نحن لا نقدر على تغيير الماضي، ولا على إعادته من جديد حتى وإن حاولنا؛ لكنّنا نقدر على تغيير ما هو آتٍ. نحن نقدر على تغيير مجريات الغد؛ لكنّنا أبداً لا نقدر على إعادة أحداث الماضي.
حينما يركن كل منّا إلى نفسه يحاكيها... يحادثها... يتواصل معها يكتشف أنّه يحمل بين جنباته قوى كبيرة وفاعلة، وعلى أنّه بالفعل يقدر على إخراج تلك القوى الكامنة في أعماقه، ومن بعدها تكون متوفّرة له ليستخدمها في كل ما ينفعه ويعمل على نقله إلى الأمام.
دعوني أحدّثكم هنا عن إكتشاف النفط في ليبيا... إنّ أوّل من فكّر في إمكانية وجود النفط في ليبيا كان الجيولوجي الإيطالي "أرديتو ديسيو" Ardito Desio. الكونت أرديتو ديسيو كان بالإضافة إلى كونه جيولوجيّاً محترفاً، فإنّه كذلك كان مستكشفًا ومتسلّقًا للجبال ورسّامأنا دائماً حينما أتحدّث إلى مرضاي أنبّههم على أن الماضي كان قد مضى وإنتهى، وعلى أن الغد هو الحدث الموالي... الحدث القادم. أقول خرائط، وكان فضوليّاً بشكل كبير حتى أنّه بدأ بالحفر باحثاً عن البترول في منطقة الجغبوب في عام 1926م، وفي عام 1938م تمكّن بالفعل من العثور على النفط في ليبيا؛ غير أن إكتشاف النفط بشكل تجاري كان في عام 1958م, ومن بعدها بدأ الإنتاج الفعلي للنفط في ليبيا في عام1961م. وتملك ليبيا أكبر إحتياطي نفطي في كل قارة أفريقيا, وهو يقدّر ب46 مليار برميل... أي ما يعادل 4% من كل الإحتياطي العالمي.
أعود إلى رأس الموضوع حتى لا أذهب بكم بعيداً في بحر تخيّلاتي الواسع.... كان من الممكن أن تظل قصّة النفط في طي الكتمان، وأن يبقى النفط في باطن الأرض لا يعرف أحد تفاصيلها، لولا أن المسوحات الترابية والسطحيّة في ليبيا كانت قد آبانت وجود تلك الثروة في أعماق الصخور ، وكان أن بدأ الحفر، وبدأت التجارب والمحاولات حتى تمّ إستخراج النفط من أعماق بلادنا التي كانت بعيدة عن الأنظار، وبعيدة عن حتى مجرّد التفكير فيها.
إكتشاف النفط في ليبيا كان يعتبر نظرة إلى الأمام؛ ولكنّه بكل تأكيد يعتبر تعلّماً من الماضي.
تلك هي حياتنا كأفراد... فكل منّا يجتهد ويبادر ويقوم بفعل أشياء بدون معرفة ما يخبئه له القدر؛ فيخطئ ويصيب... وجلّ من لا يخطئ. الله لا يخطئ لأنّه يعرف الغيب، ونحن نخطئ لآنّنا نجهل ما يخبئه لنا القدر. لا عيب في أن يخطئ أيّ منّا؛ فكل إنسان هو خطّاء، والإنسان العاقل والناضج هو من يعترف بأخطائه ومن ثمّ يتعلّم منها، ومن بعدها يبني خبرته في الحياة.
من هنا يمكنني القول بأنّ تحسّرنا على الماضي وبكائنا عليه سوف لن يعيداه لنا؛ أمّا تفكيرنا في الغد والتخطيط السليم له فهو ما يصنع لنا الغد، ونحن كبشر من يقدر على رسم معالم مستقبلنا، ومن بعدها السير بآمان على تلك المعالم والطرقات.
إن النظر إلى الغد هو ما سوف يصنعه لنا؛ أمّا النظر إلى الوراء والعيش بمعطيات الماضي فإنّه إطلاقاً سوف لن يعيد ذلك الماضي لنا حتى وإن عشقناه... كما نتغنّى نحن العرب بأمجادنا الماضية في الأندلس. يومكم سعيد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الرجاء وضع تعليقك