2026/09/12

إنتقاد من سبقونا لا يعني كراهيّتنا لهم(3)

 نحن نعرف من خلال ما قرأنا بأنّه بعد وفاة الرسول عليه السلام كان قد أتى من بعده "الخلفاء الراشدون" الذين قيل لنا بأنّهم كانوا قد إقتدوا بالرسول في كل شئ إلّا في آساليب الحكم ومتابعة أحوال الرعيّة وقتها؛ فتلك بكل تأكيد كانت تتعامل مع الظروف المحيطة بكل "خليفة" منهم.

هناك أمراً يجب الإنتباه إليه والتأكيد عليه وهو أن كل من خلف الرسول لم يكن بوصيّة منه، ولم يكن بأمر الله، وعلى أن"الخلفاء" لم يكونوا هم أنفسهم من الأنبياء أو المصطفين. لقد كان تعيين الخلفاء مسألة حكم وتسيير أمور المسلمين ليس أكثر، وعلى أن نظام الحكم وقتها كان قد أطلق عليه "خلافة" لكنّه يبقى في نهاية الأمر أمر دنيوي ونظام حكم إختاره الناس لتسيير شئونهم، وتلك هي ظاهرة طبيعيّة كان من الممكن أن يعملها أيّ مجتمع وفي أيّ مكان في العالم.
يختلف البشر في إختيار الحاكم بإختلاف الثقافة وبإختلاف وسيلة الحكم ووفق المعطايات والممارسات المحيطة. ففي "المدينة المنوّرة" بمجرّد معرفة الناس بوفاة الرسول عليه السلام؛ تنادى زعماء المهاجرين والأنصار نحو السقيفة للإسراع بإختيار من يخلف الرسول في "الحكم" وليس في النبوّة؛ حتى تتم المحافظة على الأمن والآمان من بعده عليه السلام.
فالخلفاء كانوا حكّاماً مثل غيرهم، وكان يتوجّب عليهم الإهتمام بشئون البشر التابعين لهم... تلك كانت مسألة حكم، فلا داعي لتغليفها بلباس الدين. كان الخلفاء مرافقين للرسول عليه السلام أثناء حياته، وكانوا ربّما أقرب الناس إلتصاقاً به؛ ومن ثمّ فهم ربما كانوا الأكثر نقلاً لممارساته والأكثر فهماً للدين الذي جاء به.
وفي "السقيفة" - حيث إجتمع المهاجرون والأنصار - كانت هناك بكل تأكيد رغبة لكل فريق في أن يتولّى شئون المسلمين، والحفاظ على إستمرارية "الدولة الإسلاميّة" من بعد النبي عليه السلام. من هناك تنافس المهاجرون والأنصار في إختيار خليفة للرسول، وإحتدم الصراع بينهم في "السقيفة" حتى كادت أن تشهر السيوف بينهم لولا تدخّل "عمر بن الخطّاب" بصرامته المعهودة وبشجاعته التي قرأنا عنها؛ فأوقف الصراع على "السلطة" بأن فرض خلافة "أبوبكر الصدّيق"على الجميع بقوّة السيف، وكان لهم بأن "أذعنوا"، ومن بعدها كان لزاماً على الجميع مبايعة الخليفة "أبوبكر الصديق" لتسيير شئون المسلمين.
بايع الحاضرون أبوبكر الصدّيق على تولّي أمر الأمة الإسلاميّة وأسموه خليفة لأنّه في هذا الشان(الحكم) كان قد خلف رسول الله عليه السلام. الذي نقل إلينا في الكثير من المصادر التاريخيّة هو أنّ إبن عم الرسول عليه السلام وزوج إبنته فاطمة "عليّ بن أبي طالب" لم يكن حاضراً معهم حينها؛ حيث كان مع بعض مرافقية ومناصريه منشغلاً بمراسم دفن الرسول عليه السلام؛ ومن ثمّ فلم يبايع "علي إبن أبي طالب" ولا مرافقيه "أبوبكر الصديق" على الخلافة حينها.
هناك الكثير مما قيل عن غضب "علي إبن أبي طالب" من نزع الخلافة منه وإعطائها لأبوبكر بإعتباره أنّه بجميع المعايير أحق بها منه، وكان هناك معه الكثير من المرافقين والمؤيّدين الذين "تشيّعوا"... ناصروا.... إصطفّوا.... شكّلوا جبهة الرفض، وهم من كان بكل تأكيد من أوعز إليه بأنّه هو من يستحق نقل الخلافة إليه، ومن ثمّ فقد سُمّيوا بالمناصرين لعلي أو "شيعته" أو حزبه المناصر له.
كانت تلك بكل تأكيد هي أوّل بشائر الإنقسام بين المسلمين، وكانت تلك أوّل حركة لتقسيم الإسلام الذي تركه النبي موحّداً. كانت تلك هي بداية "الشيعة" في الإسلام؛ ومن حينها أخذ مناصروها بجذب مؤيّدين لهم، وأخذوا من وقتها يسنّون لأنفسهم طقوساً تختلف تدريجيّاً عن الطرف... الآخر والذين سمّيوا فيما بعد ب"السنّة".
كان ذلك بكل تأكيد "أوّل" إنقسام بين المسلمين، وكان "عليّاً" هو أوّل من سمح بحدوثه؛ لأنّه بكل بساطة كان بيده وبقوّته وبسلطانه أن يمنع حدوثه. فقد كان بوسع "علي" بأن يقول لشيعته: إلتحقوا بالجماعة ولا داعي للتفريق بين المسلمين. لو أن عليّاً كان قد فعلها حينها لما رأينا اليوم أي شئ إسمه "شيعة أو سنّة"... وعلينا هنا بأن نكون واقعيين ومنصفين وصادقين في أحكامنا.
نحن نعرف بأن "علي بن أبي طالب" وكل أفراد شيعته لم يبايعوا "أبوبكر الصديق" على خلافة المسلمين، وعلى أن أعداد "الرافضين" لخلافة أبوبكر كانت تتزايد مع الوقت، وعلى أن كل "الغير مبايعين" لخلافة أبوبكر كانوا قد إعترضوا على دفع "الزكاة" لأبوبكر بإعتبار أنّه - في نظرهم - غير أهل لها، ووجد أبوبكر طريقة لمحاربتهم بأن أطلق عليه " المرتدين" عن الإسلام؛ وبذلك أجاز لمناصرية محاربتهم بإسم الله.
الغير مبايعين ل"أبوبكر الصديق" بالخلافة لم يكونوا في واقع الأمر من المرتدين عن الإسلام.... إطلاقاً؛ وإنّما كانوا من بين أولئك الذين أنحازوا إلى "علي بن أبي طالب"، وناصروه، وطالبوا بخلافته للرسول عليه السلام..... وتم نعتهم ب"المرتدّين" فقط وفقط لتجوز محاربتهم على عدم دفعهم الزكاة لأبوبكر.
بعد ذلك إستمر الخلاف بين المسلمين، ونشبت بالفعل عداوات بينهم، وكانت أن حدثت أوّل عمليّة إغتيال في الإسلام بعد وفاة الرسول وذلك بقتل الخليفة الثاني "عمر بن الخطّاب"، والذي بكل تأكيد كان قد أحدث شرخاً آخر بين المسلمين، وكان قد فتح الطريق للتشيّع والتحزّب والتكتّلات المذهبيّة وما تبعها من إختلافات بين المسلمين.
وبرغم كل ذلك بقى الإسلام حينها كما تركه الرسول عليه السلام، وقام كل من أبوبكر الصديق وعمر بن الخطّاب بتجميع القرآن والشروع في كتابة ما لم يكن مكتوباً منه حينها خوفاً من ضياعه ونسيان الناس له. لم تتكوّن حتى حينها أية مذاهب دينيّة ولا إجتهادات معلنة، ولم يكن وقتها هناك "رجال دين" ولا "مفاتئ"، ولم تتكوّن وقتها أية "مدارس دينيّة" أو طوائف معلنة. بقي الإسلام حينها موحّداً، وكان مصدر الدين الوحيد للمسلمين هو كتاب الله "القرآن"... وفقط. توضأ الناس كما كان النبي يتوضأ وصلّوا كما كان يصلّي، وحاول الخلفاء المحافظة على ما كان يفعله الرسول من حسن معاملة وصدق وعدل بين المحكومين.
بعد إغتيال "عمر بن الخطّاب" من قبل مسلم مثله؛ تم الإتفاق على أن يقوم "عثمان بن عفّان" بخلافته. وبايعه من بايعه من الأتباع؛ لكنّ عثمان كما نعرف كان أوّل خليفة من غير بني العبّاس. فقد كان "عثمان" أمويّاً، وكان إختياره للخلافة من قبل مجموعة من كبار المسلمين قد أحدث الكثير من الحساسيّات بين العبّاسيين والأمويين، وبدأ من حينها الإحتقان يتكاثر بين المسلمين تدريجياً، وكانت عمليّة إغتيال "عمر بن الخطّاب" قد أوجدت في تفكير "عثمان بن عفّان" الكثير من المخاوف من تكرار نفس المصير فإحتمى "عثمان" بالكثير من أنصاره، وكانوا كلّهم بالطبع من بني أميّة، وكان الكثير منهم من أفراد أسرته لثقته المطلقة فيهم.
يقال بأن "عثمان بن عفّان" كان قد أحاط نفسه ببطانة من بني جلدته من الأمويين، وذلك أثار الكثير من الغضاضة بين العباسيين فزادت حدة الإحتقان بين المسلمين حتى تمّ الهجوم على مقر قيادة "عثمان بن عفّان" في المدينة وكان قد حدث ما حدث من تعذيب جسدي وإهانات أخلاقية للخليفة "عثمان" حتى تم قتله. ويتهم 6 من المسلمين بقتله وهم: الغافقي بن حرب المصري، كنانة بن بشر التجيبي الذي يعتبر من أكبر المتهمّين الستة نصيباً في قتل عثمان، كذلك كان منهم سودان بن حمران وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي والأشتر النخعي.... ويقال بأنّ محمّد إبن أبوبكر الصدّيق ورفيقه كانا قد عادا من مصر، وقاما بمهاجمة عثمان في قصره، ثم من بعدها يقال بأنّهما جذباه من جلابيبه نحو الأرض، وكانا قد نتّفا شعر لحيته كذلك.
في الحلقة القادمة سوف أعطيكم المزيد عن ما حدث بين المسلمين في أوائل أيّامهم، وكيف كان الكثيرون من "السلف الصالح" يتصرّفون. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك