2018/09/16

ولنكن كلّنا على علم... فالدين هو للعبادة وليس للحكم

 الإنسان يتغيّر والحياة تسير إلى الأمام، ما كان صالحاً بالأمس ليس بالضرورة أنّه يصلح لليوم. علينا بأن ننظر إلى الأمام وأن نأخذ ببوادر الأشياء، فالمبدعون هم فقط من يرى مالا يراه غيرهم ويفكّرون بغير ما يفكّر به غيرهم ممّن يتواجدون حولهم فما بالك بمن سبقوهم.  
كنت إستمع إلى راديو 4 من البي بي سي يوم الخميس الماضي وكان المذيع يتحدّث بنوع من السخريّة عن أيّام القرون الوسطى وكيف كانت أوروبّا تسيّر بفرمانات القساوسة، لكنّه أيضاً كان يتحدّث بالكثير من الإستدراك والتذكّر والتدبّر. قال: كانوا في القرن الخامس عشر يقولون لنا بأن الدين فيه حل لكل المشاكل، وهو صالح لكل شئ. كانوا يحاولوا إقناع الناس بأن الدين هو الحياة والحياة هي الدين. 
وواصل المذيع في تداركاته: كان الكثير من الناس الذين عاشوا في ذلك الزمان يصدّقون ما يسمعون إلى أن حدثت الثورة على الكنيسة وإلى أن إنتصر العقل وهزمت الكنيسة... الذين هزموا هم رجال الكنيسة، وآساقفة الدين، ونوّاب (وكلاء) الله في الأرض.
لم يصدّق الكثير من الناس حينها بأن الحياة من الممكن أن تسير بدون تدخّل رجال الدين، ولم يقتنع وقتها أغلب البشر بأنّه بوسع الإنسان أن يبني ويعمّر ويشيّد ويبدع ويخلق الجديد بدون مساعدة رجال الدين أو مباركاتهم، وبدون حتّى أن يكون متديّناً. 
الآن - يواصل المذيع - نرى الحياة مختلفة، ونرى العالم المحيط بنا مختلفاً ونرى التقدّم والتحضّر والعمران والإختراعات، ونرى الصناعة والتطوّر والإبتكار المتجدّد في كل يوم. الآن نرى أنفسنا وقد سرنا إلى الأمام بألاف الأميال مبتعدين عن ذلك الزمان ونائين عن تلك الإعتقادات. الآن نستطيع أن نقول بأن الحياة لا يصنعها رجال الدين ولا يتحكّمون فيها وهي ليست تحت سلطاتهم أو سيطرتهم ولا يحتاج إنسان اليوم إلى مباركاتهم أو سعيهم الحثيث كي يبقوا وسطاء بين الرب وبين العبد. الآن نشعر بأنّنا نستطيع أن نتقدّم إلى الأمام بدون الحاجة إلى رجال الدين، وبدون الحاجة إلى "تعاويذ أو طقوس" دينيّة لخلق صناعة أو إبتكار دواء أو تطوير بنية تحتيّة. الآن يمكننا العبور سريعاً إلى الأمام بدون الخوف من "مكابح" رجال الدين وبدون الخوف من إغضاب الله إن نحن إعتمدنا على عقولنا وبحثنا عن مقدّراتنا وإستفدنا من نتاج أعمالنا الدنيويّة.
أعجبتني المقدّمة وأكّدت لي ما كنت دوماً أقوله... من أن "الدين هو للعبادة والتعبير عن إحساسنا بوجود الله، لكنّه أبداً ليس لصنع الحياة ولا هو لحكم البلدان". هل يفهم رجال ديننا مثل هكذا تفكير، وهل بمقدورهم أن يستذكروا قول الرسول عليه السلام:(( إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ))... بعثت "لأتمّم" مكارم الأخلاق. مكارم الأخلاق كانت موجودة بين الناس قبل إبتعاثي إليهم، ومهمّتي هي "لأتمّم " مكارم تلك الأخلاق التي كانت موجودة عند الناس.
من هنا يمكن القول بأن كل إنسان يولد وفي تركيبته نوازع الخير ونوازع الشر. من إختار مسالك الخير عاش محبوباً بين الناس، ومن إختار مسارب الشر عاش منبوذاً ومحتقراً بينهم. 
قال الله تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}}... رحمة للناس وليس لحكمهم أو تعكير صفو حياتهم. رحمة بهم وليس تعسيراً عليهم بإسم الدين. رحمة لكل الناس وليس لمن يتّبعونه ويؤمنون برسالته فقط. 
هل يفهم تجّار الدين معنى الدين ومفهوم التديّن كما أراده الله؟. قال الله تعالى: {{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ}}... فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وكذلك يقول الله في كتابه العزيز: {{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ}}.... يقول الله سبحانه وتعالى لنبيّه الذي أرسله إلى الناس وإئتمنه على كتابه "وما أنت عليهم بوكيل" فكيف بكم يا شيوخ الدين تنصّبون من أنفسكم "وكلاء" على البشر؟. 
لماذا لا تتركوا(يا شيوخ الدين) الناس لحالهم وترفعوا وصايتكم عنهم وتنهون ممارسة الولاية عليهم؟. الله ليس في حاجة لنوّاب له على الأرض، فهو في غنى عنكم يا شيوخ الدين، وتأكّدوا بأنّكم سوف تحاسبون مثل غيركم من البشر يوم القيامة... فأحترموا أنفسكم وأتركوا الناس لحالها يرحمكم الله. من شاء أن يعبد الله فآماكن العبادة موجودة في كل كان، ومن أراد بإسم الله أن يسيطر على الناس وأن يتحكّم في تصرّفاتهم فإنّه سوف لن يفلح في مسعاه لأنّه في ذلك يخالف أمر الله.
تلك هي أحداث التاريخ، وعلينا أن نرى العالم من حولنا مثل ما نرى أنفسنا. الكثير من أمم وشعوب العالم أصبحت إمبراطوريّة في يوم من الأيّام وإذا بها تنتهي لتحل محلّها أمم أخرى وهكذا هي الحياة كما أرادها الله... قال الله تعالى: {{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}}. أمّا بخصوص الأحكام، فكل وقت له ظروفه وله إعتباراته، ومستوى تعليم ورقي الناس له دور كبير في موضوع العقاب والجزاء. كان الجلد وقطع اليد والقتل هي الجزاءات في تلك الأثناء، لكنّنا اليوم نعيش في عالم مختلف عن ذلك الذي كان في القرن السابع الميلادي. فبدل أن تقطع يد سارق عليك أن تعرف لماذا سرق وكيف يمكنك مساعدته بدل قطع يده وتحويله إلى معاق. هناك الجلد الذي بعضه ذكر في القرآن(الزناء) وبعضه (شرب الخمر) كان من إجتهاد "الشيوخ"، ذلك كان نوعاً من العقاب في الأثناء التي نزل فيها القرآن. كان العقاب المشاع حينها بين الناس قبل نزول القرآن هو ما ذكر في القرآن، فلا تنتظر من الله أن يأمر الناس بالعلاج النفساني في تلك الأثناء. حينما تجد مخطئ عليك أن تعرف أسباب خطأه ولماذا دفع لعمل الخطيئة، فهناك الكثير من الناس يفعلون الخطأ لظروف آنيّة فقط وهم ليسوا من المجرمين. أمثال أولئك الناس من الأجدى البحث في ظروفهم وتسهيل أمور الحياة لهم حتى يعودوا أعضاء فاعلين في المجتمع. أمّا موضوع الرباء فعلينا تعريفه وقد إحتلف شيوخ الدين في تعريف الرباء، ولا يوجد قطعاً أي تعريف له، وكل ما ذكر في القرآن أن الرباء يختلف عن التجارة ولكن ما تبقّى وما وصل إلينا من تفسيرات كان من "إجتهادات" شيوخ الدين كل حسب ثقافته ومعرفته التي بكل تأكيد بعيدة كل البعد عن النظام المصرفي وعن شئون الإقتصاد العصريّة. لماذا الفائدة هي حرام وهي نوع برئ من التجارة ولا توجد فيها أية شبهة على الإطلاق. إن تعاملات المصارف والفائدة المرسومة هي أمور تتماشى تماماً مع نصوص القرآن من حيث تعدّد الإختيارات، والعقد بين المتعاملين ووجود شاهدين على توقيع العقد. كل تلك الأشياء تمارسها المصارف في البلاد المتقدّمة وبكل شفافيّة. الفائدة ليست ثابتة وليست مضمونة ولا يمكن إطلاقاً إعتبارها رباء. هناك الكثير ممّا يتطلّب وجود علماء إقتصاد وخبراء تجارة قبل تفرّد شيوخ الدين في الإفتاء على أشياء هم لا يفقهونها إطلاقاً وعلومم ترجع إلى أكثر من 1000 سنة حدثت خلالها تغييرات إيجابيّة كثيرة لصالح الإنسانيّة ولصالح العالم الذي نعيش فيه اليوم.

ليست هناك تعليقات: