2013/12/15

هل يفتح شيوخ الدين عيونهم على العالم المحيط بهم؟

العالم من حولنا يسير إلى الأمام ونحن لم يعد لنا من خيار غير السير في إتجاه التيّار. لقد حاولنا الجريان ضد التيّار فتهنا وضعنا وفقدنا الإتجاه، فهل نراجع أنفسنا؟


كنت أستمع بعد ظهر هذا اليوم لشيخ أظنّ من قناة "ليبيا الدوليّة" وهو يتحدّث عن العلاقة بين الرجل والمرأة، لكنّه إختصر تلك العلاقة في النكاح والمناكحة ولم يتمكّن من مبارحة تلك المنطقة لأكثر من ساعة متواصلة كنت إستمع إليه فيها "مكرهاً" حيث أنّني كنت مستمعاً "سلبيّاً" إن شئتم... أي أن هناك من كان يستمع إلى الشيخ وكنت أنا جالساً أمام الكمبيوتر أكتب مقالات وتعليقات فلم يكن لي بدّاً من الإستماع حيث لم يكن التلفزيون بعيداً عنّي... لكنّني أخيراً لم أندم على إستماعي إليه فقد أمدّني بما يكفي لأكتب هذا الكلام!.
كان من بين ما تحدّث عنه هذا الشيخ هو العلاقة بين الرجل والمرأة ( وهي تعني بالنسبة له حب وغرام وإغراء ومعاكسات وإغواء وما إليها من هوس جن.....) فتحدّث عن وجوبيّة عدم إختلاط الذكور والإناث في المدارس الإبتدائيّة والإعداديّة، ثم بعد ذلك عرج على الجامعة فبدأ بشئ من الخجل ينتقد الوضع الحالي ثم إذا به يجد الشجاعة الكافية ليعترض على إختلاط الشباب والفتيات في الجامعة حيث قال: حينما يتعوّد الطفل على عدم الإختلاط في الإبتدائي والإعدادي يجد نفسه غريباً حين دخول الجامعة حيث الإختلاط بين الذكور والإناث. قال: في الأسبوعين الأوّلين يبقى الشاب في مقعد الدراسة خائفاً وجلاً من الفتاة، لكنّه سرعان ما يبدأ في تبادل الحديث معها وما إن تمضي ثلاثة أسابيع إلّا وتجد الشاب والفتاة يتحدّثون في الغرام وبعدها تبدأ اللمسات وبعدها المواعيد وبعدها قد..... ثمّ وجد فرصته حينها ليعلن عدم رضاه عن الإختلاط في الجامعة وبأنّه يجب فصل الإناث عن الذكور في الجامعة تنفيذاً لأوامر الله سبحانه وتعالى كما قال.
الحديث كان طويلاً كما أسلفت لكنّه تشعّب إلى المكتب والعمل والوظيفة وقيادة السيّارة وكل ما يتعلّق بحرية المرأة. تحدّث في البداية عن جوازية تحدّث الفتاة مع محرم غير أبوها وإخوتها، وهل يجوز لها السلام على محرم أم لا وتوصّل إلى قناعة بالكثير من التردّد أنّه يجوز للفتاة بأن تسلّم على إبن أخيها مثلاً أو عمّها أو جدّها، لكنّه حرّم عليها التسليم على غير محرم ولو كان إبن عمّها.
بالنسبة لجوازية تحدّثها مع غير محرم قال بأنّه يكره عليها التحدّث لغير محرم وعليها بألّا تتجاوز عبارات السلام لو أضطرّت إلى ذلك.
من خلال كلامه إستشفّيت بأنّه لا يريد للمرأة بأن تختلط مع الرجل في أي مكان، بمعنى أنّه على الدولة أن توفّر كليّات للبنات وكليّات للأولاد، بالإضافة بالطبع للمدارس من روضة وإبتدائي وإعدادي وثانوي.
قلت في نفسي حينها... قد يفرض هؤلاء أمثاله على الدولة بناء كليّات وجامعات مفصولة بين الجنسين، ولكن كيف يمكن للدولة بأن تبني مكاتب منفصلة في وظائف الدولة، وماذا عن المواصلات، وماذا عن الرصيف، والشارع، والمحلّات التجاريّة، والأعراس، والمناسبات الإجتماعيّة الأخرى؟. ماذا عن السينما والمسرح والمعارض والحملات التطوّعيّة، وماذا عن تنظيمات المجتمع المدني... هل يتوجّب علينا فصل الرجال عن النساء في كل تلك الآماكن خوفاً على المرأةبأن يهمّ بها الرجل فتهمّ به وكأنّها عنزة أو قطّة أو أرنبة؟.
ثمّ سرح بي خيالي إلى أبعد من ذلك.. فقلت: وماذا عن المستشفى حيث تشتغل المرأة كطبيبة؟. هل نبني لها مستشفيات خاصة بالنساء، وهل نمنعها من علاج الرجال؟. وماذا عنها حين تكون محاميّة... هل نبني محاكم للرجال وأخرى للنساء؟. وماذا عن الزبائن.. هل نقول للمرأة المحاميّة لايحق لك الدفاع عن الرجال؟.
فكّرت في مجالات أخرى من حياتنا العصريّة المتشعّبة والمتنوّعة مثل السفر بالطائرة، وإشتغال المرأة كمضيفة طيران، ثم فكّرت في معامل الأبحاث وخاصّة النادرة حيث تجد معملاً واحداً أو إثنين في كل الدولة.. هل نمنع المرأة من الإشتغال في تلك الأماكن لأنّها إمرأة ولا يحق لها الإختلاط بالرجال درءاً للشهوة والإغواء والغوص في شر الموبقات والعياذ بالله.
فكّرت فيما هو أبعد أبعد من ذلك فقلت في نفسي... ماذا لو أن ليبيا أصبحت دولة متقدّمة وقامت بإرسال مركبة فضائية للقمر أو المريخ أو كوكب الزهرة؟. هل نرسل مركبتين واحدة للرجال والأخرى للنساء؟. هل نبعث معها محرماً، ماذا لو وطئت قمدماها أرض القمر، هل يحق لها هناك الإختلاط بالرجال أم أننا ربما نرسل إمراءة للمريخ ورجل للزهرة وهكذا؟.
خلصت في النهاية وحسب كلام هذا الشيخ بأن "مكان المرأة هو البيت" ولا حاجة لها في الذهاب إلى المدرسة. عليها بألّا تتعلّم.. فما حاجتها للتعليم وهي سوف تتزوّج من رجل ينفق عليها ويعول أطفالها، وإن لم تعجبه يتزوّج عليها من مثنى وثلاث ورباع وهو مزهوّاً بفحولته يتجوّل بين نسائه يحاول العدل بينهن بقدر المستطاع فإن أعجبته واحدة أكثر من الأخريات فلا حرج عندهم في أن يقضي الزوج أكثر من ليلة مع زوجته التي يحب أكثر بشرط أن يعدل بينهما في الإنفاق وكأنّها "بقرة" لا يهمّها غير البرسيم لملء البطن.
هل فكّر هذا الشيخ "الجليل" في شئ إسمه الترشيد بدل المنع؟. هل المنع يمنع بالفعل حدوث الخروقات؟. أليس الأجدر بنا أن نعلّم الرجل قبل المرأة بأن ينظر إليها كإنسانة قبل أن يراها كمصدر للمتعة؟. 
هل علّمنا الرجل في أن ينظر إلى عقل المرأة بدل أردافها، وإن يستمع إلى طريقة تفكيرها بدل الإنتعاش بعذوبة صوتها؟. 
هل يعلم هذا الشيخ وغيره من الشيوخ الذين يفكّرون بمثل تفكيره - وهم يكادون يكوّنوا إجماعاً فيما بينهم - بأن المرأة مثلها مثل الرجل لها عقل تفكّر به وبإمكانها أن تقول "لا" إن همّ الرجل بها؟. هل العيب في واقع الأمر يقع على الرجال أم على النساء؟. دعوني أذكّر نفسي وإيّاكم بكلام الله عز وجل في قرآنه الكريم: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَ‌ٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.. تمعّنوا في هذه الآية جيّداً. "لا ينكح" و "لا ينكحها"... الذي ينكح هو الرجل وليس المرأة مع أنّها تتساوى معه في العقاب. إذا نحن منعنا الرجل من أن ينكح المرأة فإنّ المرأة سوف لن تنتكح. هل نعيب على الرجل أم على المرأة، وهل الأولى بالنهي والنهر الرجل أم المرأة؟. لو أن الرجل إحترم نفسه وخاف ربّه وإحترم المرأة كإنسانة لما حدث نكاح غير شرعي بينهما على الإطلاق.
إذا يا سادتي... نحن في حاجة إلى "تعليم" و"تبصير" و"ترشيد" بدل المنع والتحجير والتغليف.


كنت أستمع هذا المساء إلى الدكتور علي الصلّابي - وأعترف بأنّني لا أحبّه لتلوّنه ونفاقه وأعتقد بأنّه كعضو في تنظيم الإخوان المسلمون عليه بأن ينافق وعليه بأن يتلوّن وإلّا فإنّه يفقد عضويته في هذا التنظيم - المهم... أنّني كنت أستمع إلى الدكتور الصلّابي وهو يتحدّث عن التعليم وبأنّه خير من المنع. قال الدكتور الصلّابي: أنا شخصيّاً أؤمن بالتعليم ولا اعتقد كثيراً في جدوى المنع. لقد أعجبني كثيراً في هذا الكلام وأتمنّى بأنّه لم يكن ينافق حينها !. 

ليست هناك تعليقات: