كل إنسان منّا يحمل في كيانه قلبين... ذلك القلب الذي عناه الله في كتابه العزيز:{{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ}}، وقوله تعالى: {{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}}. هنا يتحدّث الله عن قلب"كيان" الإنسان، وكيان الإنسان يقيناً هو ليس قلبه الذي يضخ الدم. قد يقول قائل لي هنا بأن الله كان قد عنى "القلب النابض" الذي نعرفه بدليل أنّه ذكر خصيصاً: {{ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ}}، وفي هذا أرد على كل معترض بأن "الصدور" التي ذكرت في الآية القرآنيّة لا تعني تلك "الأقفاص الصدريّة" التي تتواجد بداخلها القلوب النابضة، وتتواجد بداخل كل منها الرئتين؛ وإنّما الصدور التي عناها الله هي الكيانات، العقول، الكينونات التي وجد عليها الإنسان منذ بدء خلقه. عودوا إلى قراءة وتدبّر "قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ".. أنت إطلاقا لا تعقل بقلبك النابض الذي تعرفه؛ وإنّما تعقل بعقلك الخفي الذي تحسّ به ولا تعرف عنه كثيراً. قلبك الذي تعرفه يضخ الدم، وليس له أية مهمّة أخرى وجد من أجلها.
الكلام في هذا المجال قد يطول ويتشعّب لكل من يملك المعرفة، ويمتلك ذلك الخيال الواسع الذي يسمح له بالتفكير والتخمين والإعتبار والتدبّر... والأطباء هم ربّما الأقدر على فهم المقصود بسبب علومهم التي تحصّلوا عليها وخبراتهم الحياتية أثناء تأديتهم لواجباتهم.
أنا قد ألخّص كلامي بالقول بأن القلب الذي ينبض؛ هو نفسه ذلك القلب الذي نخصّه بالحب والآحاسيس الرقيقة التي تكون فقط وفقط لشخص معيّن ولا لأحد غيره؛ أمّا حب الآخرين فلا علاقة للقلب النابض به... ذلك القلب النابض الذي نحسّ به ينبض، نقدر على لمس وعد نبضاته، ونضع أيدينا عليه حينما نحب بعمق أو حينما نفقد "الحبيب"، أو حينما نكون متأزّمين في دواخل أنفسنا، وأنا هنا أتحدّث عن "الأدرينالين" الذي يفرز من نهايات تلك الألياف العصبيّة اللاإراديّة التي تغذّي عضلة القلب. أي أن كل آحاسيسنا العاطفية لا تصنعها قلوبنا، وإنّما تصنعها أعصابنا التي تتحكّم فيها مخاخنا وتسيّرها عقولنا وفق إرادتنا ووفق قدراتنا الكامنة في دواخلنا.
وأعود للقول بأن ذلك القلب النابض الذي نعرفه ونتداول الحديث عنه، ونظنّ بأنّه يسيّر عواطفنا فيؤجّجها أو يتحكم فيها... ذلك القلب الذي نعرفه والذي إطلاقاً لم يقصده ربّنا في قرآنه العزيز أصبح اليوم بالإمكان نزعه من الجسم، وزراعة قلب آخر محلّه، أو ربّما زرعه في صدر آخر ولإنسان آخر... فأين يذهب ذلك "الحب" الذي كان في ذلك القلب، وهل يأتي القلب المزروع بحب جديد لذلك الذي يزرع قلب في صدره؟. كذلك؛ فمن الممكن في عالم اليوم بأن يعيش أي إنسان بدون قلب على الإطلاق. فالقلب هو ليس أكثر من مضخّة تضخ الدم في كل أجزاء الجسم لتبقيه على قيد الحياة، والذي يبقيه على قيد الحياة هو "الدم" المدفوع بتلك المضخّة... وليس ذلك القلب الذي ضخّ الدم.
من هنا نرى يقيناً بأن القلوب التي عناها الله في القرآن لم تكن تلك المضخّات التي نعرفها؛ وإنّما كانت قد عنيت عقول وطريقة تفكير الإنسان الذي تسيّره الروح التي زرعها الله في جسمه حين خلقه من نطفة، وتلك هي الروح التي ينزعها منه خالقه حينما يموت. كل عام وأنتم بألف خير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
الرجاء وضع تعليقك