2026/09/12

إنتقاد من سبقونا لا يعني كراهيّتنا لهم(5)

 إن كل الإختلافات والصراعات الدينيّة التي شهدها وباشرها المسلمون بعيد وفاة الرسول عليه السلام دفعت الكثير من أطراف الصراع إلى الإستناد إلى مصادر غير قرآنيّة لتعزيز مواقف تلك الجماعة أو تلك الطائفة، أو لتغليبها على الجماعة أو الطائفة الأخرى.

من هناك بدأ الخروج عن القرآن وتعزيز ذلك بالإستناد إلى "آحاديث" تم تنسيبها للرسول عليه السلام من قبل بشر لم يعيشوا في زمانه، ولا عاصروه، ولا كانوا كتبوا آحاديثه في أيّام وجوده حولهم.
كان الرسول عليه السلام في كل أيّام حياته قد منع كل المسلمين حوله من كتابة آحاديثه أو أي شئ عنه حتى لا يختلط ذلك بالقرآن: ((لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحهِ)).
المعروف أنّه بعيد وفاة الرسول عليه السلام كانت قد حدثت حروباً أهليّة كثيرة بين المسلمين؛ بعضها كان بالفعل طاحناً ومدمّراً ممّا قضى إجمالاً على كل حفظة أقوال الرسول وتغييبهم بالكامل عن الساحة بسبب تلك الحروب المدمّرة التي شهدتها الدولة الإسلاميّة منذ مقتل "عثمان بن عفّان" وحتى يومنا هذا.
إن أوّل تجميع لما سمّي ب"أحاديث الرسول" كان على يد البخاري وعلى يد مسلم من بعده، وكان كلّ منهما قد ولد بعد ما يقارب من 200 سنة من وفاة الرسول عليه السلام؛ فكانت كل تلك الأحاديث المجمّعة "ملفّقة"، وكانت قد ألّفها البشر من بعده ثم نسبوها إلى الرسول لإعطائها مصداقية، ولفرض وجودها بين المسلمين.
الأحاديث المُنسّبة للرسول عليه السلام كانت قد زادت من بث الفرقة بين المسلمين، وزادت من حدّة المنازعات بينهم؛ خاصّة إذا عرفنا بأنّه كانت للسنّة أحاديثهم الصحيحة وللشيعة أحاديثهم الصحيحة؛ دعكم من الجماعات الأخرى مثل أتباع الأحمديّة والإباضيّة والوهابيّة وتوابعهم التي نراها الآن ونعرف عنها من أمثال الطالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وما إليها من تلك الشراذم التي شرذمت الإسلام وحوّلته في نظر الغير إلى دين قتل وإضطهاد وتخلّف وإنحطاط بدل أن يكون دين رحمة ومحبّة وتآخي بين شعوب الأرض كما أراده الله وكما أبلغ به النبي محمّد عليه السلام إلى أصحابه وأتباعه ومن عاش في زمانه.
أعطيكم هنا مثالين فقط لرواة الحديث الذين يعتبر شيوخنا اليوم بأن آحاديثهم المجمّعة تأتي بعد القرآن مباشرة من حيث قدسيّتها والإلتزام بها كما وصلتنا بدون البحث في مصداقيّتها أو الكيفية التي كانت قد جمّعت بها في تلك الأثناء.... تجميع البخاري وتجميع مسلم.
1) الإمام مُحَمَّدُ بْنُ إسماعِيلَ البُخَارِيُّ الجُعْفِيُّ؛ كان قد ولد في بخارى في أزوبكستان عام 194هـ(أي 184 سنة بعد وفاة الرسول عليه السلام)، ويقال بأنّه بدأ في تجميع أحاديثه في عمر 16 سنة؛ أيّ بعد 200 سنة من وفاة الرسول عليه السلام حدثت خلالها حروباً أهليّة كثيرة بين المسلمين؛ بعضها كان بالفعل طاحناً ومدمّراً ممّا قضى إجمالاً على كل حفظة أقوال الرسول وتغييبهم بالكامل عن الساحة بسبب تلك الحروب المدمّرة التي شهدتها الدولة الإسلاميّة منذ مقتل "عثمان بن عفّان" وحتى يومنا هذا.
قام "البخاري" بتجميع 7593 حديثاً كان قد إنتقاها من مجموع 600 ألف حديث كان قد سمعها خلال 16 سنة من عمره. كانت كل الآحاديث التي جمّعها البخاري، وكل تلك التي إنتقى منها آحاديثة "الصحيحة"... كانت كلّها أحاديثاً "مسموعة". يقال بأن البخاري كان قد فقد والده وهو طفلاً صغيراً، وكان قد تربّى يتيماً في حضن أمّه، وكان - كما يقال - قد بدأ بتجميع آحاديثه في عمر 10 سنوات، ويقال بأنّه أمضى حوال 16 سنة وهو يجمّع تلك الآحاديث في بخارى وما جاورها. يقال بأنّه ذهب للحج في مكّة، ويقال بأن زار المدينة أثناء سفره للحج. توفّى البخاري في سمرقند بعمر 62 سنة.
2) الإمام مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيري النيسابوري؛ ولد في نيسابور في خراسان عام 206 هجريّة(بعد 195 سنة من وفاة الرسول عليه السلام)، وكان قد جمّع 300 ألف حديثاً إنتقى منها 3000 حديثاً إعتبرها صحيحة؛ وهي ما وصلنا اليوم في "صحيح مسلم" الذي يعتبر شيوخ ديننا اليوم مصداقيّته وقدسيّته بعد مصداقيّة وقدسيّة القرآن مباشرة، ويمنع شيوخنا على أي مسلم بأن يناقش حيثياتها أو يعترض على مصداقيّتها، ويعتبر بعضهم ذلك "خروجاً عن الدين".
الكلام كثير ومتشعّب في هذا الإطار؛ لكنّني وددت أن لا أكثر عليكم، وأن أنهي هذا الكلام بقوله تعالى: {{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}}.... فبأيّ "حديث" بعده يؤمنون؟!. وكذلك قوله تعالى في هذا الشأن: {{أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}}.... فبأيّ "حديث" بعده يؤمنون؟!. ذلك هو كلام الله وليس كلامي أنا.
أمّا إعتبار الإيمان بتلك "الأحاديث" المصطنعة على أساس أنّه من "السنّة"... فلا أجد للرد عليه خيراً من كلام الله في كتابه العزيز:{{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}}... ولن تجد "لسنّة الله" تبديلاً. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك