2017/04/29

دولة بلا جيش هي فوضى وضياع وطيش

تمكّن الإنسان عبر العصور وعبر التجارب وعبر التعلّم وعبر المحاولة والخطأ من رسم معالم جديدة لحياته، وبذلك فقد إنتقل إلى الأمام وإستطاع الإنسان المبدع أن يوصل بالبشريّة إلى ما هي عليه الآن... وسوف نشهد المزيد من التطوّر والتمدّن والتحضّر في وقتنا الذي سوف نعيشه؛ امّا من سوف يأتون من بعدنا فهم بكل تأكيد سوف يتنعّمون بحياة أروع وأفضل وأرقي بكثير من حياتنا التي نعيشها الآن. أنا هنا لا أقارن بحياة الإنسان القديم، وإنّما فقط أقارن حياة الإنسان في الأمس القريب جداً وحياة الإنسان اليوم وحياة الإنسان المنشودة خلال العقد القادم من الزمان... وأحلم كثيراً جداً برؤية ما يسرّ النفس ويبهر النظر.
بعد ثورة 17 فبراير 2011 دخلت ليبيا في فوضى بدأت صغيرة ولكن ما لبثت أن تعاضمت عبر السنوات الست الماضية، والسبب الجوهري في ذلك هو تغييب الجيش الليبي، وكذلك تغييب باقي مؤسّسات الدولة خاصّة ومنذ يوليو 2014 حينما قام الهمجيّون بالإطباق على مؤسّسات الدولة وتدميرها بعد أن سبقهم أمثالهم من الهمج في شرق البلاد بإغتيال بقايا الدولة في بنغازي وما حولها.
تم القضاء على ما تبقّى من ضبّاط الجيش، وتم القضاء على ما تبقّى من الأجهزة الأمنية وتمت إخافة عناصر الشرطة وترهيبهم بهدف إبعادهم عن الساحة حتى تخلو الأخيرة لكل عابث ولكل طامع ولكل مخرّب. وبالفعل دخلت ليبيا في فوضى لم تكن في أذهان ولا تفكير من قاموا بالثورة في عام 2011. تمّت إزالة الدولة بكل معالمها حتى يتمكّن الفوضويّون والهمج من فرض وجودهم على الساحة، وحتى يسرق الطامعون ما يريدون بدون أن يخرج عليهم من يردعهم أو حتى يقلق مضاجعم. دخلت بلادنا في فوضى، وعانى أهلنا من وقعها وتحوّلت ليبيا بالفعل إلى خرابة ومرتع لك الأفّاقين والمنافقين والدجّالين من داخلها ومن خارجها، وطمع فينا حتى الحقراء الذين كانوا لا يستطيعون التفوّة بعبارة واحدة ضد هذه الدولة قبيل ثورة 17 فبراير 2011.


في المقابل، رأينا بأن تونس التي سبقتنا بالثورة بثلاثة أشهر فقط قد تمكّنت بكل نجاح من إعادة بناء الدولة ونجحت تونس بسرعة فائقة من الإنضمام إلى طابور بلاد العالم السائرة إلى الأمام، وما نجحت تونس فيما نجحت فيه لولا حفاظ إخوتنا في تونس على جيشهم، ولولا وقوف الجيش المهني في تونس مع البلد وضد كل من حاول الإساءة أو النيل من ذلك البلد. نجحت تونس في المضي قدماً فقط لأنّ جيشها لم يمسّه ضرّاً ولآن مؤسّساتها كدولة بقيت متكاملة وفاعلة، ولآن كل من حاول العبث بتونس وجد من يردعه أو يبعده أو يزيحه.
نحن فشلنا فشلاً ذريعاً لأنّنا لم نمكّن جيشنا من إعادة تنظيم فئاته وأفراده، ولأن بعضنا وللأسف رأى الجيش عدوّاً مبيناً فقرّر التخلّص من ضبّاطه وخيرة المهنيين فيه. نحن فشلنا وللأسف لأنّه وجد بيننا من لم يكن يعترف بشئ إسمه الدولة العصريّة، ومن مازال يعتقد بأبجديات وثقافة العصور التي تجاوزها الزمن.
نحن الآن نجد أنفسنا تائهون ولانعرف لنا قراراً وذلك فقط لأنّنا فقدنا البوصلة... بوصلة العبور إلى الأمام وهي "الجيش". لا يمكن يا سادتي ويا سيّداتي لأية دولة في العصر الحديث بأن تكون دولة ويكون لها إعتباراً بدون جيش. لا يمكن تكوين دولة بدون جيش مهني ومحترف وقادر. هذه بديهة يتوجّب علينا الأخذ بها والإيمان بها والتفكير على أساسها إن كنا نرغب بالفعل في الخروج من هذا التيه الذي نعيشه الآن. علينا كليبيين وليبيّات بأن نقتنع قناعة لا جدال فيها بأنّنا بدون جيش سوف لن نتمكّن من بناء دولة ولو جلبنا كل العالم ليعيننا على تحقيق ذلك. لا أمم متحدة، ولا دول كبرى، ولا جيران أو أصدقاء سوف يبنون لنا دولة أو يبنون لنا جيشاً. نحن أبناء وبنات هذا البلد من فقط نستطيع بناء دولتنا، وسوف لن نبنيها بدون جيش وبدون شرطة وبدون بناء مؤسّسات الدولة العصريّة... وبدون قانون وبدون قضاء يحكم بالعدل.
المشير خليفة حفتر ورفاقه في شرق البلاد الآن، وبعض من رفاقه في غرب وجنوب البلاد هم الآن يعملون بكل قوّة ومثابرة على إعادة بناء الجيش الليبي، وأعتقد بأنّهم صادقون في ذلك. أنا لا يوجد لديّ أي شك في أن ما تقوم به قيادة الجيش في شرق البلاد من مجهودات ومساعي ومحاولات وإتصالات إنّما هو يهدف فقط إلى إعادة بناء الدولة الليبية وفق أسس الدولة العصريّة، وهم يعرفون يقيناً بأن ذلك سوف لن يحدث بدون وجود جيشاً يفرض القانون ويحمي رعاته والحاكمين به.
إن كل ما يقال عن قيادة الجيش وكل ما يشاع وكل ما يتداول وخاصّة في العاصمة إنّما هو يصدر من أفواه أولئك الذين يكرهون الجيش ولا يطيقون رؤية الدولة تتكوّن وفق الأسس العصريّة للدولة لأنّهم لا يريدون قيام دولة وهم يعرفون يقيناً بأن قيام دولة بكل مؤسّساتها سوف يقطع عليهم الطريق نحو الكذب والغش والسرقة والنهب والإحتيال والتدجيل على الناس. إنّهم هم فقط من يقف في طريق تأسيس الدولة وهم سوف لن يتركوا الدولة تتكوّن بدون وجود من يفرض ذلك عليهم، وسوف لن يفرض ذلك عليهم غير الجيش القوي الذي هم بسبب ذلك يحاربونه.
إن ما يجري في شرق البلاد الآن بعد سيطرة الجيش على مجريات الحياة هناك هو ما سوف يعيد لنا الأمل ببناء دولتنا العصريّة، وما هي إلّا بضعة آسابيع حتى نرى بنغازي وهي تخرج في أبهى حلّة لها كمدينة آمنة ونظيفة ومريحة لسكّانها، وما هي إلّا بضعة آسابيع حتى نرى مؤسّسات الدولة وهي تعود من جديد إلى بنغازي والمناطق الشرقية التي يحميها الجيش الوطني ويحافظ على أمن وسلامة المواطن فيها.
مجلس النوّاب سوف يعود قريباً إلى بنغازي، وأجهزة الشرطة كانت بالفعل قد فُعّلت وكانت قد بدأت تفرض وجودها في الشوارع والميادين. كليّات الجامعة أعادت إفتتاح أبوابها لطلّابها، أسواق بنغازي بدأت تفتتح من جديد، والمواطن بدأ يخرج في أيّ وقت في وسط وضواحي بنغازي وهو يحسّ بالأمن والسلامة لآنّه يعرف بأن هناك من يحميه ويسرع لنجدته إن هو تعرّض لأية محاولة إغتصاب أو إختطاف أو إبتزاز أو إعتداء من أية جهة كانت. شوارع وميادين وأزقّة بنغازي أصبحت الآن نظيفة بالكامل من أية مليشيات مسلّحة، وعصابات الجريمة المنظّمة سوف لن تتمكّن من البقاء في بنغازي بعد الآن نظراً لحماية الجيش لمرافق الحياة فيها.
الكلّية العسكرية في بنغازي كانت قد فتحت أبوابها منذ فترة وشرعت في تخريج الضبّاط المهنيّين والإحترافيين، وهؤلاء سوف يساهموا في تقوية وإستمرارية الجيش الليبي من أجل المحافظة على الدولة من التبخّر. السلاح سوف يصل إلى الجيش الليبي بقرارات دولية أو بغيرها، والمناطق الغربية سوف يستغيث أهلها بالجيش لإنقاذهم من السرّاق والمجرمين . . . والجيش سوف يهب وبكل قوّة لإنقاذ الناس في غرب البلاد وجنوبها من عصابات النهب والسرقة والإختطاف والقتل، وسوف بكل تأكيد ينتصر الجيش. سوف بكل تأكيد ينتصر الجيش.... وحينما ينتصر الجيش فسوف تنتصر ليبيا.
عندما ينتصر جيشنا ويفرض سيطرته على كل التراب الليبي سوف يتمكّن الليبيّون والليبيّات حينها فقط من المشاركة في إنتخابات جديدة تكون نتائجها عاكسة لإرادة الناس وتكون المحافظة عليها مضمونة بقوة وإرادة الجيش.
إن الذين يتحدّثون الآن عن إجراء إنتخابات برلمانية وإنتخاب لرئيس الدولة إنّما هم من وجهة نظري يعيشون بعيدين عن الواقع، فلا إنتخابات بدون وجود من يحمي نتائجها، ورجائي رجائي أن تتركوا المنظّمات الدولية لشأنها فهي قد ترسل لكم من يشرف على الإنتخابات وقد تعينكم بتزويدكم ببعض المهنيين والفنيين، لكنّها سوف لن تحمي لكم نتائج تلك الإنتخابات وسوف لن تمنع من سوف يجهضها في مهدها كما حدث في إنتخابات 2012 التي كانت باهرة بكل المعايير وكانت ناجحة بكل المقاييس، لكن وللأسف سرعان ما عبث بها من لا يريد أن يرى دولة عصرية تتكوّن في ليبيا.... وحينها وللحسرة لم يكن يتواجد لدينا جيشاً ليحمي مؤسّسات بلادنا ولم تكن تتواجد لدينا شرطة قادرة على حماية أهلنا من المجرمين. علينا بأن نتعلّم الدروس وبأن لا نكرّر الأخطاء، وعلينا بأن نفكّر ونعتقد ونعترف بأن الذي ينقصنا هو ليس إنتخابات ولا مؤسّسات ولا مكاتب ولا سفارات ولا قناصل أو قنصليّات، وإنّما الذي ينقصنا هو فقط من بيده أن يحمي هذه المؤسّسات ويمكّنها من العمل وذلك هو الجيش بمعاونة الشرطة وأجهزة القضاء، والطيّبون والطيّبات من أهل البلد... وهم كثّر ومتواجدون في كل مكان، لكنّهم مبعدين الآن بقوّة الجبروت وسلطة الطغيان.

ليست هناك تعليقات: