2017/06/10

القيم والأخلاق هي قوافي التوافق والرواق

الحرص على ممارسة الطقوس لا يكسبها قدسيّة، بل يحوّلها إلى كيانات محنّطة كالأصنام يعبدها بعض الناس بدون أن يبحثوا في كنهها . . . دع عنك تطويرها أو إبعادها.

كلّنا يصوم في هذا الشهر الفضيل، والكثير منّا يقرأ القرآن ويصلّي ويتهجّد ويسبّح الله ويكثر من الدعاء؛ لكن القليل منّا هو من يجلس ويفكّر ويتأمّل ويتدبّر ويحلّل الواقع بهدف البحث عن المشاكل والقبول بها ومن ثمّ التوصّل إلى إيجاد الحلول الناجعة لها.
هناك أشياء نتوارثها بدون التوقّف عندها ومناقشتها في داخل عقولنا، وهناك أشياء نأخذها كمسلّمات ونمنع على أنفسنا البحث في إمكانيّة تحديثها أو حذف البائد منها بحجّة أنّها مقدّسة وغير خاضعة للتجديد أو التطوير.
الحياة خلقها الله هكذا تسير إلى الأمام، وخلقنا نحن البشر كي نسير معها، نطوّرها، نستحدثها، ونضيف إليها من خبراتنا في الحياة ومن إبداعاتنا في إستخدام نعمة العقل وملكة التدبّر وخاصّية التخيّل والتصوّر... فهل إستفدنا من نعم الله علينا، وهل سلكنا الطرق التي أمرنا الله بسلكها والسير فيها؟.
الله أمرنا بالصدق، بالتواضع، بالقناعة، بالرحمة، بالعطف، بالإخلاص، بالوفاء.... أمرنا بأن نكون طيّبين في معاملاتنا، مخلصين في تعاملاتنا، قنوعين في كل تصرّفاتنا، وفوق كل شئ بأن نساعد الفقير وأن نرفق بالعسير، وان نعطف على اليتيم والضرير.... فهل فعلنا، وهل إتصفنا، وهل لأنفسنا ولغيرنا أنصفنا؟.
أنّني أرى الملايين تنفق على مسابقات وجوائز حفظ القرآن في أغلب البلاد العربية والإسلاميّة وكأنّي بها أصبحت "موضة" أو مدعاة للمباهاة ، وأرى تلك الحفاوات المبالغ فيها لمسابقات حفظ القرآن، واقرأ عن المليون حافظ للقرآن في ليبيا؛ ولكن.... هل توقّفنا عند هذه الممارسة التي أصبحت عند الكثيرين مقدّسة ولا يسمح بالخوض فيها أو مناقشتها دعكم من إنتقادها أو طرح البدائل لها؟.
مليون حافظ للقرآن في ليبيا... ماذا فعلنا بهم وما هي النتائج التي حقّقناها أبعد من مجرّد حفظ القرآن: {{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}}. فهل إنتقلنا بحفظ القرآن لنقف بجانب الأقوام التي تجاوزتنا بدون حفظ وبدون طقوس، وهل برهنّا على أن حفظ القرآن يساعد على الإبتكار والإختراع، وما هي الفضائل التي غرسناها في المجتمع نتيجة لتلك "التقليعات" التي أصبحت مدعاة للتفاضل والتفاخر بين الشعوب الإسلاميّة وكأنّي بهم قد إكتشفوا السر الذي يفتح أفق الحياة أمامهم.
يا سادتي ويا سيّداتي... أيّهما أفضل بأن يحفظ الطفل كل القرآن ولا يفهم من معانيه شيئاً أو أنّه يفهم معاني عشرة سور صغيرة منه؟. منذ متى أمرنا الله بحفظ القرآن، وهل طلب الله منّا في أية سورة في القرأن بأن نحفظ القرآن؟.
دعوني أعود بكم إلى كلام الله لنرى جميعاً ماذا قال لنا وبماذا أمرنا، وما هي المغازي من ذلك. قال الله تعالى: {{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}}. من هنا نرى بأن الله لم يأمرنا بحفظ القرآن إطلاقاً ولا هو حثّنا على فعل ذلك، وإنّما نحن من إرتأى قراءته وترتيله قدوة بنبيّنا عليه السلام الذي خاطبه الله من قبل ناصحاً إيّاه بأن يرتّل القرآن ترتيلاً. الله طلب منا بأن نقرأ القرآن وأن نرتّله: {{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}}، وأن نتدبّره: {{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}}، وان نتذكّره دائماً في حياتنا: {{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}}... لكنّه لم يأمرنا قط أن نحفظه. فالله لم يكن في حاجة إلينا بأن نحفظ القرآن حيث سبق له وأن قالها لنا واضحة: {{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}}، وقال أيضاً: {{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}}... بمعنى أن الله أنزل القرآن وقام بحفظه في لوح محفوظ نحن في حاجة للبحث في مقصد الله ب"اللوح المحفوظ". نحن نعرف بأن عالم اليوم قد وصل إلى وسائل وطرائق لتسجيل الوثائق وحفظها بشكل لم يسبق له مثيلاً في التاريخ، ولا يمكن في عالم اليوم بعثرة القرآن أو خلطه أو تشويهه بدون أن يستدرك ذلك ويتم تصحيحه. وبرغم كل ما توصّل إليه العلم في عصرنا الحالي من إمكانيات إليكترونيّة هائلة لحفظ الوثاق بشكل دائم، إلّا أن مقصد الله باللوح المحفوظ هو يقينا ليس هذا ويقيناً فإنّ للرب وسائله وطرائقه لحفظ كتابه.
تسأل مواطنة بسيطة أحد شيوخ الدين: هل حفظ القرأن فرض على المسلمين ، أم أن الأولى بنا تدبّر آياته والعمل به ؟. نحن اليوم نرى الكثير من المشايخ وهم يهتمّون فقط بتحفيظ القرآن ولايحثّون على العمل بكتاب الله افيدونا جزاكم الله خيرا.
ويجيب عليها الشيخ: حق القرآن على المسلم أن يقرأه و يتلوه ، و يدرسه و يتدبّره ، و ينصت اليه إذا قرىء .... هذا هو المذكور فى القرآن الكريم .
من لا يقرأ ولا يكتب ، ومن ليس مؤهلاّ للبحث والدرس ، ومن به صمم فلا يسمع : كل أولئك لا تثريب عليهم. حفظ القرآن قد يحتاج اليه المتخصّص ، ولكنه ليس فرضا.
من هنا أنا أرى بأن كل المعاهد والزوايا والمدارس الدينيّة عليها بأن تهتم بتشجيع الأطفال على فهم وتدبّر القرآن بدل حفظه، فكل ما يحتاج إليه أي طفل صغير أو شاب في مقتبل العمر هو بعض الآيات القصيرة ومعها الفاتحة لتعينه على أداء الصلاة على الوجه المطلوب، أمّا حفظ القرآن في عالم اليوم - حيث يتوفّر في كل مكان وبأية كيفية - فالأفضل من وجهة نظري أن توجّه تلك الملايين إلى البحث العلمي والعناية بشئون الناس ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وبناء المدارس العصريّة مع تحديث طرق ومادة التدريس بما يساعد الجيل الجديد على الإنسجام مع بقيّة سكّان المعمورة الذين يسيرون إلى الأمام ويسعون حثيثاً من أجل الإبتكار والإبداع وفهم جوانب جديدة من هذه الحياة التي خلقها الله لنا لنتمتّع بأفضاله علينا فيها ولنتدبّر عظمة خلقه لها.

ليست هناك تعليقات: