2013/03/15

الحداثة في التفكير والتجديد في الفهم (الحلقة الثامنة)

 عالم الحياة وعالم الحياة 

((مهداة إلى الدكتور الشيخ عبد اللطيف المهلهل))

عالم الحياة هو من يبحث ويبرهن ويثبت بالدليل الحسّى كل نظريّاته وكل تخميناته، وما لم يستطع عالم الحياة البرهنة عليه بالدليل القاطع يبعده أو يؤجّله لكنه أبداً لايسوّقه لغيره. عالم الحياة يؤمن إيماناً يقينيّاً بالصدق والإخلاص في العمل، ولا يجيز لنفسه أبداً تعديل أية نتائج يتحصّل عليها من خلال بحثه بهدف تحويلها من "إختلافات غير جوهريّة" إلى "إختلافات جوهريّة" ولو كان التعديل طفيفاً جدّاً. حين يكون الإختلاف بين المادّة المجرّبة والمادّة المرجعيّة جوهريّاً يجد العمل طريقه للنشر في المجلاّت العلميّة الراقية بكل سهولة ويتحصّل صاحب العمل المنشور على شهادة تخصّص عليا بناء عليه، ومع كل هذا فلا يجرؤ عالم الحياة على إحداث أية تغييرات لأنّه يبحث عن الحقيقة ويعتبرها مسئوليّة أخلاقيّة مستقلّة عن الفوز الشهائد.
عالم الحياة على غرار عالم الدين هو من يبحث عن كل شك من شأنه أن يبطل نظريّته، أمّا عالم الدين فهو يجزم من البدء بأنّ نظريّته صحيحة 100% ومن ثمّ فإنّه يبحث عن كل دليل ولو كان ضعيفاً جدّاً للبرهنة على صدق النظريّة وفي بعض الأحيان يكذب عالم الدين للتأكيد على صحّة نظريّته، وقد يتغافل عالم الدين عمداً عن معلومة ما إن كانت سوف تفسد الفكرة التي ينادي بها. فمثلاً... لم يحدّثنا علماء الدين عن الحقائق الكامنة وراء الفتنة الكبرى وقتل عثمان، ولم يذكر لنا أحداً عن المتهمين بقتل عثمان بن عفّان، هناك من يقول بأنً محمّد بن أبي بكر كان من بين إثنين هاجما عثمان وهو يقرأ القرآن في في إحدى غرف مقر الخلافة بالمدينة وأخذا يضربانه وينتّفان شعر لحيته ثم إذا بهما يجرجرانه على الأرض حين دخلت جموع العوام للقصر وحدثت تلك الكارثة التي قتل فيها خليفة من الخلفاء الراشدين بدم بارد وسمّوها "تخفيفاً" بالفتنة الكبرى في حين أنّها كانت كارثة كبرى لم يتم التحقيق فيها أو التعرّف على من كان السبب فيها ولم يعلمنا أحداً من علماء المسلمين عن حقيقة ما جرى فيها من مآسي وأحداث. 
في المقابل، لو أنّ تفاعلاً جانبيّاً كان قد صاحب إجراء إحدى التجارب المختبريّة وأدّى إلى إشعال نار أو تفجير في معمل البحث أو نتج عنه قتل أحد الباحثين فإن عالم الحياة سوف لن ينام ليلته قبل أن يتعرّف على ما حدث ويلزم نفسه بعد ذلك بكشف كل أسرار ما حدث أمام الناس بهدف تجسيد الشفافيّة وإحقاق الحق من أجل التعلّم من الأخطاء حتى لا تتكرّر، وبذلك نجد علماء الحياة يسيرون إلى الأمام في حين يظل علماء الدين يراوحون في آماكنهم ولا يستطيعون التقدّم إلى الأمام فتصيبهم رهبة من المستقبل وتوجّس من الحاضر ولا يجدون راحتهم إلاّ في الماضي الذي يثقون فيه ويطمئنّون إليه.
من ناحية أخرى فإنّنا نرى عالم الحياة غالباً ما تربطه علاقات جيّدة جدّاً بزميله عالم الحياة الآخر، وكثيراً ما نجدهم يتعاملون مع بعض عن طريق المؤتمرات والندوات والتواصل عبر وسائط الإتصالات العديدة بهدف إقتسام المعلومة للوصول إلى إكتشاف المجهول، ومن هنا فإنّنا من النادر أن نرى عالم حياة يختصم مع عالم حياة آخر أو يتآمر عليه أو يسبّه أو يكفّره أمام الملأ.
هناك أيضاً عامل آخر يجب التنويه إليه وهو أن عالم الحياة حين يقتنع بفكرة ما أو يبرهن على صحّتها من خلال الأبحاث فإنّه يحاول إقناع الآخرين بها من خلال النقاش والحوار، ولا يمكنك أبداً أن ترى عالم حياة (وليكن إستشاري في الأمراض المعدية مثلاً) وهو يخرج إلى الشوارع يفرض رأيه على الآخرين أو يقوم بجلدهم في الشوارع لمجرّد التكهّن بأنّهم قد قاموا بممارسة عمل ما كان السبب في إنتشار أحد الأمراض السارية.
النقطة الأخيرة التي يمكنني التنويه إليها في هذا الإطار هو أن عالم الحياة مهما بلغ من العلم ومهما نشر من الأبحاث ومهما تحصّل على الشهادات التخصّصيّة العليا فإنّه يبقى متواضعاً بشكل يدفعك للشفقة عليه أحياناً، وفي المقابل فإنّ عالم الدين ما إن ينشر كتاباً أو يستضاف على محطة فضائيّة حتى تجده وقد بدأ يترفّع ويتعبقر وينفش، ثم إذا به يرسم تلك الهالة حول نفسه وكأنّه نزل من السماء في الليلة الماضية.

عالم الحياة لا يمكنه أبداً أن يحمل القانون بين يديه ويبدأ في تطبيقه في الشوارع بدون أي وجه حق كما يفعل رجل الدين (عالم الدين) الذي يسمح لنفسه بنبش القبور وحرق الكنائس ومهاجمة السفارات وتفجير المعالم التاريخيّة التي تحمل بين خلجاتها عبق التاريخ. عالم الدين (الشيخ) هو من يجلد الشباب في الميادين وعلى الأشهاد بدون إي إحترام لسلطة الدولة أو حتى وضع إي إعتبار لها في تصرّفاته وتفكيره لأنّه يعتبر نفسه نائباً عن الله في الأرض أو مكلّفاً بتفويض إلهي لفرض شريعة الله على الناس.

في الحلقة القادمة سوف أتحدّث عن إمكانيات الإلتقاء بين عالم الحياة وعالم الدين إن شاء الله. 

ليست هناك تعليقات: