2013/05/06

الـنـكــــوص

الحياة ما هي إلاّ أحداث تستجد وسرعان ما تتحوّل إلى ذكريات يعود إليها الإنسان حين يحسّ بالحنين إلى الماضي، لكن ساعة الزمن لا تنتظر فهي تسير حثيثة إلى الأمام لتطوي وراءها صفحات الحياة واحدة تلو الأخرى... والعاقل هو من يقاوم الإنطواء ويطمح لأن يكون حدثاً مهمّاً في صفحة الزمن التالية.

كيف يبنى وطناً والكثير من أبنائه لا يجيدون غير النظر إلى الخلف..... كيف يبنى وطناً إذا كان الخيّرين من أهله يتم التحايل على قدراتهم بإقصائهم . الوطن يا أيّها السادة والسيّدات سوف لن يبنيه الركوع والسجود والمجاهرة بمظاهر التديّن بدل جعل ذلك علاقة سرمديّة بين الخالق والمخلوق. الوطن لا يمكن أن يبنيه أنصاف المتعلّمين ولا الفاشلين في حياتهم العلميّة والذين لا تهمّهم إلاّ مصالحهم الآنيّة..... بناء الدولة هو في واقع الأمر فن لا يقدر عليه إلاّ الإنسان العارف والخابر والمقتدر عقليّاً وجسديّاً.

قانون العزل السياسي
سمعنا بالأمس بأن المؤتمر الوطني كان قد أصدر قانوناً بشأن "العزل السياسي" وبأغلبيّة وصلت إلى 160 صوتاً مقابل 4 لم يوافقوا عليه. تمّ إصدار هذا القرار كما نعرف بعد مخاض طويل، وبعد الكثير من التشنّج وصل إلى حد التهديد بإستخدام السلاح من قبل الميليشيات التي رفضت لأسباب يعرفها قادتها جيّداً تسليم سلاحها وكأنّي بها إحتفظت به لمثل هذا اليوم. أفراد الميليشيات المسلّحة وصل إليهم الأمر بأن يتّجهوا إلى وزارة الخارجية بهدف تطويقها وإحتلالها على إعتبار أنّها ربّما تعتبر من أهم الوزارات السياديّة على الإطلاق... هذه الوزارات التي كثيراً ما إحتدم حولها الجدال والنزاع وكثيراً ما تخاصم أعضاء المؤتمر الوطني بشأنها وهي نفس الوزارات التي كانت محط أنظار كل الكيانات السياسيّة في ليبيا وخاصّة جماعة الإخوان المسلمون من خلال حزبهم "العدالة والبناء".

 بعد الخارجيّة كانت الداخليّة، ثم الماليّة وأخيراً وزارة العدل، وكأن البرنامج كان قد تم الإعداد له مسبّقاً.... وبعد إحتلال الوزارات السياديّة وإيقاف العمل بها مع طرد لموظّفيها الذين كان من بينهم وزير العدل  الدكتور صلاح الميرغني الذي سبق له أن تعهّد أمام الليبيّين بأنّه سوف يقيم في ليبيا عدلاّ تحميه أجهزة الدولة من جيش وشرطة وليس الميليششيات المسلّحة. وزير الداخليّة الدكتور عاشور شوايل كان هو بدوره قد وعد الليبيّين بأنّه سوف يقضي على الميليشيات المسلّحة لتحل بدلها أجهزة الدولة الأمنيّة من شرطة عصريّة وجيش وطني لا يستلم أوامره من أحد غير أجهزة الدولة المعنيّة. هذا الكلام وهذا النوع من التفكير كان واضحاً بأنّه لا يروق الكثيرين الذين يرون في قيام الدولة بأجهزتها المستقلّة عنهم تهديداً كبيراً بالنسبة لهم يحد من نفوذهم ويستلّ منهم أليّة صنع القرار، وبذلك ظلّ المسلّحون ومن وراءهم الجماعات الدينيّة المتشدّدة في شرق البلاد وغربها وفي جنوبها على شك وريبة من ذلك التحوّل من الثورة إلى الدولة الذي رأوه جديّاً هذه المرّة وخاصة بتبلور ذلك التناسق الكبير بين السيّد علي زيدان رئيس الوزراء والدكتور عاشور شوايل وزير الداخليّة وكذلك الدكتور صلاح الميرغني وزير العدل الذي يبدو أنّه بدأ يتكامل مع تفكيرهما لاحقاً مما زاد من مخاوف أولئك المستفيدين من إستمرار الأوضاع على ما هي عليه.
قرّرت الميليشيات المسلّحة سابقاً تشكيل كيان مدني (سياسي) يتحدّث بإسمها ويساعدها على الضغط على السلطات الشرعيّة في البلد تحت مسمّى "تنسيقيّة العزل السياسي" وكان فرعها بطرابلس برئاسة السيّد عادل الغرياني يعتبر ربّما من أكبر وأهم فروعها في ليبيا ومن أكثرها نشاطاً.
بعد محاصرة الوزارات قام أعضاء هذه التنسيقيّة بالتحرّش بأبناء وبنات الشعب الليبي الذين خرجوا مناصرين لأجهزة الدولة ومدافعين عن سيادتها بشكل كان فيه الكثير من العنف والترهيب بهدف إخافة الناس ومنعهم من الخروج لمناصرة الحكومة.


بعد ذلك إتجهت الميليشيات يوم مناقشة القرار إلى المؤتمر الوطني نفسه فقامت بمحاصرته معلنة بأنّها سوف تقوم بإقتحامه إن لم يصدر أعضاء المؤتمر قانون العزل السياسي في جلسة ذلك اليوم.

وخلاصة كل تلك الأحداث المؤسفة أن أعضاء المؤتمر الوطني إجتمعوا يوم الأحد 05 مايو 2013 وتحت تهديد السلاح ودرءاً لفوضى عارمة هدّد بإشعالها من يسمّون أنفسهم بالثوّار ومعهم تنسيقيّات العزل السياسي والتنظيمات الدينيّة بزعامة الشيخ الصادق الغرياني وأصدروا ما يسمّى ب"قانون العزل السياسي" حتّى تتمكن البلاد من المضي قدماً حسب رأيهم.
بعد صدور هذا القرار خرج الكثير من المطالبين بإصدار القانون إلى الشوارع فرحين ومبتهجين بهذا "الإنجاز العظيم"، ولكن يبدو أن إصدار القانون لم يكن هو المبتغى المنشود لهؤلاء المسلّحين، فقد أصرّت الكثير من الميليشيات المسلّحة على إستمرار إحتلالها للوزارات السياديّة وتطويقها لمقر رئاسة الوزراء بهدف إرغام رئيس الحكومة الأستاذ على زيدان على الإستقالة.

وتعليقاً على ما ورد كتبت قائلاً: في وجود مؤتمر وطني يدين أغلب أعضائه بالولاء للميليشيات المسلّحة الخارجة عن سلطة الدولة وبعض أعضائه هم في واقع الأمر قادة ميدانيّين في هذه الميليشيات، وفي وجود حكومة تبيّن أنّها ضعيفة وهزيلة على عكس ما كنت أتوقّع أنا على الأقل.... في وجود هذه المعطيات ونظراً لفشل الحكومة الذريع في الوقوف في وجه هذه الميليشيات، حيت إعتدت على أهم وزارة تمثّل السيادة الليبيّة وهي وزارة الخارجيّة، وفي تقاعس أكيد - وقد يكون متعمّداً - للمؤتمر الوطني في الدفاع عن قرار واضح من قراراته (عدم الإعتصام بدون أخذ الإذن، وممنوع الإعتصام بالسلاح) قام عدد من الغوغائيّين بإقتحام جميع الوزارات السياديّة في الدولة الليبيّة (الخارجيّة، الداخليّة، العدل، والماليّة) مما يعكس وبصورة لا تقبل إي إلتباس بأن كا ما تم تنفيذه خلال الأيّام الخمسة الماضية كان إنقلاباً مدبّرا على الشرعيّة والسيادة الليبيّة وهو بذلك لا يختلف إطلاقاً عن أي إنقلاب عسكري فاشي يلغي الدستور ويلغي مؤسّسات الدولة المنتخبة من قبل كل الشعب.
قرار المؤتمر الوطني ليوم الأحد الماضي يعتبر قراراً غير شرعي وذلك لأنّه صدر تحت تهديد السلاح، ويعتبر يوم 05\05\2013 يوماً أسوداً في عمر الديموقراطيّة الليبيّة التي مازالت وللأسف تترنّح نظراً لوجود الكثير من الأعداء لها من بين أبناء هذا الشعب. من المعلوم فإن المؤتمر الوطني نفسه كان قد أصدر يوم 12\04\2013  قراراً ب"تحصين" قانون العزل السياسي وحدث ذلك قبل صدور قانون العزل السياسي ليكون بمثابة ضغط على أعضاء المؤتمر للتصويت لصالح قرار العزل السياسي حين يطرح للتصويت.
هناك الكثير من الوجوه البارزة والتي عملت جاهدة لإصدار قانون العزل السياسي وهذه الوجوه هي نفسها التي وقفت ضد حكومة السيّد علي زيدان وطالبت مراراً بإستقالته. كان من بين هذه الوجوه المهندس جمال زوبيّة، والسيد جمال الحاجّي والدكتور رشيد كعبار والشيخ سامي الساعدي والأستاذ عادل الغرياني رئيس تنسيقيّة العزل السياسي بطرابلس، وغيرهم كثير. بالطبع فإن قادة الميليشيات المسلّحة هم الذراع العسكري لهؤلاء، والشيخ الصادق الغرياني (المفتي) هو الداعم الأكبر لهذه التحرّكات التي تحاول إصدار قانون العزل السياسي بالدرجة الأولى من أجل إقصاء الدكتور محمود جبريل ومنعه من الترشّح مستقبلاً لرئاسة الدولة أو أي منصب سيادي آخر.
على ما أعتقد فإن شخصيّة كبيرة كانت قد وقفت وبكل قوّة داعمة بل ومتبنيّة لقانون العزل السياسي هو الشيخ سامي الساعدي ومن ثمّ فسوف أحاول التوقّف لحظة عند هذا الشيخ حتى من خلاله ربّما نعرف توجّهات وإتجاهات من يطالبون بقانون العزل السياسي.
   
سامي مصطفى الساعدي

  الشيخ سامي الساعدي الذي يتزّعّم هذه الحملة نحن في حاجة للتعرّف على خلفيّته وطريقة تفكيره حتى لا يخدعنا بعباءة الدين التي يجيد طريقة إرتدائها، وحتى لا نجد أنفسنا نجري وراء مخطط لا نعرف شيئاً عن مراميه ولا أجنداته.
 الشيخ سامي مصطفى الساعدي والمعروف ب "أبو منذر الساعدي" هو من قوّاد ومنظّري "الجماعة الليبيّة الإسلاميّة المقاتلة" التي أعلن شق منها في وقت ليس بالبعيد تبعيّته لفرع "تنظيم القاعدة" في المغرب الإسلامي. يقال عن سامي الساعدي بأنّ مكانته في تنظيم الجماعة تفوق مكانة أميرها "أبو عبد الله الصادق".  

الشيخ سامي الساعدي هو عضو في "هيئة علماء ليبيا" التي يترأسها الشيخ الصادق الغرياني، وهو من شارك في صياغة "المراجعات" المهينة للجماعة الليبيّة المقاتلة بأمر من سيف القذّافي كشرط للإفراج عن أعضاء الجماعة وتعويضهم على مدد سجنهم في عهد الطاغية معمر القذّافي. كل عضو في الجماعة تم إطلاق سراحه تحصّل على تعويض من الطاغية القذّافي مقداره 10,000 ديناراً وتسهيلات للحصول على قرض إسكاني مقداره 25,000 دينار بدون فوائد نظير تعاونهم مع مؤسّسة "ليبيا الغد" التي كان يرأسها سيف معمر القذّافي ونظير نبذهم لجميع أشكال العنف ضد نظام الطاغية القذّافي، والقبول به "وليّاً للأمر" يحرّم الخروج عليه حسب مراجعاتهم المذكورة آنفاً .
كان السيّد عبد الحكيم بلحاج من بين المستفيدين من تلك العطايا، لكن الشيخ سامي الساعدي لم يشمله العفو حينها كما علمت.
الشيخ سامي الساعدي هو أحد منظّري "الفكر الجهادي" وهو من بين المنظّرين للحركات الجهاديّة وتفكيره يعتبر إمتداداً لفكر "عبد "الله عزّام" أحد مؤسّسي الفكر السلفي الجهادي (وهابي).




قضى الشيخ الساعدي الكثير من سنوات عمره في أفغانستان مجاهداً مع الطالبان وكان مقرّباً جدّاً من الملّا عمر الذي كان يناديه ب "شيخ العرب".
قال الشيخ سامي الساعدي في نظام الطالبان المتخلّف في أفغانستان حين تم القضاء عليه من قبل قوّات التحالف وتنصيب كرزاي ليكون رئيساً للدولة الجديدة التي قصد بها بأن تكون دولة عصريّة تؤمن بالديموقراطيّة وتطبقها على أرض الواقع، لكن التعامل مع عقليّة شعب لم يمارس الديموقراطيّة في حياته وتتلمذ أغلب رجاله الفاعلين على ثقافة الطالبان الرجعيّة ليست بالأمر الهيّن على دولة لا تتوفّر لها الكثير من الإمكانيّات الماديّة.... قال الشيخ سامي الساعدي في رثاء نظام طالبان المنهار: "رحلت طالبان ، ورحل معها حلم المدينة الفاضلة الذي أصبح حقيقة واقعة في مطلع هذا القرن ... رحلت أحكام الشريعة" ، وقال في ذهاب طالبان أيضاً: "فإن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا والله على فراق طالبان لمحزونون"، وقال أيضاً: "فلتبك على نظام طالبان كل عين مشتاقة إلى دولة الإسلام المنتظرة"، وقال: "فيا أمير المؤمنين عد، فإننا منتظرون عودتك، ولن ننساك مهما بعدت عنا، فمحبتك سكنت القلوب وضربت بجذورها فيها".
وقال الشيخ الساعدي في طالبان كذلك: " رحل طالبان ، ورحل معها حلم المدينة الفاضلة الذي أصبح حقيقة واقعة في مطلع هذا القرن"، وقال: " لقد أحسسنا لأول مرة في حياتنا بالانتماء إلى دولة تمثل طموحاتنا وآمالنا ، وعشنا في ظلها أعزة آمنين ندين بالولاء والطاعة لأمير المؤمنين".
 هذا هو الشيخ سامي الساعدي الذي يتزّعم الحملة ضد الحكومة وضد الديموقراطيّة وضد إختيار الشعب الليبي، وهو لا يؤمن إطلاقاً بالديموقراطيّة بل إنّه يعتبر الديموقراطيّة "بدعة غربيّة". الشيخ سامي الساعدي يؤمن عميقاً بعودة "الخلافة الإسلاميّة"، وما قانون العزل السياسي الذي يعمل على فرضه بقوّة السلاح إلاّ بمثابة "قميص عثمان" عند الشيخ الساعدي وغيره من أولئك الذين خرجوا في الإسبوع الماضي على سلطة وسيادة الدولة، فهدف هؤلاء الوحيد هو إقامة "إمارة إسلاميّة" متخلّفة على شاكلة إمارة "الطالبان" في أفغانستان حيث حرمت المرأة هناك من أبسط حقوقها في التعلّم، وما زالت الفتاة الأفغانيّة تعاني إلى يومنا هذا من الجهل والتخلّف والمعاملة الدونيّة التي لا ترقى كثيراً عن معاملة الأبقار الحلوبة..... فهل مثل هذا الرجل ينفع لبناء دولة عصريّة كانت حلم شباب بلادنا حين ثاروا على نظام الطاغية القذّافي الديكتاتوري؟. وأمل وطموح
هؤلاء أنا أعتبرهم أكثر طغياناً وأكثر ديكتاتوريّة من نظام القذّافي نفسه، وهم على إستعداد لقتل كل من يعترض على طريقة تفكيرهم.... إنّهم يحاولون التخلّص من كل ليبي متعلّم ومتفتّح لأن ما يعدّون له لا يتقبّل عقليّات بتفكير هذا العصر.
أنا لست مع قانون "العزل السياسي" لأنّه بكل صراحة يعتبر حقّاً أريد به باطل، وسيكتشف الليبيّون قريباً أن هذا القانون سوف يؤدّي بليبيا إلى الحضيض نتيجة لحرمانها من كل عقل ليبي يفكّر ومن كل إنسان يحمل خبرة معتبرة تنفع لبناء غد ليبيا، ولكم المثال الحي والمجسّد في العراق وقانون "إجتثاث البعث" وكيف وصل العراق الذي كان منارة في الشرق العربي ككل فإذا به أصبح اليوم مقبرة لكل عقل يفكّر ولكل إنسان وطني يقول بأنّه عراقي وكفى.
فإذا كان الإنصاف هو من أهداف هؤلاء "الثوّار" فعليهم المطالبة بتفعيل القضاء ومقاضاة كل من يشتبه في إفساده للحكم في ليبيا الحديثة من خلال أدلّة وبراهين وبرعاية قضاة وطنيّون مهرة يفقهون مهنتهم..... فإنّنا بذلك فقط نستطيع فرز الجيّد من الردئ بدون الإساءة إلى أو ظلم أحد، وبدون حرمان البلد من متعلّميها وعقولها النيّرة التي سوف تضطر للهجرة خارج البلاد باحثة عن السلم الآمان وعن مكان تحترم فيه كياناتها كبشرلتنظمّ بذلك إلى طوابير من سبق وأن هاجروا في عهد الطاغية القذّافي بحثاً عن الحريّة ولم يروا في ليبيا بعد ما يدعوهم للعودة إليها والمساهمة في بنائها.
هؤلاء الناس الذين يهدّددون شرعيّة الدولة الآن بالحراب هم وللأسف - نظراً للعاطفيّة في تفكيرهم - لا يستطيعون النظر إلى الأشياء بعقليّة إستراتيجيّة تضع مصلحة البلد فوق كل إعتبار مقتدين في ذلك بالكثير من دول العالم التي تتسابق على إغراء المتعلّمين والأذكياء من بلاد العالم الثالث مثل بلادنا للهجرة إليها والعمل بها حتى تستفيد تلك البلاد من خبرة جاهزة ومن عقول مبدعة حرمت بلادها منها بسبب ضيق أفق الكثير من أهلها من أمثال الشيخ سامي الساعدي وأتباعه من قادة التنسيقيّات وأعضائها، ومن هم على شاكلتهم.
 وبالعودة لقانون العزل في حد ذاته... فلو فكّرنا قليلاً بعقولنا وحاولنا عمل بعض الحسابات فإنّنا سوف نصل إلى نتيجة سريعة تقول بأن عمر نظام الطاغية القذّافي كان 42 سنة تعامل معه فيها ما يزيد عن 95% من الليبيّين القادرين على العمل بمستويات ومراتب مختلفة... هناك من هم في وظائف صغيرة وقد أضرّوا بالغير وهناك من كانوا في وظائف كبيرة ونفعوا الغير.... العزل الأعمى بناء على مادة في القانون سوف يطال الطرفين وفي هذا غياب للعدل والإنصاف. هناك أناس آخرون ربما كانوا مع نظام الطاغية لكنّهم إلتحقوا بثورة 17 فبراير من أيّامها الأولى وقدموا لها الكثير من الجهد والوقت ومنهم من لولاه لما نجحت الثورة في الأساس. وعلينا أن نكون واقعيّين هنا... السيّد عبد الرحمن شلغم، السيّد علي الأوجلي، السيّد مصطفى عبد الجليل، اللواء المرحوم عبد الفتّاح يونس، الدكتور محمود جبريل، العقيد البرّاني إشكال... والقائمة لا تنتهي... هؤلاء الناس بالفعل كانوا من أهم عوامل إنجاح الثورة في ليبيا وإلاّ لكان حدث لنا مثل ما حدث لسوريا أو ربّما أسواء من ذلك بكثير حكماً بدمويّة وطغيان القذّافي.
بربّكم تذكّروا تلك الليلة التي كانت فيها قوات الطاغية القذّافي تتأهب لدخول بنغازي وكانت تعني دخول بنغازي بكل جديّة وبكل عنف وبكل حنق... الذي منعها هو الطائرات الفرنسيّة التي أغارت عليها في تلك الليلة وهي في طريقها لدخول المدينة من جهة البركة قادمة من معسكر قاريونس الذي كانت تتعسكر فيه. لو لم تضربها الطائرات الفرنسية فإنّها كانت سوف تتوغّل في المدينة وبعدها أبحث عمّن بإمكانه إخراجها.
للتاريخ وللأمانة كان السيّد عبد الرحمن شلغم هو من تمكّن من تمرير قرار مجلس الأمن الذي على ضوئه أغارات الطائرات الفرنسية على كتائب الطاغية... هل من العدل والإنصاف إجتثاث هذا الرجل ولو خدم القذّافي لمليون سنة طالما أنّه لم يثبت عليه التورّط في دماء أو أموال الليبيّين؟..... هذا ربّما كان مجرد مثال صغير، لكن المشكلة أبعد من ذلك بكثير، فأغلب الذين عملوا مع الطاغية كانوا خبراء أو إكتسبوا خبرة كبيرة خلال عملهم في نظامه... لماذا لا نستفيد من خبرتهم في بناء ليبيا خاصة ونحن هنا نتحدّث عن بلد مساحته كبيرة وعدد سكانه قليلون، ومقدار الخبرة في بلادنا تعتبر نسبيّاً صغيرة جداً؟. لو أنّنا نحن فعّلنا القضاء ووفّرنا له الحماية الأمنية ثم قدّمنا كل من تحوم حوله الشبهات للقضاء بصحيفة إتهامات وبعدها ليرى القاضي ما يراه... من يدان يجازى ومن تتم تبرئته يعود إلى وظيفته.... ما العيب في هذا الإجراء إن كان المنادين بالعزل السياسي هم بالفعل وبصدق يسعون لإصلاح ليبيا؟.
قانون العزل السياسي في ليبيا توجد لدينا تجربة مشابهة له في العراق، وعلينا أن نستفيد منها لأنّ التقارير مازالت تصدر حتّى يومنا هذا وهي تنتقد النتائج السلبيّة الكثيرة والعميقة الناتجة عن تطبيق العزل السياسي في العراق. النقطة الأخرى أن الكثير ممّن هم يحاولون فرض الإجتثاث في ليبيا ولو بقوّة السلاح هم من أولئك الذين كانوا يطمحون في وظائف وزاريّة ولم يحصلوا عليها فإنّ لجوئهم لهذه الوسيلة قد يعيد إليهم الحلم، حيث أن أعداد كبيرة من أعضاء المؤتمر الوطني ومن الحكومة (وزراء ووكلاء وزارات) إذا طبّق عليهم هذا الإجراء "المشئوم" سوف تترك وظائفهم شاغرة لمن يقفز أوّلاً ويقوم بإنتهاز الفرص.  
بكل تأكيد فإن ليبيا لا يمكن إختزالها في شخص أو أشخاص، وبكل تأكيد فإن ليبيا بملايينها الستة سوف لن تعجز عن إيجاد البديل، لكنّنا هنا نتحدّث عن الطرف الآخر من المعادلة.... أولئك الناس الذين نريد عزلهم وإقصاءهم. لماذا لا نبدأ من جديد كما بدأت ثورة ليبيا يوم 17 فبراير 2011؟. حين نبدأ من جديد لا يعني ذلك مطلقاً أنّنا ننسى ماضي من كان له ماض، وإنّما نتعامل مع كل شخص على حسب ما يقدّمه لنا وحسب تعهّداته لنا، وبعدها نقوم بمحاسبة كل من يخطئ.
قانون العزل السياسي من وجهة نظري هو قانون إقصائي كريه لا هدف له غير "الإجتثاث" وإبعاد أناساً معيّنين من الحلبة بهدف أن يفسح المجال للآخرين وهم في العادة يعتبرون من المناوئين لهم أو المتشفّين فيهم. هذا هو إسلوب إقصائي بإمتياز ولا يمكنه على الإطلاق بأن يبني دولة. أمّا إذا أضفنا إلى كل تلك المساوئ إستخدام السلاح لفرضه بالقوة على برلمان منتخب فتلك هي المصيبة التي لا يمكن تبريرها. السلاح والديموقراطية لا يمكنهما أن يلتقيا أبداً، فأنت هنا تقيم علاقة بين جهة مسالمة وجهة مسلّحة وبكل تأكيد تعرف يقيناً بأن الطرف المسلّح هو من سوف ينتصر ويفرض إرادته وأجنداته مثله في ذلك مثل ذلك العسكري الذي يقوم بإنقلاب على الحكم ليستحوذ هو عليه وإن سمح لغيره ببعض منه فإن ذلك سوف يكون تحت أجندته.
إذا أردنا لليبيا أن تسير إلى الأمام فعلينا أن ننظر إلى الأمام وعلينا أن نعتبر كل ليبي وكل ليبيّة على أنّهم أبناء لهذا الوطن ولهم كامل الأهليّة في المشاركة في تسيير شئونه، وكل من له ماض تثار حوله الشكوك تجب محاكمته برغبته وبإرادته ولنحتكم إلى رأي القضاء. تفعيل القضاء وتوفير الآليّة لتحقيق أحكامه هو الطريق الوحيد من وجهة نظري لإحقاق الحق وللدفع بعجلة التغيير إلى الأمام، أما عدا ذلك فإنّ الظلم سوف يسود والضغينة ولكراهية سوف تتولّدان لتكبر بعدها دوّامة العنف والعنف المضاد وتلك سوف تصبح ثقافة جديدة كما حدث في العراق. قانون العزل السياسي تم تجربته في العراق (نفس الثقافة ونفس العقلية بيننا وبينهم) وبرهن على فشله الذريع بل وعلى مخلّفاته التدميريّة في بنية الدولة من ناحية وفي نسيج المجتمع من ناحية أخرى. ما جرى في ألمانيا أو أمريكا أو غيرها من الدول التي ربما طبّقت نوعاً من العزل السياسي يختلف تماماً عمّا سوف يحدث في ليبيا، فثقافة شعوبنا ونظرتنا للحياة وتقديرنا لقيمة البشر وحبّنا للوطن من عدمه هي أمور تختلف تماماً بيننا وبينهم وعلينا أن ننطلق من معطيات ثقافتنا وعاداتنا... ومن خصائص مجتمعنا.  

 الشرعيّة في ليبيا سوف لن تكون لصناديق الإقتراع بعد الآن كما لم تكن يوم الأحد الماضي. هل يعقل بأن تصوّب البنادق لرؤوس اعضاء المؤتمر الوطني ويترك أمامهم إختياراً وحيداً وهو الإقرار أو أنّنا نستولي على قاعة المؤتمر كما إستولينا على كل الوزارات السيادية في الدولة متسلّحين ليس بالإرادة الشعبيّة وإنّما بمدافع 14.5 ومدافع م.ط . هل تسمّون هذه ديموقراطيّة؟.
قد أكون أنا مخطئاً لكنّني أعتقد بأن الديموقراطيّة ماتت في ليبيا قبل أن تقف على رجليها وقبل أن تبدأ في الحبو. نعم... لقد وئدت الديموقراطيّة في ليبيا قبل أن تبتسم، وأعتقد بأن الطريقة التي صدر بها قانون العزل السياسي أصدرت حكماً بدفنها وأخشى بأن يكون ذلك إلى الأبد. الذين يستعدّون الآن لإعتلاء السلطة في ليبيا بدل زيدان وبدل المقريف هم أناس لا يؤمنون بالديموقراطيّة من حيث الأساس، ويعتبرونها بدعة لا تتماشى مع الدين الإسلامي.  
السلاح والميليشيات سوف تكون "سمة العصر" في ليبيا الجديدة، ومن لا ترضى عليه الميليشيات أومن يقف أمامها فسوف يطبّق عليه قانون العزل.. وسوف نرى الكثير والكثير من " قميص عثمان" إعتباراً من الآن. تكبير... عاشت الميليشيات. تكبير..... عاش الشيخ الصادق الغرياني.... تكبير..... عاش الطالبان. تكبير... عجبنا الماضي... ونبّوا زيّه.... نبّوا إمارة إسلاميّة.

وختاماً.... يبدو أن الصراع بين العلم والتخلّف قد بدأ .... وبدأ على أشدّه. الدولة والله سوف لن يصنعها إلاّ المتعلّمين والمثقّفين والمتفتّحين الذين يروا الدنيا من خلال العلم والتقنية، وحتماً سوف لن يصنع دولة عصريّة أمثال أولئك الذين يهتمّون بإطالة لحيّهم أكثر من إهتمامهم بإستخدام عقولهم.... وحمى الله ليبيا من الطامعين. 

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

ألا لعنة الله عليك يا زوبية وعلى من شايعك فيما تقوم به من أجل إشباع رغباتك وشهواتك وهرطقاتك التي لا تنتهي .. جعل الله كيدك في نحرك وأذاقك لباس الجوع والخوف مثلما تسعى لإفساد هذه البلاد وإقصاد النجباء والخيرّين من أبناء هذا الوطن التعيس .. يا حليف إبليس ..