2014/05/16

مشكلتنا في ليبيا تكمن في "إنعدام الأخلاق"

 حينما لا يعرف المرء ما يريد ولا يستطيع أن يترك القرار لمن هو أكثر كفاءة منه، فإنّه في واقع الأمر قد يكون يعاني من إنفصام في الشخصيّة أو خلل في التركيبة النفسيّة.

بقيت أنتظر هذا المساء خروج السيّد أسامة بن حميد ومعه اللواء خليفة حفتر على قناة ليبيا الأحرار الفضائيّة ومعهما بعض الآخرين الذين شاركوا في إثارة "القلاقل" في ليبيا، ولكن ورغم طول الإنتظار والكثير من التوسّل لم يخرج علينا أي منهما ولم نتمكّن من معرفة ماذا حدث هذا اليوم في مدينة بنغازي، ومن كان البادئ بالقتال؟.

لو تحدّثت معكم بكل صدق فإنّني كنت أنتظر إستيلاء الجيش الليبي على بنغازي وتطهيرها من تجّار الدين والمؤدلجين لأنّنا "زهقنا" من ترهاتهم وكذبهم ونفاقهم وخداعهم وتلوّنهم..... ولكن يبدو أنّه في ليبيا لا أحد يمتلك القوّة لكافية لحسم الأمور وبذلك فسوف وللأسف نستمر في المراوحة ويستمر أهلنا في بنغازي في المعاناة، ويتواصل النزيف في ضبّاط وأفراد الجيش الليبي، وتبقى ليبيا في Status Quo وهي ما تعني المراوحة وفي نفس المكان.

دعونا نعود إلى جوهر المشكلة في ليبيا.... مشكلتنا في ليبيا تكمن في "إنعدام الثقة"، وسبب إنعدام الثقة هو غياب المصداقيّة، وسبب غياب المصداقيّة هو الكذب، وسبب الكذب هو إنعدام الأخلاق، وسبب إنعدام الأخلاق هو غياب الإيمان الحقيقي، وسبب غياب الإيمان الحقيقي هو النفاق مع الله ومع النفس، وسبب النفاق هو "غياب الأخلآق".
مشكلتنا في ليبيا يا سادتي ويا سيداتي تكمن في إنعدام الأخلاق.
دعوني أحاول شرح المشكلة حسب فهمي، فلعلّي بذلك أفتح باباً من أبواب النقاش المثمر أو الإيجابي. أنا أرى بأن مشكلة المشاكل في ليبيا مصدرها ومغذّيها و"مولّع نارها" هم "المتديّنون" أو سمّهم "المتزمّتون" أو "المشعوذون" و "تجّار الدين". مشكلتنا في ليبيا هي مشكلة أخلاقيّة بالدرجة الأولى ومصدرها هم المتمسّحون بالدين... هم من دائماً يحاول التستّر وراء حجاب "الإيمان"، وهؤلاء هم من يتشدّقون ب"تطبيق الشريعة". فكلّما تحدّث هؤلاء من خلال وسائل الإعلام يسرعون إلى ذكر تلك العبارة التي تحوّلت إلى جملة نكد ونذير شؤم.
"تطبيق الشريعة" على من يا سادتي؟. هل نحن لا نطبّق الشريعة، وهل نحن نخالف شرع الله، أم أن شريعتكم هي ليست شريعتنا، وأنّنا مهما فعلنا فسوف لن نرقى إلى الحد الأدنى من طلباتكم؟. 
سلطان بروناي "حسن بلقيه" أعلن في بداية هذا الشهر بأنّه سوف يطبّق "الشريعة الإسلاميّة" في إمارته، ولكي نعرف بعض من ممارسات هذا المنافق الكذّاب دعونا نقرأ معاً هذه الشهادة كما وردت في نشرة السي إن إن الأمريكيّة: (( مع الإنشغال الدولي بقرار سلطان بروناي، حسن بلقية، تطبيق الشريعة في بلاده، وما رافق ذلك من انتقادات دولية بسبب عقوبات الرجم والقطع والجلد، برزت المزيد من التفاصيل حول الخطوة المثيرة للجدل، إذ استغربت سيدة أمريكية صدور القرار عن السلطان قائلة إنه كان يمارس بنفسه أعمال الزنا ويشرب الخمر.

وقالت الأمريكية جيليان لاورين لشبكة CNN إن القرار صدمها نظرا لأنها "تعرف السلطان عن كثب" وفقا لما ذكرته في كتاب روت فيه تجربتها ضمن "حريم السلطان" عندما كانت في مقتبل العمر.

وذكرت لاورين في كتابها الذي يحمل عنوان: "بعض الفتيات: حياتي في الحريم"  Some Girls: My Life in a Harem  أنها كانت عشيقة شقيق السلطان لعام ونصف عندما كانت في الـ18 من عمرها في بروناي. وذات ليلة قدمت كهدية إلى السلطان، الذي تقول عنه إنه قام بتجاوز قوانين الشريعة حينها بنفسه.

وقالت لاورين لـCNN: "أنا شاهدة بحقيقة أن السلطان كان يشرب ويمارس الزنا ولم يكن يعيش حياة مستقيمة."

وعن تطبيق الشريعة في بروناي قالت لاورين: " هذا مؤشر لطريقة تصرف الكثير من الأشخاص في السلطة، حيث يطبقون قانونا على أنفسهم وآخر على عامة الناس الذين لا يملكون أموالا طائلة أو سلطة كافية، وهذا ما دفعني لأروي قصتي.")).

إذا يا سادتي نحن مشكلتنا هي مشكلة أخلاق، وما التباكي على تطبيق الشريعة إلّا كعويل ونديب أتباع الشيعة في كل سنة بمناسبة عاشوراء حيث يتذكّر الكثير من الشيعة بأنّهم غدروا بإمامهم الحسين وتخلّوا عنه حتى قتله الأمويون، وهم يقيمون مراسم النحيب والنديب ولطم الخدود وضرب الرأس في كل سنة فعساهم أن  يكفّروا عن غلطتهم الكبرى بالغدر به وتركه يواجه مصيره لوحده.

كذلك فإنّ التباكي على تطبيق الشريعة يذكّرني باليهود وهم يندبون عند حائط المبكى ويولولون وكأنّي بهم يعملون على معاقبة أنفسهم بسبب تخلّيهم عن نبيّهم موسى عليه السلام وإعراضهم عنه ومعاندته.

أنا أرى بأن التباكي على تطبيق الشريعة من قبل الكثير من المتأسلمين إنما هو في واقع الأمر شعور أولئك المتأسلمين بأنّهم ليسوا صادقين مع ربّهم وبأنّهم يحسون في داخلهم بعقدة الذنب، فهم إنّما ينافقون ربّهم وينافقون الناس من حولهم حينما يتدثّرون بلباس التقوى وما هم من الأتقياء. المشكلة أن بعضهم يعرف ذلك وبعضهم يجهله. العارفون هم من المنافقين، والغير عارفين هم من الأغنام.

رجال الدين في بلادنا ومنهم أنصار الشريعة والجماعة الليبيّة المقاتلة ومنهم السيّد المفتي، ومنهم الكثير غيرهم ممّن يحملون أسفاراً ولا يعرفون فحواها توجد لديهم عقدة كبيرة إسمها "مؤسّسات الدولة"، فهم لا يرون من مؤسّسات الدولة غير الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية. رجال الدين المتشدّدون ترعبهم هذه الأجهزة السيادية في الدولة لأنّهم في الأساس لا يعترفون بسيادة الدولة، ولأنّهم كانوا قد عانوا من ملاحقة تلك الأجهزة لهم في عهد لطاغية القذّافي. إنّهم أصبحوا اليوم مرعوبين من تلك الأجهزة، ولو أنّنا ألغينا الجيش والشرطة وأجهزة الأمن كلّها وبدأنا تأسيسها من جديد فإنّ عقدة الخوف تلك سوف تظل تلازمهم مدى الحياة.

السؤال الذي يطرح في مثل هذه الأثناء هو: ولماذا كانت أجهزة القذّافي تطاردهم؟. والجواب هو بكل بساطة - وبعيداً عن نعت القذّافي بالطاغية والمتجبّر والظالم والمستبد - الجواب هو أن أمثال هؤلاء الناس لا يمتلكون أخلاقاً في تعاملهم مع أجهزة الدولة، وهم دائماً يحلمون بإعادة "المجد الضائع" والذي يتمثّل في "دولة الخلافة" وهم بذلك إنّما يكرّرون ما يفعله المتشدّدون من اليهود والذي يحلمون بعودة "هيكل سليمان".
تجّار الدين هؤلاء سوف يكرّرون نفس الممارسات "التسلّطية" مع أي نظام حكم، وبالعكس فقد عاملهم الطاغية القذافي بالكثير من الرحمة واللطف وخاصّة حينما أصدر قراراه بالعفو عنهم وتعويضهم مع محاولات جادة في عهده لإعادة تأهيلهم والكثير منهم يتذكّرون ذلك جيّداً.
لماذ هم أذاً مرعوبين من الجيش ومن الشرطة ومن الأجهزة الأمنيّة؟. لأنّهم مخادعون، ولأنّهم كذّابون، ولأنّهم مناقون يبطنون عكس ما يظهرون.

وما هو الحل؟

لا أدري، وقد يكون الحل صعباً في حال هؤلاء مرتزقة الدين الذين لا يستطيعون بيع صكوك الغفران من جديد، فشباب اليوم هم ليسوا شباب عام 1500م وما بعده، وعالم اليوم هو لا ينتمي إلى القرون الوسطى والتي كانت مظلمة بحق وخاصّة حينما إعتدى رجال الدين على كوبرنيكوس ومن بعده جاليلّو بسبب نظريّاتهما حول مشاهدات عقلانيّة قاموا بنشرها والتحدّث عنها، وكانت هذه المشاهدات تخالف ما يؤمن به شيوخ الدين حينها والذين كانوا يعتبرون أنفسهم أكثر علماً وإلماماً من غيرهم من عموم الناس، وهذه بعض المشاهد: ((خلال عصر النهضة ظهر كل من عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس، والذي كان راهبًا، وقد صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها وذلك سنة 1543، وغاليليو غاليلي الكاثوليكي المتدين، الذي نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة عن طريق التكنولوجيا الجديدة للتلسكوب. بعد تأسيس الكنيسة اعتمدت في ذلك الوقت لنظريات اليونان القديمة والتي وضعت في مرحلة ما قبل المسيحية من قبل بطليموس وأرسطو، وهي نموذج مركز الأرض. عندما بدأ غاليليو إلى التأكيد على أن الأرض في الواقع تدور حول الشمس، وجد نفسه قد طعن في المؤسسة الكنسية في وقت حيث التسلسل الهرمي للكنيسة قد ارتبط مع السلطة الزمنية، وكانت تعيش في صراع وتحدي سياسي متواصل يقابله صعود البروتستانتية. بعد مناقشات مع البابا أوربان الثامن، الذي أبدى إعجابه ودعمه لنظرية غاليليو، وبالتالي فقد اعتقد غاليليو أنه تمكن من تجنب توجيه اللوم عن طريق عرض حججه في شكل حوار. بما أن غاليليو دعم نظرية كوبرنيكوس علنيًا فقد قام خصوم الأخير، والذين كانوا من الداعين لنموذج مركز الأرض المعروف منذ أيام اليونان القدماء، بالهجوم عليه وشكوه إلى البابا محتجين أن ما يدْعوا إليه يخالف تفسيرهم لبعض الآيات في التوراة. رغم أن الفكرة التي أُدين جاليليو بسببها وهو مركزية الشمس كانت قد ظهرت أولاً على يد كوبرنيك واستقبلت بحفاوة في بلاط البابا بولس الثالث سنة 1543، ما يعكس تأثير الوضع السياسي على الكنيسة. بالرغم أن غاليليو لم يكن طرفًا في ذلك النزاع، وكانت قد تركه رجال الكنيسة بسبب صداقته مع البابا أوربان الثامن. لكن بسبب الضغوط التي وجهت البابا وكونه كان في مرحلة سياسية صعبة فقد غاليليو من يحميه ويدافع عنه في روما فحكمت عليه المحكمة بعد سنوات من المراقبة متداخلة، مشاورات مع الباباوات، ومناقشات شفهية وخطية مع علماء الفلك ورجال الدين، فعقدت محاكمة من قبل محاكمة التفتيش الرومانية سنة 1632. اتهم غاليليو بالاشتباه بالهرطقة وحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين. وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية. وتم منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة. وقد دافع غاليليو عن نظرية مركزية الشمس، قائلاً أنها لا تعارض ما ورد في النصوص الدينية. منذ ذلك اعتكف جاليليو جاليلي في بيته وأمضى به بقية حياته. يرى عدد من المؤرخين أن الحكم الذي صدر ضد غاليليو ومحاكمته كانت لدوافع سياسية وشخصية. بعد محاكمة غاليليو وبحسب المؤرخ جاكوب برونسكي: «كان من تأثير محاكمة غاليليو انتقال الثورة العلمية من الآن فصاعدا إلى أوروبا الشمالية.»
ولم يكن جاليليو طرفا في ذلك النزاع، وتركه رجال الكنيسة بسبب صداقته مع الكاردينال مافيو بالرباريني الذي أصبح فيما بعد البابا "أوربان الثامن". فتكاتف خصومه وكتب بيلارمين خطابا بأن لا يتمسك جاليليو بالدفاع عن نموذج كوبرنيكوس كحقيقة وإنما في إطار أنها مجرد افتراض، وحذره من العواقب. واشتكوا جاليليو أمام البابا وضغطوا عليه لمحاكمته. وظهر خطاب بيلارمين عام 1632/ 1633 أثناء محاكمة جاليليو كدليل على عدم طاعته. ويقال أن هذا الخطاب ظهر أمام المحاكمة في صيغتين واحتفظتا في أوراق القضية واحدة منهما بالتوقيع الصحيح. ولذلك يعتقد بعض المؤرخون في القرن 19 و20 أن المحكمة أصدرت حكمها آنذاك في عام 1632 بإدانة جاليليو على أساس خطاب مزور.
ومع فقد جاليليو لمن يحميه ويدافع عنه في روما فحكمت عليه المحكمة عام 1633 بأنه يعترض على ما جاء في الإنجيل، على الرغم معارضة جاليليو لهذه التهمة معللًا أنّ نظريته لا تعارض ما ورد في الإنجيل، وينقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام:
اتهام غاليليو بالاشتباه بالهرطقة.
حكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين. وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية.
منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة.

منذ ذلك اعتكف جاليليو جاليلي في بيته وأمضى به بقية حياته وحافظ جاليليو على عدم نقاش نظام كوبرنيكوس علنا. واهتم في عمله بدراسة حركة أقمار المشتري واتخاذها كأداة لقياس الزمن من أجل حل مشكلة خطوط الطول، ولكنه لم ينجح في تفسيرها. ثم حوّل التلسكوب إلى الميكروسكوب، وكان يراقب الأشياء بالمجهر مجرد مراقبة ولكن من غير اهتمام حقيقي))... إنتهى الإقتباس.

إذاً... وما هو الحل؟

أعتقد بأن هناك حلّين لا ثالث لهما... ورجائي بألاّ تحدّثونني بالتحاور مع رجال الدين، فهم لا يحاورونك إلاّ على أساس أنّهم على حق وأنّك على باطل..... وحاول أن تقنعهم بغير ذلك؟.
الحل الأوّل: أن يتجنّبوا الشر ويعتكفوا في جوامعهم يصلّون ويقرأون القرآن، ونقوم نحن الشعب بتوفير المأكل والمشرب لهم، ونوفّر لهم كل وسائل الراحة، بشرط ألّا يتدخّلوا في السياسة.
الحل الثاني: قيام الدولة ببناء منتجع لهم في وسط الصحراء توفّر لهم فيه كل ما يطلبون من أكل وعطور وحريم، مع بناء جوامع وخلوات دينيّة، وإعطاءهم كامل الحريّة في أن يفصلوا نساءهم عن رجالهم ويحجّبون نسائهم كما يريدون، ويتزوّجون بما طاب من النساء ويتركون ليؤسّسوا إمارة إسلاميّة على طريقتهم الخاصّة، ويبايعوا لها من يريدون ليكون بمثابة ولي الأمر الذي من حقّهم طاعته والدعاء له بطول العمر كما أرادوا ومتى أرادوا.

هل هو سوف يرضوا بمثل هذه الحلول؟

ربما "لا"، فهم يحبّون بأن يكونوا مركز إهتمام الآخرين، وعادة يحرصون على الإحساس بإحتياج الناس لفتاويهم وأرائهم وإجتهاداتهم، ومن ثمّ فهم سوف لن يرضوا بأي من الحلّين إلاّ أن يكون ذلك "بالقوّة"... وتلك هي كلمة السر في التعامل مع أمثال هؤلاء. القوّة قد تكون لغة من لا يستطيع أو لا يريد أن يفهم بالتي هي أحسن.

ليست هناك تعليقات: