2019/04/28

إلى المشير حفتر قبل أن يكتمل تحقيق النصر

 بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة من القلب إلى المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبي


أود في البداية أن أهنئك وأهنئ الشعب الليبي الطيّب بما تحقق من منجزات في ليبيا على أيدي القوّات المسلّحة الليبيّة بقيادتكم الحكيمة والذكيّة والمهنية والناجحة. أنا أعتقد بكل قوّة بأن كل ما تحقق في ليبيا من خلال الجيش الوطني الذي تقوده أنت وزملائك يعتبر مفخرة لكل ليبي ولكل ليبيّة بصدق يحبّون بلادهم، وبصدق يبحثون عن غد آمن يمكّنهم من دخول معتركات الحياة على أسس متينة وعلى قواعد راسخة.
إن كل مراقب أمين لمنجزات الجيش خلال الأربع سنوات الماضية ليوقن بأن ما تحقق على أيدي هذا الجيش كان بالفعل عظيماً ومعتبراً ومؤثّراً برغم كل الظروف التي نعرفها جميعاً في بلادنا، وبإمكانيات تكاد تكون قد بدأت من الصفر وتكاد تصارع بشق الأنفس.... وبكل صدق وجلاء هنا... نعم بشق الأنفس نظراً للظروف التي تعيشها بلادنا من وقوعها تحت الفصل السابع ومنع جيشها من التسلّح، وكذلك منع مواطنيها من تسيير شئونهم وفق إختياراتهم ووفق رغباتهم بعد أن فرض علينا ما يسمّى بالمجتمع الدولي أجهزة حكم لم نختارها ولم نكن براضين عنها بإستثناء أولئك الذين رأوا فيها فرصة سانحة ووسيلة آمنة لحكمنا والسيطرة على قرارنا وكان أن سيطروا علينا وسرقوا أموالنا وعبثوا بأحوالنا وأوصلونا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

سيادة المشير...
أنا هنا أتحدّث عن نفسي وأعبّر عن مشاعري كمواطن ليبي تربّى على حب ليبيا ولم يتعلّم طيلة سنوات حياته بأن يتملّق إلى الحكّام أو يستفيد من حكمهم. أنا أتحدّث إليك بصفة مواطن ليبي ظلّ على مبدأ ثابت وكان أمامه هدفاً واضحاً، ولم ير غير مستقبل واحد لليبيا يكون بكل حرية من صنع أهلها ومن مراقبة أهلها ومن سلطة وسيطرة أهلها.
أنا أريد أن أقولها لك بكل صراحة وبكل براءة وبكل صدق لأنّني لا أبحث عن شئ ولا أطمع في شئ ولست من أولئك الذين ينافقون أو يتلوّنون أو يتسلّقون. أنا بكل صدق وبكل تجرّد أبحث عن مستقبل يكون لنا شعب ليبيا، ونكون نحن من خلال المسالك الديموقراطيّة السليمة من يقرّر ومن يرسم ومن يراقب معالم ذلك المستقبل الذي نريده - ولا نتمنّاه فقط - بأن يكون واعداً وأن يكون صاعداً.

سيادة المشير....
أنا أكتب هذه الرسالة إليك الآن وقوّاتنا المسلحة بقيادتك تتقدّم بكل ذكاء وبكل حسبان وبكل مهنيّة نحو وسط العاصمة لتتمكّن منها خلال الأيّام القليلة القادمة، ومن بعدها فسوف حتماً ويقيناً يبسط الجيش الليبي بقيادتك سيطرته على كل التراب الليبي بدون إستثناء، وأنا هنا أعني بما في ذلك مصراته التي تبدو الآن مارقة وخارجة عن بقيّة مناطق ومدن ليبيا.
أنا أكتب هذه الرسالة الآن مع علمي ويقيني بأن هناك من حولك من سوف يمنع وصولها إليك، لأن من يحيط بك الآن وحينها سوف حتماً يكون من المنافقين والمداهنين لأنّهم وكما نعرف بطانة لكل حاكم وحذاء لكل متسلّط. أنا أكتب إليك هذه الرسالة الآن والجيش الليبي لم يدخل بعد العاصمة ليحرّرها لأنّني بعيد ذلك سوف لن أقدر في أن أهمس في أذنك أو أتحدّث إليك، حيث ستصبح سيادة المشير بطلاّ أسطوريّاً في عيون المنافقين والدجّالين وتجّار الشعارات؛ ولكن سوف لن أكون أنا أو أي ليبي شريف من بينهم. سوف يخرجون بملايينهم إلى ميدان الشهداء، وسوف يرفعون صورك في كل مكان وسوف يهتفون بإسمك كما فعلوها من قبل لغيرك، وسوف يوزّعون المرطّبات بجميع أنواعها بما فيها الحلويات التركيّة بالطبع. حينها سيادة المشير قد يجرفك التيّار كما جرف غيرك، وحينها سيادة المشير قد ترى الدنيا بمنظار آخر قد تغشّيه عليك مشاعر العظمة وأحلام السلطان كما حدث من قبل لمعمّر القذّافي الذي خرج على الليبيّين مواطناً صادقاً ومخلصاً فإذا بالمنافقين والمداهنين يحوّلوه إلى طاغية مسح بطغيانه كل ما أنجز وأنهى بتصرّفاته حياته، فكان أن يتّم أولاده ورمّل زوجته وأتعس لهم مستقبلهم بعد أن لطّخ صورهم أمام كل الشعب الليبي بما في ذلك الذين كانوا من بطانة القائد القذّافي الذي حوّلوه إلى طاغية وجزّار ثم إذا بهم يتخلّون عنه بدون تردد أو إعادة تفكير ليلقى مصيره بينما هم يتنعّمون الآن بما كان قد تركه لهم، أو بما إستولوا عليه بعد سقوط ذلك الطاغية الذي كانوا يخشونه ويرتعبون منه.

سيادة المشير....
أنا كمواطن ليبي أفتخر بأنّه يوجد في بلادنا قوّاداً عسكريّين حكماء مثلك، وبأنّك بالفعل من إنتاج ليبيا. أنا أفتخر حينما أرى أي ليبي وأي ليبيّة وهم يبدعون، فذلك هو يقيناً ذخراً لنا ولبلدنا، وذلك هو ما نبحث عنه ونحتفي به ونفتخر بوجوده بيننا وحولنا. 
أنا أرى سيادة المشير بأنّك من الناحية العسكرية تعتبر بالفعل إنساناً حاذقاً وماهراً ومخضرماً وتفهم فنون مهنتك. أنا أقول هذا من خلال مشاهداتي لمسيرتك العسكرية كقائد للجيش الليبي منذ عام 2015 وحتى هذه اللحظة. لقد تركت في عقولنا - نحن من يحب ليبيا صدقاً وعملاً لا نفاقاً وكلاماً - لقد تركت في عقولنا إحساساً قويّاً بأنّك بالفعل تتقن مهنتك وتعرف الكثير من حيثياتها بما يجعلك بالفعل قائداً حكيماً ومقتدراً للجيش. تلك هي مهنتك التي أبدعت فيها وذلك هو مجالك الذي من خلاله تستطيع أن تبدع المزيد ومن خلاله تستطيع أن تقدّم لليبيا ما تريد. 
أنا أدعوك - سيادة المشير - وفي هذا اليوم، أن ترى الدنيا بمنظارك أنت وبحساباتك أنت وأن تستمع إلى كل من بصدق وبإخلاص يقدّم لك النصيحة. أنا أدعوك بأن تفكّر جيّداً وتتدبّر كل شئ قبل أن يجرفك تيّار السلطة وتخدعك بهارج السلطان. أنا أدعوك اليوم وقبل أن لا تجد الوقت كي تفكّر وتتدبّر وتحسب وترى... أدعوك بأن ترى الدنيا بمنظار الذكاء والحذق والنبل والصدق والقناعة. أن ترى نفسك بطلاً عسكريّاً ولكن تبقى وطنيّاً صادقا مخلصاً ومهنيّاً. أن ترى ما تبقّى لك من العمر من خلال تلك النافذة... نافذة المهنية التي أبدعت من خلالها لآنّك تفهم أسرارها وتعرف كيف تشد أزرارها وكيف تتعامل مع أوزارها. تلك هي مهنتك التي أبدعت من خلالها فلا تفسد ما أبدعت بأن تضع نفسك في غير مجالك وتهدر إمكانياتك المهنية في غير محلّها. 
أنا طبيب مهني ومتخصّص، وأنا أثق بأنني أقدر على أن أبدع في مجال تخصّصي بثقة كاملة وبمقدرة أفتخر بها. لو أنني فكّرت يوماً ما في أن أكون مديراً للخدمات الصحيّة أو وزيراً للصحّة أو رئيساً للوزراء مثلاً فسوف أخفق وأفشل وبذلك أمحو كل ما حققت في مجال تخصّصي. أنت كذلك يا سيادة المشير... إن أنت بقيت في مجالك فسوف تضيف الكثير من الإبداعات وإن فكّرت في مجال غيره فسوف تخفق وتفشل وبذلك تقضي على كل ما حققت خلال سنوات عمرك الطويلة والتي أتمنّى من الله بأن يمدّدها بكل خير وصحة وعافية حتى تتمكّن سيادة المشير من تحقيق ما نحلم به لليبيا بلدنا وحبيبتنا وبيتنا الذي نرغب في أن ننام تحت سقفه وهو آمن ودافئ وبهيج. 
أنت يا سيادة المشير من سوف يبني كل القواعد العسكرية الأساسية في ليبيا لتكون منوالاً للأجيال القادمة كي بآمان تبني عليه وبسلام تسير على هداه، فرجائي أن تبقى في مجالك وأن لا تبخل على أبناء وبنات وطنك من خبرتك ومن ثقافتك العسكرية وبتلك العلوم المهنية التي تعلّمتها من خلال مسيرتك في مجالك الذي كنت أنت من إختاره وأنت من طوّره وأنت من حقق من خلاله ما حققت صحبة زملائك والعاملين في مجالك والمشاركين لك في مهنتك وفنّك الذي إخترت.

سيادة المشير....
قد يكون كرسي الحكم مغرياً، وقد يكون نفاق المنافقين دافعاً، وقد تكون خبائث النفس محفّزاً؛ لكنّني وودت أن أحذّرك الآن - بل ربّما من باب اللباقة أنبّهك - بأن كل ذلك المجد الذي قد يرتسم في الخيال إنّما هو مجد واه يسبح في فضاء الأحلام. أتمنّى عليك سيادة المشير أن ترى الدنيا كما هي وأن تتعامل معها كما ينبغي، وأن لا تبحث عن مجد سوف لن يتحقق وإن كان قد تحقق فسوف يكون ذلك لبضعة سنوات تنتهى إلى محو ما سبقها وتقود إلى طريق موحلة تؤدّي إلى بركة مستنقعات أفضل نتائجها العفونة وأصدق مخرجاتها الموت البذئ الذي قد تبلغه بحقارة وقد تدركه بقذارة.

سيادة المشير....
أنا أدعوك الآن بأن ترى أمامك الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير، والرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة... أن تعود بك الذاكرة قليلاً إلى كيف بدأ كل منهما وكيف نال كل منهما حب شعبه في البداية، ولكن ما إن تحوّل كل منهما إلى طاغية... أن ترى كيف ثار شعبيهما عليهما وكيف أن كل منهما الآن ينتظر المحاكمة ومن بعدها العقاب. تلك كانت نهايتهما هما، ولكن ماذا عمّن تركه كل منهما من بعده... أفراد أسرته؟.
في المقابل، أريدك سيادة المشير أن تسترجع بعض الذكريات عن الفريق سوار الذهب، وعن السيّد نيلسون مانديلّا. أن ترى ذلك بكل وضوح، وكيف أن كل منهما زهد في السلطة وتركها في وقت القوّة وقمة النجاح. لقد بقى كل منهما بطلاً في عيون أهله وبطلاً في عيون العالم. رجائي بأن ترى سيادتك الصورة من خلال تلك الأمثلة، وأن تتصرّف من خلال رؤيتك أنت وليس من خلال رؤية وتفكير ونصح طبقة المنافقين التي سوف تحيط بك وسوف تكبر وتتسع في كل يوم تكون أنت فيه في السلطة، فمثل أولئك لا يجيدون مهنة غير الزمزكة والمداهنة والنفاق.

وختاماً سيادة المشير، وآسف أنني أطلت عليك في وقت أنت فيه منشغلاً تماماً بهموم الوطن... ختاماً سيادة المشير... رجائي، رجائي، رجائي بأن تبعد أولادك عن الخوض في شئون الليبيّين، وأن تدفعهم للبحث عن مهن شريفة ومحترمة يتحصّلون عليها من خلال قدراتهم وليس من خلال حظواتهم. إدفع بأبنائك إلى مجالات أخرى وبعيداً عن الجيش والسياسة، ولو كان لابد من البقاء في الجيش فليكن ذلك وفق التراتبية المهنية في الجيش وبعيداً عن كونك أنت أباهم. عليك هنا أن تقتدي بمثال رائع في تاريحنا العربي وهو مثال الزعيم الحقيقي الراحل جمال عبد الناصر، الذي لم يشرك أي من أبنائه في الحكم ولم يفرض أي منهم على الناس. لقد إنتقل عبد الناصر إلى جوار ربّه ولكن بقى أبنائه من بعده يحظون بإحترام وتقدير كل الناس.
أتمنى سيادة المشير منك بأن تخرج على الناس الآن وقبل غد وتقولها لهم بكل صدق وبكل صراحة وبكل نقاء بأنّك سوف لن تحكم ليبيا حتى وإن آن لك بأن تترشّح كمدني ومن خلال المعابر الديموقراطية. أتمنّى منك بأن لا تفكّر في ذلك على الإطلاق حتى وإن تراءى لك مغرياً. إنّك سوف تمحي كل ما أنجزت لو أنّك أصبحت رئيساً لليبيا. أتمنى منك بأن تقولها لليبيين والليبيات الآن وأنت في موقع القوّة وفي صف المنتصر.. أن تقولها للشعب الليبي بأنّك سوف لن تترشّح لحكم ليبيا، وبأن أي من أولادك سوف لن يدخل في دهاليز السياسة، وبأنّك سوف تمضي في طريقك كعسكري ومهني مقتدر لتساهم في بناء ليبيا من خلال تأسيس جيشاً ليبيّاً مهنيّاً يمثّل كل ليبيا ويعبّر عن كل ليبيا، وما إن تحقق تلك المهمّة الذهبية لليبيا حتى تعلن تقاعدك لتستريح وتتمتع بما تبقى من حياتك وأنت تحظى بحب وتقدير ومباركة كل الليبيين الشرفاء... ولك خالص تحيّاتي، وأهنئك على كل ما حققت من إنتصارات للشعب الليبي.

ليست هناك تعليقات: