2012/04/14

كيف نبنى دولة على متناقضات ؟

كل فرد منّا يولد إنساناً قبل أن يكون عربيّاً أو أعجميّا، وقبل أن يكون مسلماً أو نصرانيّاً... .وقبل أن يكون متعلّماً أو أميّا.

قال الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً، وظل هذا القول "الصارم" من أمير المؤمنين ( رئيس الدولة) الذي خرج إلى العلن في وقت لم يكن فيه ميثاق حقوق الإنسان قد صدر، ولم تكن فيه منظّمات حقوق الإنسان قد تشكّلت، ولم يكن فيه مكان لتنظيمات المجتمع المدني كما نعرفها اليوم مع أنه كانت توجد جماعات تعني بالدفاع عن حقوق الناس، ورد المظالم، والدفاع عن المظلومين.

نعم... فكل منّا يولد حرّاً غير مكبّل بأية إلتزامات مهما كان نوعها اللهم إلاّ ما كان يدخل في خواص الإنسان التي وضعها الله في حامضه النووي والتي وإن كانت تختلف بين هذا وذاك إلاّ أنّها في مجملها ترسم الشخصيّة الإعتباريّة لكل مخلوق بشري، وما الإختلافات بين البشر إلا واحدة من حكم الله سبحانه وتعالى حتى يتسنّى لنا معشر البشر تعلّم طرقاً للتعايش فيما بيننا وبذا يظل المخلوق الإنساني مترابطاً مع بيئته والمجتمع الذي يعيش فيه حفاظاً على غريزة البقاء.

الحياة كما نعرف هي في حركة دائمة، وهي تسير في إتجاه واحد... أي إلى الأمام، والأمام فقط. كل شئ في هذا الكون الذي يحيط بناء يتحرّك بدءاً من الذرّة ومروراً بالجبال الشامخة وإنتهاء بالكواكب والنجوم العملاقة. قطار الحياة يسير إلى الأمام ونحن وغيرنا من المخلوقات الأخرى نركبه بدون أن نعرف وجهته، وبدون أن نعرف زمن الرحلة، وبدون أن نحدّد نحن ساعة الوصول إلى مبتغانا؛ لكنّنا بدون شك نشارك في رسم خريطة الطريق... برنامج الرحلة. رحلتنا في الحياة هي حدث لا يتكرّر، وهي رحلة اللاّ عودة، وهي في واقع الأمر رحلة ذهاب بلا عودة، وهي بدون تذاكر.

إذاً..... والحالة هذه يمكننا القول بأنّنا مرغمين على السير قدماً في هذه الحياة، والتوافق معها في سيرانها لأنّنا إن لم نفعل ذلك فإنّنا سوف ننتهي قبل الآوان. فكما أن المسافر في أي مكان من العالم يتعلّم الكثير من الخبرات الحياتيّة والإجتماعيّة في رحلته، فإنّنا أيضاً نتعلّم الكثير في رحلتنا الحياتيّة.

نتعلّم كيف نتنفّس، ثم كيف نشرب، ثم كيف نبكي للتعبير عن رغباتنا في بادئ الأمر إلى أن نتعلّم كيف نفعل ذلك بأساليب أكثر "حضاريّة" حين نتمكّن من إستيعاب وإستعمال لغة التخاطب مع الغير. نتعلّم لغة الإشارة أوّلاً، ثم لغة المحادثة، ثم لغة الكتابة ومدارسنا التي نتعلّم منها هذه "اللغات" هي "البيوت"... بيوت "المربّين ( والدين، إخوة، جيران، حاضنين، رعاة، وغيرهم). اللغة التي نتعلّمها بطبيعة الحال هي لغة المربّي، ولغة البيت، أو لغة المكان.

وكما أنّنا لا نختار أسمائنا، فإنّنا حتماً لا نختار اللغة التي تلقّن لنا بهدف التعلّم. نحن لا نختار اللغة التي نتعلّمها، لكنّنا نلزم بتعلّمها وهذا النوع من الإلزام نادراً ما نندم عليه في حياتنا.

بعد أن نتعلّم اللغة، نتعلّم القيم الإنسانيّة الأساسيّة في البدء، ثم المنقّحة بعد ذلك. قيمنا الأساسيّة تكون في العادة قيم عموميّة، لكن قيمنا المنقّحة كثيراً ما تكون قيم خصوصية؛ وهي التي تحدّد شخصيّتنا فيما تبقّى من حياتنا. نحن نتعلّم قيمنا العموميّة برغبتنا، لكن قيمنا الخصوصيّة تفرض علينا من طرف من يقوم بتربيتنا، وبحكم البيئة والمكان الذي نعيش فيه. بمعنى... أن كل فرد منّا يولد إنساناً كبقيّة البشر، لكنّه يتعلّم فيما بعد كيف يكون عربيّاً، وكيف يكون مسلماً أو نظائر كل منهما بما يتوفّر في بيئتنا المحيطة.

إذاً... والحالة هذه أيضاً، فإنّه من حق كل منّا بأن يتساءل: لماذا لا نتعامل مع بعض كبشر(عولمة)؛ بدل أن نتعامل كقوم بلغة واحدة (قوميّة)، أو كطائفة بإعتقاد واحد (دين)؟. قال الله تعالى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}، وقال: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ}وهنا نلمس "التهديد" من الله "لقضي بينهم" ذلك لأن الله لا يريد من البشر بأن يتفرّقوا بسبب "الْعِلْمُ" وهو العلم بالشئ (الدين) وليس العلم الذي نتعلّمه في حياتنا. إذاً.. من هنا نرى بأن الناس تفرّقوا فقط بسبب الإعتقاد "الدين"، ولم تفرّقهم خواصّهم كبشر.


عدد كبير من النواب السلفيين غابوا عن حضور جلسة البرلمان، بسبب الوقوف دقيقة حداد على روح البابا شنودة ، وخروج من كانوا موجودين منهم أثناء الحداد.

ذكر الله لنا هنا بأن سبب الإختلاف بيننا هو "الدين" وليس اللغة، والسبب أن اللغة هي وسيلة للتواصل - مهما كانت طبيعة وشكل هذه اللغة - والناس دائماً يبحثون عن أية وسيلة للتواصل ولو كان ذلك بإستخدام لغة الإشارة أو الرسومات أو الأشكال. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.

كذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نختلف في اللغة وأن نتفق في الإعتقاد.. فقد قال الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَ‌ٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}، وقال: { إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}؛ فنحن على إختلاف لغاتنا ولهجاتنا نلتقي ونتواصل، لكنّنا رغم اوامر التوحّد لنا من ربّنا فإنّنا ما زلنا نتفلسف في تفسيراتنا للدين ونبحث عن كل إختلاف بيننا حتى نجد مدعاة للتقاتل من أجل ذلك الإختلاف؛ وإلاّ لماذا قسّم الإسلام إلى هذه المذاهب والشيع والمدارس الفقهيّة التي تتناحر فيما بينها؟.

لو أن الذين ينصّبون من أنفسهم حماة للدين ومدافعين عنه تركوه لحاله، لكان الإسلام إنتشر في جميع أنحاء المعمورة، ولكان آمن به كل إنسان على وجه الأرض.

التناقض في سلوكيّاتنا

لا عيب في أن يختلف البشر فيما بينهم، لكن العيب في أن تتحوّل هذه الإختلافات إلى أسباب للتناحر. قال رسول الله فيما روي عنه: إن إختلاف أمّتي رحمة فيما بينهم... فهل تعلّمنا كيف نحوّل الإختلاف إلى رحمة؟.

نحن في أمسّ الحاجة لأن نتعلّم كيف نتحاور، وأن نتعلّم فن الإصغاء للغير إن كنّا بالفعل نبحث عن ذواتنا في أنفسنا.

المشكلة التي تعاني منها شعوب العالم الثالث – وليبيا من بينها – تكمن في تفشّي الأنانيّة وحب الذات... في تضخّم علّة الأنا وإنتشارها الكبير، فهذه العلّة برهنت على أنّها معدية وبشكل كبير، وهي وللأسف سريعة الإنتشار بين الناس في بلاد العالم المتخلّف؛ والسبب ربما يعود إلى إنحدار المستويات الإنسانيّة بداخلنا بما فيها القيم والأحاسيس.

ألا يوجد بيننا من يكذب ويصر على الكذب؟. ألا يوجد بيننا من يقسم بأغلظ الإيمان فإذا بنا نكتشفه يكذب في أبسط الأمور؟. ألا يوجد بيننا من يصوم ويصلّي... ثم يلتحي الرجل، وتتحجّب المرأة فإذا بنا نكتشف بأن كل ذلك كان بهدف جني ثمار دنيويّة؟.
كنت أتردّد على لحّام (جزّار) يبيع اللحم الحلال، وما أن تدخل محلّه حتى تتناهى إلى أسماعك كلمات الله من جهاز في محلّه يقرأ القرآن المجوّد تباعاً، وتجد على جدران محلّه أيات من القرآن أو صور الكعبة مما يوحي إليك بأنّه تقي وورع . كان ذلك هو الإحساس الذي إنتابني، وكان ذلك هو الإنطباع الذي إختمر في تفكيري عن صاحب هذا المحل في بادئ الأمر، إلى أن أكتشفت يوماً بأنّه كان قد عمل تغييراً في حاسبته الإليكترونيّة كي تضيف جنيهاً لكل معاملة بدون أن تشعر بها. حين تجمع الأرقام الموجودة على واصل المبايعة تجدها متطابقة تماماً لما يطلب منك دفعه، لكنّني إكتشفت الحيلة يوماً حين حسبت ما إشتريت فإكتشفت الخطأ وعندما واجهته أرجع لي جنيهاً بدون أدنى علامات التأسّف أو الإحساس بالذنب. 
الإسلاميّون (الإخوان، السلفيّون، والفصائل المتشدّدة الأخرى بما فيها الجماعة الليبيّة الإسلاميّة المقاتلة) كلّهم بدون إستثناء لا يؤمنون بالديموقراطيّة، ولا يعترفون بالدولة المدنيّة، ولا توجد صناديق الإقتراع في أدبيّاتهم لكنّنا نراهم الآن وهم يتسابقون على تشكيل الأحزاب، بل إنّنا نجدهم يبعدون كلمة "الإسلاميّة" من أسماء أحزابهم، كما نسمعهم يتحدّثون عن الدولة المدنيّة ويقولون صراحة بأنّهم من دعاة هذا الخط السياسي؛ ولكن حين فاز إخوان مصر نشاهدهم الآن وهم مازالوا في شهر العسل فإذا بهم بدأوا يعبثون بالأصول الديموقراطيّة رويداً رويداً، ووجدنا منهم السارق ( عضو حزب نور الذي سرق 100 جنيه مصري وطرد من الحزب على تلك الخلفيّة المخجلة !)، وسوف نكتشف كل خدعهم في المستقبل القريب حين يعمدون إلى تغيير الدستور بما يمكّنهم من إقامة "دولة الخلافة" التي يحلمون بها، وحينها سوف يصبح إلغاء جميع أسس الديموقراطيّة العصرية لزوم الواقع المستحدث.

علينا أن نكون على بيّنة من أمرنا، وأن لا يغفّلنا هؤلاء بأساليبهم المراوغة فهم شئنا أم أبينا، وسواء إعترفوا بها أو أنكروها ينتمون قلباً وفكراً إلى تنظيم الإخوان المسلمون الذي لا ينتمي إلى ليبيا، ولا يقر في أدبيّاته بإنتماء العضو لدولته القطريّة، وعلى عضو الجماعة أن يغلّب إنتمائه التنظيمي على إنتمائه الوطني ذلك لأن التنظيمات الإسلاميّة لا تؤمن بالدولة من حيث الأساس... خاصة إذا كانت هذه الدولة مدنيّة عصريّة تؤمن بالديموقراطيّة وتطبّقها.


في الجانب الآخر نحن نجد وللأسف من يسمّون أنفسهم بالثوّار وهم يتكالبون على جمع الهبات والهدايا بشكل جنوني. كذبوا ونافقوا وزوّفوا و"بلعطوا" من أجل الحصول على مزيد من المال... حبّاً في جمعه وتكديسه وليس بهدف التصدّق به على الفقراء والمحتاجين. يضاف إلى كل هذا تلك الأساليب الملتويّة التي يسلكها من يسمّون أنفسهم بالثوّار من أجل البقاء في مستشفيات خارج البلد من أجل الإثراء والتمتّع والتلذّد على حساب المتعذبين من الأسر الليبيّة التي مازالت تكابد من أجل تأمين لقمة العيش لأطفالهم. قال أحد الثوّار لزميل لي في بريطانيا بأنّه يرغب في البقاء هنا حتى يتمكّن من تحويل أكبر كميّة من العملة الصعبه ليبني بها نفسه حين يعود إلى ليبيا.

لآ أدري كيف تفكّرون.. لكنني بكل صدق أحس بالإمتعاض وبالمرارة حين أسمع أحد "الثوّار" وهو يهين شرف الثورة وكرامتها في مقابل حفنة من الدولارات. الثائر هو من يجود بحياته في سبيل مبادئه، ولا يثنيه مال الدنيا عن التنازل عن حبّه للحريّة والتحرّر.

هناك طائفة أخرى من الليبيّين هي بدورها تلعب على وتر التناقضات، وأنا أخاف كثيراً من هؤلاء لأنّهم يضمرون عكس ما يقولون. لديّ مثال جيّد لذلك النوع من البشر لكنّني وبكل وضوح لا أحمّل وزره على بقية من ينتمي إليهم، لكنّني فقط أدعو كل الليبيّين بأن يكونوا على بيّنة من أمرهم حتى لا نجد أنفسنا في مواجهة "أمازيغستان" في غرب بلادنا الحبيبة.

أثناء القتال بين زوارة من جهة ورقدالين والجميل من جهة ثانية.. عرضت بعض الصور من مدينة زوارة على قناة الجزيرة وفوجئت حين رأيت بأم عيني مركز الشرطة في زوارة وأمامه سيّارت الشرطة لتأكيد ذلك ومرفوعاً عليه علم "الأمازيغ" بدون العلم الوطني لبلادنا. أقولها بصدق عند تلك اللحظة مرت على مخيلتي لقطات لمشاهد من كردستان العراق فتلبّسني الخوف من أن نصبح في أحد الأيام على مشاهد مشابهة في غرب بلادنا.

أنا أعرف بأن أهلنا في زوارة هم أبناء وبنات ليبيا عندهم إنتماء عضوي للوطن، ولديهم حب سرمدي لليبيا كما عبّروا عنه في حرب التحرير ضد الطاغية القذّافي؛ لكن خوفي يأتي من بديهيّة إنتماء بعض الأمازيغ الليبيّين لخارج الوطن، وهؤلاء حدود ليبيا بالنسبة لهم لا تتوقّف عند رأس إجدير أو العسّة أو ذهيبة وإنّما تمتد إلى الأطلسي هناك حيث عاصمتهم كما يقولون في مرّاكش، أو مركز تجمّعهم في طنجة.


قال السيّد فتحي بن خليفة ( رئيس الكونجرس الأمازيغي العالمي) لقناة العربيّة أخيراً بأنّه حريص على وحدة ليبيا، وبأنّه "يناضل" من أجل نشر الديموقراطيّة في ليبيا بهدف إنشاء الدولة المدنيّة التي تحترم حقوق جميع مواطنيها. هذا الكلام رائع، ولا يختلف عن كلام أي ليبي آخر يحب ليبيا وينتمي إليها. السيّد فتحي بن خليفة نفسه شوهد في الجنوب بقرب سبها أثناء إحتدام القتال بين التبو وسكّان سبها وهو يحرّض التبو على تصعيد الحرب من "أجل نيل حرّيتهم" وأخذ يعدهم بالمزيد من المعونات من إخوانهم "الأمازيغ" في كل مكان في العالم.... شاهدو هذا الفيديو:  السيّد فتحي بن خليفة يحرّض التبو على العصيان

وسؤالي للأستاذ فتحي بن خليفة: هل أنت أمازيغي ليبي أم ليبي أمازيغي؟. بمعنى: لو نشب خصام بين الليبيين وأمازيغ الجزائر أو المغرب... مع من سوف تقف، ومن سوف تناصر؟.

وختاماً... اقول بأنّني عربي وأعتز بها، لكن إنتمائي هو لليبيا.. وليبيا فقط. لو حدث نزاع بين ليبيين من زوارة وبين عرب من تونس فإنّني والله سوف أقف مع إخوتي أمازيغ زوارة عن قناعة؟.

كما أقول أيضاً للسادة الليبيّين المنتمين للتنظيمات الإسلاميّة: إخوان (مصر)، سلفييّن(السعودية)، أو الجماعة الليبيّة المقاتلة (أفغانستان) أقول لهم جميعاً: أنا مسلم وأعتز بديني، لكن إنتمائي هو لله والله موجود حولي حيث ذهبت. الله معي وأنا في بلدي الحبيب ليبيا ومن ثمّ فلا يوجد لي إنتماء خارج حدود بلادي، ولا أتبع أية جهة لا تخضع للسيادة الليبيّة مهما كانت قوّتها أو جبروتها ومهما كان "جميلها" علي أو مهما كبر.

قضيت أكثر من نصف عمري في بريطانيا، وأحمل جواز سفر بريطاني؛ لكنّني أبداً ما نسيت حبّي لليبيا وما بدّلته إطلاقاً مع أنّني عشت بكل إحترام في هذا البلد، ولي وطيفة محترمة، وتقدير الإنجليز لعملي لا يمكنني أن أحصل عليه في ليبيا بلدي، ولا أذكر يوماً واحداً من سنوات إقامتي في هذا البلد بأن تعرض لي أي بريطاني بإهانة أو حتى نعتني بأنّني مهاجر أو نظر إلىّ أحد بنظرة فيها أي نوع من الإزدراء أو الكراهيّة؛ بل إنّني وأقولها بكل صدق أنال كل الإحترام والتقدير من جيراني( كلّهم إنجليز)، ومن الناس الذين أشتغل معهم سواء كانوا مرضى أو موظّفين أو زملاء. مع كل ذلك لم يحدث مطلقاً بأنّني غيّرت حبّي لليبيا، ولا غيرت ولائي بعيداً عن بلدي الحبيب. عشت هنا سعيداً هانئاً، لكن هموم بلادي بقيت معي لم تفارقني لا في نهاري ولا في ليلي، وسوف تبقى معي إلى أن أنتقل إلى رحمة ربّي. لماذا أنا أحب ليبيا؟. لأنّها بلدي وعنوان حياتي. لأنّها كرامتي، وقيمتي، وعشقي... وما تعنيه لي ليبيا الحبيبة هو أكثر من وصفه بالكلمات أو الأشعار. أنا أنتمي إلى ليبيا ولا أنتمي إلى عداها، وأتمنّى من كل ليبي وليبيّة ينتمون إلى ليبيا عن قناعة بأن يكون ولاءهم لليبيا... ولليبيا فقط. عندها سوف نقدر على السير قدماً بخطى ثابته، وبأهداف محدّدة.... وعندها سوف نبدأ في جني ثمار حبّنا لليبيا.

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

تجد من يرفض العلم اكتفاء بالدين والقرآن.. وتجد من يرفض الدين اكتفاء وعبادة للعلم المادي والوسائل المادية.

وكلا الاثنين سبب من أسباب النكبة الحضارية في المنطقة.. وكلاهما
لم يفهم المعنى الحقيقي للدين ولا المعنى الحقيقي للعلم.

محمّــــد بالحـــــاج يقول...

شكراً على التعليق. كلا الطرفين المذكورين أعلاه يقعان على الطرفين، وكل طرف منهما لا يمثّل أكثر من 5% من عموم الشعب الليبي.
الشعب الليبي في عمومه هو شعب وسطي مسالم يبحث عن لقمة العيش الشريفة ولا يهتم كثيراً بالأراء المتشدّدة مهما كانت مصادرها أو مباعثها.
ليبيا سوف يبنيها السواد الأعظم من أهلها، والمتشدّدون سوف يبقون متشدّدين؛ فمثل هؤلاء الناس قد يغيّروا جلدتهم لكنّهم أبداً سوف لن يغيّروا طبائعهم.
علينا أن نكون متفائلين بالمستقبل، وعلينا أن نحلم بغد مشرق إن شاء الله.