2020/01/31

غد البشريّة يصنعه الرخاء والحريّة

 العالم من حولنا يتواصل ويتفاهم فيبدع ويتقادم، ونحن نختلف ونتشاجر ونتخاصم ثمّ نتصادم. أليس غيرنا هو من يتصرّف بعقله فيصل إلى مقصده، وألسنا نحن من نغلّب عواطفنا فنزوغ عن مقاصدنا؟. نحن من ينتصر للإديولوجيّة على حساب الحريّة، وهم من ينحاز للعصرنة وينأى بتفكيره عن الأفكارالسلفيّة.
ذهبت في نهاية الأسبوع المنصرم إلى لندن لحضور مؤتمراً دوليّاً عن آخر ما توصّل إليه الإنسان من معارف للتعامل مع مرض "التصلّب المتعدّد" أو ما يعرف عندنا ب"التصلّب اللويحي". وأقولها بصدق، لقد أبهرني الحاضرون بمستويات تفكيرهم الراقية جداً؛ وهذا شمل المتلقّين، وشمل بكل تأكيد من تم إختياره بعناية ليكون من بين المحاضرين.
كان مستوى المتحدثين راقي جداً من الناحية الحضريّة وكانت مستوياتهم رائعة بكل صدق من النواحي البحثيّة والإستنتاجات الذكيّة، وكانت الأسئلة والنقاشات على مستوى الحدث.
هذا المؤتمر ينعقد مرّة واحدة في السنة لمدة يومين متتاليين، يكون فيه الحضور على أعلى المستويات في مجال بحوث وعلاجات التصلّب المتعدّد، وكم وكيفية التعامل مع المصابين بهذا المرض. وحيث أن الحضور هو بصدق يكون على مستويات عالية وراقية من حيث المعلومة ومن حيث الخبرة ومن حيث الرقي المهني فإن النقاشات خلال هذا المؤتمر كانت هي بدورها على مستويات راقية ومتحضّرة وفيها الكثير من الإبداع الذهني والإبداعي الإحترافي. لقد ساهمت في النقاش بما إستطعت لكنّني بكل يقين تعلّمت الكثير، والكثير هنا من ناحيتي هو كيفي قبل أن يكون كمّي. فأنا بعد خبرة عقدين من الزمان في هذا المجال لم أعد في حاجة لكم المعلومات بقدرحاجتي لنوعيّة ومصداقيّة وأثر المعلومة الجديدة علينا كمهنيين وعلى مرضانا كمتلقيين ومستفيدين بكل تأكيد.
كان من بين ملاحظاتي، وأنا دائماً توجد لديّ عادة متعبة ورثتها من أيّام الطفولة وهي أنّني أجد نفسي دائماً أغوص في أعماق الأشياء باحثاً عن أسرار مختبئة وراء المعروض منها، وتلك هي مهمّة قاسية لكنني أتمتّع دائماً بمخرجاتها ونتائجها.
المهم أنّني وبينما كنت أحتسب نفسي من بين الحضور المنتبهين والمتفاعلين، إلّا أن آفة "الفضول" كانت كثيراً ما تنتصر على خاصّية القبول، وبذا كان كل شئ يمر على نظري أو يعطف على سمعي كان يواجه في داخلي بأسئلة خفيّة عن ماذا ولماذا ومن وكيف ومتى وهل. تلك الأسئلة ربّما هي تجد في تركيبتي الشخصيّة ما يجذبها للحوم حولي والإلتصاق بي، ومع أنّها قد تكون مقلقة ومتعبة لكنّها تبقى مرحّباً بها في عقلي الباطن الذي لا يرغب في رؤيتها تبرح بعيداً عنّي.
من بين ملاحظاتي التي وددت مشاركتم فيها هي أن البحثة والمفكّرين الذين حظروا كان ربما أغلبهم من الولايات المتحدة، وكان الكثير منهم أيضاً من غرب أوروبا وإسكندينافيا وأستراليا؛ لكنني وللحسرة لم أعثر على مفكّر أو محلّل أو باحث جاء إلينا من آسيا أو أفريقيا أو جنوب أميركا أو حتى من شرق أوروبّا دعكم من الشرق الأوسط، ودعكم من عالمنا العربي والإسلامي. حينها قلت في نفسي وأنا أستمع إلى البحثة والمفكّرين وهم يشاركوننا أعمالهم الرائعة... قلت في نفسي: أين نحن.... أين أهلنا.... أين تذهب أموالنا ومصادر الثروة عندنا؟. كيف نفكّر نحن في بلداننا وكيف نتعامل مع الحياة، وهل يتبادر إلى خلجات تفكيرنا محاكاة غيرنا؟.
كانت تلك الأسئلة والكثير غيرها لم تقدر على مبارحة عقلي الباطن الذي كان مشغولاً بها ربما وأكثر من إنشغال عقلي الظاهر بما كان يطرح من أراء وأفكار جديدة. قلت في نفسي وأنا أدور في متاهة "التنوّع البشري"، ما هو الإختلاف بيننا وبينهم؟. لماذا هم يفكّرون ويبحثون ويستنتجون ثم إذا بهم يتقدّمون، ونحن في المقابل نجيد النحيب على مواضينا التي "ضاعت"، وحضاراتنا التي إندثرت، وأفضالنا على "كل" أمم العالم بما ورثوه عنّا من علوم ومعارف و"قيم" و"أخلاق"؟. قلت في نفسي: لماذا هم هؤلاء البشر يتسابقون نحو إكتشاف مجاهيل الغد ونحن في مقابل ذلك نتسابق نحو الحنين إلى الماضي، ونبقى نبكي على الأطلال منتظرين إيّاها أن قد ربّما تبعث (تقوم) من جديد حتى تبرهن للعالم من حولنا على أننا كنّا أمّة متحضّرة وكنا أمّة مبدعة وكنّا أمّة تعلّمت بقية الأمم منا.
كنت أبحث عن إجابات لكل تلك الأسئلة التي كانت تدور رحاها في مخّي، ولم أجد إجابة شافية غير كلمة واحدة كانت ربما هي البلسم الذي تعبت في البحث عنه... إنّها "الحريّة" التي نفتقدها، والحرية التي يمتلكونها. تلك هي كلمة السر في تفوّقهم وغيابها عندنا هو ربما السبب في تخلّفنا عنهم..... ليلتكم سعيدة وفرحة ومرحة.

ليست هناك تعليقات: