2026/09/12

إنتقاد من سبقونا لا يعني كراهيّتنا لهم(2)

 في هذه الحلقة سوف أتحدّث عن بداية رسالة الله إلى البشر.... تلك الرسالة التي أوحى بها الله إلى رسوله محمّد عليه السلام وأمره بنقلها بكل آمانة وبكل صدق إلى البشر... كل البشر كي يتبّعوها كما أنزلها الله وليس ليضيفوا إليها أو يعدّلوها أو يحرّفوها.

فقد أرسل الله الإسلام إلى كل البشر وإختار لنقل تلك الرسالة منه إلى البشر شخصاً أميناً وصادقاً ومخلصاً كي ينقلها إلى البشر كما أرادها الله. نحن نعرف بأن النبي محمّد عليه السلام كان قد ولد يتيم الأب ونشأ صغيراً يتيم الأم كذلك، فتعلّم من ذلك اليتم الشفقة وتعلّم معنى الحنان وتعلّم قوّة وتأثير الإشتياق إلى الحنوّ والرفق فشبّ إنساناً عطوفاً وحنوناً ورحيماً بكل من حوله. تلك الصفات الحميدة أهّلته لأن يختاره الله دون غيره لنقل رسالته بكل آمانة للبشر، ذلك لأن الله لم يرد من الناس أن تضيف إليها أو تعدّلها أو تحرّفها. رسالة إلهيّة مثل القرآن تحتاج إلى فهم وإدراك وتدبّر وتصوّر، وتلك هي المهمّة التي آكالها الله إلى كل مؤمن بهذا الدين حتّى يكون دين الله عند البشر صالحاً لكل زمان وصالحاً لك مكان. صالحاً لكل البشر أينما وجدوا وأينما حلّوا وفي أي زمان عاشوا؛ وبذلك وحده فقط يكون كتاب الله صالحاً لكل زمان وصالحاً لكل مكان.
فلو أنّنا قدرنا على فهم كلام الله بكامله في أي زمن من الأزمنة لكانت قد إنتهيت صلاحيّته بمجرّد عبور الزمان حوله. فالحياة تنتقل إلى الأمام والإنسان خلقه الله متأمّلاً ومفكّراً ومبدعاً ومطوّراً.
لو أن البشر في عهد الرسول كانوا قد فهموا كل القرآن؛ لبقى كلام الله حبيس ذلك الزمان الذي عاشه الرسول عليه السلام وعاصره تابعيه، ولمضت وضاعت رسالة الإسلام كلّما عبرت الأزمنة والعصور. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ}}... أي أنّنا نجتهد في تفسيره، لكنّ المعنى الحقيقي ومآل ذلك في الواقع هو خصوصيّة لله وحده.
من هنا فإنّنا نجتهد ونحاول فهم كلام الله حسب المعرفة التي تتوفّر لنا في زماننا الذي نعيش فيه، وحيث أن الزمان يتغيّر والمعرفة بناء على ذلك تتغيّر فإن فهمنا للقرآن ومن ثم الدين يتغيّر وعلينا تقبّل ذلك بكل رحابة صدر وبدون حساسيّات.
إن تطوّر فهمنا للقرآن وفق الزمان والمكان هو ما يدفعنا لأن نعيد قراءتنا وفهمنا لكتاب الله في كل فترة من الزمن تحدث فيها تغييرات كبيرة في كم وكيف الفهم الإنساني، وبذلك يكون القرآن صالحاً لكل زمان وصالحاً لكل مكان كما أراده الله.
كما ذكرت أعلاه، فقد كان الرسول عليه السلام رحيماً ومحبّاً ومتسامحاً مع قومه بما فيهم أولئك الذين حاربوه ونكلوا به، بل وحتى أولئك الذين هجّروه من دياره وفرضوا عليه الخروج من بيته. وبرغم كل تلك المعاملة القاسية له من أهله بما فيهم أعمامه وأبناء عمومته؛ إلّا أنّه عليه السلام تحمّل وصبر حتى نصره الله عليهم، لكنّه حين غلبهم وإنتصر عليهم لم ينتقم منهم ولم يقل لهم"لقد أتيتكم بالذبح".
حينما دخل رسول الله مكّة منتصراً على من عادوه ونكّلوا به وهجّروه من بيته لم ينتقم منهم ولم يثأر ولم يشأ أن يعلّمهم درساً في الخضوع؛ بل إنّه قال قولته المشهورة لقومه ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن)).
نحن نعرف بأن الرسول عليه السلام كان على عداء مع يهود مكّة لأنّهم هم من ناصبه العداء، ولأنّهم هم من توافق معه ونكث، ولأنّهم هم من خدعه؛ لكنّ رسول الله حينما عاد إلى مكّة منتصرأ قال لليهود (( إذهبوا فأنتم الطلقاء)).. إذهبوا فأنتم الطلقاء. فليفهمها من يرغب في فهمها وليقتدي بها من هو صادق في دينه ومخلصاً لربّه.
ذلك هو الإسلام الذي أراده الله وتلك هي رحمة الله للبشر وذلك هو دين الله الحقيقي، أما ما عداه فهو دين البشر.. ونحن لسنا ملزمين بإتباع دين البشر مهما قدّسه وألّهه من ينادي به ويدعو إليه.
من هنا نرى بأن الله كان قد إختار إنساناً "أميّاً"؛ لكنّه كان مع ذلك أميناً وصادقا في نقل رسالته إلى البشر. إختار الله لنقل قرآنه للبشر إنساناَ "أميّاً" لا يقرأ ولا يكتب؛ ذلك لأنّ ربّنا لم يرد ولم يرغب في أن يٌحرّف كلامه، أو أن يٌضاف إليه، أو أن ينقل للناس بغير ما أراده الله.
لقد نقل الله رسالته للناس عن طريق نبيّه المختار وكلّف كبير ملائكته(جبريل) بنقل تلك الرسالة من لدنه إلى نبيّه، فالملائكة يفعلون فقط ما يؤمرون به... فقط ما يأمرهم به الله، ولا يحق لأي ملاك أن يفعل أي شئ إلّا بأمر مباشر من الله. من هنا يمكن القول بأن جبريل كان يأتي إلى النبي عليه السلام بسور القرآن ولم يأته بأي شئ آخر على الإطلاق، ويمكن القول أيضاً بأنّه بمجرّد إنتهاء الوحي إنتهى تواصل الملاك جبريل مع النبي محمّد عليه السلام. حينما إنتهى التواصل الغير مباشر بين محمّد وربّه كان الله قد أكمل الرسالة التي أراد أن يبعثها للبشر والتي كانت بمثابة "القرآن الكريم". حينما أكمل الله القرآن إلى النبي قال له في آخر إيعاز منه إليه ... الآن من حق البشر أن يؤمنوا ومن حقّهم أن يكفروا؛ فقد أتممت عليهم الرسالة.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: {{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ}}... أنظروا "أكملت".. إنّها تعني فقط بأن الدين كان قد أكتمل ولم يعد يتقبّل أية إضافة من أي مصدر كان. حينما أكمل الله رسالته إلى البشر أعطاهم كامل الحريّة في أن يختاروا ما يشاءون لأنفسهم؛ مع أنّه لم يخفِ عنهم بأن من يختار غير طريق الله فسوف يلحق به عذاباً كبيراً: {{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ}}.
نحن نعرف بأن القرآن لم ينزل مكتوباً كالتوراة، ونحن نعرف بأن الرسول عليه السلام كان يأتي بالموحىَ إليه ويتلوه على أصحابه والمؤمنين به، وهم بدورهم كانوا يحفظونه في قلوبهم. وحيث أن بعضهم كان يكتب ما يسمعه من الرسول، فقد منعهم الرسول أن يكتبوا أي شئ غير القرآن ((لا تكتبوا عنّي غير القرآن)) حتى لا يختلط الأمر على الناس.
نحن نعرف بأن الرسول وحده هو من كان يفسّر القرآن للناس؛ فلم يتواجد في عهد الرسول "شيوخ دين"، ولم يكن هناك مفاتئ أو "علماء دين". كان الدين نظيفاً وسليماً وهو دين الله كما أنزله الله على الرسول عليه السلام.
حينما إنتقل الرسول إلى جوار ربّه لم يترك عليه السلام غير القرآن، ولم يترك من بعده مذاهب أو شيع أو فرق أو جماعات دينيّة من أيّ نوع. حينما إنتقل الرسول إلى جوار ربّه ترك - وفقط - القرآن للبشر، وقال لهم إفعلوا ما كنت أفعل... تلك كانت هي سنّة الرسول التي أمرنا الله بإتّباعها، أمّا غير ذلك فهو من تأليف البشر.
في الحلقة القادمة سوف أخبركم بما حدث بعيد وفاة الرسول عليه السلام، وكيف بدأ الناس من بعده يضيفوا إلى الدين الذي أتاهم به. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك