2017/09/03

الأشهر القادمة سوف تكون حاسمة أو صادمة . . . أو قاسمة

إن المتتبّع عن كثب لما يجري الآن على الأرض الليبيّة ليرى بوضوح أن هناك قوى كثيرة تتصارع على النفوذ والسيطرة في ليبيا، وأن ذلك الصراع هو الآن في أشدّ مراحله وقد يخرج عن السيطرة في أي وقت. 
أنا بطبعي من المتفائلين، لكنّني هذه المرّة قد أسمح لتفاؤلي بالإنصراف قليلاً... ربّما لأخذ إجازة صيفيّة قصيرة. أنا بدأت أشتم رائحة "الحرب والدمار" في ليبيا، وقد أتخيّل الآن أمام عينيّ مشاهد محزنة ومخارج أكثر حزناً وأسفاً ومرارة من كل التصوّرات.
في المناطق الشرقيّة نرى الجيش الليبي وهو يستعد للمرحلة اللاحقة بعد أن تمكّن بكل نجاح من تحرير بنغازي وما جاورها، وبعد أن رسّخ الإستقرار هناك، وفتح المجال واسعاً أمام أهل بنغازي لبناء مدينتهم والمضي بها قدماً نحو التفكير في الغد الذي أراه واعداً وأراه صامداً.
سوف يتم تحرير مدينة درنة بدون قتال، وسوف تكون هناك مصالحة من نوع معيّن يضمن فيها المنتمون لمجلس شورى مجاهدي درنة "الآمان" على أنفسهم، ويحصلون على بعض المناصب والكثير من البعثات "للدراسة" في الخارج، وفي المقابل تتشكّل سرايا عسكريّة نظاميّة من داخل مدينة درنة نفسها ولكن تكون تابعة بالكامل للجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. ذلك هو المشهد كما أراه بالنسبة للمناطق الشرقيّة، وأعتقد بأن مثل ذلك السيناريو ليس من الصعب تكهّنه أو رؤية حلقاته وهي تعرض بكلّ ثقة على خشبة مسرح الأحداث هناك وبإخراج قد يكون متكوّناً من تآلف قبلي في المناطق الشرقيّة حيث القبيلة هناك لها دور كبير وبارز في مجريات الأحداث.
في المناطق الغربيّة نرى بأن المشهد هو الأكثر ضبابيّة والأكثر غموضاً، ولكن برزت أخيراً ملامح ودلالات تشير إلى أن "المواقف" بدأت تتشكّل تدريجيّاً على الأرض وأن الأحداث هناك قد بدأت بالفعل تتّجه إلى عكس ما كان متوقّعاً أو على الأقل مرتقباً، حيث بدأ يتّضح تدريجيّاً بأنّ السيّد فائز السرّاج قد حزم أمره وعزم على المضي في طريق أخرى وبإحداثيّات مختلفة تماماً عن الماضي، وبأنّه بدأ هو بدوره بدأ يشعر بأنّه "القائد الأوحد" وتلك حتماً سوف تكون وبالاً عليه هو قبل ليبيا.
هناك الكثير من القوى النافذة في المناطق الغربيّة وهي في مجملها تعمل من وراء الكواليس لكنّها من وجهة نظري أكثر تنظيماً وأكثر تنسيقاً فيما بينها، وقد تكون بإخراج واحد. تلك القوى المقصودة تمتلك المال الكثير وتمتلك الدعم الإعلامي، وأصبحت الآن تمتلك الدعم اللوجستي الذي سوف يمكّنها من دخول المسرح الدولي بكل ثقة لأنّها تعرف السبيل إلى ذلك وتمتلك الإصرار المطلوب.
السيّد السرّاج يبدو عليه واضحاً بأنّه لم يعد يفكّر في التعاون مع الشرق الليبي، وبأنّه أخذ منحىً مختلفاً تماماً الآن ولوجهة أخرى تسير في الإتجاه "المتحدّي". السيّد السرّاج كما نعرف لا يملك زمام أمره ولا يقدر على التصرّف دون إيعاز وتوجيه و"آوامر" من أولئك الرابضين في المواخير في طرابلس بالتحديد وقد يكونون في مواخير أخرى خارج ليبيا. 
اللاعبون الكبار في المنطقة الغربيّة (من وراء الكواليس) هم "الإخوان المسلمون" بكل تأكيد كقوّة مبرمجة ومحرّكة وموّجهة، ومع الإخوان تتحالف قوى إسلاميّة أخرى من بينها يقيناً الجماعة الليبيّة المقاتلة ومعهم بقايا أنصار الشريعة من شرق البلاد. اللاعب الآخر من وراء الكواليس والذي لا يجب تجاهله هو "إيطاليا".... نعم، إيطاليا وبكل قوّة تصل إلى درجة التدخّل العسكري المباشر والحاسم لفرض الأمر الواقع، ومع إيطاليا تقف بعض القوى الأوروبيّة وعلى رأسها بريطانيا مع وجود إسبانيا وفرنسا كمراقبين في البدء غير أنّهما سوف تجدان نفسيهما جزءاً من الحملة في مراحلها الأخيرة لأسباب إقتصادية وإستراتيجية بكل تأكيد.


من هنا فأنا أرى كمواطن عادي وكمراقب عن كثب بأنّ الآسابيع المقبلة سوف تكون ساخنة جداً وقد تحدث فيها مفاجآت ليست في التصوّر الآن، غير أنّني أرى بأن المخرج سوف يكون واحداً..... التقسيم. نعم التقسيم وإعلان مملكة برقة، ومن هناك سوف تفتح أبواب جهنّم في ليبيا وسوف تصلنا "عطور" البسوس من قبرها بعد قرون من دفنها.


هناك مخرج من هذا السيناريو وقد يكون عمليّاً وقد يكون فيه بلسم الحفاظ على وحدة ليبيا مع تحريرها بالكامل من قوى الطغيان التي تتربّص بها الآن وهم بكل وضوح "الجماعات الإسلاميّة" في المناطق الغربيّة.
المخرج هو بأيدي وبقدرة المشير خليفة حفتر. نعم... المشير خليفة حفتر هو الوحيد الذي يمكنه إنقاذ ليبيا، وهو الوحيد الذي قد يكون سبباً في تقسيم ليبيا أو في الحفاظ على وحدتها وتماسكها.
المشير خليفة حفتر فيما مضى تصرّف بأسلوب عسكري صرف مع "عقليّة قذّافية" في التفكير والتصرّف. نعم... المشير خليفة حفتر تصرّف فيما مضى بعقليّة "معمّر القذافي"، وتلك تؤخذ عليه وبشدّة، وقد تكون من أهم أسباب تنامي التنافر بين شرق ليبيا وغربها، وتخوّف الكثيرون من نهجه وطريقة تفكيره في المنطقة الغربية وربّما في المنطقة الجنوبية التي تعتبر بكل تأكيد أقل تأثيراً على مجريات الأمور في البلاد.
المشير خليفة حفتر قد يكون برع في الجانب العسكري لكنّه فشل بالكامل في الجانب اللوجستي وفي الجانب الإسترتيجي.... وفي الجانب الإجتماعي. وأنا هنا أحاول أن أكون صادقاً فيما أرنو إليه وبعيداً عن أي عداء أو كراهية أو حتى مجرّد حساسيّات من أي نوع. أنا أحب ليبيا وأتمنّى لبلدي أن تعبر من هذا النفق المظلم وهي موحّدة ومتكاملة ... وهي ليست تحت سيطرة القوى الظلامية(التيّار الإسلامي). 
المشير خليفة حفتر تكبّر وترفّع وسلك بكل وضوح مسلك "القائد الأوحد".... أنا البطل وأنا الآمر، وعلى الجميع أن يستمعوا إلي ويطبّقوا ما أمرهم به. ذلك تحديداً هو الأسلوب الذي إنتهجه معمّر القذّافي حينما ظنّ بأنّه "القائد الفريد"، وكان ذلك مع بدايات 1975 ووصل ربّما قمّته في فترة الثمانينات.
السيّد خليفة حفتر أصرّ على تسمية الجيش الليبي بالجيش "العربي" الليبي رغم كل التلميحات والنصائح والتحذيرات من القوى الليبيّة المثقّفة، ولم ير المشير حفتر الصورة البانوراميّة لليبيا بنسيجها الإجتماعي الذي ظل إلى الآن - وبحمد الله - موحّداً، بل إنّنا وبصدق نرى إخوتنا الآمازيغ والتبو والتوارق وهم جزء مكمّل وفاعل في كل ما جرى في بلادنا من نكائب ومصائب وأخذوا هم نصيبهم من البلاء مثل إخوتهم الليبيين في كل أنحاء البلاد، وكانت لإخوتنا الآمازيغ مواقف رائعة إجتماعيّة ووطنيّة مثل كل الليبيّين.... ولا نحفل هنا ببعض "الشواذ" الذين نعرف بأنّهم في أغلب الأحيان لا يمثّلون غير أنفسهم.
المشير خليفة حفتر أغفل وبشكل غير ذكي الجوانب الروحانيّة للشعب الليبي، ولم يبد إهتمامه بمحاولات تقريب الشقّة بين "المتديّنين" و"الليبراليين"، بل إنّه في المجمل ساهم وبشكل كبير في توسيع الهوّة بين التيّارين.
المشير خليفة حفتر صرّح في بداية حملته العسكرية منذ 3 سنوات بأنّه يرغب في الإستيلاء على السلطة في ليبيا (إنقلاب عسكري)، ولم يخرج من ذلك القالب حتى اليوم ممّا خلق له أعداء وغير مطمئنين في الكثير من الأوساط الليبيّة بما فيها المثقّفة والمتعلّمة والتيكنوقراط.
المشير خليفة حفتر غاب عنه التأثير السلبي لمحاباة العقيد القذّافي لأبنائه وتمكينهم جميعاً من السلطة على حساب كل الشعب الليبي. للأسف المشير خليفة حفتر أخذ نفس المسعى وإنتهج نفس المسلك للطاغية القذّافي وذلك بتمكينه لإبنيه خالد وصدّام من الظهور العلني معه وفي مناسبات رسميّة محظة من بينها زيارته الأخيرة لموسكو. يقال أيضاً بأنّه فرض رتبة نقيب لإبنه صدّام على عقيلة صالح، وبالفعل وضعت تلك الرتبة على كتفيه مع أن خبرته العسكريّة لا تتجاوز بضعة آسابيع تدريب في روسيا وربما مثلها في الأردن.
وأخيراً... تلك البهارج والمراسم التي ظهر من خلالها المشير خليفة حفتر وهو يفتتح فندقاً خاصّاً في مدينة البيضاء. تلك المشاهد رسّخت في ذهن المواطن الليبي صورة "المتعجرف" و "النرجسي" معمّر القذّافي أثناء عقود حكمه وبأن تصرّفات المشير من خلال تلك المشاهد تبرهن على أنّه يسير في نفس الطريق... طريق الطاغية معمّر القذّافي مسلكاً وتفكيراً.


من هنا فأنا أرى وبصدق أنّه على المشير خليفة حفتر أن يبدأ في التفكير العميق وأن يبدأ في التدبّر بصدق. على المشير خليفة حفتر أن يكون مختلفاً عن تلك الشرذمة التي حكمت ليبيا منذ 17 فبراير 2011، وأن يشعر الشعب الليبي بأنّه إنسان وطني ولا تهمّه غير ليبيا ومستقبلها. المشير خليفة حفتر هو وحده من يستطيع أن ينقذ ليبيا من هذا اليم العميق المتلاطمة أمواجه، ولكن لو أنّه بصدق إستمع إلى الشارع الليبي، لو أنّه إستمع إلى المثقفين الليبيين والمثقّفات الليبيّات، لو أنّه تواضع قليلاً ونظر بعيداً عن رغباته ومصالحه الشخصيّة حتى يكون مختلفاً عن بقيّة الجيّاع الذين نراهم بكل صفاقة يتهافتون على سرقة كل ما تقع عليه أيديهم من ثروات ليبيا وذلك من خلال إستغلال مناصبهم ومراكزهم ومواقعهم.
على المشير خليفة حفتر أن يكون واضحاً وصادقاً وشفّافاً أمام كل الليبيّين والليبيّات وأن يخرج على محطّات التلفزيون ليقولها لكل الشعب الليبي بأنّه لاهم له غير تحرير ليبيا وإعادتها إلى شبابها وشابّاتها الذين قاموا بثورة 17 فبراير وأنّه لا يطمع في السلطة ولا يسعى إلى الإستحواذ عليها. بل لو أنني أنا كنت مكانه لقلتها بكل وضوح بأنّني سوف لن أترشّح لرئاسة ليبيا وسوف أتقاعد بمجرّد تحرير ليبيا وتسليمها لمن يقدر على حكمها. على المشير خليفة حفتر أن يترك أبنائه وبناته يبنون مستقبلهم بعرق جبينهم ومن خلال التسابق الحميد مثلهم في ذلك مثل بقيّة الشعب الليبي، وأن ربما يكون الراحل جمال عبد الناصر مثالاً رائعاً له في هذا الخصوص بدل الطاغية معمر القذّافي... وأعتقد بأن المشير خليفة حفتر يعرف جيّداً النهاية التي إنتهى إليها كل من الإثنين المذكورين. أحدهما شيّعته الملايين في الوطن العربي والدموع تنزل على خدودها بكل عفويّة حزناً على فقدانه، والثاني وضعوا في مؤخرته العصاء دعك من تشمّت كل العالم فيه.
لو كنت أنا مكان المشير خليفة حفتر وأنا أعرف كم المعاناة والفاقة التي يعيشها الشعب الليبي الآن، وعلى أن كل أبناء وبنات الشعب الليبي الحقيقيّون هم الآن في حالة متردّية بشكل يصعب وصفه ويعيشون بمعنويّات أسفل الحظيظ... هذا الشعب "المرغم" على أمره يحتاج إلى قلب رحيم يفتح إليه، إلى إنسان صادق يتحدّث إليه، إلى قائد يشعره بأنّه يسعى لتخليصه من هذا العناء. لو أنّني أنا مكان المشير خليفة حفتر لكنت عرفت بأن الشعب الليبي ينتظر في كل يوم عساه أن يستمع إلى صوت حنون يأتيه عبر موجات الأثير يعده بقرب الخلاص. الشعب الليبي يتوق إلى قائد وطني يحسّ بمواجعه ويتحدّث بلسانه يخرج عليه عبر المحطّات الفضائية مساء كل خميس ليتحدّث إلى هذا الشعب المسحوق ببعض الحنيّة وببعض الرحمة والشفقة واعداً إيّاه بكل صدق بأن الخلاص هو لامحالة قادم، وبأنّه مع الشعب سوف يصنع غد ليبيا وسوف يرسم معهم وبهم معالم مستقبلها. أين هو المشير خليفة حفتر من هذا التواصل الحنون مع الشعب؟. ألم تكن فرصة نادرة سيادة المشير أن تتحدّث إلى الشعب الليبي بإعتبارك المنقذ وبإعتبارك الحاسّ بألامهم في وقت عجز الأخرون عن الإحساس بالشعب؟. خطاب من القلب إلى القلب بلغة حنينة وبإحساس وطني كل خميس قد يحسّس الليبيين والليبيّات بأنّهم لا يعانون وحدهم وبأن هناك من بينهم من يحسّ بمثالبهم... بلوعاتهم.... بآلامهم، وبأنّه سوف يعمل صادقاً على تحقيق مطالبهم. لماذا يا سيادة المشير لا تتحدث إلى الشعب الليبي بكل تواضع وبلغة رحيمة وسلسة تدخل القلوب قبل أن تدخل البيوت؟. ألم يستقطب الراحل جمال عبد الناصر الجماهير من شرق الوطن العربي إلى غربه بخطبه المتواضعة التي كانت تتحدّث بلسان المواطن الغلبان؟. ألم يستقطب معمر القذّافي الجماهير الليبيّة بشكل سحري في السنوات الخمس الأولى من عمر ثورة الجيش الوطني حتى أصبح معمّر القذّافي حينها بطلاً وطنيّاً بالمعنى الصحيح غير أنّه لغبائه ساء إستعمال تلك الشعبيّة حينما ظنّ بأنّه "الزعيم الأوحد" فخسر كل شئ. ألم يخطر ببالك سيادة المشير أن تخرج على الشعب الليبي مساء كل خميس للتحدث إليهم قلب لقلب وبكل تواضع حتى تكون أنت بينهم ويحسّون هم بأنّك بالفعل تنتصر لهم؟. ذلك هو الأسلوب سيادة المشير الذي به تستقطب كل جماهير الشعب الليبي وراءك وبهم تنتصر على أولئك الذين يخطّطون الآن في غرب البلاد لفرض سيطرتهم وطغيانهم على هذا الشعب المنكوب والغلبان. هناك الكثير مما يمكنك عمله لأستقطاب جماهير الشعب الليبي خلفك، وحينما تعرف بأن الشعب هو بالفعل معك في كل أنحاء البلاد.. حينها يمكنك سيادة المشير دخول العاصمة بدون قتال وبدون دمار وبدون إراقة دماء، وحينها تكون بالفعل "الفاتح" الجديد بعد طول إنتظار. ألم تتعلّموا في دروسكم العسكريّة كيف تستقطبون جماهير الشعب من ورائكم، وكيف بهم تحقّقون النصر على أعتى القوى؟. إن كل من يفكّر في الإنتصار عليه إحتساب "قوّة" الشعب إلى جانبه، ولا يمكنك كسب قلوب الناس بالتعالي والترفّع وإيثار أبنائك على حساب أبناء الشعب الغلبان. 


وأخيراً... أنا أرى لو أن المشير خليفة حفتر عاد إلى رشده وتواضع قليلاً في تصرّفاته، وأكثر من تواصله مع الشعب الليبي كأب حنون وكمنقذ ودود فإنّه سوف يقدر على تحرير ليبيا كلّها بدون حرب وبدون دمار، وسوف يحافظ عليها موحّدة وقوية، وسوف يفتح أمامها الطريق نحو غد متحضّر ومتمدّن بعيداً عن تلك الكهوف التي يستعد تجّار الدين لحفرها لكل الليبيّين حتى يغيّبوهم عن العالم المحيط بهم بحجّة "الحكم بشريعة الله".. وإعادة سيرة "السلف الصالح".... وتأسيس "دولة الخلافة" وما إليها من العبارات "الداعشيّة" المنافقة والخاذلة..

ليست هناك تعليقات: