2015/10/04

العرب بين مقايضات روسيا ونفاق الغرب

 العالم من حولنا يفكّر ويخطّط ويبادر، ونحن ليس بحولنا غير إنتظار ما يخطّطه الغير لنا؛ ذلك لأنّنا دائماً ننتظر ماذا عساه أن يأتينا به القدر. نحن نؤمن بأن كل ما يصيبنا هو مكتوباً لنا، ومن ثمّ فما الحاجة للمحاولة طالما أننا نؤمن بأنّنا لا نستطيع تغيير ما عساه أن يحدث غداً.
لم تمض أربعة أيام على دخول روسيا الحرب على الإرهاب في سوريا حتى تم ضرب أكبر معقل لداعش يوم الأمس في مدينة الرقّة السورية وهي بمثابة عاصمة تنظيم داعش الإرهابي. فقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية، يوم الأمس السبت، بأن طائراتها المقاتلة شنّت غارات دمّرت مركزاً للقيادة وتحصينات تحت الأرض، تابعة لتنظيم "الدولة الاسلاميّة" بالقرب من معقله في الرقّة شرق سورية. وقد قامت قاذفة القنابل الروسية سو-34 باستخدام قنبلة بيتاب-500 لتدمير تحصينات تحت الأرض في الرقّة عاصمة داعش.
وجاء في بيان وزارة الدفاع: " أن الانفجار القوي الذي حصل في تحصينات الإرهابيين يدل على أنه كان يستخدم لتخزين كميات كبيرة من الذخيرة".
وكان سلاح الجو الروسي قد دخل في حلبة الصراع في سورية يوم الإربعاء الماضي، وتمكّن بالفعل سلاح الجو الروسي من ضرب مواقع كثيرة لداعش ولبقيّة النظيمات الإرهابية العاملة بقوة في سوريا من أجل الإستمرار في تدمير ما تبقّى من الدولة السوريّة.
ويجب التنويه هنا إلى أن روسيا كانت قد قرّرت الدخول في السجال المسلّح في سوريا لإعتبارات روسية صرفة من أهمّها المقايضة على مشكلة أوكرانيا التي تهم روسيا اكثر من سوريا نفسها. كما أنّه يجب تذكير العرب الواهمون بأن التحالف الغربي المكوّن من أكثر من 39 دولة كان قد بدأ "الحرب " على داعش منذ أكثر من سنة ولم يحقق أية نتائج تذكر، بل على العكس، تمكّنت داعش من التمدّد بشكل مخيف في كل المنطقة من العراق إلى سوريا وإلى منطقة الشمال الأفريقي رغم حملة التحالف الغربي التي بدأ واضحاً بأنّها كانت أشبه بمداعبة لداعش وملهاة لقادة الخليج الذين لا يحفلون بتمدّد داعش بقدر خوفهم وإرتعابهم من إيران و"التمدّد الشيعي" في المنطقة، والذي بناء عليه يتوحّدون لمحاربة نظام بشّار الأسد وتدمير كل الدولة السورية مستخدمين في ذلك كل الطواغيت التي تتحدّث بإسم الإسلام وما هي من الإسلام في شئ. 
ولو عدنا قليلاً للتاريخ فإنّنا سنجد بكل يسر بأن دول الخليج هي من أنتج داعش وسلّحها وزوّدها بالمال لشراء السلاح بهدف إستخدامها كرأس حربة لمواجهة "المد الشيعي" في العراق وسوريا والخوف من تمدّده نحو بقية دول الخليج العربية وخاصّة السعوديّة التي يخاف الوهابيّون فيها من الشيعة أكثر من خوفهم من الله.
هذا، وكان ما يسمّى بالتحالف الدولي قد بدأ في ضرب داعش بالطيران لأوّل مرّة بتاريخ 19 سبتمبر 2014 (أكثر من سنة) ولم يحقّق خلال كل تلك الفترة أية نجاحات تذكر ضد هذا التنظيم الذي أسّسه ودرّبه وسلّحة الغرب وأنفقت عليه دول الخليج وخاصة السعودية المليارات من أموال النفط. لقد كان ذلك التحالف عبارة عن ذر للرماد في العيون وليس أكثر من ضحك على ذقون دويلات الخليج المرتعبة من كل شئ نظراً لغياب الحيلة لديها ونظراً لإعتماد تلك الدويلات على الدعم الغربي لحماية الأنظمة المتخلّفة التي تحكمها بالوراثة في وجود تغييب كامل للشعب.
سوف لن يمضي أكثر من أسبوعين أو ثلاثة إلّا ونرى تلابيب داعش وهي تفرّ من سوريا إلى آماكن أخرى (ليبيا واليمن مثلاً) وينتصر خلالها الجيش السوري ويعيد الأمن لسوريا بما يفتح الباب لإعادة توطين المهجّرين السوريّين وإعادة الكرامة إليهم بعد أن أصبحوا عالة على الغير بسبب هذه الحرب الغبيّة التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل.
سوف تعمل روسيا على إعادة كرامتها والإنتقام من هزيمة الإتحاد السوفييتي في أفغانستان بفعل أباء داعش من القاعدة والطالبان ومساندة الدول الغربية لهم. سوف تنتصر روسيا في سوريا وسوف ينتصر نظام بشّار الأسد بعيوبه وحسناته، وسوف تفرض روسيا على حزب البعث الإنفتاح على بقية السوريين وإشراكهم في الحكم من خلال منظومة سوف تكون أكثر إتزاناً في سوريا بما يتيح المجال لكل السوريين والسوريات للمشاركة في الحكم، وقد يعتزل بشّار الأسد ليفتح المجال لغيره حفاظاً على رقبته ورقاب آل بيته.
من البديهي التذكير بأن روسيا اليوم هي ليست الإتحاد السوفييتي بالأمس، وبأن القوّة الروسية اليوم وفعالية جيشها القتالية هي ليست تلك التي كانت أيّام الإتحاد السوفييتي، وسوف تنتصر روسيا في سوريا... ويقيناً فإن الغرب وأمريكا سوف لن يتحدّوا الجيش الروسي لأنّهم بذلك سوف يشعلوا حرباً عالمية أخرى كما يتوقّع صديقي الهندي الذكي "آلوك راي" !. 
روسيا هي جادّة في مساعيها في سوريا وسوف لن تضيّع الوقت كما يفعل التحالف الغربي. روسيا سوف تحسم الأمر في سوريا، وسوف تعيد الأسد إلى السيطرة الكاملة والفعلية في سوريا، وسوف تمدّد روسيا مخالبها في المنطقة من سوريا إلى مصر وربما ليبيا فيما بعد. 
وحين التحدّث عن الديموقراطية أود أن أنوّه إلى أن الديموقراطية ليست هي دائماً الحل الجذري لكل الشعوب مع أنّها بكل تأكيد من المستحبّات. الديموقراطية بكل تأكيد ليست هي الحل السحري لكل مشاكل البشرية، وعلينا التفكير في وسائل أخرى للحكم بما يتماشى مع ثقافتنا وطريقة تفكيرنا، فنحن بثقافتنا الحالية لا يمكننا أبداً الحكم بالديموقراطية لأنّنا وللأسف مازلنا نتشبّث بماضينا التليد الذي هو بعيد كل البعد عن عالم الديموقراطيّة بكل أبجدياته.
لننظر إلى الصين مثلاً، فهذه الدولة إستطاعت بنظام حكمها الشمولي (الوطني) أن تتزعّم العالم إقتصاديّاً وتجاريّاً وربما تقنيّاً أيضاً. الصين تستطيع اليوم أن تركّع أكبر قوّة معترفاً بها في عالم اليوم وهي الولايات المتحدة الأمريكية بإيماءة بسيطة لمدير مصرفها المركزي بتخفيظ "اليوان" بواحد في المائة فقط، وبعدها نرى إقتصاديّات أوروبا وهي تنهار بشكل لا يمكن إيقافه إلّا عن طريق التوسّل إلى الصين كما فعلوا في صيف هذه السنة. علينا بأن نفتح عيوننا وأن نوسّع مداركنا، وعلينا أن نفكّر ببعض من بعد النظر إن كنّا بالفعل نريد أن نكون جزءاً فاعلاً في هذا العالم الملئ بالمتناقضات والحسابات التي تجري من وراء الكواليس والتي كثيراً لا نسمع عنها ولا ندري شيئاً عن كنهها أو عن مآلاتها.

ليست هناك تعليقات: