2019/05/04

الديموقراطيّة تتقوّى بالجيش وتلتغي بحكم العسكر

الديموقراطيّة هي فتاة بريئة كثيراً ما يهينها ويعبث بها السياسيّون، وغالباً ما يستميلها ويحاول الضحك عليها الطغاة. الديموقراطيّة هي حبيبة الشعب والحنونة عليه، فعلي جيش الشعب أن يحميها ويحافظ على شرفها وكرامتها وألّا يفكّر في إغتصابها أو إهانة كرامتها.  
لاحظت خلال الأيّام القليلة الماضية بأن الخطاب الإعلامي للجيش الليبي كان قد شهد نقلة موضوعيّة ومعتبرة، وبدأت بالفعل أرى على قناة "الحدث" الناطقة بإسم الجيش أن هناك نوعاً من الإنفتاح نحو العالم الديموقراطي أكثر من أيّ وقت مضى. تلك التغييرات أعجبتني لكنني مازلت أطلب المزيد والمزيد منها.
أنا سبق لي وأن كتبت منذ حوالي ثلاثة آسابيع مقالاً بعنوان ((المشير حفتر... الخطاب الإعلامي لابدّ وأن يتغيّر))، وبدأت ألحظ بعض التوجّه نحو التعامل مع الواقع وكما يتوجّب.
فقد تم أخيراً تعيين العميد خالد المحجوب على رأس إدارة التوجيه المعنوي، وكذلك تم تعيين ناطقاً بإسم المركز الإعلامي لغرفة عمليات المنطقة الغربية، وكل هذا مع تحسّن كبير في أداء الفريق أحمد المسماري والذي شرع أخيراً يرسم صورة أكثر وضوحاً للمواطن الذي بدأ يتابع الأحداث التي تجري في بلاده عن كثب وهو يريد أن يعرف مجريات الأمور خاصّة وأن المواطن الليبي بدأ الآن يستمع إلى أخبار متناقضة وتصريحات متصارعة وبيانات عسكريّة متضاربة ... بمعنى أن المواطن العادي بدأ بالفعل يعيش الآن في دوّامة مخيفة وهو لا يستطيع معرفة الحقيقة، ولا يدري مآلات الأحداث سواء إنتصر هذا الطرف أو إنتصر الطرف الآخر.
المهم في كل حالة ليس في وجود ناطقين عسكريين محترفين أو مفوّهين، وإنّما في الخطاب الإعلامي الذي يعرضونه على الناس. فالشعب الليبي اليوم ليس هو الشعب الليبي في عام 1969 ولا هو الشعب الليبي في عام 2011. الشعب الليبي اليوم أصبح أكثر تمرّساً وأكثر فهماً والأهم من كل ذلك أن الشعب الليبي أصبح اليوم أكثر فطنة وأكثر حذراً بسبب ما مر به من أحداث وبسبب ما شاهده من نفاق وكذب وتملّق وخداع خلال السنوات الثمان الماضية على الأقل.
من هنا فأنا أنصح كل من هو قريب من المشير خليفة حفتر، وكل من بوسعه أن يسمع الصوت الآخر للمشير بأن يقولها له واضحة وبدون مجاملات بأن الشعب الليبي سوف لن يقبل بحكم العسكر من جديد، وسوف لن يقبل هذا الشعب بأن يقوم أي شخص بفرض أبنائه أو عشيرته عليه. لابد وأن تصل إلى مسامع ومدارك المشير خليفة حفتر وكل من يحيط بالمشير من طبقة المنافقين والمتملّقين، وحتى تلك القبائل التي مازالت تعيش بعقليات الماضي.. أقول للجميع بأن الشعب الليبي مثله مثل بقية شعوب العالم المعاصرة إنّما هو يطمح لغد أفضل ومستقبل أكثر عطاء يكون هو - الشعب - من يرسم معالمه وليس فقط ممثّلاً فيه. الشعب الليبي سوف لن يقبل بحكم العسكر من جديد ولو فرض ذلك عليه، والشعب الليبي سوف لن يقبل بأيّ كان أن يورّث أبنائه أو أفراد قبيلته عليه. تلك يجب بأن تكون معلومة وواضحة وصريحة لكل من مازال يحلم ببهارج السلطة.
أنا مع الجيش الوطني، وأقدّر بكل إعجاب قيادة المشير خليفة حفتر للجيش الليبي ولمساعي هذا الجيش الحثيثة والشجاعة من أجل تحرير ليبيا... كل ليبيا من تلك القوارض التي إنتشرت في كل مكان وأخذت تلتهم كل ممتلكات ومكتسبات الشعب الليبي بدون هواده. أنا أحترم وأبجّل المشير خليفة حفتر لحنكته العسكرية وذكائه الملحوظ، لكنّني إطلاقاً لا أرضى وسوف لن أقبل بأن يتحوّل المشير إلى حاكم لليبيا من خلفيّة قيادته للجيش، وسوف لن أقبل وإطلاقاً بأن يفرض المشير أي من أبنائه علينا مهما كانت المبرّرات.
أنا أتمنّى بأن يفكّر المشير بمثل هكذا تفكير، وأن يرى نفسه قائداً عسكريّاً محترفاً ونبهاً وذكيّاً وأن يكتفي بذلك وحسبه أن يبقى ذكرى جميلة في أذهان كل الشرفاء من أبناء وبنات الشعب الليبي. أنا أتمنّى من كل قلبي بأن لا يفكّر المشير خليفة حفتر في حكم ليبيا حتى وإن تمكّن من ذلك، لأن الشعب الليبي سوف لن يقبل به حاكما لليبيا ماعدى أولئك المنافقين والذي يطبّلون لكل من يقف أمامهم ويقول لهم بأنّه يرغب في حكم ليبيا. لقد فعلوها مع سلاطين الأتراك، وفعلوها مع موسيليني، وفعلوها مع إدريس السنوسي، وفعلوها مع معمر القذّافي، ويفعلها الكثيرون منهم اليوم مع فايز السرّاج، وهم سوف والله يفعلونها مع نتنياهو لو أن نتنياهو أراد حكم ليبيا.
من هذا المنطلق أقول بأنّه على الإعلام العسكري أن يتفاعل مع الشعب الليبي وفق إختيارات هذا الشعب وليس وفق تفكير العسكر. الشعب الليبي سوف يحب الجيش ويقف مع الجيش ويؤيّد الجيش بدون تردد لو أن هذا الشعب... كل الشعب عرف بأن الجيش سوف لن يحكم ليبيا.
لابد وأن تكون هذه معلومة لكل الشعب وأن تقال للشعب بكل صراحة وبكل وضوح وبدون تردد. لابد وأن يكون الخطاب الإعلامي من الجيش الليبي واضحاً وصريحاً وشجاعاً أيضاً، وأن يقولها للشعب بأن الجيش سوف يحمي ليبيا وسوف يحمي الديموقراطيّة لكنّ الجيش سوف لن يحكم ليبيا من جديد. لو أن الشعب عرف هذه وأيقن بأنّها كانت قد قيلت له بكل صدق فسوف يوفّر الجيش على نفسه الكثير من الخسائر البشريّة والماديّة، وتلك سوف تمكّن الجيش من تحقيق النصر في أقصر مدة ممكنة لأن الشعب وفي كل مكان سوف حينها يقف بكل قوّة مع الجيش... ليلتكم مباركة.

ليست هناك تعليقات: