2015/11/06

مرض باركنسون

 مرض باركنسون هو نفسه مرض "الشلل الرعاشي" paralysis agitans... وهو مرض مزمن لا يوجد له دواء شافي في الوقت الحاضر، لكن المستقبل قد يحمل أخباراً سارّة للمصابين به في السنوات القليلة القادمة.
توجد لهذا المرض الكثير من الأعراض التي منها الجوهري ومنها الثانوي:

أعراض جوهريّة
هناك ثلاثة أعراض جوهريّة يعتبر وجودها مهماً جدّاً لتشخيص المرض، وهي:
  1. الإرتعاش: وهو إرتعاش يزيد في حالة السكون ويخف أو ينعدم في حالة الحركة على عكس بقيّة أنواع الإرتعاشات الأخرى. كما أنّه يمتيّز بإصابة يد واحدة فقط أو يد أكثر من الثانية. الإرتعاش قد يصيب الرأس وقد يصيب الرجلين في بعض الأحيان.
  2. الحركة البطيئة: وتظهر بوضوح في إحدى اليدين أو كليهما بشرط أن تكون واحدة أبطأ من الثانية. الحركة والمشي والدوران هي أيضاً يصيبها بطء شديد قد يصل أحياناً إلى التجمّد في مكان واحد قبل بدء المسير أو في وسطه. وكنتيجة للحركة البطيئة فإنّ الكتابة باليد تصبح هي بدورها صغيرة جدّاً وأحرفها متراكبة وقد يصبح من الصعب قراءتها.
  3. التصلّب أو الجشئ أو التجلّد: وهذا هو بدوره يصيب يد أكثر من الأخرى أو جانب أكثر من الآخر، وقد يتخذ شكل التصلّب المسنّن (المتقطّع) أو تصلّب القضيب الرصاصي (المستمرّ).
أعراض ثانويّة
بالإضافة إلى هذه الأعراض الجوهريّة، توجد الكثير من الأعراض المكمّلة ومنها:
  1. علامات على تعبيرات الوجه: منها الوجه القناعي (الخالي من الملامح)، ومنها التفنيص (التحديق)، ومنها غياب الترميش في العيون، ومنها ترك الفم مفتوحاً جزئيّاً بما يسمح بتسرّب اللعاب من أحد جوانب الفم على غير رغبة المصاب.
  2. تغييرات في الشخصيّة والسلوك مثل الشك والإرتعاب والتردّد والغضب السريع وتذبذب النوم في الليل، وأحياناً الأحلام المزعجة.
  3. التعب الزائد والذي لا يوجد له مبرراً. 
تشخيص المرض
 مرض باركنسون يشخّص من خلال الأعراض والفحص السريري، ولا توجد صعوبة في تشخيص هذا المرض بالنسبة لأخصائيي الأعصاب المتمرّسين. أما المبتدئين أو أولئك الذين لا توجد لديهم خبرة محترمة في أمراض الأعصاب فإنّهم كثيراً ما يخلطون بين مرض باركنسون وأمراض أخرى مشابهة له لأبعد الحدود منها:
  1. الشلل فوق النووي المتدرّج(المتنامي) Pregressive Supranuclear Palsy.
  2. خبل جسيم لوي Lewy Body Dementia.
  3. التدهور القشري-القاعدي للمخ Cortico-Basal Degenertion.
  4. الضمور الجهازي المتعدّد Multi-System Atrophy

هذه الحالات المرضيّة قد تكون مشابهة بشكل كبير جدّاً لمرض باركنسون وقد يصعب أحياناً تمييز أحدها عن الآخر، وبذلك فإنّ تشخيص مرض باركنسون يجب أن يكون على أيدي مهني متخصّص في مرض المخ والأعصاب وتكون لديه خبرة طويلة في هذا المجال.
هناك حالات في بعض الأحيان يصعب تشخيصها، وتلك قد تتطلّب تصوير خصوصي بإستخدام النظائر المشعّة ومصوّرة جاما، والنظير المشع الأكثر إستخداماً في هذا الإطار هو اليود المشع 23، وقد يستخدم يود مشع 25.

هناك الكثير من الحالات الأخرى التي تشتمل على بعض أعراض مرض باركنسون ولكن لها مميّزات أخرى تفصلها عن مرض باركنسون وبذلك فهي الأسهل في هذا الإطار لتمييزها عن مرض باركنسون. من بين هذه الحالات المرضية تصلّب شرايين المخ والأعطال الناجمة عنها، الإستسقاء المائي للمخ في وجود ضغط طبيعي للسائل المخّي، وكذلك مرض ويلسون خاصّة للمصابين الصغار بأعراض شبيهة لمرض باركنسون.

العلاج
علاج مرض باركنسون ليس هو بتلك السهولة التي قد يراها الكثيرون. علاج مرض باركنسون هو فن وفلسفة وتأنّي وتدبّر وتفكير عميق. علاج باركنسون يحتاج إلى خبير متخصّص لإختيار العلاج المناسب لمختلف المصابين بهذا المرض.
توجد خمسة مستويات علاجيّة يجب الإختيار من بينها أو إختيارها كلّها حسب الحاجة، بالإضافة إلى إختيار سادس وهو الجراحة، وإختيار سابع وهو زراعة الخلايا الجذعيّة. هذا العلاج مازال في أطواره الأوليّة، لكنّه قد يبشّر بمستقبل أفضل لمرضى باركنسون.

مستويات العلاج لمرض باركنسون
  1. العلاج الجوهري، والذي يتمثّل في إستخدام الدوبامين على هيئة ليفودوبا مع معطّلات إنزيم التحوّل والتي منها كاربيدوبا و بنزسيرازايد. العقاقير المتوفرة في هذا المجال هي السيناميت بأنواعه الثلاثة، و مادوبار بأنواعه الثلاثة أيضاً. هناك أسماء تجارية مختلفة لهذه المركّبات حسب الشركات المستخدمة، وحسب الدول التي تعمل بها تلك الشركات.
  2. العلاج المساند، وهذا يتمثّل في داعمات الدوبامين والتي منها روبيرونول، براميبكسول، روتيجوتين. هذه المركّبت الدوائيّة هي أيضاً لها مسمّيات تجارية مختلفة، ويتم تحضيرها بخصوصيات مختلفة منها تلك التي تتسرّب مادّتها الكيميائيّة ببطء لتمديد فترة فعاليّتها. بعضها يحضّر على هيئة مربّعات لاصقة على الجلد وتشتغل لمدّة 24 ساعة مواصلة.
  3. مثبّطات الإنزيم كوميثايل ترانسفيراز، من أمثال إنتاكابون، تالكابون.
  4. مثبّطات مونوامينوأوكسيداز بي، من أمثال سليجيلن، راساجالين.
  5. مضادّات الأسيتايل كولين، من أمثال أرتان، كوجنيتين، أورفينادرين، بروسايكليدين.
الفلسفة الجديدة في علاج مرض باركنسون تنصح بإستخدام العلاج المتعدّد لتقليل المضاعفات الجانبيّة وتحسين الفائدة.
هناك علاجات أخرى قد يتم الإلتجاء إليها إن لم تكن الخيارات السابقة كافية للسيطرة على أعراض مرض باركنسون من بينها: حقن أبومورفين، ديودوبا أو جيودوبا( مباشرة للأمعاء الرفيعة)، ثمّ الحثّ الكهربائي المخّي العميق، والعمليات الجراحيّة النوعية.... ثم أخيراً زراعة الخلايا الجذعيّة.
كما يجب الإنتباه إلى أن علاج مرض باركنسون يجب بألا يقتصر على معالجة المرض نفسه وإنّما يجب أن يتعدّى ذلك إلى الرفق بالشخص المصاب بهذا المرض في جميع نواحي الحياة النفسيّة والإجتماعيّة ومعالجة بعض الممارسات الخارجة عن السيطرة مثل الكذب والسرقة والهوس بما في ذلك الهوس الجنسي. هذه الأعراض هي نادرة الحدوث لكنّها إن حدثت فإنّها تسبّب الكثير من المشاكل الأسرية والإجتماعية، وبذلك فيجب التنبّه إليها جيّداً والحذر منها ومعالجتها بمجرّد ظهور علاماتها الأوّليّة.
من هنا نرى بأن التعامل مع مرض باركنسون هو أكثر من مجرّد التعامل مع مرض مزمن، ويتوجّب التواصل مع أخصائيّين بقدر كبير من الخبرة والمهنيّة التخصّصية بهدف تذليل الصعاب وتقليل المضاعفات (مضاعفات المرض نفسه ومضاعفات العلاج).

وختاماً... أو أن أذكّر أيضاً أن من بين علامات مرض باركنسون هو كثرة اللعاب (التريّق)، وهذه تستخدم للتقليل منها علاجات قديمة تعتمد على مادّة الأتروبين ومشتقّاتها مثل الهيوسين؛ لكن العلاج المستحدث لهذه الظاهرة المنتشرة بين مرضى باركنسون هو إستخدام البوتوكس بأيدي خبيرة ومدرّبة.

أسأل الله لمرضى باركنسون ولعائلاتهم وأصدقائهم ان يكون الرب في عونهم ويسهّل علاجهم ويديم إستجابة المصابين منهم للعلاج الموصوف من أجل راحة الجميع(المريض والأسرة).
وعلينا بألا ننسى الكآبة، والتي تصاحب كل مرض عضوي مستديم، ومرضى باركنسون هم بكل تأكيد من بين أولئك الذين تكثر عندهم أعراض الكآبة، ويجب الرفق بهم من ناحية ومعالجتهم بما يجب وفق أحدث أسس معالجة الكآبة.

ليست هناك تعليقات: