط ففيه بعض ما قد يهم البعض.

موضوع حلقة اليوم يجرّنا إلى الطرق على باب المصالحة بهدف دعوة كل من عالم الدين وعالم الحياة للدخول إليه وتناول الغذاء معاً، فلعلّ الإلتقاء حول مأدبة الطعام يقرّب بين العقول ويؤلّف بين القلوب من أجل خلق علاقة جديدة ترتكز على مبدأ "المصالحة بهدف التلاقي على نقيض التوازي" وفي ذلك فعلينا أوّلاً البحث عن نقاط الإلتقاء لنظهرها ومن بعدها نقرّبها من بعض فندمجها إن إستطعنا يقيناً منّا بأنّ نقاط الإلتقاء حين تندمج فإنّها قد تخلق عالماً جديداً يكون مختلفاً عن العوالم السابقة فنساهم بذلك في مشروع خلق حياة أكثر أمناً وأكثر سلماً وأكثر إبداعاً.

نقطة الإلتقاء الأولى: يلتقي عالم الدين مع عالم الحياة في كلمة "عالم" والعالم بدون شك هو صانع العلم والمعرفة، أو أنّه العلم بهما وفي كلا الحالتين على الإثنين أن يجتمعا حول هذه النقطة.
النقطة الثانية: إنّ عالم الدين وعالم الحياة يعتبر كل منهما إنساساً سويّاً يحمل قدراً لا بأس به من الذكاء وسرعة البديهة... فإن إلتقى إنسانان بهذه المواصفات فإنّ أوّل ما نتوقّعه من كلّ منهما هو ألاّ يختصم أيّ منهما  مع الثاني... يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وهنا نجد شيئين مهمّين من شأن كلّ منهما أن يقرّب هذا من ذاك ولو كانت المسافة بينهما كبيرة... التعارف: وهي خاصيّة إجتماعية فطر عليها الإنسان حين خلق في هذا الكون فالإنسان إجتماعي بطبعه، والشئ الثاني هو معيار القرب من الخالق، والذي يتمثّل في "التقوى": فالله يقرّب البشر منه ليس على أساس ألوانها ولا على أساس أموالها، ولا على أساس أعراقها، ولا على أساس أنسابها؛ وإنّما على جوهر إيمانها وتقواها. فالأقرب إلى الله هو الأتقى سواء كان عالم دين أو عالم حياة.... لا فرق عند الله بينهما إلاّ بقدر تقوى كل منهما.   
النقطة الثالثة: أن كلّ من عالم الدين وعالم الحياة يمتاز بخاصيّة "التدبّر" وهما بذلك يدخلان في قفص الإيمان بغض النظر عن إعتقاد كلّ منهما. يقول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}... وأظن بأنّ كلّ منهما سوف لن يجد مفرّاً من تدبّر القرآن لأنّ القرآن هو خلفيّة هذه الحياة التي نعيشها، وبذلك فإنّه سوف يكون حاضراً في أي صورة نرسمها لهذه الحياة التي نعيشها ولتلك التي نتركها لمن يأتي من بعدنا.
النقطة الرابعة: كلّ من عالم الدين وعالم الحياة يمتاز بخاصية التفكير، فالذي لا يفكّر لا يمكنه أبداً بأن يصنع الرأي أو ينتج الفكرة أو يضع التصوّر. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ}، فكلّما فكّر الإنسان كلّما نظر حوله متفحّصاً، وكلّما نظر حوله بتمعّن رأى الكثير من العجائب والغرائب في هذه الحياة التي يعيشها. حين ينظر الإنسان حوله بتدبّر فإنّه سوف يقول... من صنع هذه الحياة وبهذا الإبداع وبتلك العظمة وبذلك التناسق الرائع: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.
النقطة الخامسة: التشكيل الخلقي لكل منهما. فكلّما نظر الإنسان إلى نفسه وجد فيها إبداع الخلق، وكلّما قارن ذلك الإبداع التشكيلي بأي إنسان بجانبه فإنّه يحسّ بالذهول من وقع نتاج المقارنة عليه، ذلك لأن الله خلق كلّ منهما بتركيبات جزئيّة متشابهة إن لم تكن متطابقة. يقول الله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}... إن أردتم أن تروا الله فلا تبحثوا عنه بعيداً في السموات العلى ولا بين الكواكب، وإنّما في أنفسكم... في تركيبة أجسادكم وفي وظائف أعضائكم التي تتشابه بقدر يجعل المتدبّر أكثر قرباً من المتدبّر الآخر، فكلّ منهما رأى ما رآه الثاني وأحسّ بما أحسّ به الثاني.
 ونخلص من هذا في هذه العجالة على أن عالم الدين وعالم الحياة يوجد بينهما ما يقربهما من بعض أكثر مما يباعدهما عن بعض،والحال هذه فعليهما أن يتصافحا ويتقاربا ويتصالحا من أجل خلق حياة جديدة تكون جديرة بالحياة فيها.
في الحلقة القادمة سوف أتعرّض بإذن الله إلى موضوع المصالحة بين رجل الدين ورجل الدين.... هل نحن - المؤمنين بوجود الله - نعتبر أنفسنا أهل ديانة واحدة أم أهل ديانات سماوية مختلفة؟. 

ليست هناك تعليقات: