2018/01/26

الفيروس الجديد


التشدّد في أي شئ يفسده والمغالاة تنفّر الناس منه حتى وإن كان ديناً أنزله الله. قالوا قديماً إن التشدّد هو مثل التراخي من حيث الأثر المدمّر لحياة الإنسان، والإختيار المثالي هو الوقوف في منتصف الطريق بين الخيارين.... الوسطيّة.
((من كتابات يناير من عام 2014 أعيدها هنا عليكم لأهمّيتها من ناحية وللبرهنة على أن ما فكّرت به حينها هو نفسه ما أفكّر به اليوم))
إنتشرت الجماعات الإسلاميّة بشكل مرعب ومخيف، وأخذت العلاقات بينها تتوتّر بشكل كبير... بل والأكثر من ذلك، أن العلاقة بين أفراد كل مجموعة هي في توتّر مستمر.
الشئ الذي تتوحّد حوله كل الجماعات والتنظيمات الإسلاميّة هو إستخدام العنف والشروع في القتل وإباحة الرذائل بإسم الله.
السؤال الذي على كل مسلم نقي ومخلص ويؤمن برسالة الإسلام السمحاء أن يسأله هو: من يقف وراء هذه الجماعات والتنظيمات "الإسلاميّة"؟. نحن هنا نتحدّث عن أولئك الذين يحرّكون الجماعات والتنظيمات الإسلاميّة عن بعد.... بالريموت كونترول.
الذي يهمّني وعلى مستوى ضيّق هو بكل تأكيد ما يحدث في ليبيا... لماذا وبعد ثلاثة سنوات من المحاولات الجادّة من الكثير من المخلصين الليبيّين والليبيّات مازلنا نراوح في أماكننا... بل يمكن القول بأنّنا بدأنا في النكوص على أعقابنا أو أنّنا ربما إستدرنا إلى الوراء متجهين حثيثاً للولوج من جديد والتعمّق في عالم ما قبل 17 فبراير 2011.
إن الذي يحدث في ليبيا في العلن يقلقنا، أمّا ما يحدث في الخفاء ( من وراء الكواليس) فإنّه بصدق يخطّط لتدمير هذا البلد على أهله. أن يخطّط لك غيرك أو يكيد بك فتلك تعتبر مقبولة ومنطقيّة في عالم البشر، أمّا أنّك أنت تساهم في هذا المخطّط فتلك لعمري تدخل في عالم اللاعقل واللامنطق.
إن كل ما يحدث في ليبيا الآن - ودعك ممّا يحدث في العالم العربي والإسلامي - هو نتيجة مباشرة لمحاولات رجال الدين في بلادنا للسيطرةعلى صنع القرار وتسيير دفّة الأمور في الإتّجاه الذي يريدونه، ومن ثمّ يمكنني القول بأنّنا أصبحنا ضحيّة الطريقة التي تفكّر بها وتمارسها هذه الجماعات التي تبيّن بأنّها في واقع الأمر لا تخاف الله ولا تؤمن به أو تخاف عقابه حكماً بممارساتها والجرائم التي تقترفها في حق الله وفي حق مخلوقاته من إنسان إلى حيوان.

تحوّلت الجماعات الإسلاميّة - وخاصّة الجهاديّة منها - إلى جماعات من تجّار الدين الأنسب بأنّها تسمّى "عصابات"، لكنّني لم أتمكّن من معرفة الجهة التي تقف وراءها وتوجّه تحركاتها وترسم إستراتيجياتها.
بكل تأكيد هي ليست قطر وهي ليست السعوديّة.... وهي ليست تركيا. نحن هنا نتعامل مع جهات قويّة وقويّة جدّا بأجهزة إستخباراتيّة مطوّرة جدّاً.
أنا اشعر في قراراة نفسي بأن هذه الأجهزة الإستخباراتيّة يجلس على قمّتها "الموساد" وربما إحدى ذراعيه هي السي أي إيه والذراع الثانية قد تكون الكي جي بي.... ولكن كيف يمكن أن تلتقي تلك الإجهزة مع بعض برغم العداء المستحكم بينها؟. ذلك من وجهة نظري الإجابة عليه تكمن في "التفكير الإستراتيجي".
أعتقد بأن خبراء التفكير الإستراتيجي في العالم الغربي هم من يقف وراء جماعاتنا الإسلاميّة الحمقاء الغبيّة التي تفسد الإسلام وتقتل المسلمين بإسم الله.... وتلك هي الإستراتيجيّة المستحدثة (المعاصرة) بعد أن فشلت في السابق نظريّة الحرب المباشرة والعداء الجهوري مثل ما حدث أثناء الحروب الصليبيّة.
البداية أعتقد بأنّها كانت في أفغانستان في آواخر الثمانينات بعيد الغزو السوفييتي لهذا البلد الذي كان أمناً مستقرّاً في عهد رئيس الوزراء "حفظ الله أمين" وملكها محمّد ظاهر شاه حتّى عام 1979 بعد أن بدأ "الطالبان" في الظهور في ذلك البلد الذي كان وحتى ذلك الوقت أمناً ومستقرّاً ويسير في طريق النمو بخطى ثابته وأكيدة.
فأفغانستان التي تمتاز بجبالها .. ووعورتها ..وصعوبة التنقل بها .. وذلك اللون الاصفر في كل مكان كدليل على الحفاف والتصحّر... أفغانستنا هذه قد لا يصدّق جيل اليوم بأنّها كانت دولة لديها مصانع ولديها طرق ولديها فتيات يدرسن في الجامعات. أفغانستان حينها لم يكن بها أي تطرّف ديني ولم يكن بها أي تشدد. الأفغانيّون وقتها كانوا شعباً متحابّاً مع بعضه ومتآلفاً مع حكومته، وكان بالفعل يرغب في بناء نهضة وتقدّم.
تلك كانت أفغانستان قبل أن تحتل من قبل السوفييت الذين ذهبوا إلى هناك بمبرّر حماية نظام الحكم الذي كانت أفغانستان تنعم
بالإستقرار في ظلّه، والذي بدأت الجماعات الدينيّة تحاول النيل منه وإسقاطه بحجّة أنّه "نظام كافر"

في بداية القرن العشرين .. كانت أفغانستان مؤمنة بنفسها ..التعليم كان منهجها، والتخطيط كانعنوان البناء في ذلك البلد حيث كانت الحكومة تفسح المجال لكل المواطنين للعمل والبناء، وحيث كان النساء والرجال يعملون جنباً إلى جنب في كل مصنع وفي كل دكّان .
أفغانستان هي من أنجبت العالم الكبير " جمال الدين الأفغاني"... الإصلاحي القدير صاحب الكلمات الجريئة والنظريات العصريّة، فهو لم يكن حينها يفهم الإسلام بذلك الفهم المغلق "الضيّق" الذي فهمة احفادة من بعده... فهم فهموا الإسلام السلفي "الوهابي" التكفيري ونسوا إسلام جدّهم جمال الدين الوسطي المتسامح الذي كان يتعايش ويتفاعل بكل إيجابيّة مع جميع مكوّنات ذلك البلد العرقيّة والثقافيّة.
أفغانستان في بداية القرن العشرين كانت دولة تبحث عن النمو وعن الخير لها ولشعبها المسلم الوسطي؛ فكانت تسعى حثيثة نحو تنمية شاملة ورخاء لكل أفراد شعبها، وكانت تسعى لتحقيق شيئاً من المدنية التي ينعم بها الأغنياء في بقيّة دول العالم .
إتّجهت "القوى العظمى" إلى أفغانستان لتتصارع فيما بينها، ووجدت "عملاء" في داخل أفغانستان لتحقيق تلك الأهداف الغير معلنة والتي كانت "أكيدة".
نعم.... فقد حقّقت تلك القوى العالميّة المتصارعة على الزعامة حينها كل ما تصبو إليه وذلك بتتأسيس ودعم وتسليح جماعة "الطالبان" والتي هي بدورها فتحت الطريق نحو المزيد من الجماعات الدينيّة المتشدّدة من أمثال تنظيم "القاعدة" وبقيّة الجماعات "الإسلاميّة" المتشدّدة الأخرى التي وجدت في أفغانستان بعد القضاء على حكومتها المركزيّة وتنظيم نظامها الملكي المستقر مرتعاً للنمو والتكاثر.... ثم التناحر فيما بينها بعد ذلك بدافع "التسلّط" وفرض الرأي "المتشدّد" على الآخرين من خلال منهج التكفير والقتل والسلح والتفجيرات والتخريب.
 

ليست هناك تعليقات: