2019/12/14

حينما تخاصموا وكثر العتب إحتكم قادتهم إلى الشعب

المنطق هو حقيقة لا تتجزأ، فما هو منطقي هنا هو بالضرورة منطقي هناك طالما أن المعطيات هي نفسها. حينما نرى بعض شعوب العالم تبدع وتكتشف وتتقدّم على غيرها من الشعوب الأخرى، فعلينا أن ندرس أسباب تقدّمها وفي نفس الوقت أسباب تأخّرنا، ومن ثمّ قد نخرج بنتائج تفيدنا في اللحاق بغيرنا.
بعد أكثر من ثلاث سنوات شهدت الكثير من الخصام والتشرذم وغياب الوئام إقتنع قادة الأحزاب في بريطانيا أخيراً بالإحتكام إلى الشعب للخروج من مغبّة الدوران المقيتة التي عانوا منها منذ ذلك الإقتراع على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبّي في 23 يونيو 2016 حينما صوّت 51.9% فقط لما عرف فيما بعد ب "البريكست" أو خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبّي.
ومع أن نسبة المؤيّدين للخروج كانت فقط 1.9 أكثر من نصف المصوّتين، إلّا أنّ مقتضيات الديموقراطيّة ألزمت الجميع بالخضوع لإرادة الشعب برغم وجود أحزاب كثيرة كانت ترى غير ما رآه الشعب. تلك هي الديمقراطية، والتي تعني بصدق "الخضوع لإرادة الشعب" من خلال صناديق الإقتراع الحرة والنزيهة.
تخاصم رؤساء الأحزاب في بريطانيا وتسابّوا وتنازعوا وإختلفوا وأرغمت رئيسة الوزراء على الإستقالة وظلّوا يراوحون في آماكنهم لوقت طويل من الزمن، مما أضرّ بإقتصاد بلادهم وممّا زرع الوهن في عقول وتفكير أهلهم حتى توصّلوا أخيراً إلى الإحتكام لنفس الشعب الذي قرر منذ أكثر من ثلاثة سنوات أن تخرج بلاده من الإتحاد الأوروبي ظنّاً من بعضهم بأن الشعب البريطاني كان قد غُرّر به حينها وبأنّ هناك الكثير من المعلومات التي تمّ إخفائها عن الشعب أو أن الشعب حينها لم يكن يتصوّرها أو يتوقّعها. قرّر قادة الأحزاب في بريطانيا العودة إلى الشعب، والعودة إلى الشعب في بلد ديموقراطي تعني القبول بحكم الشعب مهما كان.

تمّت بالأمس أعادة العملية الديموقراطيّة من آساسها في بريطانيا، وتم بالفعل خروج الشعب البريطاني لإنتخاب برلمان جديد يخرج البلاد من براثن الدوران حول النفس الذي أضر بكل فئات الشعب بما فيهم رؤساء الأحزاب أنفسهم؛ وأعلنت النتائج النهائيّة قبل منتصف الليل وفاز فيها من فاز... ولا يهمّني هنا من فاز في إنتخابات الأمس مع أنّني مع فوز المحافظين بغض النظر عن موقفي من رئيسهم بوريس جونسون، وإنّما الذي يهمّني هنا هو أن جميع رؤساء الأحزاب والمنظّمات الإجتماعيّة رضوا عن قناعة ويقين بنتيجة الإنتخابات ذلك لأن الناس هنا هم بالفعل يمارسون الديموقراطيّة وهم بالفعل يستحقّون الحياة؛ فهم لا يكذبون على أنفسهم ولا يخدعون شعوبهم كما نفعل نحن في عالمنا المتخلّف.
فاز المحافظون أصحاب مشروع الخروج من أساسه، وسوف يتم خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي بنهاية شهر يناير من عام 2020 لتصبح بريطانيا حرّة تقرّر سياستها من داخل برلمانها ولا تخضع لبرلمان أوروبّا الغير منتخب أصلاً. تلك هي الديموقراطية الحقيقية لمن لم يقدر على إستيعابها بعد.... الشعب يحكم بالفعل، والشعب يقرر بالفعل، والشعب هو من يختار حقيقة من سوف يحكمه بشرط أن يخضع من يحكمه للإنتقاد والمحاسبة والمساءلة والعقاب إن لزم الأمر. فهل نتعلّم منهم، أم أنّنا لا نرغب في أن ننتقل إلى الأمام؟. تصبحون على خير، ويا رب أنصر جيشنا الوطني حتى تعود إلينا بلادنا وحتى ربّما نعود من جديد لنمشي في طريق الديوقراطيّة الذي رصفناه في عام 2012 بعد إنتصارنا على ذلك الطاغية الذي أراد أن يحكمنا بمزاجه وليس بما كنّا نريد. يا رب أنصر جيشنا الوطني كي ينهي مهمّته وينهي الطغيان الجديد في بلادنا، فعسانا أن نواصل العبور من جديد في تلك الطريق التي بنيناها بإرادتنا وضحّينا من أجل بنائها بالكثير من أرواح شبابنا بهد إستعادة الحريّة لنا من أجل الوصول إلى هناك.... وهناك، نحن الشعب من سوف يحدّد معالمها وحيثيّاتها.
وخلاصة القول، أود أن أبيّن هنا بأنّ ما يهمّني أنا هو ليبيا، ولا أحفل كثيراً بمخرجات الإنتخابات البريطانيّة أو الأمريكيّة أو الفرنسيّة أو غيرها. 
المقصود من كلامي في هذا الموضوع هو أن الفرقاء حينما يختلفون ويختصمون عليهم دوماً ودوماً الإحتكام إلى الشعب، فالشعب هو صاحب الأرض والشعب هو من يتضرّر قبل غيره. في بريطانيا، حينما إختلفت الأحزاب والتنظيمات حول موضوع الخروج من الإتحاد الأوروبي لم يستعينوا بمليشيات، ولم يتآمروا مع بلاد أخرى؛ وإنّما عادوا إلى الشعب..... عادوا إلى الشعب. الشعب هو من يقرّر في هذه البلاد، والشعب هو بالفعل "صاحب القرار". فحينما إنهزم حزب العمّال في هذه الإنتخابات، لم يطعنوا في نزاهة أو نتائج الإنتخابات وإنّما قال رئيس حزب العمّال لكل أتباعه: أنا سوف لن أرشّح نفسي مرة أخرى وأعترف بالهزيمة؛ الآن علينا بأن نجتمع كحزب ونناقش مع بعض أسباب هزيمتنا وكيف يمكننا تعلّم الدروس. حينما إنهزمت رئيسة حزب الديموقراطيون الأحرار، رضيت بالهزيمة وإعترفت بالنتائج وهنأت بوريس جونسون الفائز في هذه الإمتخابات على فوزه. حينما إنتصرت رئيسة الحزب الوطني الأسكتلندي وبكل قوّة هذه المرّة لم تبدأ في إجراءات الإنفصال عن بريطانيا، وإنّما قالتها بكل وضوح وبكل صراحة بأنّها سوف تطرح موضوع الإنفصال على الشعب السكوتلندي وسوف نرضى بما يقرّره الشعب. تلك هي الديموقراطية التي لا نعرف نحن عنها أي شئ ولا نمارس منها أي شئ؛ وتلك هي "فقط" الرسالة التي وددت نقلها إلى القرّاء الأعزّاء. 
وقبل أن أنهئ هذا التعليق أريد فقط من باب المقارنة وتعلّم الدروس... أريد أن أقارن بين مصر وبريطانيا. مصر يبلغ عدد سكّانها 99 مليون نسمة بينما عدد سكّان بريطانيا بلغ فقط 66 مليون نسمة. تبلغ مساحة مصر 1.1 مليون كيلومتر مربّع، في حين تبلغ مساحة بريطانيا 242 ألف كيلومتر مربّع. مصر تمتلك نهر النيل وبريطانيا تمتلك نهر التيمز. فلننظر إلى أين وصلت بريطانيا وإلى أين وصلت مصر، ولننظر إلى مكان مصر بين دول العالم ومكان بريطانيا في كل مجالات الحياة. مصر بكل تأكيد تمتاز على بريطانيا بالعراقة التاريخيّة وبمصادرها السياحيّة التي لا تحلم بريطانيا بإمتلاكها.... فلماذا هي بريطانيا من بين السبعة العظام وتقبع مصر في طابور آخر بلاد العالم؟. هل بحثنا عن الأسباب، وهل تمكنّا من التعرّف عليها أو على بعضها على الأقل؟.

ليست هناك تعليقات: