2018/11/11

نحن من يسئ إلى إسلامنا من وحي أوهامنا

إن الوسيلة الوحدية لضمان عدم تكرار الخطأ تكمن في الإعتراف الصريح بحدوثه كخطوة أولى، ثمّ بعد ذلك إمتلاك الشجاعة للقبول بتحمّل المسئوليّة عنه. حينها نضمن عدم تكرار الخطأ ونضمن نجاح محاولات العبور إلى الأمام.
ذهبت في بداية الأسبوع المنصرم إلى مدينة لندن حيث حضرت ملتقاً دوليّاً عن آخر ما توصّل إليه العلم والعلماء في مجال علاج مرض التصلّب المتعدّد(اللويحي)، وقد حضر هذا الملتقى المتقدّم جدّاً بحثة من الولايات المتحدة وأستراليا وكل أوروبّا وكذلك "إسرائيل" عن آسيا.
كانت المادّة المعروضة غاية في العصرنة بحيث أنّها عكست وبصدق آخر ما توصّل إليه العقل الإنسانل في الإبداع والتفكير والتطوّر والتعمّق في دهاليز هذا المرض المزمن الذي يقع فريسته الملايين من البشر في العالم، وينفرد هذا المرض إلى حد كبير بإصابة فئة عمريّة تعتبر بكل المقاييس هي عمر الإنسان الذهبي. ومن مآسي القدر فإن هذا المرض يصيب بشكل كبير العنصر النسائي وفي مقتبل العمر حيث تكوين الأسرة وتأمين الوظيفة وبداية الإحساس بقيم ومعاني الحياة الحرّة والمستقلّة.
المهم في الأمر أن كل من حضر إلى هذا الملتقى الكبير كان في مخّه شيئاً واحداً وهو مساعدة المصابين بهذا المرض على التعايش معه بأقلّ قدر من المعاناة، مع تركيز كل البحثة الذين حضروا وأشركونا في آخر نتائج أبحاثهم... تركيز الجميع على فكرة البحث عن علاج ناجع وشافي لهذا المرض الذي مازال يحيّر كل علماء المخ والأعصاب في معرفة أسبابه الأمر الذي جعل علاجه والتخلّص منه ليس بالأمر الهيّن.
الذي جذب إهتمامي على وجه الخصوص وأنا دائماً أحمل همومنا كعرب ومسلمين معي إلى حيث أذهب وإلى حيث أقيم ومع من أختلط وأتبادل أطراف الحديث. الذي جذب إهتمامي هو أنّه حضر في هذا المؤتمر باحث إسرائيلي من النوع الراقي جدّاً والمتعلّم إلى أبعد الحدود فطرح ما في جعبته على الحضور ونال منهم كل إعجاب وتقدير وإمتنان لعمله وكل البحثة في جامعته الذين شاركوا معه بحثه. لقد قدّم نتائج بحث طويل ومتقدّم جدّا تم إجراءه في الجامعة العبريّة في القدس وفي جامعة الحداثة في تل أبيب فبيّن للجميع على أنّه جاء من بلد أبانها للجميع على أنّها في مصاف دول العالم المتقدّمة والمتحضّرة، وهو بذلك كان سفيراً لبلده برغم أنّه لم يأت لذلك الغرض حكماً بالطريقة التي قدّم بها بحثه والمشاعر التي كانت على ملامحه وهو يتحدّث عن أولئك الذين يعانون من مرض التصلّب المتعدّد وكيف بإمكان العلماء مساعدتهم على الإحساس بوجودهم والتمتّع بقدر الممكن بحيواتهم.
هنا قلت أنا في نفسي... أين هي بلادنا العربيّة، وأين هي بلادنا الإسلاميّة في هذا العالم الذي بالفعل خرج من أسوار التخلّف وإنطلق إلى الأمام تاركاً الماضي لحاله ناظراً إلى المستقبل الذي يراه أكثر عطاء وأكثر إستبشاراً وأكثر رحمة بالإنسان من أي وقت مضى.
قلت في نفسي وأنا أشاهد الخبير الإسرائيلي وهو يطرح عمله بكل ثقة وبكل فخر أمام لفيف من أكبر علماء الأعصاب التخصّصي في كل العالم بحيث نال الإعجاب وجلب لبلده الإحترام والتقدير بدون الحاجة إلى ماكينة دعاية أو أجهزة تلميع... قلت في نفسي، تلك الدولة الصغيرة والتي بدأت من الصفر في زمن لم يتجاوز سبعة عقود من الزمان وفي بيئة كانت ولازالت محاطة بأشد الأعداء ومن كل جانب ومع ذلك فإن دولته بفضل العقل والعلم والإرادة حافظت على وجودها وأبدعت في كل مجالات الحياة فأخذت مكانها بين دول العالم المتقدّمة بينما بقينا نحن من نتاجر بالكلام ونتعيّش على الأحلام والأوهام... بقينا نحن وللحسرة في مكبّات قمامة العالم لا يحفل بنا أحد ولا يحترمنا أحد ولا يشفق علينا أحد.
هنا تذكّرت قول الله تعالى: {{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ }}... كنّا وللأسف "خير أمّة" لكنّنا لم نزل كذلك... فلماذا؟.

هنا وصلت إلى قناعة بأنّ الذي تركنا هكذا أضحوكة لكل العالم المحيط بنا هو بكل تأكيد الطريقة التي نفكّر بها والآلية التي مازلنا نسيّر بها شئون حياتنا. نحن وللأسف نعيش في وهم كبير... اوهام تبعدنا عن الواقع... عن حقيقة أنفسنا. نحن بالفعل مازلنا نعيش في قصور عاجيّة صنعناها من أوهامنا وحافظنا عليها من وحي شيمفونيّتنا ظانّنين بأنّنا بالفعل نحن "خير أمّة" مع أنّنا لم نعد كذلك... نحن لم نعد خير أمّة وقد لا نعود إطلاقاً خير أمّة من جديد.

وهنا يبرز سؤال كبيرأمام ناظريّ ليطرح نفسه أمام عقلي ويستجديني بالبحث عن إجابة له: هل تخلّفنا هو بسبب ديننا أم هو بسبب فهمنا نحن لهذا الدين؟. علينا بأن نجيب بكل صدق عن هذا السؤال، وعندما نصل إلى الإجابة الحقيقيّة قد نلتحق بمن سبقونا....  
السؤال الذي يتوجّب علينا أن نتوقّف عنده ونجيب عليه: نحن قوم متأخّرون وعلينا بألّا نجادل في ذلك، ولكن الذي علينا التوقّف عنده والتفكير فيه هو... هل سبب تأخّرنا هو الدين الذي نتبعه أم أن سبب تأخّرنا هو فهمنا لهذا الدين؟.
بكل تأكيد فإنّ الدين(الإعتقاد) لا يمكن القبول به كسبب لتأخّر أي شعب في العالم. فالمعاول لا تبني ولا تهدّم، وإنّما الأيادي التي تمسكها هي من يستخدمها للبناء أو التخريب. لقد أنزل الله للعرب دينهم بلغتهم حتى يفهموه ولايغالوا في فهمه بسبب أية حواجز لغويّة. الدين أنزل بلغتنا فعلينا جميعاً أن نبحث فيه ونعمل على فهمه وأن لا نترك ذلك لشيوخ الدين كي يفسّروه لنا حسب فهمهم وربّما أيضاً حسب رغباتهم. نحن من أفسد الدين، ونحن من أستخدم الدين كمعول للهدم والتدمير والقضاء على ما بناه من سبقونا حتى أنّنا اليوم على عكس شعوب العالم... هم يبنون ويتقدّموا إلى الأمام، ونحن ندمّر كل ما وقعت عليه أيدينا وبأيدينا من وحي أفكارنا حتى وصلنا إلى هذا الوضع البائس الذي نحن عليه الآن. لقد حان لنا الوقت لأن نتوقّف ونفكّر ونتدبّر وأن نواجه أنفسنا بالحقيقة التي يجب بألّا نزاغ عنها: نحن من أفسد الدين وليس الدين هو من أفسدنا.
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم البشر.. كل البشر بغض النظر عن خلفيّاتهم العرقية أو الثقافيّة أو الجغرافية. العالم بالفعل كان قد أصبح قرية صغيرة تفتح أبوابها لكل البشر، وعالم اليوم هو ساحة مفتوحة لكل من يقدر على الإبداع والمساهمة في التقدّم والتحضّر الذي ينشده الإنسان في كل مكان. علينا نحن كعرب وكمسلمين أن نفتح عولنا وأن ننظر إلى أنفسنا على أننا بشر مثل غيرنا ولا ميزة لنا على أي جنس أو إنتماء إلّا بما نقدر على تقديمه للبشريّة. نحن في أمسّ الحاجة لأن نتنازل عن الشيفونيّة التي وللأسف أضحت مترسّخة في تفكيرنا بإيحاء الثقافة التي تعلّمناها ومازلنا نتوارثها لأننا لا نستطيع تغييرها من منطلق أنّها "مقدّسة". نحن في حاجة لأن نرى غيرنا على أنّهم بشر مثلنا وبأن كل إنسان يمتلك عقلاً ويمتلك قدرات وعلينا أن نتعامل مع غيرنا وفق تلك الأسس إن نحن أردنا بالفعل أن ننتقل إلى الأمام. 
نحن في أمسّ الحاجة لأن نترك الدين للعبادة وأن نفتح المجال واسعاً أمام الإنسان في بلداننا لأن يبدع ويطوّر ويتعامل مع الغير وفق مقتضيات العمل. لابد لنا كعرب ومسلمين أن نترك الدين للعبادة وأن نغيّر من طريقة تفكيرنا بخصوص "المسلّمات" التي فرضنا تجذّرها في ثقافتنا حتى غدونا اليوم عاجزين عن إجتثاثها مع معرفتنا بأن التفكير القديم لم يعد صالحاً في عالم اليوم. لا أعتقد بأن هناك أي عنصر أقدر على الرفع من قيمة الإنسان وقدراته غير "التحرّر". نعم.. إنّها الحريّة في كل شئ.. الحرية في التفكير، الحرية في الإختيار، والحريّة في الإعتقاد هي أساس كل ما نحتاج إليه في بلداننا المتخلّفة. حينما يتحرر العقل يبدع الإنسان، وحينما نغلّب العقل على العواطف نتمكّن من سبر أغوار الحضارة بكل إقتدار لأنّنا سنكون من بين من يبنيها حينها.  
إنّها ممارسات البشر ولا علاقة للدين أو التديّن في أي مكان في العالم بالتخلّف أو التشدّد. إن من يفعل ذلك هم البشر الذين ينصّبون من أنفسهم وكلاء على الله في الأرض ومن ثم يحتكرون تفسير الدين حسب تفكيرهم ووفق ثقافاتهم الموروثة. إن رجال الدين وفي أي دين هم سبب تخلّف الشعوب بسبب عقم الطريقة التي يفكّرون بها. إن كل بلاد العالم التي أبعدت رجال الدين عن التدخّل في شئون الدولة ومن بينها بكل تأكيد "إسرائيل".. تلك البلاد هي بالفعل من إستطاع أن يعبر إلى الأمام ويحقق التقدّم.

  تحييد الدين عن شئون الدولة هي قضيّة علينا الخوض فيها بكل عمق مستفيدين في ذلك ممّن قامت به أوروبا في العصور الوسطى وكيف أن أوروبا بذلك... وبذلك فقط... تمكّنت من الخروج من بوتقة التخلّف والولوج إلى عالم العقل والمعرفة وحريّة التفكير والإختيار والتصرّف. أنا بكل قوّة مع فصل الدين عن شئون الدولة وترك الدين للعبادة وفقط. الدين هو علاقة بين الإنسان وربّه، ومن ثمّ فلا داعي لغمس تلك العلاقة في أتون السياسة وفي تصريف شئون الدول. علينا أن نفهم ونعرف ونتيقّن بأن الكثير من دول العالم التي لا تعترف بالدين من حيث الأساس هي بلاد متقدّمة ومتطوّرة ويتمتّع فيها الإنسان بأكبر قدر من الإحترام والتقدير والآمان في بلاده، ومثالنا بالتأكيد هو اليابان والصين. أمّا بخصوص التعليم الديني في المدارس، فأنا لست ضد التعليم الديني في المدراس... بل أنا وبكل قوّة أرغب في الإبقاء على ذلك ولكن بترك المادة المعروضة على التلاميذ والطلّاب لتكون تحت إختيار وتنقيح وإشراف رجال التعليم وليس شيوخ الدين. أنا شخصيّاً أرى بأن نكبة كل بلاد العالم هي بسبب شيوخ الدين، وعلينا بكل قوّة تحييد هؤلاء البشر عن العبث بحياتنا والتدخّل في شئوننا لأن رجال الدين في كل أنحاء العالم هم آناس منغلقين على أنفسهم ويخافون إلى حد الإرتعاب من أي شئ إسمه العلم ويخشون حد الكراهية من العلماء والمتعلّمين. علينا أيضاً أن نعي ونعرف بأن شيوخ الدين هم ليسوا علماء في شئ ويجب أن تنزع عنهم تلك الصفة، فما هم بعلماء ولا يعرفون العلم إلّا من خلال النقل والتكرار بدون البحث والإستنتاج وتلك لوحدها تبيّن بأن رجال الدين هم ليسوا من العلماء ولا تليق تلك الصفة بهم في أوضاعهم الحاليّة.
العلمانيّة تعني حريّة الإعتقاد وحريّة التفكير ولا تعني إطلاقاً الكفر. إن الدين يمارس بكل حريّة وبكل آمان في كل دول العالم العلمانيّة، لكنّه ليس كذلك في البلدان التي تتشدّق بتطبيق الشريعة. إن البلاد التي تتشدّق بتطبيق الشريعة هي تلك البلاد التي لو أن أي مسلم من مواطنيها خالف المفروض في داخلها ولو كان في نفس العقيدة وإنّما بإتّباع مذهب مختلف فسوف يحارب وقد يتم التخلّص منه. الدين في بلداننا تحوّل إلى تجارة والدين في البلاد العلمانيّة أصبح يمارس بكل حريّة وإقتناع. تركيا بكل تأكيد هي دولة علمانيّة وكذلك ماليزيا وكذلك إندونيسيا وكذلك تونس وكذلك مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وفي عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.... وتلك البلاد الإسلاميّة العلمانيّة تعتبر من أرقى البلاد الإسلامية ومن أكثرها تحضّراً وإنفتاحاً على الغير وعلى مواطنيها.

ليست هناك تعليقات: