2014/05/07

غربان السوء تغرب عن حمص

تم بعد ظهر هذا اليوم إنسحاب كل المسلّحين من مدينة حمص السوريّة ليستلمها الجيش السوري بعد ثلاثة سنوات من الخراب والدمار شهدتها هذه المدينة الحالمة على أيدي الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة بزعامة جبهة النصرة التي تنتمي إلى تنظيم القاعدة الإرهابي.
ونقل عساف عبود، مراسل بي بي سي في دمشق، عن مصادر على صلة بالمفاوضات بين الجانبين قولها إن المسلّحين، المقدر عددهم بنحو 900 مسلح، سينقلون بثلاثين حافلة خارج المدينة، وبناء على طلب المسلحين تتم العملية تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوري.
ووفقا للإتفاق، من المقرر أن ينسحب مسلحوا المعارضة من المدينة القديمة، التي كانوا قد أطلقوا عليها اسم "عاصمة الثورة السورية" وأكّدوا بأنّهم سوف لن يتنازلوا عنها مهما تكبّدوا من خسائر في الأرواح. من المعروف بأن حمص كانت قد إندلعت فيها معارضة مسلّحة ضد نظام الرئيس السوري بشّار الأسد في عام 2011 وتمكّنوا من السيطرة على معظم أحياءها وأخذوا ينطلقوا منها إلى كل الآماكن المجاورة لها، وكذلك كانوا قد إتخذوا حمص مكاناً لتدريب الجماعات المسلّحة وكان يشرف على عمليات التدريب قادة من جبهة النصرة الإسلاميّة المتشدّدة والمجاميع العائدة من حرب أفغانستان.
وبناء على الإتفاق فإن المسلّحين سوف يسمح لهم بإصطحاب أسلحتهم الشخصية فقط بينما تبقى الأسلحة المتوسطة والثقيلة في حمص القديمة ليقوم الجيش السوري بتأمينها وإبعادها عن مسرح العمليّات القتالية بين المعارضة المسلّحة والجيش السوري.
ومن المتوقع أن يبدأ انتشار الجيش في الأحياء القديمة للمدينة إعتباراً من اليوم الإربعاء بعد عمليات تمشيط لهذه الأحياء من العبوات المتفجرة والألغام المزروعة في كل مكان.
من المعروف بأن الجيش السوري كان قد ضرب حصاراً شديداً على هذه المدينة لمدة قاربت من 6 أشهر منع خلالها دخول الأطعمة ومشتقّات المحروقات، ممّا أجبر المسلّحين على التسليم للجيش السوري من خلال مفاوضات مضنية أشرف عليها الصليب الأحمر الدولي.
وبإنسحاب المعارضة المسلّحة من حمص خسرت هذه المعارضة أهم مواقعها على الإطلاق طيلة هذا الصراع على السلطة في سوريا والذي تجاوز الثلاث سنوات بدون توقّف وقتل فيه مالا يقل عن 150,000 مواطن ومواطنة سورية. 
وفي نفس الوقت فإن النظام السوري بقيادة الرئيس بشّار الأسد تمكّن من تحقيق نصر كبير على المعارضة المسلّحة بعد العديد من الإنتصارات في آماكن أخرى من سوريا لكنّها لم تكن بنفس أهميّة طرد المسلّحين من مدينة حمص.
النظام السوري إستفاد من التناحر الشديد بين فصائل المعارضة المختلفة والتي بدأت تتقاتل فيما بينها منذ أكثر من سنة بهدف التسلّط والإستحواذ، وكان أبرز طرفي هذا الصراع المدمّر هما جبهة النصرة وتنظيم داعش المتشدّد أسفرت عن خسائر كبيرة في الأفراد بين الطرفين وترك الجيش الحر في الوسط لا يعرف كيف يشرف على المعارك ضد الجيش العربي السوري التابع لنظام بشّار الأسد.
هذه المعارك المدمّرة والتي خرّبت كل شئ في سوريا بالإضافة إلى ممارسات جبهة النصرة وتنظيم داعش الإرهابيّة من خلال ذبح أفراد من الجيش السوري وذبح كل من يشتبه في إنتمائه إلىى حزب البعث والتنكيل بكل متعاطف مع النظام.
تنظيم داعش أيضاً بدأ يطبّق ما يطلق عليه "أحكام الشريعة" في المناطق التي يسيطر عليها بما في ذلك من جلد ورجم وقطع الأيادي مما أثار حفيظة السوريّين وخاصة من الشباب.


هناك أيضاً الكثير من المشاهد المقزّزة التي أظهرتها اشرطة فيديو مسجّلة عرضت على اليوتيوب وفيها الكثير من عمليات الذبح والتمثيل بجثث المقتلوين وعمليات إغتصاب للفتيات السوريّات من قبل الميليشيات التي دخلت سوريا من البلاد المجاورة وحتى منطقة المغرب العربي من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب.
يبدو من خلال مراجعة ما حدث لهذا اليوم بأن هذه الحرب المدمّرة في سوريا بدأت تشرف على النهاية لصالح نظام بشّار الأسد بعد أن بدأت بلاد أوروبا الغربيّة وشمال أمريكا تعيد حساباتها وهي تشاهد عن كثب تلغل ونفوذ تنظيم القاعدة في أغلب الأراضي السوريّة "المحرّرة" وتزايد نفوذ المتشدّدين الإسلاميّين مما أقلق تلك البلاد ودفعها إلى مراجعة حساباتها بعد أن كانت تساند المعارضة ضد بشّار الأسد وتدفع إلى الإطاحة بنظام حكمه. أيقنت الدول الغربية بأن نظام بشّار الأسد يمتلك شعبية كبيرة في سوريا وبأن المعارضة أصبحت منبوذة من أغلب السوريّين خاصة الطبقات المتلّعمة والأسر ميسورة الحال وبخاصّة أولئك الذين يقيمون في دمشق العاصمة.
هناك أيضاً بدون شك ذلك النكوض الكبير الذي شهدته بلاد الربيع العربي وخاصة في ليبيا ومصر واليمن بعد سيطرة الجماعات الدينيّة المتشدّدة على مفاصل القوة في تلك البلاد مما سمح بإنتشار أنصار تنظيم القاعدة وسيطرة أتباع تنظيم الإخوان على مقاليد الحكم وأماكن صنع القرار وخاصة في مصر قبل إنقلاب الجيش عليهم وفي تونس قبل مطاردة الجيش لهم وفي ليبيا التي مازال تنظيم القاعدة وبقية الجماعات الدينيّة المتشدّدة يحكمون السيطرة على برلمانها (المؤتمر الوطني) مما أثار قلق أغلب أبناء وبنات الشعب الليبي الذين بدأوا يتوجّسون الخوف من هذه الجماعات المسلّحة والتي تنسب إليها أغلب عمليات الإغتيالات في بنغازي، وكذلك فهي تعمل على نشر الفوضى والخراب في كل ربوع البلاد بما يتيح لها التحكّم في المشهد السياسي والإجتماعي من خلال فرض الأمر الواقع بعد أن فشلت تلك التنظيمات في الحصول على صوت المواطن من خلال صناديق الإقتراع. كذلك فإن الشعوب العربية التي ثارت ضد طغاتها وجدت نفسها الآن محكومة من قبل طغاة جددد هم في واقع الأمر أكثر طغياناً من الطغاة أنفسهم، وهذا أحدث ردات فعل قويّة بين أوساط الشباب في هذه البلاد وليبيا من بينها.
حمص هكذا كانت 









وحمص هكذا أصبحت




ورغم كل الخراب والدمار في سوريا الحبيبة مازلنا نرى الصغار يرفعون علامات "النصر" وكأنّ الذين دمّروا سوريا بإسم الثورة لا يعون ماذا ألحقوا ببلادهم من ضرر، وكيف تمكّنوا من تأخيرها مئات السنين إلى الوراء بالإضافة إلى الضغينة والكراهية التي سوف تتركها هذه الحرب المجنونة بين أهل البلد الواحد. 
نعم... حينما يحاول الغوغائيّون وتجّار الدين السيطرة على بلد بهدف تشديد القبضة على أهلها من أجل حكمهم والسيطرة عليهم فإنّهم لا يرون من ذلك شيئاً أكثر من بريق السلطة وبهارج السلطان وحلم التسلّط على عباد الله الذين سوف يخضعوهم لأنظمة حكم غائرة في الديكتاتوريّة الدينيّة التي لا ترضى بالمشاركة الشعبية ولا تؤمن بالديموقراطية ولا تعترف بالتناوب السلمي على السلطة. إنّهم يؤمنون بسلطة "ولي الأمر" الذي لا يخضع للمحاسبة ولا يعترف بالتخلّي عن الكرسي إلاّ أن يكون ذلك من خلال عمليات إغتيال أو غضبة شعبيّة عامرة تدمّر القصر على ساكنيه من الطغاة الذين يحكمون بنظرية "التفويض الإلهي".
قد يشعر السوريّون باليأس تحت سلطة نظام بشّار الأسد الديكتاتورية، لكنهم حينما يقارنوا حالهم بذلك الذي قد يسيطر على سوريا بديلاً عنه ويفتح أبواب بلد متقدّم ومتحضّر لسلطة ونفوذ من يعيشون بعقلية العهود الغابرة... حينها قد يبلع السوريّون الغصّة في داخلهم ويحمدون ربّهم بأن نظام بشّار ألطف وأرحم من نظام حكم تقيمه داعش أو تنشئه جبهة النصرة.
وختاماً... أقول لإخوتي وأخواتي في سوريا وفي خارجها، إنّني لا أقلّل من حلمكم في الحريّة وحماسكم في محاولات القضاء على نظام بشّار الأسد الجائر، لكنّني فقط أريد أن أخبركم بأنّنا هنا في ليبيا كنّا بالفعل تخلّصنا من نظام الطاغية معمّر القذافي وهو بكل المقاييس والمعايير يتجاوز طغيان بشّار الأسد في سوريا وزين العابدين في تونس وحسني مبارك في مصر... وحتّى عبد الله علي صالح في اليمن، لكنّنا الآن أبتلينا بطغاة يحتسب القذّافي أمامهم من الملائكة.
الآن أيقنت بأن طغاة السياسة هم ألطف وأرحم من طغاة الدين، فطغاة السياسة إن لم تجاهرهم بالعداء فإنّهم يتركونك لحالك، أمّا طغاة الدين فلا يمكنك البتّة إتقاء شرورهم حتى وإن تركتهم لحالهم. طغاة الدين حينما تتركهم لحالهم يذهبون إلى بيتك ويتدخّلون بينك وبين زوجتك وأطفالك، ويتدخّلون في مأكلك ومشربك، ووظيفتك وتحصيلك، وفي سفرياتك وفي صداقاتك، وفي لباسك وطريقة حلاقتك لذقنك... إنّهم مثل السرطان يتوزّعون في كل مكان حولك وبداخلك، وما إن يسيطر عليك أحدهم حتى يعمل على إذلاك وتحقيرك بقوة الجبروت وبقوّة الإرهاب والقتل، فهم وبدون إستثناء عندهم دوماً الغاية تبرّر الوسيلة.
أقول لأهلنا في سوريا، إذا كان من سوف يخلف بشّار الأسد طغاة من جبهة النصرة أو تنظيم داعش، فوالله سوف يكون نظام بشّار الأسد أرأف بكم، وأحرص على توفير الخدمات لكم من هؤلاء الذين يحكمون بذلك الغباء والإنغلاق الذي يعشعش في عقولهم ويوجّه طريقة تفكيرهم وتصرّفاتهم. 

ليست هناك تعليقات: