2018/05/06

القلب والمخ.. أحدهما يفكّر والآخر يضخّ

حينما يكون الخادم قادراً على إيذاء سيّده فما على السيّد إلّا الترفّق بخادمه وإعطاءه الوقت الكافي للتعبير عن وجهة نظره وكذلك تقدير آحاسيسه مشاعره والتعاطف مع توسّلاته ومطالبه .
نخطئ أحياناً حينما نعطي للقلب أكثر من طاقته وحينما نظن بأنّه يقوم بمهام هي ليست له. علينا التيقّن بأنّ القلب هو عبارة عن مضخة تضخ الدم لكل مكان في الجسم، ولولا ذلك بكل تأكيد لما بقى مخلوقاً على قيد الحياة.
القلب يستلم طاقته ومعينه الذي يساعده على أداء مهامه من المخ عن طريق الجهاز اللاإرادي، ومن هنا نرى بأن المخ هو من يقرّر وينظّر ويفكّر ويولّد المشاعر. القلب فقط يستجيب لما نفكّر به من فرح وخوف وإضطراب وإكتئاب. 

إن لب الإنسان ومركز تفكيره وعواطفه تقع كلّها في المخ وليس في القلب، وكلّ تلك المفاهيم القديمة هي مبنيّة على ملاحظات وإحاسيس ومشاعر وليس لكنّها لم تكن مبنيّة على أسس علميّة. 
 وهنا أعتقد بأنّه يتوجّب علينا مناقشة هذه العلاقة ومناقشة مدى الأخطاء التي يقع فيها الناس بنسب كل المشاعر والأحاسيس إلى القلب، وبأن قلب الإنسان هو من يتحكّم في أعماله وتصرّفاته ويسيطر على سلوكيّاته مع الغير من خلال عواطفه ولينه ولطافته، بالإضافة  إلى رحمته وحبّه للآخرين وإخلاصه لهم.
لا أدري لماذا إرتبطت كل المشاعر النبيلة والآحاسيس الرقيقة والعواطف الجيّاشة بالقلب بينما ترك المخّ للتفكير وإجراء الحسابات. لكنّنا بكل تأكيد توارثنا ثقافات تكوّنت في وقت كان فيه العلم في بدايته وكان الناس حينها لا يعرفون كثيراً عن مخّ الإنسان من حيث التركيب والوظيفة دعك من التعرّف على الجهازين اللاإراديين(العاطفي ونظيره) ومعرفة وظائف كل منهما ومدى علاقتهما بالمخ والقلب من حيث السيطرة والتوجيه والتكيّف والإنضباط.
بالنسبة لنا المسلمون، نحن نقرأ بأن كل شئ يتجذّر في في قلب الإنسان والكثير من شيوخنا إن لم يكونوا كلّهم يظنّون بأن قلب الإنسان هو من يفكّر ومن يوجّه ومن يتآمر ومن يحفر الحفر. ذلك بطبيعة الحال هو فهماً موروثاً ومتوارثاً بدون مناقشة وبدون مماحكة وبدون تحدّيات، لأنّ كل ماذكر في القرآن عند شيوخ الدين هو مقدّس ولا يمكن مناقشته من باب الخطأ والصواب لأنّه كلام الله.

ذكر الله القلب في القرآن 132 مرّة، وهذه بعض الأمثلة:
{{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}}، {{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ}}، {{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}}، {{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}}، وذلك قوله تعالى: {{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}}  ... وبقيّة الآيات التي ذكر فيها القلب.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هو القلب في كلام الله؟. ماذا عني الله بالقلب حينما ذكره في القرآن؟.
أنا متأكّد بأن الله عندما ذكر القلب لم يعن ذلك القلب الذي نعرفه ونتفق عليه. ما عناه الله هو جوهر الإنسان، لبّه، كينونته، كيانه، وجدانه، عقله، الإنسان بكلّيته وقلبه هو عبارة عن جزءٍ منه.
هناك من سوف يجادل وبكل قوّة مذكّراً بالآية: {{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}}.. ربط القلب بالسمع والنظر يعني أن الله هنا يتحدّث عن أعضاء الجسم، وحينما يذكر القلب فإنّه إنّما يعني القلب. ذلك قد يكون قولهم لأنّهم بصدق لا يفهمون ولا يفقهون ولا يتدبّرون.
كذلك قوله تعالى: {{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}}... هنا سوف يقول لنا شيوخ الدين بأن هناك ذكر واضح للقلوب التي في الصدور، وبأنّ تلك القلوب كانت قد أستخدمت للتعقّل. أي أنّه وحسب فهمهم يتأكّد يقيناً بأنّ عقل الإنسان في قلبه !!.

تلك هي طريقة تفكيرهم، لكنّني أجادلهم بها وبكل قوّة. إنّ الله لم يقصد ذلك القلب بحجراته الأربعة وصمّاماته الأربعة وشرايينه وأوردته الداخلة إلية والمنطلقة منه. 

إن الله لو كان بالفعل قد قصد ذلك القلب، وأنّه قال بأن ذلك القلب يعقل ويفكّر ويسيطر على تفكير الإنسان.. إن كان ذلك الكلام صحيحاً فإنّني أقولها وبكل قوّة بأن القرآن حينها سوف لن يكون صالحاً لكل زمان ومكان وسوف لن يعتبر كلام الله على الإطلاق.
دعوكم منّي أنا ومن حقّكم أن تنعتوني بالكفر والردّة والتطاول وما إليها من النعوت، لكنّني أنا أعرف ماذا أقول، أعرف جيّداً علاقتي بربي الذي أعبده. أنا فقط أريد أن أذكّركم بأولئك الغير مسلمين والذين سوف لن يقتنعوا بكلامكم وسوف يردّوه إليكم بكامله ناعتين إيّاكم بالجهل أو بتصديق "خرافات".
دعوني أتحدّث قليلاً عن ذلك القلب الذي أعرفه وسبق لي تشريحه وتقطيعه إرباً حينما كنت طالباً في كليّة الطب. إنّه ليس أكثر من مضخّة تتكوّن من أربعة حجرات وأربعة صمّمات، وشريانين كبيرين، وأربعة أورده، وثلاثة شرايين محيطة بعضلة القلب من الخارج. 

كذلك فإن القلب من الداخل يحتوي على شبكة كهربائيّة تبدأ بمركز توليد الطاقة يسمّى "العقدة الجيبية الأذينية" Sino-atrial node ومنها تنطلق نحو قاعدة البطين الأيسر حيث تتفرّع إلى شبكتين واحدة تتجه نحو البطين الأيمن والثانية تتوزع على الجدار الداخلي للبطين الأيسر لتمدّه بالكهرباء التي تساعده على الإنقباض ومن ثم دفع الدم إلى كل أجزاء الجسم. 

القلب لا يشتغل بدون العصب المبهم Vagus Nerve والذي لم يعد مبهماً كما كان، وإنّما أصبح معروفاً من البداية حتى النهاية. العصب المبهم هو العصب الذي ينطلق من جذع الدماغ Brain Stem، وتحديداً من أعلى منطقة النخاع المستطيل Medulla Oblongata  وهذا العصب هو نظير عاطفي بإمتياز وهو بكل تأكيد من يتحكّم في إنقباضات وإرتخاءات عضلة القلب التي بدون ذلك سوف تموت ولا يمكنها أن تقوم بدورها.
كما أن القلب يستلم شبكته العصبيّة العاطفيّة التي ترد إليه من بين الفقرات الصدريّة رقم 4،3،2 من الجانبين؛ وتلك هي ليست أكثر من خيوط كهرباء تأتي من آماكن توليدها في العمود الفقري الصدري. 
هذا لا يمكن الإشارة إليه بأنّه ما عناه الله في القرآن حينما ذكر: {{الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}}. الكهرباء تتولّد في الجهاز العصبي المركزي(مخ ونخاع شوكي) ومن هناك يتم صنع القرار وليس في القلب. خلايا القلب تولّد كهرباء لكنّها مثل بقية خلايا الجسم، ولا تنتج كهرباء بدون الشبكة الآتية من المخ والنخاع.
أمّا الخلايا التي تصنع القرارات ووتتحكّم في التفكير والتدبّر وتحدّد شخصية الإنسان وتصرفاته وممارساته المسئولة والغير مسئولة فهي في المادة الرمادية في المخ والتي لا علاقة لها بالقلب إطلاقاً. 
من هنا يمكن القول والجزم بذلك بأن عضلة القلب ما هي إلّا مضخّة دافعة للدم تشتغل بتيار كهربائي يأتيها من المخ ويتم توضيبها وتنظيمها والسيطرة عليها من قاعدة المخ وأعلى النخاع الشوكي. 
وقبل أن أختم أريد أن أذكّر بأن عالماً إيطاليّاً مغامراً يعزم الآن على نقل مخّ إنسان لجسم إنسان آخر، وإذا نجح في تلك المهمّة(وقد ينحج) فإن الشخص الذي سوف يتكوّن سيكون بعقل وتفكير صاحب المخ وليس صاحب القلب... وتلك هي حقيقة. بالمناسبة نفس الطبيب العالم كان قد زرع مخ كلب على جسم كلب آخر وبالفعل عاش الكلب الثاني عدة دقائق قبل أن ينفق. من هنا يمكن التنبوء بأنّه بالإمكان زرع مخّ إنسان كامل لجسم إنسان آخر في المستقبل، وحينها سوف يعرف من لم يعرف بعد بأن القلب ليس أكثر من مضخّة (مثل مضخّات المياه التي نعرفها) يمكن نقلها لأي إنسان وسوف لن تحمل معها أية صفات أو خواص أو تصرّفات - بما فيها الحب - لصاحب القلب المنقول.
ومن مازال يحمل شكّاً فيما أقول فليتذكّر حقيقة مهمّة مفادها أنّك تستطيع أن تعيش بقلب غيرك وتحتفظ بشخصيّتك ومشاعرك، لكنّك قطعاً لا يمكنك أن تعيش بمخّ غيرك وتحافظ على شخصيّتك ومشاعرك...
إن شخصيّتك وكيانك وصفاتك وميزاتك كلّها تصنع في مخّك، أمّا قلبك فهو مستقبل (مستلم) لكنّه أحياناً قد يخرج عن الطوق فيؤثّر في تصرّفاتك إن سمحت له بذلك ... بمعنى إن أنت فقدت الإرادة والسيطرة على تصرّفاتك وآحاسيسك ومشاعرك، فإن نبضات قلبك قد تتسارع وقد تتعثّر وقد تفقد ذلك الإنقباض والإنبساط الموظّب والمنتظم ممّا قد يؤدّي إلى الإخلال بوظيفة المضخّة وذلك قد يؤدّي إلى نقص كميّة الدم المرسلة للمخ، وذلك بكل تأكيد سوف يؤدّي إلى الإغماء... وقد يؤدّي إلى الوفاة... عافاكم الله !!.

ليست هناك تعليقات: