2016/02/26

تشكيلات ومسمّيات غريبة لتمزيق ليبيا الحبيبة

 
منذ إجراء أوّل إنتخابات حرّة ونزيهة في ليبيا في يوليو 2012 والجماعات الدينيّة المتشدّدة (الإخوان والليبية المقاتلة وكتلة الوفاء للشهداء وأنصار الشريعة وبقايا حزب التحرير والعودة في الزاوية وغيرهم) وهم يسعون بكل ما أوتوا من مكر ودهاء للعبث بالدولة الليبية كدولة ويبحثون عن كل وسيلة وكل خدعة لمحاربة مشروع الدولة ككل والديموقراطية كوسيلة للحكم فيها، لأن هذه الجماعات الدينيّة المتطرّفة تحارب الدولة ككيان وتحارب الديموقراطية كنظام حكم بإعتبار الإثنتين من البدع الغربيّة التي تحارب الإسلام حسب مفاهيم وعقليات هذه الجماعات المتكلّسة.
في البداية أخرجوا لنا كتائب الثوّار، ثمّ حوّلوها إلى الدروع، ثم قوّات الردع، ثم مجالس شورى الثوّار، ثمّ قد نسمع لاحقاً عن الفيالق الإسلاميّة، والصحوات والعشائر وجيش القبائل، وقد يخرجوا علينا بأسماء وتشكيلات أخرى الهدف الوحيد من ورائها هو منع تشكيل جيش وطني ومنع تشكيل شرطة وطنيّة وبقية مؤسّسات الدولة العصريّة. إن أي من مؤسّسات الدولة العصريّة تعتبر عند الجماعات الدينيّة من "الموبقات" ويطلقوا عليها من الأسماء والكني بما يجعلها منبوذة ومكروهة من المواطنين نظراً لربطها بعامل الدين والإعتقاد والأسس الإيمانيّة عند الشعب الليبي المعروف عنه تديّنه وحبّه لدينه.
كان أوّل ضحيّة لدعايات الإخوان الهدّامة هو مؤسّس تركيا الحديثة مصطفى كما أتاتورك الذي أطلقوا عليه كل العبارات القبيحة من أجل تغبيش صورته وتشويه سيرته حتى لا يكون مثالاً للتحرّر في المنطقة العربيّة والإسلاميّة ولكي لا يكون منوالاً بمكن الإهتداء بنهجه لإحداث التغيير في المنطقة العربية على وجه الخصوص التي كانت تسيطر عليها الأسر الحاكمة بالوراثة من شرقها وحتى غربها.

بعد كمال آتاتورك جاء الدور على الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي حاربته كل الجماعات الإسلاميّة بدون إستثناء ولكن بكل تأكيد كان تنظيم الإخوان من أكبر أعدائه والمناوئين له في كل المنطقة. حورب عبد الناصر بكل الوسائل الغير أخلاقيّة، وتم التنكّر لكل مساعي عبد الناصر للتقريب بين طبقات المجتمع المصري ومحاولاته للوقوف مع ودعم الطبقات الكادحة في المجتمع المصري والتي كانت حقوقها مهضومة من قبل الحكّام ومن قبل الطبقة الأرسطوقراطيّة على حد سواء.
بعد عبد الناصر بدأ التيّار الديني المتشدّد يحارب "العلمانيّة" وكان ذلك بأن ربطوها ب"الكفر" حتى يكرهوا الناس فيها ويمنعوهم حتى من البحث في كنهها وفلسفتها. فيكفيك في العالم الإسلامي لمحاربة أي فكر أن تنعته بالكفر وبذلك تظمن إقصائه ونبذه من قبل الأغلبية وهي المنتمية إلى محدودي التعليم قليلي الثقافة وهؤلاء هم من يسهل الضحك عليهم ودغدغة مشاعرهم بالعزف على نغمة الدين. 
"العلمانية" مازالت هي كلمة السر في ما يسمّى بعودة "الصحوة الإسلاميّة" على إعتبار أن حكّام العرب في فترة الخمسينات والستينات (الوطنيّون والتحرريّون) هم من العلمانيين الذين يحاربون الدين ويحاربون رجال الدين "الطيبين". 
الوهابيّون والطالبان والقاعدة وبوكو حرام وجبهة النصرة وأنصار الشريعة وبقية التنظيمات الدينيّة المتشدّدة (التكفيريّة) عادوا إلى الساحة بكل قوّة وبكل زخم وهم يعزفون نغمة "الصحوة الإسلاميّة" على خلفيّة "العلمانية" الكافرة والمقيتة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من هزائم وإنكسارات... هههههه.
من خلال متابعتي لتصرّفات مختلف الجماعات الإسلاميّة خلال العقود الأربعة الماضية لاحظت بأنّها كلّها تتفق على مبدأ "الإخوان" القائل بأن "الغاية تبرّر الوسيلة" أو بما يعرف عن مشائخ الدين "الأمور تحسب بمخرجاتها" وهي نفس عبارة "الغاية تبرّر الوسيلة" ولكن بصياغة مختلفة من أجل الضحك على ذقون الغافلين. قادة هذه الجماعات والتنظيمات الإسلامية يجيدون الكذب والنفاق وتأليف القصص والمواقف ولا يخجلون في ذلك قط معتمدين على بلاهة وسطحيّة التفكير عن الغالبية العظمى من جماهير الشعب العربي والإسلامي الذين منعوا من التفكير والتدبّر والتصوّر والمناكفة على إعتبار أن تلك الأمور تعتبر من "المحرّمات" أو بمعنى آخر من الأمور"التي تفتح أبواب الشياطين".
كانت آخر التقليعات "الإخوانيّة" في ليبيا تتمثّل في إبتداع "المجلس الأعلى للمصالحة الكبرى في ليبيا" الذي أعلن عن تأسيسه هذا اليوم، وهذا المجلس الأعلى ما هو إلا وسيلة أخرى للتشويش على مساعي تكوين الدولة العصرية خاصّة بعد إنتصارات الجيش في المناطق الشرقيّة وإحتمالية أن تنتشر العدوى إلى المناطق الغربية وبذلك قد تتحرّر ليبيا من قبضة الجماعات الدينية التي تحلم بعودة الخلافة وعودة زمن "السلف الصالح" كوسائل لمنع تكوين الدولة العصرية أو حتى مجرّد التفكير في مثل هكذا أشياء من قبل عموم الشعب الذين يقودهم جهلهم وتسيّرهم عواطفهم.
علينا بأن نكون حذرين من مثل هذه الدعوات للمصالحة فهي جذّابة في مظهرها وخبيثة جوهرها، وعلينا كشعب ليبي أن لا نرضى بغير الدولة العصريّة بكل مؤسّساتها التي يعتبر الجيش عمادها والشرطة حاميتها والقانون راعيها. علينا بألا نرضى بغير هذ المؤسسات في الدولة العصرية وأن ننتبه إلى بقية الأجسام التي يتم تشكيلها في موازاة مؤسّسات الدولة بغرض التشويش من ناحية وإحداث الفوضى من ناحية أخرى، فالجماعات الدينية المتطرّفة لا يمكنها أبداً أن تعيش في وجود القانون والنظام لأنها لا تستطيع أن تواكب العصر والتحضّر والمدنيّة.. فالصراصير لا تستطيع العيش في الآماكن النظيفة.

ليست هناك تعليقات: