2026/05/03

الفكر الوهابي والعمل الإرهابي(2)

 حينما تتغلّب العواطف على العقول ، وعندما تغيب البصيرة... يخطئ الإنسان، ويتمادى في فعل الأخطاء بدون أن يعي بأنّه كان قد أخطأ.... ومن ثمّ فهو لا يتعلّم من الماضي، ولا يحاول إصلاح أخطائه، ولا يقدر على بناء نفسه.

كتبت بالأمس عن جذور الفكر الوهابي المتخلّف، وكيف أنّه أثّر في شعوب المنطقة بذلك الشكل المتزمّت والمتشدد والغير قابل للحياة. لقد خلق لنا الفكر الوهابي الغبي جماعات متشدّدة وإرهابيّة بإسم الإسلام، وأخذوا يقومون بأعمالهم القبيحة بإسمنا كمسلمين، وبإسم ديننا الذي نؤمن به ونعرف يقيناً بأنّه دين سلام وتآلف ومحبّة بين البشر بغض النظر عن إعتقاداتهم، إنتماءاتهم، أو طرق عيشهم.
الذي دفعني لكتابة حلقة الأمس هو ما حدث يوم الإربعاء الماضي 29 إبريل 2026م حيث قام شاب صومالي الأصل يدعى "عيسى سليمان" بطعن رجلين يهوديين في منطقة Golders Green في شمال لندن "نصرة للقضية الفلسطينيّة" كما قال عيسى سليمان البالغ من العمر 34 سنة.
وُلد عيسى سليمان في الصومال، وهاجر منها إلى بريطانيا أثناء طفولته، وتحصّل على الجنسيّة البريطانيّة، وأصبح من حينها مواطناً بريطانيّاً.
لا أدري أين تعلّم عيسى سليمان؛ لكنّني أظن بأنّه كان قد تعلّم في مدارس دينية في شرق لندن حيث كل شيوخ التشدّد المهجّرين من بلدانهم الإسلاميّة يقيمون هناك، ويعملون بكل حريّة لنشر المذهب الوهابي المشدّد والذي يدعوا إلى "أسلمة" كل العالم بالقوّة.
السؤال البسيط والمتواضع هو: ماذا حقّق عيسى سليمان بمهاجمة يهوديين يحملان جنسيّة بريطانيّة، ويعيشان مع أسرتيهما بأمن وسلام بالقرب من مسكنه؟.
نحن نعرف بأن دولة الصهاينة تعاني هذه الأيّام من كره كل العالم لها، وعلى أن اليهود بصفة عامّة أصبحوا اليوم منبوذين من بقية شعوب العالم بسبب ممارسات حكّام الصهاينة في فلسطين، وبسبب تلك الجرائم البربريّة في غزة والضفّة الغربيّة ولبنان... وكذلك في إيران.
لقد تعاطفت وسائل الإعلام مع "اليهود" بمجرّد وقوع تلك الحادثة، وتحوّل الشعب اليهودي من جديد كشعب مظلوم ومسكين ومضطهد من قبل "المسلمين"، وبدأنا نسمع من جديد نغمة "معاداة الساميّة" التي أبدع الصهاينة في إستثمارها منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية.
ذلك الشاب الغبي والمتخلّف لم يفكّر في نتائج عملته الحقيرة حينما قام بها، وكان في داخله ربّما يظن بأنّه بعملته تلك كان قد قدّم عملاً جليلاً للقضيّة الفلسطينيّة، أو أنّه ربّما قام بالإنتقام من "اليهود" المجرمين.
ما حدث يوم الإربعاء الماضي أعاد بذاكرتي لعام 1967م حينما خسر العرب حرب يونيو لصالح الصهاينة، ومن بعدها قامت كل البلاد العربية التي يقيم يهود على أراضيها بطردهم إلى خارج حدودها.
كان ذلك فعلاً صبيانيّاً، وعاطفيّاً... وبالفعل كان سلوكاً غبيّاً بشكل كبير. كان فعلاً عشوائيّاً سيّرته العاطفة وتحكّمت فيه "السطحيّة" في التفكير.
لقد ذهب كل اليهود المطرودين من البلاد العربيّة في عام 1967م إلى دولة الصهاينة، وأصبحوا هناك من أبناء "الدولة الصهيونيّة" والمدافعين عنها. أصبح أغلبهم من أكبر الحاقدين على العرب والمسلمين لأنّهم طردوهم من بيوتهم وإستولوا على ممتلكاتهم، وحرموهم من جنسياتهم العربيّة التي كانوا يحملونها، ويفتخرون بها.
أعود بكم قليلاً إلى مظاهرات الأمريكان في الولايات المتحدة، ومظاهرات البريطانيين في بريطانيا بعد حرب أكتوبر في غزّة، وكان من بين المتظاهرين المنادين بعنصريّة الدولة الصهيونيّة والمطالبين برد حقوق الفلسطينيين... كانوا من اليهود الذين رأيناهم بملابسهم التقليدية وبشعور رؤوسهم التي دلّت على يهوديتهم. كانوا يناصرون حقوق الشعب الفلسطيني، ويستنكروا أعمال الجيش الصهيوني أمام كل وسائل الإعلام. لقد أثّرت تلك الجماعات اليهودية المتظاهرة في الرأي العام العالمي بشكل كبير جداً؛ لآن كل من كان يشاهد كان يرى يهوداً يستنكرون فعل "إسرائيل"، ويطالبون برد حقوق الشعب الفلسطيني إليه.
ألسنا نحن العرب مازلنا نعيش بمداد عواطفنا، ولا نقدر على إستخدام عقولنا لنفكّر؟. المشكلة الأكبر من ذلك؛ أنّنا نحن العرب لم نتعلّم من أحداث التاريخ، ولم نتعلّم من أخطائنا السابقة... لأنّنا وللأسف نفتقر إلى شئ إسمه "Lack of insight" أو ما قد نقول عنه... غياب البصيرة. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك