2018/11/03

نتحسّر على ماضينا لأن حاضرنا أبكى مآقينا

عالم اليوم هو عالم التفكير والتخطيط والبرمجة والإبتكار... أي أنّه عالم إستخدام ملكة العقل. إن نحن كعرب وكمسلمين رغبنا في العيش في هذا العالم فعلينا الإلتجاء إلى عقولنا والإستنجاد بعلمائنا(ليس شيوخ الدين) ومفكّرينا وأصحاب العقول النيّرة بيننا، وعلينا تقديرهم وإحترامهم وتمكينهم من قيادة المركب.... فهم سوف لن يسمحوا لوجودنا بالإنحسار ولكياننا بالإندثار.
كنت هذا الصباح أشاهد حفلة موسيقية بهيجة سابقة للفنّان السوري علي الديك ومعه نخبة من الفنّانين والفنّانات من سوريا ولبنان وشدّني كثيراً ما شاهدت حتى أنّ عيناي كادتا أن تدمعا حينما قفزت إلى مخيلتي مشاهد من الدمار والخراب في سوريا العزيزة والذي وللأسف طال كل شئ وشمل كل شارع وبيت بمن فيها وبمن عليها من البشر الذين كانوا بالأمس القريب من أسعد وألطف وأدمث البشر في منطقتهم المحيطة بهم وهي منطقة الهلال الخصيب التي كنّا قد قرأنا عنها في مراحل تعليمنا الأوليّة وكانت قد أعطيت لنا على أنّها أرض الماء والنماء والخضرة والوجه الحسن. تلك هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن العراق، لكنّها جميعاً وللأسف لم تعد بها لا خضرة ولا ماء ولا وجوه حسان دعكم من الفن والأدب والإبداع البشري الذي كان يجد الوسط المعين ويحظى بالحبور والدعم اليقين.
عادت بي الأخيلة إلى فترة الستينات والسبعينات حيث بلداننا العربيّة كانت كلّها تنعم بالآمان والإستقرار، وبرغم بعض الطغيان السياسي هنا أو هناك إلّا أن الناس كانت تحب الوطن وتعطف على المواطن، وحين كانت القلوب - قلوب العرب - عامرة بالحب والرحمة والقناعة والرضاء. ففي تلك الآونة كان التراحم بيننا على أشدّه وكان الإحساس الوطني يدور مع دمائنا وكان كل منّا ينظر إلى الغد ويحلم بالمستقبل الزاهر برغم بعض الإنتكاسات هنا أو هناك.
أنا بطبعي مستقبلي التفكير عقلاني النظرة واقعي التصرّف، لكنّني وجدت نفسي في هذا الصباح والحسرة تكاد تخنقني... وجدت نفسي على غير عادتي أحنّ إلى ذلك الماضي البهيج ليس من باب حب الحنين والتنعّم بتحفيز العواطف وإفاقة الأشجان، وإنّما من وحي ما أرى وما أشاهد وما أحسّ به الآن من حسرة على هذه الأمة التي ضحكوا عليها وضكت هي على نفسها.
أنا رأيت - والأشجان على أشدّها - بأن ما جرى لنا هو بكل تأكيد من تخطيط غيرنا الذي تعرّف على ثقافتنا "المتوارثة" وفهم الطريقة التي يفكّر بها أغلبنا وكيف أنّنا كنّا ومازلنا مخدّرين بأثر الدين وتأثير شيوخ الدين، وكيف أمكنهم بعد فهم واقعنا والتعرّف على نفسيّاتنا من إستغلال نفس الوسط للعب بعقولنا والرمي بنا في هاوية التدمير الذاتي لكل ما وجدناه بين أيدينا... لكل ما بنيناه وما تعبنا من أجل تحقيقه في عقدين من الزمان تليتا إستقلالنا بعد أن تنعّمنا بالتحرّر ممّن إحتلّونا بنفس السر وبنفس المخطّط ولكن بنظريّة كانت تختلف بما تماشى مع ذلك الزمان.
أنا لست من أنصار نظريّة المؤامرة ولا من المقتنعين بأن غيرنا(الإستعمار والصهيونية) هو من يعبث بنا ويكيد بنا ويدمّر تراثنا ويطمس حضارتنا ويقضي على كياننا، فقناعتي هي دائماً أنّه لا يمكن أن يعبث ببيتك غير الذي تسمح له بذلك إلّا وأن يكون معتدياً وحينها يمكنك الدفاع عن كرامتك بكل ما أوتيت... ويقيناً حينها فإنّك أنت من دائماً ينتصر، ومثالنا بكل تأكيد صراعنا أثناء عقود الإحتلال الأجنبي لبلداننا وإنتصارنا في نهاية المطاف رغم ضعف عدّتنا وشحّ إمكانياتنا. غيرك لا يمكنه أن يعبث بك إن كنت أنت حريصاً على كيانك وتملك الإرادة للدفاع عن كرامتك وصون شرفك والحفاظ على ممتلكاتك.
الذي حدث في عالمنا العربي هو أنّنا تحوّلنا إلى ضحايا لطريقة تفكيرنا التي وللأسف كانت تستحوذ عليها عواطفنا وتنحسر من خلالها العقلانيّة والحسابات في تصرّفاتنا. هم (أمريكا وبريطانيا وإسرائيل) كانوا في هدوء قد درسوا ثقافتنا وعرفوا طريقة تفكيرنا وفهموا الكثير عنّا فإستغلّوا ذلك لدفعنا إلى تدمير أنفسنا بأيدينا وتلك هي بكل تأكيد تعتبر نبوغاً وتميّزاً لهم علينا من وحي ثقافتهم ومن نتاج تحرّرهم من سيطرة العواطف والسماح لعقولهم كي تسيّر أمورهم وكانوا قد سبروا تلك الأغوار منذ القرن الخامس عشر الميلادي حيث ثورات التحرّر الحقيقيّة في غرب أوروبا وشمال أمريكا من بعدها.
كانت أوّل محاولة جادّة منهم في هذا الإطار لتدميرنا بأيدينا قد بدأت أثناء إحتلال أفغانستان من قبل الإتحاد السوفييتي حينها، حيث كانت ربّما أوّل تجارب إستغلال العاطفة الدينيّة عند الشعوب الشرق أوسطيّة لتحشيد العالم الإسلامي خلف التفكير الغربي المدروس والمحبوك والمبرمج. تم تدمير أفغانستان بكل ما كانت تملك من بناء وحضارة وقيم إنسانيّة ونظام حكم متوازن مع أنّه لم يكن مثاليّاً، وبالفعل نجحت التجربة بما فاق تصوّر المبرمجين، وكان أن دمّرت أفغانستان وتحوّلت إلى ما نعرفه اليوم. إنتقلت العمليّة من بعد ذلك إلى الصومال ونجحت النظريّة من جديد في الصومال وأضحت الصومال كما نعرف اليوم... وإزداد المنظّرون ثقة بأنفسهم وتيقّناً من نجاح مشروعهم، حتى كانت ثورات الربيع العربي وما تلى تلك الثورات من أحداث أوصلتنا إلى الواقع المخزي والمزري الذي نعيشه الآن كعرب وكمسلمين.
كان الهدف الأوّلي بكل تأكيد تثبيت دولة "إسرائيل" في المنطقة بوضع دائم ونهائي، وأراهم اليوم ينجحون في ذلك المشروع بكل براعة وبكل إتقان. فنحن اليوم نرى أن جميع الأصوات التي كانت ترفض علناً وبكل قوّة وثبور أي شئ إسمه "إسرائيل" في المنطقة، وإعتبار أن دولة الصهاينة هي عبارة عن كيان لقيط أريد توطينه في المنطقة على حساب الشعب الفلسطيني. تلك الأصوات الوطنيّة(شعوب وحكومات على حد سواء) بدأت بالفعل تخفت وتتوارى منذ بدايات السبعينات وإنتهت بالكامل بعد ثورات الربيع العربي وما تلى ثورات الربيع العربي ومن إنتصار للفكر الإسلاموي المتخلّف بقيادة السعودية وبقية دويلات الخليج المجاورة والتي كانت بكل تأكيد وبكل يقين هي المعاول التي قضت على ثورات الربيع العربي في مهدها ولم يكن ذلك وليد صدفة وإنّما كان نتيجة لتخطيط ممنهج ومدروس وبالفعل كان تخطيطاً ذكيّاّ ومحبوكاً بكل المقاييس والمعايير. تحرّكت دويلات الخليج بكل ما أوتيت من مال وخبث وعمالة مصدرها التبعية المصيرية والوجودية من قبل حكّام تلك الدويلات لتلك الدول التي ذكرتها أعلاه، فكانت ثورات الربيع العربي غير "عفويّة" بل مخططاً لها سلفاً، وكانت النتائج كما نراها الآن؛ غير أن المخطّط هو أبعد وأكبر وأسوأ وأشمل ممّا نتصوّر.... 
أنا شخصيّاً أرى بأنّ كل ما حدث في منطقتنا العربيّة كان مخطّطاً له مسبقاً وبكل عناية وإتقان. أنا على ثقة بأن أجهزة مخابرات كبرى (سي آي إيه، إم آي 6، الموساد) كانت قد عملت متعاونة على هذا المشروع وعلى أن مثل هكذا عمل كان قد تطلّب الكثير من الدراسة والتخطيط، وعلى أن تلك المخابرات كانت قد درست العقليّة العربيّة والإسلاميّة عن قرب، وكانت ربّما المخابرات الإسرائيليّة هي من أدّت الدور الأكبر في هذا الإطار بالذات من حيث قربها من المكان ومن حيث الخلفيّة الثقافيّة لتلك المخابرات. كان التخطيط عميقاً جدّاً وذكيّاً لأبعد الحدود، وكانت الحبكة متقنة على كل جانب وفي كل الأطراف... وأعني هنا "كل الأطراف".
تلك المخابرات بكل يقين لم تختر البوعزيزي، وبكل تأكيد فإنّ المرحوم البوعزيزي لم يكن يتعامل معها؛ ولكن الإعداد لمثل ذلك السيناريو كان من صنع مخابرات محنّكة وخبيرة حتى بدأ وكأنّ  كل شئ كان طبيعيّاً بكل المعايير بحيث تكون له تأثيرات قويّة في المنطقة، وكان  ذلك هو كل ما حدث بالتمام. 
أعتقد بأن دول الخليج العربيّة لم تكن تعلم بالتخطيط ولا المشروع، لكنّها - وفي إطار الخطّة المعدّة - إستملت معلومات مخابراتيّة ونصائح "إستراتيجيّة" بأن تكون مستعدّة لأن "الثورة" سوف تجتاح المنطقة كلّها وسوف تكون دول الخليج العربية هي المحطّة الرابعة بعد تونس ومصر وليبيا. تم الإيعاز إلى حكّام دول الخليج بأن يقوموا بالدور المخطّط لهم من حيث الدفع بكل العناصر المتشدّدة والتي بكل تأكيد تتبع السلفيّة الجهاديّة(حنابلة ووهابيّة) لكلّ منطقة تم القضاء على نظام الحكم "الديكتاتوري" فيها بهدف السيطرة عليها وإشعال نار الفتنة فيها من أجل أن يشعر الناس في دول الخليج بأن ثورات الربيع العربي هي ثورات فوضويّة ولا توجد لها أجندات تحرّريّة أو وطنيّة... وكان ذلك هو تحديداً ما حدث بعد ثورات الربيع العربي في عام 2011.
كانت سوريّا بكل تأكيد هي جوهر الإهتمام قي ثورات الربيع العربي بحكم تجاورها مع "إسرائيل"، وكان أن إجتمع  شيوخ دين من السعوديّة ومصروبعض الآخرين(مصر كانت حينها تحت سلطة الإخوان) في مؤتمر أطلق عليه "موقف علماء الأمة من القضية السورية"، وكان ذلك في القاهرة يوم 13 يونيو 2013. هذا ومن الجدير ذكره أن ذلك المؤتمر كان قد أصدر بياناً دعى فيه إلى وجوب "الجهاد" لنصرة سوريا بالنفس والمال والسلاح، معتبرين أن ما يجري في أرض الشام من حزب الله وإيران وروسيا والصين، هو "إعلان حرب على الإسلام والمسلمين".
القضيّة من وجهة نظري لم تكن تحرير البلاد العربيّة من سيطرة "الطغاة" الذين كانوا يحكمونها وإلّا لكانت دول الخليج هي أوّل من شهد تلك الثورات، وإنّما كانت القضيّة في جوهرها وأساسها وخلاصتها تهدف إلى تمكين "إسرائيل" من التثبّت في المنطقة بشكل نهائي وأبدي مع جعل "إسرائيل" قدوة لكل جيرانها العرب بعد التوافق معها والإعتراف بوجودها "القانوني" في كلّ ما كان يعرف بفلسطين. تلك كانت بكل تأكيد أول إهتمامات ومخارج "ثورات الربيع العربي" الخفيّة والتي لم يكن يعرفها أو حتّى يفكّر فيها كل من قام بتلك الثورات.
البرنامج المرسوم حسب إعتقادي كان يدفع إلى تحقيق المهام التالية في المدى القصير:
  1. تثبيت "إسرائيل" النهائي والأبدي والقانوني في المنطقة.
  2. الجعل من "إسرائيل" جوهرة المنطقة وعقلها المفكّر بإعتبار أن العقلية اليهوديّة متفوّقة على العقلية العربية.
  3. إضعاف جميع الدول العربيّة في كل المنطقة العربية وليس تلك المحيطة ب"إسرائيل" فقط.
  4. حلب منطقة الخليج بالكامل وتجفيف مصادرها الطبيعية ثم بعد ذلك تغيير حكّامها.
  5. الإبقاء على إيران البعبع في كل المنطقة والتخويف بها كلّما دعت الحاجة إلى ذلك. 

أمّا على المدى البعيد، فإن الخطّة تدفع إلى ما هو أعظم وأكثر هولاً ممّا قد يظن به أي متشائم في المنطقة العربية ككل. الخطّة على المدى البعيد تعني تحديداً القضاء على التطرّف الإسلامي وإلى الأبد من خلال هذا المخطّط:
  1. إفلاس المنطقة وتحويلها إلى مستجدية.
  2. توريط المنطقة في ديون ضخمة وبفوائد كبيرة من خلال البنك الدولي.
  3. تفريغ العقول العربيّة من الفكر الإسلامي بالكامل.
  4. إحداث ثورة ضد سيطرة رجال الدين على شئون الدولة أسوة بما حدث في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي.
  5. تشجيع الشباب على ترك دينهم والتنكّر له بحكم أنّه دين تخلّف ولا يصنع المستقبل.
  6. الدفع إلى تثبيت الفكر العلماني في المنطقة بإعتباره الطريق الوحيد نحو إعادة البناء وتحقيق الرفاهيّة.
  7. محاولات التنصير من خلال المساعدات والدعم وتعبئة الفراغ الحاصل نتيجة لعزوف الشباب عن الدين الإسلامي.
تلك هي من وجهة نظري الخطّة المرسومة لثورات الربيع العربي حتى قبل حدوثها، وتلك هي الإستراتيجية في الأمدية القصيرة والبعيدة، وقد تنجح تلك الخطة كما برمج لها. إن الذي نراه الآن إنّما هو يسير وفق الخطّة ولا توجد أية دلائل تطرح البديل.
قد يقول قائل إن للدين ربّ يحميه، وأرد على ذلك القائل بأن الدين عند الله ليس هو الدين عندنا. الإسلام هو ليس دين محمّد عليه السلام، وإنّما هو دين الله الذي أراده للبشر، وكان هذا الدين في المنطقة قبل ميلاد محمّد بن عبد الله بألاف السنين. فقد كان إبراهيم مسلماً وكان نوح مسلماً وكان موسى مسلماً وكان يوسف مسلماً كما أخبرنا به القرآن. 
النبي محمّد لم يأت بدين جديد وإنّما أتى بالفصل الأخير من نفس الدين، ومن ثمّ فإن الله سوف يحافظ على دينه من خلال كينونة الدين عند الله وليس من خلال فهمنا نحن المسلمون لدين الله الذي نظن من خلاله بأنّنا نحن فقط هم المسلمون وبأن الجنة هي لنا وحدنا وما إليها  من شوفينيات قصيرة النظر وضحلة التفكير. 
حينما يتم إفراغ عقول الشباب من دين محمّد فإن ذلك لا يخرجهم من الإسلام، وإنّما في واقع الأمر يبقيهم فيه مثل ما حدث أثناء ثورة أوربا على الكنيسة ونشوء العلمانيّة. العلمانيّة لا تعني إطلاقاً الكفر وإنّما هي تعني تحديداً "حريّة التعبّد" وحريّة التفكير. أنا أقول هذا الكلام اليوم وأترك الأيّام لتشهد على ما أقول، وما لي من هم سواء أن نستفيق نحن العرب والمسلمون من سباتنا وأن نلتهي بأنفسنا وأن نفتح عيوننا على العالم المحيط بنا، فالبشر ليسوا هم من الملائكة مع أنّهم ليسوا من الشياطين كذلك. علينا بأن نترك المجال لعقلائنا ومفكرينا والمثقفين منّا كي يقودوا المرحلة وأن نمكّنهم من ذلك، وبعدها سوف ترون منطقتنا وقد مسكت ليس بتلابيب التحضّر وإنّما بمقاوده.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك