2012/09/22

المضي عبر طريق موحلة

عندما يعتمر الأمل في العقول يحدث العبور من هنا إلى هناك ولو كانت الطريق المؤدية إلى هناك موحلة، غير أن الأمل يحتاج إلى إرادة كي يصبح أداة لإحداث التغيير .

إنقطعت أخيراً لمدة ثلاثة آسابيع عن الكتابة وعن التعليق على ما يكتب وما يطرح من أراء وأفكار، والسبب أنني كنت مع زوجتي وأطفالي في زيارة عائليّة إلى ليبيا الحبيبة حيث إلتقينا هناك مع من نحب ومع من يحبّنا.
كانت الأحاسيس قبل الإنطلاق مختلطة، وكانت المشاعر جيّاشة، وكانت هناك مخاوف يسيطر عليها بعض التردّد؛ غير أن الدافع كان قويّاً وشهيّة الإستكشاف كانت أقوى.
بعد محاولات بحث جادّة وصعبة عن وسيلة للإنتقال من هنا إلى هناك رسى الإختيار على الناقل النمساوي عبر فيينّا، وتبيّن لنا لاحقاً بأن ذلك الإختيار كان في محلّه. إكتشفنا من خلال تجربتنا بأن الخطوط النمساويّة كانت بالفعل تبحث عن سمعتها وتعمل جديّا للنفاذ إلى قلوب وآحاسيس زبائنها، فكانت خدماتها ممتازة وكانت معاملاتها راقية وكانت اللطافة ملموسة في تعاملات موظّفيها سواء كان ذلك عبر الإنترنت أثناء الحجز أو من خلال التعامل المباشر.
كانت محطّتنا الثالثة - بعد هيثرو وفيينّا - بطبيعة الحال في مطار طرابلس العالمي، وهناك كانت لنا أوّل مقارنة مع الخبرة السابقة في المطارين المذكورين حيث كان اليوم في طرابلس ساخناً جدّاً وتتجوّل فيه رياح لافحة عملت على ملامسة وجوهنا بكل جفاء حين نزلنا عبر سلّم الطائرة، فنفق العبور مازال معطّلاً وعلامات التخريب مازالت ماثلة على أغلب أركانه.
عبرنا من سلّم الطائرة إلى النفق على الأقدام وفي مدخل النفق كان يقف شابّان كل منهما في مقتبل العمر. إستقبلانا بإبتسامة طبيعيّة لا تصنّع فيها ورحّبا بنا بكل مودّة داعيين إيّانا للمضي قدماً عبر النفق. لم يكن هناك أحد في إستقبالنا على غير العادة في كل زياراتنا السابقة لليبيا في عهد الطاغية القذّافي حيث كنا نجد في إستقبالنا على سلّم الطائرة أحد الأقرباء بصحبة أحد المتنفّذين من المعارف أو أصحاب المنافع المتبادلة بهدف مساعدتنا للعبور من خلال البوّابات الأمنية المتعدّدة في المطار. لم نكن في حاجة إلى أيّ من ذلك هذه المرّة، وقد لا نحتاج إلى مثلها من الآن فصاعداً فليبيا لمن يهمّه الأمر كانت بالفعل قد عادت إلى أهلها الحقيقيّين.
مررنا في داخل النفق القصير المؤدّي إلى شبابيك التحرّي الأمني بالمطار والتي كان يشغلها رجال المخابرات الطغاة في عهد المقبور وكانت هذه الشبابيك بمثابة بوّابة جهنّم بالنسبة لليبيّين خاصّة إذا كنت مقيماً في بلد أوروبّي غربي. كان النفق ساخناً جدّا حيث إنعدم التكييف وإنعدمت التهوية أيضاً، لكنّ ما عوّض ذلك الجحيم هو تلك المعاملة الحسنة ممّن كان يتواجد بالشبابيك حيث تمّت الإجراءات في ثوان بدون أسئلة ولا تحقيقات. أرجعت الجوازات إلينا بإبتسامة ودعوة أخويّة للمضي قدمأ. قلت في نفسي حينها... نعم، فقد تغيّرت بلادنا وأصبحنا بعد 17 فبراير أحراراً..... لقد عادت إلينا أدميّتنا بعد أن أغتصبها منّا ذلك الطاغية الحقير - لعنة الله عليه - لأكثر من 4 عقود من الزمان.
نزلنا إلى صالة الأمتعة وهناك كانت مفاجأة أخرى حيث وجدنا جميع حقائبنا في الإنتظار وبتلك السرعة. ذهب أطفالي باحثين عن عربات الأمتعة (الترولّيات) فوجدوها قريبة منّا بالعشرات وآتوا بما لزم فرحين مستبشرين. قلت في نفسي... سبحان الله هذه العربات الصغيرة لم تكن متوفّرة في عهد الطاغية القذّافي أو ربّما كان من أكبر المشاق العثورعلى واحدة منها في إحدى الأطراف النائية من المطار أو ربّما يوفّرها لك من يأتي مع "المتعاونين" لإستقبالك. حمّلنا حقائبنا على تلك العربات الصغيرة وشرعنا في النزول إلى قاعة الواصلين، وهناك لحق بنا أحد الأقارب الذي جاء لإستقبالنا وكانت بدون شك لحظات سعيدة ومرحة حيث إلتقينا ببعض أفراد العائلة فكانت بطبيعة الحال حفاوة اللقاء تتناسب مع الملتقى.
كانت صالة المطار الأرضيّة مزدحمة وكانت فوضوية بكل المعايير، لكنّها على الأقل كانت مكيّفة. خرجنا من المطار لنقابل من جديد لفح أشعة شمس الظهيرة مع حرارة ذلك الهواء المتشبّع بالرطوبة فكان الحمل ثقيلاً لكنّنا تحمّلناه. ركبنا السيارة التي كانت تنتظرنا ومن حسن حظّنا أنّها كانت مكيّفة مما خفّف من حرارة الشمس المتعامدة في ذلك الوقت من اليوم.


دخلنا طريق المطار نحو العاصمة وهناك شرع أصحاب العربات يتسابقون بشكل جنوني وغير حضاري على الإطلاق. كان
 السائقون يحاولون الإجتياز من أي جانب وبأية طريقة ممكنة أو غير ممكنة. كان السائقون مستعجلين بشكل مثير للإنتباه، وكان المشهد شبيه بساحة معارك لكن الليبيّين رغم كل تلك الفوضى برهنوا على أنّهم يجيدون قيادة سيّاراتهم بشكل ربما يجعلهم من أمهر سائقي العربات السريعة في العالم. قلت في نفسي حينها... لا يمكنني قيادة عربة في ليبيا، ولن أجرؤ على المحاولة لأنّني رأيتها وسيلة مؤكّدة للإنتحار.
مررنا بطبيعة الحال بالكثير من الخراب والدمار، وبالكثير من الفوضى، والكثير من القاذورات المكدّسة في كل مكان، والكثير من المباني والعمارات السكنية التي مازالت في طور البناء لكن العمل بها كان متوقّفاً بالكامل. مررنا بعد ذلك بمعقل الطاغية المقبور في باب العزيزيّة حيث كان يتكدّس ركام الحطام في كل مكان وكم سعدت بذلك المنظر الذي أثلج صدري وقمت على الفور بشرح الصورة لأطفالي الذين شاهدوا سقوط الطاغية على شاشات التلفزيون لكنّهم لم يروه على أرض الواقع من قبل.
وصلنا إلى بيت الأسرة، وكانت لحظات ممتعة وسعيدة تخلّلها ما لذ وطاب من الطعام والشراب والحلويّات والمرطبات الأخرى، وكانت أمسية رائعة حدّثونا خلالها عن أوضاع البلد كما يعيشونها في كل يوم  حيث كان الإرتعاب بادياً من خلال كلامهم خاصة حين تحدّثوا عن التفجيرات العشوائيّة وعن عمليات السلب والنهب وعن الكثير من الأعمال الإجراميّة التي كان يمارسها الكثير من المسلّحين الذين من بينهم بالطبع أولئك المجرمين المساجين القدماء الذين أخرجهم الطاغية القذّافي قبل سقوط نظامه، بهدف إثارة البلبلة في البلاد وبهدف ترعيب الليبيّين. حدّثونا كذلك عن معاناتهم المرّة خلال حرب التحرير، وكيف كانوا ينتظرون الموت في كل لحظة، خاصّة أثناء حملة طائرات "الناتو" الجويّة.
في اليوم التالي خرجت في جولة إستطلاعيّة مشياً على الأقدام متجّهاً نحو ميدان الشهداء.
كانت المسافة تقل عن كيلومترين لكنّ المشاهد التي مررت بها كانت كافية لتأليف مجلّدات من الكتب إذا حاولت وصفها كما رأيتها.

دعاية ل "إل جي" لكن الدعاية تخفيها أغصان وأوراق الشجر !. العالم من حولنا يضع دعاياته التجاريّة في أوضح مكان.

كان الخراب ينتشر في كل مكان، وكانت الفوضى سمة لكل شئ مررت به، وكانت أسلاك الكهرباء تتدلّى من كل صوب، كانت هناك خيوط كهرباء عارية، وكانت هناك مياه قذرة تتساقط من شرف (بلكونات) المباني العالية، كانت أغلب المباني مصابة بالتصدّع والشقوق، والكثير من النوافذ مكسّرة أو معطوبة. كان الغبار القذر ينتشر في كل ركن، وكانت مواد البناء (رمل وشرشور وحديد وشمنت) مكدّسة على حافّة الطريق وحتى ما يقارب منتصفها، مما يزيد من إزدحام السيّارات ويحول دون المرور الآمن للمشاة من أمثالي حتى إحتسبت حينها بأن المشي على الطرقات في ليبيا يجب أن يحتسب من العمليات الفدائيّة الخطيرة. أمّا إذا حاولت المشي على الرصيف فعليك أن تعي بأن الرصيف في بلادنا ليس معدّاً للمشي عليه، ولا يصلح للإستعمال البشري.

هذا مثال بسيط للكثير من التكديسات التي تنتشر في كل مكان

واصلت المسير نحو ميدان الشهداء ووجدت عل قوارع الطرق أناساً جالسين في المقاهي يشربون ما طاب لهم أو يلعبون الورق 
وهم محاطون بالقاذورات من كل مكان. قلت في نفسي ما ضرّ لو أن أمثال هؤلاء الناس تبرعّوا بساعة من أوقاتهم الضائعة وقاموا 
بحملة تنظيف في محيط المقهى الذي يجلسون فيه؟. إنّه لو فعلت كل مجموعة في أماكن تواجدها مثل هذا لأصبحت ليبيا بلداً نظيفاً. 

وبينما أنا ما زلت سائراً في الطريق أتقاسم الشارع مع العربات الكثيرة وهي كلّها قذرة وأغلبها معطوباً قلت لنفسي: لو أن أمثال هؤلاء الناس يمتلكون زمام المبادرة من حيث الأساس لما إمتلأت شوارع مدننا بالقاذورات.

وصلت أخيراً إلى ميدان الشهداء... وهناك أصبت بخيبة أمل أخرى حيث كنت أتوقّع تجمّعات ثقافيّة وأعمال فنيّه فوجدت زرافات من البشر تتوه هنا وهناك، وعائلات مع أطفالها باد على وجوه أغلبها البؤس والخوف والترقّب. كان الناس يرتدون أسمالاً مبهذلة ذات ألوان يغلب عليها السواد أو الرمادي مما زاد من مسحة الحزن التي كانت تعلو الوجوه. تأثّرت كثيراً لما شاهدت، وتضاعفت خيبات أمالي ربّما لأنّني كنت أتوقّع أكثر من "الواقع"، أو ربّما أنّني كنت متأثّراً بالصورة التي كان إعلامنا يحاول إيصالها إلينا، والتي تقول في المجموع بأنّ الناس في بلادي سعداء ومستبشرين بالتغيير.
بعد جولة في ميدان الشهداء أعادت معها الكثير من ذكريات الطفولة، خاصّة حول "شهرزاد، وبنك روما سابقاً (الأمّة)، وسينما الرويال واللوكس، وعربات بيع السندويتشات، والمكسّرات والسمينسة، والأيس كريم التي كان يتزيّن بها هذا الطرف من ميدان الشهداء.... 
عدت بعد جولة قصيرة أدراجي لأمرّ بنفس الأماكن القذرة والأزقّة الحزينة ذات الأرصفة المكسّرة والحفر المنتشره في كل مكان.

في مساء اليوم الثاني إلتقيت مع أخي الأصغر الذي أعزّه كثيراً لثقافته وإتساع مداركه... وفلسفته في الحياة أيضاً، فكان اللقاء حارّاً وودوداً بكل معنى الكلمة. تحدّثنا كثيراً عن التغييرات التي حدثت في ليبيا حيث كان هو من أبرز المبتهجين بثورة 17 فبراير والمساهمين بإيجابيّة فيها.
تحدّثنا عن الناس، وعن ثقافة الإستحواذ التي أصبحت سمة اللحظه، وحدّثني أخي الذي كانت تستظيفه "قناة العاصمة" من حين لآخر ليشارك في حوارات ثقافيّة وفلسفيّة بخصوص قضايا معاصرة؛ فحدّثني كثيراً عن شخصيات تم إستضافتها في نفس الحوارات وكيف يفكّر "المثقّف" في ليبيا حيث العيش في جلابيب الماضي كان يغلب على التفكير العام للكثير من أولئك المثقّفين كما يصفهم أخي سامحه الله.
إكتشفت حينها بأن أخي بدأ يقرض شعراً من النوع الجيّد جداً. طلبت منه بأن يسمعني المزيد فتبيّنت على إثرها بأن ملكة الشعر لديه أغنى وأعمق مما توفّر لديّ. أنا أحب الشعر، وفي طفولتي كنت من المداومين على مسابقات "المطارحة الشعريّة" التي كنت أجيدها بصدق. كانت توجد لديّ الكثير من المحاولات الشعريّة أيضاً.... راجع (شعر ومشاعر) في موقع "ليبيا موطني". قد لا أخفي سرّاً على أنّني حتى لحظة الإستماع إلى شعر أخي كنت مزهوّا بنفسي مفاخراً بمحاولاتي الشعرية؛ لكنّني إكتشفت الآن بأنّني إنّما كنت أكذب على نفسي !.
طلبت من أخي بأن يسمح لي بنشر مقاطع من شعره في "ليبيا موطني" لكنّه بكل أدب ودماثة خلق إعتذر مما أثار إستغرابي بالطبع.
نعم... أنا أعرف بأن "ليبيا موطني" مازالت في بداية الطريق، وبأن عدد قرائها في كل شهر لا يكاد يزيد عن 1200 متصفّح وقارئ؛ وحيث أن أخي لم يسبق له أن نشر شعراً من قبل فظننت بأنّها فرصته ربّما ل"عالم الشهرة"!.
قال لي بالحرف الواحد: ليس هذا وقته.... أنا أعبّر بكل صدق عمّا يجيش في خاطري، ولا أتحفّظ في إنتقاد ما أراه من ممارسات خاطئة في المجتمع وذلك قد يسبّب لي تهديدات ومخاطر قد تصل إلى "الأذى الجسدي". إستغربت أيضاً من سماع مثل هذا الكلام، لكنني عرفت بعدها بأن كل الناس مسلّحين، والكثير منهم لا يتردّد مطلقاً في إطلاق الرصاص عليك إن إنت إنتقدّته أو حاولت كشف المستور من أفعاله. حدّثني عن الكثير من التصرّفات اليومية الغير مسئولة من كثير من الناس، وعن التناقض الواضح بين كلام الناس ونصرّفاتهم، وعن أولئك الذين يتظاهرون بالتقوى والوقار لكنّهم من السهل أن يغدروا بك. سمعت منه ما لم أكن أتوقّعه في بلد كانت قد خرجت لتوّها من إضطهاد الطاغية القذّافي فتحرّرت لكنّها مازالت لم تشعر بحريّتها بعد. حاولت أن أعلّق على بعض من ملاحظاته، غير أنّني فضّلت إبتلاع ذلك والإكتفاء بالتنهّد بدل "قول" كل ما وددت قوله.

في اليوم الثالث ذهبت لزيارة بقيّة أفراد الأسرة في مسقط رأسي في الجديده (العجيلات)، وكانت الحفاوة بطبيعة الحال سيّدة المشهد
مع الكثيرمن "العواطف الجيّاشة" وذكريات الطفولة.
إلتقيت في منزل أخي الثاني على طعام الغذاء بصديق عزيز أحبّه وأقدّره وأجلّه كان زميل الدراسة في جميع مراحلها وحتى الجامعة حيث إختار هو الهندسة وإخترت أنا الطب.
صديقي هذا كان من بين المترشّحين للمؤتمر الوطني ومع أنّني صوتُّ له (ليس لأنّه صديقي، وإنّما لأنّني أعرف مواقفه الوطنيّة الواضحة وأعرف طريقة تفكيره العصريّة) لكنّه خسر هذه الجولة. تحادثنا كثيراً عن أوضاع البلد وزوّدني هو بدوره بالكثير من 
الصور القاتمة للوضع الحالي للبلاد والعباد.

عدّت إلى طرابلس في مساء ذلك اليوم، وهناك إلتقيت بصديق آخر أحترمه وأجلّه هو أيضاً. كان لهذا الصديق العزيز موقفاً مشرّفاً في الجامعة عندما كنا طلبة، فذات مساء وبينما كنت أنا مسئولاّ عن إسبوع الجامعة الثقافي أثناء إحتفالات ما كان يسمّى ب7 أبريل حيث جاءنا أحد أزلام القذّافي في المساء ( وهو من كبار النافذين في "اللجان الثوريّة" طالباً منّي نشر مقالة كانت تمجّد القذّافي فتهرّبت من تلك المهمّة بحجّة أنّ الطلب كان متأخّراً، وأن العدد كان جاهزاً للطبع فأصرّ ذلك المنافق على نشر مقاله، وبدأ يهدّد ويتوعّد؛ وعندما أصرّيت أنا على موقفي لم يتنازل هو عن طلبه فتركت المقر وأعلنت إستقالتي ممّا أثار حفيظة بقيّة الزملاء التسعة الذين كانوا معي في غرفة التحرير وكان صديقي هذا من بينهم. وقف أمامهم جميعاً قائلا لهم بكل قوّة: إذا كان محمد قد قرّر الإنصراف فإنّنا منصرفون معه. وبالفعل خرج جماعتهم في لحظة واحدة مما أوقف العمل كليّة في الصحيفة اليوميّة لذلك المهرجان والتي كانت ناجحة لأبعد الحدود حتى أن بعض الصحف اليوميّة التابعة للدولة كانت تطلب نسخة يوميّة منها لنشر بعض من فقراتها وخاصة الرياضيّة. تطوّر الوضع في تلك الليلة حتى بلغ جماعة مكتب الإتصال باللجان الثوريّة الذين حضروا للمكان وأرغموا ذلك "التافه" على الإنصراف فإنصاع لهم بعد أن هدّدوه. طلب منّي بعض المعارف من بينهم للعودة للعمل في الصحيفة بكل حريّة وبدون تدخّل من أحد، وبأنّه من حقّي ألاّ أنشر مقال ذلك "المتسلّق"..... وبالفعل عاد عشرتنا وإبتسامة النصر كانت تسبقنا، ولم يتم نشر مقال ذلك الثوري على الإطلاق.
صديقي العزيز هذا أصبح صديقاً منذ ذلك الموقف الرجولي ومن حينها بقينا أصدقاء إلى يومنا هذا وبكل تأكيد حتى الممات !. صديقي هذا هو أستاذ "حقيقي" في الجامعة، ورئيس قسم، وكان رئيساً لجامعة طرابلس لفترة من الزمن في عهد الطاغية القذّافي حيث حققت معه اللجان الثوريّة في أكثر مناسبة، ودخل رجال الأمن إلى مكتبه عدّة مرّات، وأصدروا له تهديدات لا حصر لها أثناء رئاسته للجامعه لأنّه لم يرضخ للإبتزاز، ولم يتفاعل مع الأوامر "العليا" كما يجب.
حدّثني عن العشرات من الممارسات الغير قانونيّة في داخل الجامعة من قبل الكثير من المتنفذّين فيها، وكيف أن بعض المسئولين الكبار من داخل الجامعة ومن خارجها كانوا يتكالبون على الإستحواذ على قطع كبيرة من الأراضي التابعة للجامعة منذ أيّام العهد  الملكي والتي رغبوا في إقتطاعها وتوزيعها فيما بينهم بهدف الإستثمارالشخصي فيها. تحدّثنا عن هموم البلد وعن كم الإنحدار في أخلاق الناس، وكيف إستغل الكثيرون الأوضاع الراهنة مستغلّين الفوضى العارمة في ليبيا بعد التحرير، ومستفيدين من وهن وإرتهان أجهزة الدولة.
في اليوم الموالي إلتقيت مع عدد من الناس على مختلف مستوياتهم العلميّة والثقافية وكانت تلك اللقاءات إمّا مصادفة أو من خلال معارف المعارف، وحدث أن إلتقيت بشاب لم أعرفه من قبل تم تقديمه لي على أنّه خرّيج جامعي يحمل درجة الماجستير في الإقتصاد والعلوم السياسيّة من "برّه" !. إلتقيت به أمام المسجد وكان خارجاً لتوّه من الصلاة، فدار بيننا حواراً بدأه هو بالهجوم على الدكتور محمود جبريل على إعتبار أن جبريل "علماني" فأخذ يسب العلمانيّة ويتهمها بالخروج على القيم الإسلاميّة، وبأنّها تسوّق للإنحلال والتفسّخ في المجتمع الليبي. كنت إستمع إليه بكل إهتمام مع الكثير من الإستغراب أن يخرج مثل هذا الكلام من خريج جامعي وفي مجال الإقتصاد والعلوم السياسيّة.
بعد مناقشات فيها الكثير من الإختلاف في وجهات النظر، سألته عن مخاوفه هو الشخصيّة من "العلمانيّين" فقال لي وبكل ثقة: إنّهم سوف يسمحون بزواج "المثليّين" !.
شعرت حينها بضحالة تفكير محدّثي، لكنّني تمالكت نفسي ولم أبد له إمتعاضي أو إستغرابي من كلامه؛ وإنّما رددت عليه متسائلاً: وما خوفك أنت من زواج المثليّين؟. فجاوبني بأنّها أفة ومخالفة صريحة لأوامر الله، وأضاف إلى ذلك الكثير مستنجداً ببعض الأمثلة من أوروبا وأميركا.
سألته إن كان قد سمع عن "قوم لوط" فأجاب بأنّه يعرف قصصهم من القرآن. سألته كم مضى على زمن أولئك القوم؛ فأجاب بأنّها ربّما تعد بآلاف من السنين.
قلت له: هل تعلم بأن عدد المثليّين في عالم اليوم لا يتعدّى بضعة مئات من الشواذ بحسب حسابات المجتمعات الأوروبية نفسها، وبأن جميع الكنائس في أوروبا وأمريكا رفضت تزيج هؤلاء المثليّين على إعتبار أن هذا التصرّف مناف للقيم المسيحيّة. قلت له يا أخي إذا كانت أوروبا وبعد ألاف السنين ما زالت تتحفّظ على وجود ظاهرة المثليّين {مازالت إلى يومنا هذا وبغض النظر عن قدر الحريّة الشخصيّة الذي وصلوا إليه.... مازالت حتى يومنا هذا أوروبّا تستهجن مثل هذه التصرّفات} فهل ترى بأن "العلمانيّين" سوف يكون بوسعهم - حتى وإن رغبوا – أن يشجّعوا على مثل هذه الثقافة في ليبيا ذات المجتمع المحافظ جدّاً؟. فرد قائلاً: ومن يدري ؟!.
تركته لحاله شاعراً بأنّ أمثاله كثيرون، وبأنّ الكثير منّا وللأسف يسمع أراء الغير بدون أن يتوقّف عندها أو يحاول مناقشتها أو تفنيدها.
كانت لي الكثير من المناقشات واللقاءات مع عدد من الناس الذين تركوا لديّ شعوراً بأنّ أغلب الليبيّين هم واعون وملّمون بالكثير مما يحدث ويجري في ليبيا في عهدها الجديد، كان من بينهم شاب متعلّم (خرّيج جامعي) لكنّه من المتعاطفين مع تيّار السلفيّين وربّما هو واحد منهم. تناقشنا كثيراً، وحاول هو كثيراً أن يقنعني بثقافة "السلفيّين" وبوجهة نظرهم في الحياة؛ لكنّني أؤكّد هنا بأن  كل النقاشات كانت أخويّة وصريحة مع أنّني أنا أعتبر نفسي من أكبر المعادين للطريقة التي يفكّر بها السلفيّون، وكذلك نظرتهم للغير- وخاصّة الغير مسلم - وأساليبهم في التعامل مع الحياة العصريّة.
أهداني هذا الشاب كتيّباً كان بعنوان "شبهات حول السنّة" لمؤلّفه الأستاذ الدكتورعبد الرزّاق عفيفي؛ عضو هيئة كبار العلماء ونائب رئيس اللجنة الدائمة للإفتاء..... فقمت بالفعل بقرائته بالكامل وبكل تمعّن وإهتمام.
معظم هذا الكتيّب يتحدّث عن حديث نسب للنبي عليه السلام يقول: إن سقطت ذبابة في طعام أحدكم، فليغمسها في طعامه، ففي أحد جناحيها الداء وفي الجناح الثاني الدواء.
يقول هذا الشيخ: إن الأطباء لا يفقهون مثل هذه الأمور لأنّها أكبر من تخيّلهم، ويدلّل على قوله بأن الطائرات دائماً تهبط "مائلة" فيكون أوّل جناحيها أقرب إلى الأرض، وعندما تحطّ ذبابة على القاذورات فإنّ أحد جناحيها فقط يتلوّث في حين يبقى الجناح الثاني نظيفاً. حين تسقط هذه الذبابة على الطعام فإن أحد جناحيها فقط يلوّث الطعام، في حين يحمل الجناح الثاني مضادات تفرزها الذبابة ضد الجرثومة الملوّثة؛ ومن هنا فيجب تغطيس كل الذبابة في الطعام حتى نتأكّد بأن الجناح الذي يحمل مضادّات الجرثومة هو نفسه تم تغطيسه في الطعام ليعادل تأثيرات الجناح الثاني.
يقول الشيخ في كتابه المذكور أعلاه: إنّني أتّهم الأطباء ولا أتّهم الله أو أتّهم الرسول؛ ولا أتّهم علماء المسلمين العدول الذين ضبطوا ما نقلوا بسند متّصل، ولم ينقض كلام بعضهم بعضاً، وليس هناك تعارضاً بينهم وبين القرآن... فأنا اثق بهم أكثر من ثقتي بالأطّباء مهما كانوا أقوياء فيما يقولون.
يقول الكاتب العلاّمة: فالذي قالت القرائن بأنّه من الوحي نؤمن به ونكذّب الأطباء. فالآن نتحدّث عن السرطان... هل إكتشف الأطباء ميكروب السرطان ؟
لم يكتشف الأطباء ميكروب السرطان إلى اليوم، وتوجد الكثير من الأشياء ما توصّل الأطباء إلى فهمها في الوقت الحاضر، وآفات كثيرة ما وصلوا إلى علاجها، وقد يكشف طبيب أو جملة من الأطباء على مريض ويشخّصون مرضاً ويتبيّن فيما بعد أن المرض  على خلاف ما توهّموا... فهم يخطئون. إنتهت المقتطفات من أراء الشيخ.
 لا أريد أن أعلّق على مثل هذا الكلام أكثر من قولي أن سبب مشاكلنا وسبب تخلّفنا كمسلمين يأتي من مثل هذه العقليات ومثل هذا
 النوع من التفكير الذي يأتينا من أولئك الذين هم في مكانة وموقع الشيخ عبد الرزاق عفيفي في المجتمع.

بعد مضي إسبوع مع الأهل والأصدقاء ذهبت وأسرتي إلى منتجع سياحي جميل في منطقة "تلّيل" غرب صبراته إسمه "دار تلّيل"، 
وهذا المنتجع بعد أن عرفته أستطيع أن أقول بأنّه يعد مفخرة لكل الليبيّين.
المنتجع نظيف، ومنظّم، وآمن بالكامل. توجد به غرف في الفندق، وتوجد به أجنحة للعائلات، وتوجد به شاليهات فرديّة وزوجيّة متكاملة بإستيعاب مرن (بمعنى أنّ غرف الشاليه من الممكن أن تزيد سعتها بإضافة أسرّة حسب الطلب بما يتلاءم وإحتياجات كل أسرة).
مدخل "دار تلّيل" من الخارج

باحة مدخل الفندق حيث توجد مكاتب الحجز والتعامل مع الزوّار

حوض سباحة نظيف بعمق 1.8متر، ويوجد بجانبه حوض سباحة آخر بعمق صغير للأطفال

بعض من الشاليهات كما ترى على يمين الصورة
سوف أفرد معلومة كاملة بالصور عن هذا المنتجع الرائع وسوف يتم نشرها في موقع "ليبيا موطني" باب (معالم من بلادي). ملاحظة أخيرة رغبت في نشرها هنا للمعلوميّة.... فقد إلتقيت في اليوم الأخير من إقامتي في هذا المنتجع مع المسئول عن هذا الصرح السياحي، وكان شابّاً واعياً ومثقّفا، وله بعد نظر وتفكير مستقبلي. قابلني بكل حفاوة، وحدّثني عن هذا المنتجع، وعن كل المصاعب التي تواجهها الإدارة نتيجة للوضع الراهن في بلادنا. كنت أفكّر في كتابة بطاقة شكر على موقع "ليبيا موطني" للأستاذ مسئول هذا المشروع السياحي، لكنّه طلب منّي عدم ذكر إسمه ربّما تواضعاً منه؛ غير أنّني أشكره وأقدّر ثقافته والإيجابيّة في تفكيره مع أنّه قال لي بأنّه أصبح محبطاً جدّاً بعد الكثير من التفائل في بداية ثورة 17 فبراير نظراً للصعوبات الأمنيّة والتنظيمية التي يعانون منها بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في ليبيا زالتي كانت نتيجة حتميّة لضعف أجهزة الدولة وعجزها الملوس في كل مكان مررت به أو تحادثت مع ساكنيه.
بعد إنتهاء فترة النقاهة والإستمتاع في منتجع "دار تلّيل" صحبة زوجتي وأطفالي، عدنا إلى طرابلس، وحدث أن ذهبت لأداء صلاة الجمعة في مسجد مجاور.
شاهدت الناس تتوافد على الجامع في زرافات متواصلة حتى إمتلأ الجامع بالمصلّين – كان أغلبهم من الملتحين على الطريقة السلفيّة... شئ مخيف – وقف بقيّة المصلّون على الرصيف في جانبي الطريق وهم يستمعون إلى خطبة الجمعة. كان الشيخ يتحدّث عن السحر وتأثيره على الناس، وقال للمصلّين يدعوهم بصوت عالي للتداوي ب"الأعشاب" للقضاء على تأثير السحر. كنت أقول لنفسي في أيّ عالم وفي أي وقت نحن نعيش؟. 
فقدت الإصغاء لخطبة الشيخ بعد ذلك الهراء الذي سمعته فتجوّلت بناظريّ بين الواقفين خارج المسجد، وأولئك الذين مازالوا يتوافدون على الجامع في زرافات متسارعة فقلت في نفسي: هل كل هذا عبادة، أم أنّه ربّما لزوم ما يلزم؟.
إنتهت الصلاة بالسلام عليكم، فإذا بأغلب المصلّين يقومون بسرعه وينطلقون إلى بيوتهم أو مواقع أعمالهم فقلت في نفسي حينها وأنا أنظر إلى الشارع الكبير الذي يمر أمام المسجد وهو شارع قذر كبقيّة شوارع ليبيا التي سبق لي أن مررت بها. كانت الأوساخ تتوزّع في كل مكان بما في ذلك الرصيف على الجانبين... قلت في نفسي: ماذا لو أن هؤلاء المصلّين تبرّعوا بساعة من أوقاتهم وتداعوا للعمل على تنظيف هذا الشارع؟. ماذا لو أن كل المصلّين في كل مسجد تطوّعوا في جمعة واحدة من كل شهر لتنظيف الشارع الذي يمر أمام المسجد الذي يصلّون فيه؟. إنّنا إن فعلنا مثل ذلك فإنّنا سوف ننظّف ليبيا في إسبوع، وسوف تظل بلدنا نظيفة مدى الحياة.

في اليوم الموالي قمنا بزيارة للأهل والأقرباء في الجديدة (العجيلات)، حيث تمتّع أطفالي بمناظر الريف والحقول الزراعية، وكذلك رؤية الكثير من الحيوانات الأليفة التي قلّما إقتربوا منها من قبل أو تعاملوا معها مثل هذه المرّة.


تمتّع أطفالي بالتجوّل بين أشجار النخيل، والبرسيم، وكذلك رؤية الحيوانات الأليفة والطيور البريّة، وكان من بين ما رأوه كلباً جميلاً في قمة الذكاء والنباهة. هذا الكلب يسلّم عليك إن مددت له يدّك، ويقف على رجليه محيّياً لك إن وقفت أمامه.... كان ذلك ممتعاً جدّاً للأطفال.


 كانت هناك حادثة أثناء الزيارة وددت نقلها إليكم لأنّني إحتسبتها من بين إيجابيّات زيارتي الحديثة لليبيا:
عند زيارتي الأولى للعجيلات كما ذكرت إلتقيت بأحد أصدقاء الطفولة وهو الآن يعتبرمهندساً ناجحاً في علوم شرائح وبرمجة الكومبيوتر، وهو كذلك يشتغل كأستاذ جامعيّ في جامعة قريبة من سكناه فهو يحمل درجة الدكتوراة علاة على شهادة الماجستير في نفس التخصّص وبالطبع علاة على شهادته الجامعيّة. كان صديقي هذه قد دعاني لمأدبة عشاء فكّر في أن يدعو إليها الكثير من الأصدقاء والمعارف القدامى على إعتبار أن هذه الدعوة كانت برغبة الجميع...فوافقت عليها بكل إمتنان وتقدير لصديقي هذا ولأولئك الذين لم تشغلهم المشاكل اليوميّة عن تذكّر الماضي الجميل حيث كنّا طلبة لا يوجد الكثير مما يشغلنا وقتها غير الدراسة والتسامر والرحلات الجماعيّة.
في زيارتي الثانية للعجيلات هذه قرّرت الإيفاء بوعدي. أخذت سيّارة إبن أخي، وإستملت معها تحذيرات من كل الأقرباء بأن لا أخرج بعد الثامنة مساء وذلك لدواعي أمنيّة. قالوا لي إن أزلام القذّافي متواجدون في كل مكان، وأن عمليّات السرقة والقتل منتشرة، وأن الكثير من المجرمين ينتحلون شخصيّة أجهزة الأمن بما في ذلك إمتلاكهم لسيّارات مسلّحة بمدافع 14.5مم مثل رجال الأمن وهؤلاء المجرمين يحتالون عليك ويستولوا على سيارتك وقد يقوموا بإطلاق الرصاص عليك وقتلك. يحدّثونك عن الكثير من القصص المشابهة، وعمليات السطو والإغتصاب، والقتل... ويحذرونك بأقصى ما يستطيعون. لا أحد هنا يثق في مقدرة الحكومة، ولا أحد يظن بأن الحكومة بقادرة على نجدته. 
المهم أنّني إستمعت إلى كل تلك القصص من عدة مصادر في كل مكان ذهبت إليه أثناء زيارتي هذه لليبيا، لكنّني مع كل ذلك قرّرت الذهاب إلى منزل صديقي في السابعة مساء، وهناك في بيته كانت فرحتي كبيرة جدّاً حيث إلتقيت مع معارف من الإبتدائي والإعدادي والثانوي والجامعة. يا لها من لحظات مؤثّرة، ويالها من شجون وذكريات من الصعب وصفها. تحاورنا وتناقشنا وتسامرنا وأكلنا حتى الهزيع الأخير من الليل. تحدّثنا في العلم وفي الإجتماع وفي التسلية... وفي السياسة بالطبع. كان الجميع متفائلين مع بعض المخاوف، وكانوا واقعيّين مع الكثير من الإنتقاد لأداء الحكومة والمجلس الإنتقالي. كان هناك الكثير من الإنتقاد للمؤتمر الوطني كذلك. كان من بين الحاضرين عدد من آساتذة الجامعات، وكان من بينهم كتّاب على مستوى راق جدّاً فأحد الحاضرين كان ترتيبه الثاني في القصّة القصيرة على مستوى ليبيا كلّها بعد "فوزيّة شلابي" لمن كان يعرفها حين كانت أديبة محترمة قبل أن تتحوّل إلى تابعة من توابع الطاغية القذّافي. كان صديقي هذا مفوّهاً وأديباً ومسلّياً ومهذّباً. كان يقرض شعراً جميلاً جدّاً وأوّل مرّة تعرّفت فيها على شعره الحقيقي كانت عندما كنت طبيباً في تشاد حيث جمعتنا وقتها أمسيات جميلة تحت سماء "بلتن" الناصعة الزرقة بنجومها اللامعة التي يمكنك عدّ كل واحدة في مجرّاتها لوضوحها. كان صديقي هذا حينها مقدّماً في الجيش وكان قائداً ميدانيّاً للعمليات العسكرية في مدينة "بلتن" الصغيرة. أخذ في إحدى الأمسيات يتغنى بنجوم السماء منشداً: أحببتك يا ذات الكرسي، وكنت أنا أستمع بكل جوارحي فأنا أحب الشعر كثيراً. قضينا أيّاماً جميلة في تشاد حينها، وتعرفت هناك على الكثير من شباب الجامعة وخريجيها الذين أجبرهم الطاغية القذّافي على الحرب في تشاد فكان أغلبهم من الناقمين على نظام حكمه، وكان من بينهم من عاد إلى ليبيا بعد ذلك ليكون شريكاً في محاولة إنقلابية كبيرة كادت أن تقضي على نظام الطاغية لولا خيانة بعض زملاء المهنة حينها. يعمل صديقي هذا الآن مستشاراً في الشئون الإستراتيجيّة التابعة لوزارة الدفاع وهو من الناجحين مهنيًّاً وإجتماعيّا بشكل كبير. كان أيضاً من بين الحاضرين في تلك الأمسية الرائعة فقهاء في الدين (بدون تشدّد) وكان بينهم أحد مقدّمي البرامج الحواريّة في القنوات الليبيّة. 
قضينا أمسية ممتعة، وحين عزمت على الذهاب نظرت في ساعة يدي فكانت تقترب من الواحده صباحاً فقلت في نفسي: ماذا عساه أن يقابلني في الطريق؟. سألت أحد الأصدقاء عن الوضع الأمني فحذّرني من نفس المخاوف التي سبق لي أن سمعتها من قبل.
عرضوا عليّ مرافقتي إلى منزل أختي حيث تركت زوجتي وأطفالي في ضيافتها. رفضت العرض بكل تأدّب مبيّناً لهم بأنّني سوف أكون بخير. شرعت أقود سيارة إبن أخي إلى وسط "الجديدة"، وحدث أنّني تهت (الظلام وغيبتي عن المكان لعدة سنوات، وتغيير الكثير من المعالم التي كنت أعرفها في صغري والتي كان من بينها مدرستي التي ذهبت إليها في أوّل سنة إبتدائيّة قبل الإنتقال إلى طرابلس منذ عدّة عقود من الزمان !. تلك المدرسة هدمت للأسف وإستولى الطمّاعون على أرضها فشيّدوا في مكانها منازل خاصّة بهم) ... تهت في تلك الليلة الظلماء فواصلت السيرغرباً بدون أن أنتبه حتى وجدت نفسي في طريق خالية من السيّارات ومعالم غريبة عليّ بكل المعايير. خفت قليلاً "إفهموها"، وعدت إلى الوراء مسرعاً حتى إقتربت من جديد من الحضر والأضواء. أوقفت السيّارة على جانب الطريق محاولا تدارك بعض المعالم حتى مرّت بجانبي سيارة "الدوريّة" وكان يركبها شابّين في أوائل العشرينات من أعمارهما. سيارة "الدوريّة" هذه كانت كما قالوا لي تحمل على متنها مدفع ال14.5 مم المشهور. سألني أحد الشابّين بكل أدب عن خطبي (مشكلتي) ناظراً إليّ بكل تفحّص وإستدراك. لم أكن أحمل معي أية أوراق ثبوتيّة، ولا رخصة قيادة لكن السيارة كانت بها كافة الأوراق اللازمة كما قال لي إبن أخي مع أنّني لم أتأكّد من ذلك بنفسي، ولا أعرف أين يضعها. رددت عليه بكل ثقة بأنّني أرغب في الذهاب إلى بيت أختي في منطقة ما ذكرتها له. قال لي إن نحن أوصلناك إلى المنطقة فهل بوسعك التعرّف على مكان بيت أختك؟... قلت نعم.
قال لي أحدهما: ألحق بنا بدون أن يسألوني عن أية أوراق ثبوتيّة، ولا حتى معرفة ما إذا كانت السيارة ملكي أو أنّني ربّما كنت قد"سرقتها" !.
سرت وراءهما بسيّارتي لكنّني سرعان ما إكتشفت معالم عمرانيّة ذكّرتني بالمكان، وإكتشفت بأنّهما كانا يطلبان وجهة مختلفة. قلت في نفسي ربما هما يرغبان في توصيلي من طريق آخر، لكنني إرتبت منهما قليلاً فأشرت إليهما بأن يتوقّفا. وبالفعل توقّفت سيارتهما بعيداً عنّي، وسارا بها إلى الخلف حتى إقتربا مني، وبكل هدوء وبالكثير من دماثة الخلق والإحترام سألاني ما الأمر؟. قلت لهما بكل ثقة بأنّني تعرّفت الآن على معالم طريقي وبأنّني إستطيع الذهاب إلى منزل أختي بدون مشاكل. تأكّدا مما قلته لهما ثم توارا بكل هدوء وبكل مهنيّة.
لقد ترك هذان الشابّان في نفسي إحتراماً لهما كان بالفعل كبيراً، وأعطياني شعوراً قويّاً بأن في بلادنا يوجد أناساً هم على قدر كبير من المسئوليّة، ودماثة الخلق. ترك ذلك الموقف البسيط الكثيرمن الإنطباعات الجيّدة في نفسي فكان بصدق من بين الإيجابيّات القليلة التي تركتها فيّ زيارتي الحاليّة لليبيا.   

وعدنا إلى طرابلس من جديد وهناك ذهبنا بالطبع إلى المدينة القديمة حيث وجدنا التجّار ورجال الأعمال يقومون بعمليات الترميم
 والصيانة لمتاجرهم التي كانت مهجورة في عهد الطاغية القذّافي، والتي طال الدمار الكثير منها في أوّل أيّام ثورة 17 فبراير. كانت هناك الكثير من المتاجر في سوق المشير قد بدأت تبدو بكامل حلّتها، وكانت المقاهي تنتشر حول ميدان الساعة، وكان أغلب الحرفيّين وأصحاب المهارات اليدوية قد عادوا إلى أماكنهم القديمة حول ميدان الساعة وفي مداخل سوق المشير. كل أزقة المدينة القديمة وحتى سوق الحوت كانت قد تزاحمت فيها المتاجر بجميع أنواعها، وعادت محلاّت الذهب إلى كامل نشاطها وهي تغصّ بالزبائن والزوّار المتفرجين من أمثالنا.
خرجت وأطفالي للتفسّح حول السراي الحمراء والقلعة وكان الجوء جميلاً في ذلك اليوم. طفنا حول عدد من الأماكن وكان الإنطباع هنا جيّداً من حيث المكان ومن حيث الطقس .


ذهبت في إحدى الآماسي مع أطفالي باحثاً عن محل لبيع البيتزا وشرائح البطاطا (التشيبس) ووجدنا ظالّتنا في محل صغير في شارع 
الجمهورية (الآن يسمّى شارع 17 فبراير) بقرب معمل منصورة سابقاً، وهناك طلبنا ما أردنا ولبّيت طلباتنا بكل محبة وإخاء.
أود أن أذكر هنا بأننا حين كنا نسير في شارع الجمهورية واجهتنا الكثير من المشاكل (مشاكل سير) حيث تتزاحم السيارات مع المشاة، ولا توجد قواطع مخصّصة للمشاة، والذي شد إنتباهي أكثر من غيره هو تلك الأرصفة الضيّقة جدّاً (عرضها لا يتجاوز 80 سنتيمتراً، وفي وسطها ينصّبون عموداً للكهرباء بعد كل عدة مترات). عمود الكهرباء هذا لا يترك لك ما يكفي للعبور على الرصيف فإن حاولت العبور بين العمود والحائط المجاور فإنّك لا تستطيع أن ترصّ نفسك حتى وإن كنت طفلاً رفيعاً في العاشرة من عمرك، وإذا حاولت العبور على الرصيف من ناحية الطريق متجاوزاً عمود الكهرباء فتأكّد بأن رجلك سوف تنزلق إلى الطريق. عليك أن تنتبه أيضاً بأن حافة الرصيف صمّموها لتكون عالية جداً ( أعتقد أنهم عملوها كذلك لمنع السيارات من العبور فوقها) فإن سقطت رجلك فإنك لا محالة سوف تصاب بتشعّب في مفاصل قدمك أو ربما بكسور. في مثل هذه الحالة فإنّه لن يتبقى أمامك وأطفالك إلا أن تنزلوا إلى منتصف الطريق إذ تتزاحم السيارات على حافته لتتخذ منها كمحطات للوقوف؛ فتضطر أنت وبقيّة المشاة والحالة هذه للسير في منتصف الطريق فتهاجمك السيّارات العابرة من كل مكان، وبالفعل تصبح حياتك ومن معك في خطر.
من المفارقات الأخرى التي تواجهك في شارع الجمهورية هي تكديس مواد البناء (رمل وشرشور وحديد أحياناً ) على حافة الطريق من حيث المبدأ، لكن حجم هذه التكديسات يتجاوز الحافة ليصل إلى منتصف الطريق بشكل عشوائي وغير مهذّب على الإطلاق.
مررت بمبنى مصرف الوحده فلاحظت في واجهة البناء الجميل نوافذ بزجاج مهشّم وشدّني ذلك المنظر كثيراً إليه فتساءلت في نفسي: لماذا لايصلحون ذلك الزجاج؟.


وبقى ذلك السؤال في خاطري حتى أوصلته إلى الأهل بعد ذلك. إستغربوا من مثل ذلك التسائل بالطبع حيث لم يحفل أحد من قبل بقضيّة الزجاج المهشّم. قالوا لي :إنّها مشكلة السيولة !.
قلت في نفسي: مشكلة السيولة عندي وعندك وعند غيرنا من عموم الناس... هذا بنك يا عالم. البنك مملوء حتى التخمة بالسيولة، فهل هي بصدق قضية عدم توفّر "السيولة"؟.
لا... يا سادتي... إنّها ليستت مشكلة "سيولة" بل إنّها في واقع الأمر مشكلة "مبالاة". مشكلة عدم الإحساس بالوطن... تلك هي مشكلة أغلب الليبيّين.
واصلت بعد ذلك المسير قدماً فوجدت هذه:


مررت بهذا المكان في شارع الجمهورية (17 فبراير) عابراً في البداية، ثم شدّني ما رأيت: يرجى عدم وضع القمامة !.... وكانت القمامة مكدّسة تحت العلامة نفسها !. قلت في نفسي: إنّها قضيّة عدم إكتراث.
نزلت بعدها متجّهاً إلى مدرستي التي درست فيها جزءاً من تعليمي الإبتدائي: مدرسة شارع الصريم الإبتدائية للبنين. كنت أرغب في تفريج أطفالي عليها لأقول لهم : هنا كان أبوكم يدرس عندما كان في مثل أعماركم. قبل وصولي إلى مكان المدرسة مررت بهذا الجامع:

وإقتربت منه قليلاً فقرأت:

فقلت لأطفالي: هذا هو جامع "بن نابي" الذي شاهدناه في التلفزيون العام الماضي أثناء ثورة 17 فبراير حيث دارت في داخل هذا 
المسجد معركة كبيرة إنتهت بهزيمة أنصار الطاغية القذّافي. أنا أعرف هذا الجامع عندما كنت صغيراً حيث كنت أمر امامه في كل صباح وفي كل مساء، وكانت تنتشر في مكان غير بعيد عنه من الناحية الشماليّة وأمام مدرسة شارع الصريم عربات بيع السندويتشات، والسحلب، والحمص بالكرافس.... آه. إن لهذا المكان ذكرى طيّبة في حياتي يعكس عبيرها طيبة وراءة الطفولة، وأصبحت الآن أطيب بعد تلكم الوقفة الشجاعة لأهالي المنصورة وشارع الصريم.
عبرت ذلك الجامع متجهاً إلى مدرستي فلم أجدها. بحثت عنها في مكانها الذي أعرفه جيّداً غير أنّها لم تكن هناك؛ فأصبت بخيبة أمل أخرى. هذه هي مدرستي الإبتدائيّة الثانية ولم يعد لها أثراً على الأرض. سألت الأهل عنها فقالوا لي بأنّها هدّمت وإستولى الناس على أرضها ليبنوا عليها منازلاً لهم.
بالطبع تأثّرت كثيراً ففي هذه المدرسة سجّل التلميذ "محمد بالحاج" أعلى درجة في تاريخ المدرسة في مادة الرياضيّات في الفترة الثالثة (الإمتحانات النهائية... حيث كانت في وقتها تجرى إمتحانات جديّة، وكانت درجتي (20\20) وأظنّها بقيت بدون تحطيم إلى أن حطّمت المدرسة نفسها.
كان يوماً مشهوداً حين تشاجرت مع أحد التلاميذ أذكر إسمه جيّداً وأخوه الأكبر منه والذي كان معنا في نفس الفصل.... أخوه الأكبر هذا هو الآن عضواً في المؤتمر الوطني العام. خاصمني أخوه الأصغر "عادل" عن "الأولويّة". كنت أعرف بأنّني أنا من تحصّل على الترتيب الأوّل، وقال لي الأخ الأصغر بأن أخوه (الصادق) هو من تحصّل على الترتيب الأوّل، وكاد الإثنان يفتكان بي لولا مرورالأستاذ "صالح علي صالح" فتوقف عند تسمّرنا للتشاجر وسألنا ما الخطب. قال له "عادل" هل صحيح أن أخي "الصادق" هو من نجح الأوّل؟. وأجاب الأستاذ بسرعة وبصرامة لا زلت أتذكّر نبرتها: "محمّد" هو من نجح بالترتيب الأوّل. أووووه..... تلك هي أيّام الطفولة "البريئة" !.
عدنا بعد ذلك إلى البيت وفي طريق عبورنا مررنا بشارع صغير نظرت من خلاله تجاه البحر فرأيت هذا المنظر:


أعجبني المنظر كثيراً، لكنني بعد إلتقاط الصورة إكتشفت أكداس "الكناسة" التي لم أنتبه إليها في البداية. قلت: مش مهم.... سوف تتحسّن الأمور في بلادنا بإذن الله.

قبل الليلة الأخيرة... أتى صديقي العزيز صاحب الموقف المشرّف المذكور أعلاه ليستضيفني إلى أحد المطاعم السريعة في مدينة طرابلس بناء على إتفاق مسبق. حملني معه في سيارته ... تذكرت الآن: الناس هنا لا يحفلون بالإشارة الحمراء على الإطلاق. توقّفنا أمام إحدى الإشارات الضوئية الحمراء. كان الزمن الموضّح على الشاشة الصغيرة يقول 37 ثانية قبل التغيير للون الأخضر. أخذ السائقون يواصلون السير على يميننا وعلى يسارنا بدون إكتراث بالإشارة الحمراء. السائق الذي كان يقف وراءنا لم يعجبه ما يحدث أمامه. أخذ يضغط على منبّه سيارته بعنف محاولاً دفعناً للمضي قدماً في تجاهل تام للإشارة الحمراء. قال صديقي بأنّه لن يخالف إشارة المرور ولو حدث زلزالاً تحت سيارته. بالطبع أنا شجّعته وبقوّة، لكنني أنا تضايقت من ذلك المزعج خلفنا، وبالفعل إنشحنت أعصابي، أمّا صديقي الأستاذ الدكتور فلم يأبه بكل ذلك لأنّه وكما قال: متعوّد عليه !. أخرج السائق من وراءنا رأسه من النافذة وأخذ يقول كلاماً كثيراً خلاصته بأنّنا ربما نعتبرأغبياء لأنّنا  نقف أمام الإشارة الحمراء !.
من حسن الحظ تلاشت الثواني التي كانت تفصلنا عن اللون الأخضر فإنطلقنا إلى الأمام وأنا أتذمّر من هول ما رأيت. وصلنا إلى "إسطنبول" المطعم التركي – وما أكثرها المطاعم التركيّة في ليبيا – في زاوية الدهماني وهناك كان الطعام بالفعل جيّدا.. بل ممتازاً، وكانت الخدمات رائعة. أكلنا وتحدّثنا وتسامرنا حتى وصلنا إلى حكاية الملتحي السلفي الذي أتى إلى صديقي ليشتري منه قطعة أرض صغيرة كان ينوي بيعها لتحسين وضعه الإقتصادي. القصّة حقيقيّة وأحداثها وقعت بالفعل. أخذ "الشيخ" يماكس ويساوم ويقدح في الزبائن الآخرين آملاً في أن يحصل على "صفقة" حتى ملّ منه صديقي الأستاذ الدكتور. حاول أن يتخلّص منه بإسلوب مهذّب بأن قال له: لقد قررت العدول عن البيع. لم يصدقه الشيخ؛ فأكّد له صديقي ذلك بأن قال له إنه قرّر التبرّع بها لبناء مسجد. رد عليه الشيخ "الوقور" : لا تجوز الصلاة في مثل هذا المسجد لأن الأرض ربما يكون مشكوكاً في أصولها !.

في الليلة الأخيرة قبل عودتنا إلى بريطانيا ذهبنا إستجابة لدعوة من أخي وأسرته للعشاء عندهم، ومن هناك تركنا الهانم والهانم تتباحثان في شئون الموضى وآخر التقليعات آخذين الأطفال معنا لمكان رائع بجانب بيته حيث توجد حديقة ألعاب ممتازة. كان المكان في - ربما - أجمل منطقة سياحيّة في كورنيش طرابلس حيث أقيم سباق السيارات الدولي منذ إسبوع. أعجبني المكان وترك في نفسي إنطباعاً جيّداً.

    
قلت لأخي مداعباً: هي جميلة ورائعة في النهار لكنّها تبدو أجمل وأروع في الليل.... فمن هي؟. حار أخي في الجواب لأن السؤال ربما لم يكن متوقّعاً..... أنجدته على الفور مجيباً على تساؤلي: تلك هي ليبيا الحبيبة!.

ليست هناك تعليقات: