2019/12/24

الإستقلال .... والتحرّر

 إستقلال الدول هو تحرّرها من سلطة الأجنبي، وإستقلال ليبيا بالنسبة لنا يعني الإنعتاق من تسلّط الغير والبدء في مشروع بناء الدولة. وطنك هو حريّتك، ووطنك هو بيتك؛ فعليك أن تتنعّم بحريّتك وأن تفتخر بإمتلاكك لبيتك. 
يصادف اليوم الثلاثاء الرابع والعشرون من ديسمبر 2019 الذكرى الثامنة والستّين للإستقلال ... فأطيب التهاني لكل أبناء وبنات الشعب الليبي بهذه المناسبة، وأسأل الله بأن يعيد علينا هذه الذكرى وبلادنا في أحسن حال ممّا هي عليه الآن.
هذه الذكرى بقدر ما هي عزيزة علينا وبقدر قيمتها عندنا فإنّها يجب أن تذكّرنا أيضاً بمعاناة هذا الشعب خلال عقود الإحتلال الإيطالي، وبهذه المناسبة فإنّه يتوجّب علينا تذكّر شهدائنا الميامين الذين لولا تضحياتهم لما إحتفلنا اليوم بهذه الذكرى العطرة.

أعتقد بأنّه ربما حان لنا الوقت بأن نذكّر أنفسنا ببعض المفاهيم، حيث تراءى لي بأن الكثير منّا بدأ يخلط بين الأشياء، فمنّا من يفعل ذلك عن قصد، ومنّا من يفعل ذلك عن قصور في أمور كثيرة منها بدون شك قصور في المعرفة.
الإستقلال في التعريف اللغوي يعني: تحرّر شعب ما من نير الإحتلال بالقوّة المسلّحة أو بأي وسيلة أخرى كالمفاوضات أو كنتيجة لتوازنات دوليّة او موضعيّة.
لكنّنا لو حاولنا التشعّب قليلاً في المعاني الحقيقيّة للإستقلال (ما بعد التعريف القاموسي) فإنّنا بكل تأكيد نجد أنفسنا نبحث عن معانٍ أخرى للإستقلال كأن نقول بأن الدولة المستقلة هي الدولة التي تتمتع ((وحدها)) بحصريّة إستعمال القوّة المشروعة، دون سواها من الدول أو القوى أو المجموعات ((الخارجيّة)) أو ((الداخلية)).
يمكننا أيضاً التشعّب أكثر في تعريف الإستقلال كأن نقول مثلاً: الإستقلال يعني مقدرة الدولة على التحكّم في سياساتها الخارجيّة بدون السماح للغير بفرض الهيمنة على ما تعقده من إتفاقيات ومعاهدات خارجيّة مع دول العالم الأخرى.
من هذه التعريفات ربّما يمكن الإستنتاج بأنّ إستقلال ليبيا لم يكن كاملاّ في عام 1951 وذلك نظراً لخضوع السياسة الخارجيّة الليبيّة لتدخّل وشروط الغير، أما حصريّة إستعمال القوّة على أراضيها دون غيرها فذلك أيضاً فيه الكثير من القيل والقال(تذكّروا تلك القواعد الأجنبيّة) التي كانت تتواجد على بلادنا "المستقلّة".
ذلك الوضع وللأسف لم يتغيّر في عام 1969، ولم يتغيّر بعد عام 2011 وما بعد 2011 وإلى يومنا هذا.... بل ويمكن القول بأنّ إستقلال ليبيا بعد ثورة 17 فبراير أصبح تشوبه الكثير من المنغّصات وذلك لإضافة البعد الداخلي لعمليّة فقدان الدولة للمقدرة الحصريّة على إستخدام القوّة في داخل حدودها، وبهذا البعد الداخلي المبعثر يمكننا القول بأن إستقلال ليبيا أصبح يشوبه الكثير من الغموض إن تستّرنا والكثير من الإنتقاص إن نحن صارحنا أنفسنا بالحقائق الماثلة على الأرض في ليبيا اليوم.

أمّا إذا أردنا أن نتحدّث عن "التحرّر" نظراً لكثرة إستخدام هذا المرادف بعد ثورة 17 فبراير، فإنّه يتوجّب علينا العبور من خلال التعريف القاموسي لهذه الكلمة والذي يقول بأن "التحرّر هو عمليّة التخلّص من القيود و الأغلال الإستعمارية" ، أو يمكن القول بأنّه يعني "الإنعتاق من القبضة الأجنبية".
التعريف العملي والفعلي لكلمة التحرّر قد يختلف كثيراً عن التعريف القاموسي أو السياسي. فالتعريف العملي للتحرّر يمكن تلخيصه في الآتي: التحرّر هو مصطلح يستخدم لوصف مختلف الجهود الراميه إلى الحصول على الحقوق السياسية أو المساواة، وعلى وجه الخصوص بالنسبة لمجموعة (أقليّة) أو مجموعات محرومه من حقّها في العيش بمعتقداتها أو التعامل فيما بينها وفق ثقافتها وخصوصيّاتها.
هناك تعريفاً آخر للتحرّر قد يكون أكثر براغماتيّة من التعريفين السابقين وهو تعريف "كارل ماركس" للتحرّر: هو الوضع المتساوي للمواطنين الأفراد فيما يتعلّق بالدوله، والمساواة أمام القانون؛ بصرف النظر عن الدين، أو الملكيّه، أو غيرها من الخصائص الفرديه للأشخاص.

من هنا أرى بأنّه الأجدر بنا الإحتفال بذكرى الإستقلال بدون تحمّل عناء الخوض في التعاريف والمفاهيم، لأنّنا بذلك سوف نتوه ونفقد ثقتنا بأنفسنا؛ فنحن كثيراً ما نبدع في تغييب الحقائق، ونكذب على أنفسنا حتى لانصاب بالكآبة... كل العام وأنتم بألف خير
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك