2026/09/12

إنتقاد من سبقونا لا يعني كراهيّتنا لهم(4)

 بعد تلك الأحداث الدامية والتي لم تكن مسبوقة بين المسلمين في عهدهم القصير جداً بعد وفاة النبي عليه السلام(22 سنة)؛ بدأت الشقّة تتسع بين المسلمين، وبدأ بالفعل أول شقاق علني بينهم في موقعة الجمل، ثم ظهر شقاق آخر أكبر من الأوّل بعد إغتيال "علي بن أبي طالب" بما عرف وقتها ب"الفتنة الكبرى" والتي كانت بمثابة أوّل حرب أهليّة مفتوحة بين المسلمين (عبّاسيّون وأمويّون).

بدأت الإنقسامات الحقيقيّة بين المسلمين مع بداية حكم "عثمان بن عفّان"، ووصلت ذروتها بإغتيال "علي بن أبي طالب"، ومن بعدها ولديه(الحسن والحسين)؛ حيث إحتدم الصراع القبلي والجهوي بين الأمويّين والعباسّيين، ومن حينها بدأ النفاق ومداهنة شيوخ الدين للحكّام، وإستغل الحكّام ذلك بتشجيع رجال الدين على سن الفتاوي وبث نهج الإختلاف العلني بين شيوخ السلاطين... كلّ حسب السلطان الذي يطعمه ويأويه.
ومن الجدير ذكره هنا التنويه على أن "الإسلام"كدين برغم كل المشاكل التي حدثت بين أتباعه، وبرغم الحروب والإقتتالات وتبادل الولاءات.. برغم كل ذلك ظل الإسلام متكاملاً وموّحداً ويستند إلى مصدر واحد وهو "القرآن" حتّى قرب إنتهاء القرن الأوّل الهجري؛ حيث خرج "المذهب الإباضي" كأوّل مذهب ديني في الإسلام.
كان أوّل مذهب ديني في الإسلام على الإطلاق هو"المذهب الإباضي" والذي كان أوّل ظهور له في القرن الأوّل الهجري في البصرة، وبذلك فهو يعتبر أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق، وقد نشره عبد السلام الدولان - والتسمية كما هو مشهور عند أتباع المذهب - جاءت من طرف الأمويين ونسبوه إلى "عبد الله بن إباض" وهو تابعيّ عاصر معاوية وتوفّي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان. ويقال بأنّ "علّة" التسمية تعود إلى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي أشتهر بها "عبد الله بن إباض" في تلك الفترة؛ غير أنّ أتباع الإباضيّة خرجوا بعد ذلك على الدولة الأموية نفسها وكذلك على الدولة العباسيّة خروجاً سياسيّاً وخروجاً دينياً. ولم يكونوا راضيين عن سياسة الأمويين حينها ممّا يبيّن بوضوح أنّ أوّل مذهبيّة في الإسلام كانت سياسيّة بالدرجة الأولى؛ لكنّها إلتحفت بأسمال الدين حتى تنال قبول الناس.
بعيد ذلك بدأت المذاهب تخرج من حين لآخر، وأطلق عليها تخفّياً ب"المذاهب الفكريّة"؛ لكنّها كلّها كانت دوافعها سياسيّة وهي جانب "عميق" و"متخفّي" من جوانب الصراع على السلطة في وسط كان يمنع فيه التحدّث عن الخليفة أو الوالي بأي نقد لممارساته في الحكم، وكان يُمنع فيه إنتقاد الأوضاع المعيشيّة أو التحالفات العرقيّة في تلك الفترة. يمكننا القول بأن المذاهب الدينيّة في تلك الفترة كانت ربّما تعادل الأحزاب السياسيّة في عالم اليوم.
ونظراً لإنتشار الإسلام في آماكن كثيرة ومتفرّقة، ونظراً لكثرة الولاة "المعيّنين" الذين كانوا يحكمون تلك المناطق، ونظراً لخروج بعض الولاة عن سلطة الحاكم( الخليفة أو السلطان) في مركز الدولة الإسلامية في المدينة أو بغداد أو دمشق حسب الزمن وحسب الفئة الغالبة؛ فقد نَشَأت العشرات من المذاهب الفقهيّة خلال القرن الثّاني والثّالث الهجري للإستجابة للطلب المتكرّر من أجل تميّز هذه المجموعة الإسلاميّة على تلك بالإجتهاد في تفسير الدين وتحويله إلى شرائع واضحة للناس يسهل التعامل معها؛ حيث كان فهم "القرآن" يحتاج إلى إلمام كبير باللغة العربيّة مع خلفيّة دينية معتبرة. ويقال بأنّه في البدء لم تكن هناك ضوابط ، فكل من تعلّم بعض أصول الدين ألّف كتاباً أسماه مشجّعوه بالمذهب أو التوجّه الفقهي حتى قيل بأنّ المَذاهب في تلك الفترات الأولى من الإسلام كانت قد بلغت "خمسين مذهباً" إنقَرَضَ أغلبها، مثل مذهب اللّيث بن سعد، وعبد الرّحمن الأوزاعيّ، ولم يَبْقَ منها إلا أربعةٌ سُنِّيّة، وأُخرى غير سُنية كالمذهب الجعفريّ، والزيديّ، والإماميّ، والإباضيّ.
بالإضافة إلى المذاهب، بدأت أيضاً مع الزمن تظهر الطوائف والجماعات الإسلاميّة والتي منها: أهل الحديث، السلفيّة، الآشاعرة، الماتريديّة، المرجنة، المعتزلة، الجهميّة، الصوفيّة، الطرق الصوفيّة، الإباضيّة، الشيعة بطوائفها المختلفة والتي منها الإثنى عشريّة، الزيديّة، الأصوليّة، الإخباريّة، الشيخيّة، الإسماعيلية، النزارية، المستعلية، الخوارج والذين من بينهم الأزارقة، النجدات، الأحمدية القاديانية، القرأنيّون، البهرة... وغيرهم كثير وكثير جداً.
الملفت للإنتباه والتذكير هو كون تلك المذاهب والطوائف والجماعات ذات منشأ سياسي مبطّن بغلاف الدين جعلها كلّها متنافسة ومتصارعة وفي الكثير من الأحيان متعادية ومتقاتلة. كل ذلك التنافس بين الجماعات والطوائف الدينيّة أزّم العلاقة بين المسلمين وحوّلهم إلى قوى متناحرة دفعها تناحرها إلى التقوّي بغير المسلمين فنشأت التحالفات مع أعداء الإسلام بهدف الإنتصار على إخوة الإسلام بمجرّد أن تفسيرهم للدين يختلف عن تفسير المجموعة أو أصحاب المذهب الآخر.
ملتقاكم في الحلقة القادمة والأخيرة من هذه السلسلة؛ حيث ستعرفون كيف "خُلّقت" الآحاديث النبوية التي نعرفها اليوم، وكيف تم "تأليف" تلك الأحاديث عمداً وتنسيبها للنبي عليه السلام. ليلتكم سعيدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك