2012/12/19

محاكمة المستشار مصطفى عبد الجليل


أنا شخصيّاً أحترم وأقدّر المستشار مصطفى عبد الجليل الذي إستطاع بطريقة أو بأخرى أن يقود سفينة التغيير في ليبيا وأن يرسو بها على شاطئ الأمان... فهو يجب أن يحسب من أبطال ليبيا الذين يسجّلهم التاريخ بمداد من ذهب. المستشار مصطفى عبد الجليل له فضل كبير على ليبيا وعلى كل الليبيّين وعلينا أن نكون من المقدّرين لمجهودات الغير حتى وإن كنّا نختلف معهم في بعض الأشياء أو في بعض التوجّهات.
بالنسبة لموضوع إحالة المستشار عبد الجليل للمقاضاة في مقتل اللواء عبد الفتّاح يونس فإنّني مع ذلك الإتّجاه ليس حقداً على المستشار وإنّما دعماً لإحقاق الحق ومن أجل إظهار الحقيقة.
نحن نعرف بأن اللواء عبد الفتّاح يونس كان قد أغتيل بشكل عنفواني في ظروف مفصليّة وحرجة كانت تعاني منها بلادنا في وقت كنّا فيه غير واثقين من إمكانيّة إنتصارنا على الطاغية القذّافي. أغتيل اللواء عبد الفتّاح يونس إنتقاماً منّا كليبيّين وليبيّات نحب بلدنا ونسعى لتحريرها بأي ثمن. الذين إغتالوا اللواء عبد الفتّاح يونس أقل ما يمكن وصفهم به هو أنّهم من ألدّ أعداء ليبيا ومن ألد أعداء شعبها التوّاق للحريّة. اللواء عبد الفتّاح يونس قتل لأحد سببين: إجهاض ثورة 17 فبراير، أو بهدف التخلّص منه لأسباب أنانيّة مريضة قد لا تتعدّى الصراع على سلطة إفتراضيّة. 
بدون شك فإن عدد من أعضاء المجلس الإنتقالي يعرفون يقيناً من قتل اللواء عبد الفتّاح يونس وبدون شكّ فإنّ المستشار مصطفى عبد الجليل يعتبر واحداً منهم، وسكوت هؤلاء إلى الآن يجب تحليله وتشخيصه (الفضّ فيه) مهما كانت الإعتبارات ومهما كانت العواقب المتوقّعة... فالسكوت على ظلم مثل هذه هو ليس في مصلحة بلادنا. 
هناك الكثير من الأسرار التي ربّما أخفيت عمداً عن معرفة الليبيّين وهذه يجب الإفصاح عنها اليوم وقبل غد، خاصّة وأن مسلسل الإغتيالات لم يتوقّف منذ ذلك التاريخ، ولم يكن يستهدف فقط اللواء عبد الفتّاح يونس ورفيقيه. مسلسل الإغتيالات يستهدف مستقبل ليبيا، ويستهدف صميم عمليّة بناء الجيش الوطني والشرطة حكماً بنوعيّة الإغتيالات التي تركّز بالخصوص على الضبّاط الكبار من الجيش والشرطة والأمن الوطني...... إنّها عمليّة مبرمجة تهدف إلى الحيلولة دون تكوين الدولة العصريّة، والذين يخافون من تكوين الدولة العصريّة الخاضعة لنظام حكم واحد ونظام قضائي واحد لا يميّز بين القوي والضعيف... هم من يستميت هذه الأيّام للإبقاء على نفوذ وتسلّط الميليشيات المسلّحة وبأي ثمن. إن من يعملون على التحايل على قوانين ولوئح الدولة من أجل الحفاظ على مجد زائف ظنّوا بأنّهم غنموه نتيجة لتمكّن شباب ليبيا من الإنتصار على نظام الطاغية القذّافي الذي حاولوا من قبل إسقاطه لكنّهم فشلوا بذلك الشكل الذي دفعهم إلى مهادنته وتغيير طريقة تفكيرهم بما يرضي غروره عسى أن يشفع ذلك لهم عنده فيعفغي عنهم ويخرجهم من السجون. بالفعل ذلك ما حدث مع الجماعة الليبيّة المقاتلة التي أضطرّت إلى إستصدار فضيحة "المراجعات" من أجل إرضاء غرورالطاغية القذّافي وطلب الصفح من لدنه بمباركة عرّاب التزلّف الدكتور علي الصلاّبي.

من وجهة نظري فإن محاكمة المستشار مصطفى عبد الجليل أصبحت أمراً لا مفرّ منه في وجود سيناريو "متعمّد" للتعتيم وتغييب الحقيقة كان للمستشار دوراً كبيراً فيه وهو يعرف لماذا فعل ذلك.... ومن هنا فإنّني أرى بأن محاكمة المستشار مصطفى عبد الجليل من الممكن أن تحقّق النتائج الآتية:
1- البرهنة على أنّه في ليبيا الجديدة لم يعد يوجد هناك أناساً أعلى من سلطة القضاء.
2- إعتبار هذه المحاكمة كسابقة فريدة من نوعها في ليبيا تمهّد الطريق نحو العدل الذي لا يستثني أحداً.
3- إظهار الحقيقة ومعرفة من يختفي وراء مسلسل الإغتيالات من أفراد وتنظيمات حتى يمكننا إتقاء شرورهم.
4- إعادة الإعتبار للمستشار مصطفى عبد الجليل إن برهن القضاء على أنّه كان بريئاً كما سبق له وأن قال من قبل.... وكما أظن فإنّه كذلك.

حين يعلن المستشار مصطفى عبد الجليل عن أسماء قتلة اللواء عبد الفتّاح يونس فإنّه بذلك سوف يرفع الغطاء (الحصانة) عن أولئك الذين يقتلون في الخفاء ويتفنّون في إخفاء جرائمهم معتمدين على أساليب التهديد أحياناً والمراوغة أحياناً أخرى. حين نعرف من قتل اللواء عبد الفتّاح يونس فإنّنا حتماً سوف نتمكّن من تحسّس الخيوط التي تؤدّي إلى معرفة من يقف وراء كل الإغتيالات المهنيّة والتقنيّة لعناصر بناء الدولة الليبيّة، وبذلك فقط يمكننا إنهاء هذا النزيف المجنون لعقول وخبرات بلادنا التي نحن في أمسّ الحاجة إليها وفي هذا الوقت بالذات.

فمن أجل ليبيا ومن أجل مستقبل أبنائها أتمنّى من المستشار مصطفى عبد الجليل بأن يفصح عن كل الأسرار التي هي بجعبته حتى يتسنّى لنا كليبيّين المضي قدماّ من أجل بناء الدولة العصريّة والديموقراطيّة التي لا يروق لبعض الزمنيّين رؤيتها كذلك.... فهم يفضّلونها بأن تصبح إقطاعيّة يحكمها من يملك سلاحاً أكثر، أو أن تتحوّل إلى "خلافة إسلاميّة" تحكم بأمير يتم إختياره في المأخورات المظلمة ويفرض ولاءه على الناس سواء رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا، ليقوم هو بدوره بمهمّة تعيين حاشيته وأصهاره في قصره فيضمن بذلك إنتقال الحكم منه وإلى سلالته كما كان يحدث في زمن الخلافات الأمويّة والعبّاسيّة والتاريخ خير شاهد على ذلك.

ليست هناك تعليقات: